٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثقة لقيه -٣ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن شيخه هو أول من بدأ به في سماع الحديث، وفي سننه الكبرى، والصغرى، وأن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة، من التابعين، وأن عائشة من المكثرين
السبعة من الصحابة.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ) أي قدامه (ورجلاي في قبلته) جملة حالية من الفاعل، أي والحال أن رجليّ كائنتان في جهة قبلته (فإذا سجد) أي أراد أن يسجد (غمزني) أي جسني بيده، وذلك لمدها رجلها على محل سجوده (فقبضت رجلي) بصيغة التثنية مضافا إلى ياء المتكلم (فإذا قام) من السجود (بسطتهما) أي مددتهما إليه (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) جملة مستأنفة ذكرتها اعتذارا بأنها ما كانت تدري وقت سجوده ﷺ لعدم المصباح وقتئذ، وإلا لما احتاج إلى الغمز كل مرة، بل هي ضمت رجلها إليها وقت سجوده. أفاده السندي ج ١ ص ١٠٢.
قال الجامع: هذا الغمز والذي قبله غير الغمز المتقدم في الحديث السابق ١٦٦؛ لأن ذاك كان لتصلي الوتر، وهذا لتزيل رجليها عن مكان سجوده. والله أعلم.
стр. 1857
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا -١٦٨ - وفي الكبرى -١٥٦ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في الصلاة -٢٢/ ١ - عن إسماعيل بن أبي أويس، و-٥٣٠ - عن القعنبي، و-١٠٤ - عن عبد الله بن يوسف. و (م) في الصلاة -٥١/ ٦ - عن يحيى بن يحيى - أربعتهم عن مالك، عن سالم أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂. و (د) في الصلاة -١١٣/ ٤ - عن عاصم بن النضر، عن المعتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر عن سالم أبي النضر نحوه. أفاده المزي.
وأخرجه البيهقي في سننه ج ٢ ص ٢٦٤، وص ٢٧٦.
وبقية المسائل ستأتي آخر الباب إن شاء الله تعالى.
١٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَنُصَيْرُ بْنُ الْفَرَجِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: فَقَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَجَعَلْتُ أَطْلُبُهُ بِيَدِي، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: "أَعُوذُ
стр. 1858
بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ".
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (محمَّد بن عبد الله بن المبارك) المُخَرِّمي أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة بضع وخمسين ومائتين. تقدم في ٤٣/ ٥٠.
٢ - (نصير (١) بن الفرج (٢)) "نصير" الأسلمي -بفتح الهمزة والمهملة وتخفيف اللام- أبو حمزة الثغري (٣) -بالثاء المثلثة والغين المعجمة الساكنة- خادم أبي معاوية، الأسودُ الزاهد، ثقة من الحادية عشرة، مات سنة ٢٤٥. اهـ "ت".
روى عن حجاج بن محمَّد المصيصي، وأبي أسامة، وحسين بن علي الجعفي، ومعاذ بن هشام، وعمار بن بشر، وعبد الملك بن الصباح، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وغيرهم. وروى عنه أبو داود، والنسائي، وحرب بن إسماعيل، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأبو بكر بن أبي داود. قال النسائي: ثقة، وقال مسلمة: شامي ثقة. اهـ تت ج ١٠ ص ٤٣٤. انفرد به أبو داود، والمصنف.
٣ - (أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي ثقة ثبت ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، من كبار التاسعة، مات سنة ٢٠١، وهو ابن ٨٠، وتقدم في ٤٤/ ٥٢.
стр. 1859
٤ - (عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة ﵂ على الزهري عن عروة عنها، من الخامسة مات سنة- بضع وأربعين ومائة.
قال عمرو بن علي: ذكرت ليحيى بن سعيد قول ابن مهدي: إن مالكا أثبت في نافع عن عبيد الله، فغضب وقال: قال أبو حاتم عن أحمد: عبيد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: مالك أحب إليك عن نافع، أو عبيد الله؟ قال: كلاهما ولم يفضل، وقال جعفر الطيالسي: سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله عن القاسم عن عائشة الذهب المشتبك بالدرر، فقلت: هو أحب إليك، أو الزهري عن عروة، عن عائشة؟ قال: هو إلى أحب. وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحب إلى من مالك في حديث نافع، وقال عبد الله بن أحمد عن ابن معين: عبيد الله بن عمر من الثقات. وقال النسائي: ثقة، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. اهـ "تت" ج ٧ ص ٣٠ - ٤٠، أخرج له الجماعة.
٥ - (محمَّد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- ابن منقذ الأنصاري المدني ثقة فقيه من الرابعة، مات سنة ١٢١، وهو ابن ٧٤. وتقدم في ٢٢/ ٢٣.
٦ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم من الثالثة مات سنة ١١٧. وتقدم في ٥١/ ٦٣.
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
٨ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
стр. 1860
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سباعيات المصنف وأن رواته ثقات، وفيه رواية ثلاثة من التابعين: بعضهم عن بعض: عبيد الله ومحمد بن يحيى والأعرج، وفيه رواية صحابي عن صحابية، وأنهما من المكثرين السبعة.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂ أنها قالت: فقدت النبي ﷺ ) أي عَدمته، يقال: فقدته فقدًا من باب ضرب، وفقدانًا: عدمته، فهو مفقود وفَقيد، وافتقدته مثله، وتفقدته: طلبته. قاله في المصباح. ج ٢ ص ٤٧٨ (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي، فذات مقحمة زيدت للتأكيد، وقال الزمخشري هو من إضافة المسمى إلى الاسم (فجعلت أطلبه بيدي) وإنما طلبته لأنها ظنت أنه ذهب إلى بعض أزواجه، ففي رواية مسلم: قالت: "افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست، ثم رجعمشا، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فقلت بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي آخر" (فوقعت يدي على قدميه) ولمسلم: "على بطن قدميه"، وفيه دليل على أن مس المرأة الرجل لا ينقض الوضوء، إذ الظاهر أن هذا المس بدون حائل.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: استدل به من يقول: لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة ﵁ وآخرين، وقال مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى، والأكثرون: ينقض، واختلفوا في تفصيل ذلك، وأجيب عن هذا الحديث بأن الملموس لا ينتقض على قول الشافعي ﵀ وغيره، وعلى قول من قال: ينتقض وهو الراجح عند أصحابنا يحمل هذا اللمس على أنه كان فوق حائل فلا يضر. اهـ كلام النووي ﵀ ج ٤ ص ٢٠٣.
стр. 1861
قال الجامع: في هذا التأويل نظر لا يخفى، فالراجح المذهب الأول، كما سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
(وهما منصوبتان) جملة حالية من قدميه، أي والحال أن القدمين قائمتان (وهو ساجد) جملة حالية أيضا أي والحال أنه ﷺ ساجد في صلاة الليل، وفيه دليل على أن السنة في السجود نصب القدمين (يقول) جملة حالية، أو خبر بعد الخبر لـ"هو" (أعوذ) أي أعتصم وأتحصن، يقال: عاذ به يعوذ عَوذًا وعياذًا ومعاذًا: لاذ به، ولجأ إليه، واعتصم. اهـ لسان ج ٤ ص ٣١٦٢ (برضاك من سخطك) متعلقان بأعوذ أي ألجأ إليك متوسلًا برضاك من فعل يوجب سخطك علي.
والرضا بالكسر مقصورًا مصدر سماعي لرضي، والقياس بالفتح، والسخط بضم فسكون، وبفتحتين مصدر لسخط، الأول سماعي، والثاني قياسي، قال ابن مالك:
وَمَا أتَى مُخَالفًا لما مَضَى … فَبَابُهُ النَّقْلُ كَسُخْط وَرِضَى
وفيه إثبات صفة الرضا والسخط لله .
قال السيوطي في شرحه: قال ابن خاقان البغدادي: سمعت النقاد يقول: طلب الاستغاثة من الله نقص من التوكل. اهـ زهر.
قال الجامع: في هذا الكلام نظر لا يخفى، بل النقص في عدم الاستغاثة بالله، فليس التوكل ترك الأسباب، بل هو الأخذ بالأسباب ثم عدم الاعتماد عليها، ومن الأسباب الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى، فقد حث الله تعالى في كتابه عليه، وأرشد إليه النبي ﷺ قولا وفعلا، وهو سيد المتوكلين والله أعلم.
стр. 1862
وقال السندي ﵀: قوله: أعوذ برضاك: أي متوسلا برضاك من أن تسخط علي وتغضب. انتهى، وقيل: أي أسألك الرضا عوضا من السخط. أفاده السيوطي.
(و) أعوذ (بمعافاتك) مصدر عافاه، من العفو، وهو التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، وأصله: المحو والطمس، يقال: عَفَا يَعْفُو عَفْوًا فهو عَاف، وعَفُوّ، وقال ابن الأنباري في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾: محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار تعفو عفوا، لفظ اللازم والمتعدي سواء. أفاده في اللسان. ج ٤ ص ٣٠١٨ (من عقوبتك) أي تعذيبك.
قال القاضي عياض ﵀: رضى الله، وسخطه، ومعافاته، وعقوبته، من صفات كماله، فاستعاذ من المكروه منهما إلى المحبوب، ومن الشر إلى الخير.
وقال القرطبي ﵀: ثم ترقى عن الأفعال إلى منشىء الأفعال، فقال: (وأعوذ بك منك) مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق (١)، وهذا محض المعرفة الذي لا يعبر عنه قول، ولا يضبطه صفة، وقوله (لا أحصى ثناء عليك) أي لا أطيقه، أي لا، أنتهي إلى غايته ولا أحيط بمعرفته كما قال ﷺ في حديث الشفاعة: "فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن"، وروى مالك لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك، وإن اجتهدت في ذلك، والأول أولى، لما ذكرناه، ولقوله في الحديث (أنت
كما أثنيت على نفسك) ومعنى ذلك اعتراف بالعجز عند ما ظهر له من
стр. 1863
صفات جلاله، وكماله، وصمديته، وقدوسيته، وعظمته، وكبريائه، وجبروته ما لا يُنْتَهى إلى عدّه، ولا يُوصَل إلى حدّه، ولا يحمله عقل، ولا يحيط به فكر، وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهت معرفة الأنام. قاله في زهر ج ١ ص ١٠٣.
وقال السندي ﵀ في تفسير (أعوذ بك منك) الخ: ما حاصله: أي أعوذ بصفات جمالك عن صفات جلالك فهذا إجمال بعد شيء من التفصيل، وتعوذ بتوسل جميع صفات الجمال عن صفات الجلال، وإلا فالتعوذ من الذات مع قطع النظر عن شيء من الصفات لا يظهر، وقيل: هذا من باب مشاهدة الحق والغيبة عن الخلق وهذا محض المعرفة الذي لا يحيطه العباد (لا أحصي ثناء عليك) أي لا أستطيع فردا من ثنائك على شيء من نعمائك، وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب
تعالى. ومعنى (أنت كما أثنيت على نفسك) أي أنت الذي أثنيت على ذاتك ثناء يليق بك، فمن يقدر على أداء حق ثنائك؟، فالكاف زائدة والخطاب في عائد الموصول بملاحظة المعنى، نحو:
أنَا الذي سَمَّتْني أمِّي حَيْدَرَهْ
ويحتمل أن الكاف بمعنى "على" والعائد إلى الموصول محذوف أي أنت ثابت دائم على الأوصاف الجليلة التي أثنيت بها على نفسك، والجملة على الوجهين في موضع التعليل، وفيه إطلاق لفظ النفس على ذاته تعالى بلا مشاكلة، وقيل: أنت تأكيد للمجرور في "عليك"، فهو من استعارة المرفوع المنفصل موضع المجرور المتصل، إذ لا منفصل في المجرور، و"ما" في كما: مصدرية، والكاف بمعنى مثل صفة ثناء، ويحتمل أن تكون "ما" على هذا التقرير موصولة، أو موصوفة والتقدير
стр. 1864
مثل ثناء أثنيته، أو مثل الثناء الذي أثنيته على أن العائد المقدر ضمير المصدر، ونصبه على كونه مفعولا مطلقا، وإضافة المثل إلى المعرفة لا يضر في كونه صفة نكرة؛ لأنه متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بالإضافة، وقيل: أصله ثناؤك المستحق، كثنائك على نفسك، فحذف المضاف من المبتدإ، فصار الضمير المجرور مرفوعا. والله أعلم. أفاده السندي ج ١ ص ١٠٣ - ١٠٤.
وقال ابن الأثير في النهاية: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك" الحديث … وفي رواية بدأ بالمعافاة، ثم بالرضا، إنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء، والرضا والسخط من صفات الذات، وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات (١)، فبدأ بالأدنى مترقيا إلى الأعلى، ثم لما ازداد يقينا وارتقاء ترك الصفات، وقصر نظره على الذات، فقال (أعوذ بك منك)، ثم لما ازداد قربا، استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء فقال "لا أحصي ثناء عليك)، ثم علم أن ذلك قصور، فقال (أنت كما أثنيت على نفسك)، وأما على الرواية الأولى فإنما قدم الاستعاذة بالرضا على السخط لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا، وإنما ذكرها لأن دلالة الأولى عليها تضمن، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فكنى عنها أولًا، ثم صرح بها ثانيا، ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة، أو لاستيفاء حق الغير. اهـ ما في النهاية ج ٢ ص ٢٣٢.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
стр. 1865
المسألة الأولى. في درجته: حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف. أخرجه المصنف هنا ١٢٠/ ٤ عن محمد بن عبد الله بن البارك المخرّمي ونُصير بن الفرج كلاهما عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن
حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن عائشة ﵂. وأخرجه في الصلاة -٣٩٤ - وفي النعوت (في الكبرى) ٥/ ١ عن إسحاق بن إبراهيم عن عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م د ق) فأخرجه (م) في الصلاة -٤٢/ ٨ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة. وأخرجه (د) في الصلاة -١٥٣/ ٥ - عن محمد بن سليمان الأنباري، عن عبدة ابن سليمان، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان به. وأخرجه (ق) في الدعاء (٣/ ٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة الخ.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائده عدم نقض الوضوء بمس المرأة وقيده الصنف بما إذا كان بغير شهوة، ولكن لا دليل لهذا التقييد فالظاهر إطلاق الحكم.
ومنها: استحباب نصب القدمين في السجود.
ومنها: مشروعية قيام الليل.
ومنها: استحباب الدعاء في حالة السجود لأنها من مواطن الإجابة.
стр. 1866
ومنها: التعوذ من سخط الله وعقوبته.
ومئها: بيان عظمة الله تعالى وعجز الخلق عن أداء الثناء عليه. بل هو الذي يثني على نفسه، كما ينبغي له الثناء.
وسياتي بقية الكلام على مذاهب العلماء في حكم حديث الباب في الباب الآتى إن شاء الله تعالى.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1867
١٢١ - تَرْكُ الوُضُوء مِنَ القُبْلَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك الوضوء من أجل قبلة الرجل امرأته لعدم انتقاضه، ثم إن ظاهر كلامه يشمل ما إذا كان بشهوة، لأن القبلة لا تخلو عن الشهوة غالبًا، إلا أنه أعل الحديث بالإرسال كما ياتي، والصحيح أن الحديث صحيح، فعدم النقض مطلقا هو المذهب الأقوى دليلا، كما سنحققه بعد إن شاء الله تعالى.
١٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو رَوْقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّي، وَلَا يَتَوَضَّأُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَ كَانَ مُرْسَلًا. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: حَدِيثُ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ هَذَا، وَحَدِيثُ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
стр. 1868
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "تُصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ" لَا شَيْءَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة حافظ -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان أبو سعيد البصري ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد أبو عبد الله الثوري الحجة الثبت الفقيه -٧ - تقدم في ٨٩/ ١١١.
٤ - (أبو رَوْق) بفتح الراء، وسكون الواو بعدها قاف، عطية بن الحارث، الهمداني الكوفي، صاحب التفسير صدوق من الخامسة. اهـ "ت" ص ٢٤٠.
٥ - (إبراهيم التيمي) بن يزيد بن شريك، أبو أسماء الكوفي العابد ثقة، إلا أنه يرسل ويدلس، من الخامسة.
روى عن عائشة مرسلا، وأبيه وأنس وعمرو بن ميمون والحارث بن سويد وعنه الحكم بن عتيبة، والأعمش وغيره. وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ثقة مرجىء، وقال الأعمش: كان إذا سجد تجيء العصافير تنقر على ظهره، وقال لي: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب. مات سنة ٩٢، وقيل: ٩٤، وقيل قتله الحجاج. اهـ صة ج ١ ص ٥٩ أخرج له الجماعة.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
стр. 1869
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته ثقات، وأنهم ما بين بصريين، وهما محمد ويحيى، وكوفيين وهم الباقون، ما عدا عائشة ﵂ فمدنية، وهي من المكثرين السبعة.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن النبي ﷺ كان يقبل) من التقبيل، وهو اللَّثْمُ (بعض أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ) وفي رواية للدارقطني: "لقد كان نبي الله ﷺ يقبلني إذا خرج إلى الصلاة، وما يتوضأ" ج ١ ص ١٣٥. وفيه دلالة علي أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء وإليه ذهب علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وأبو حنيفة، وأصحابه. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي (ليس في هدا الباب) أي باب ترك الوضوء من القبلة (حديث أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلا) أي منقطعًا.
(تنبيه) قد اختلف العلماء في حد المرسل على ثلاثة أقوال: فقيل: ما رفعه التابعي مطلقًا، وقيل: ما رفعه التابعي الكبير، وقيل: ما سقط من سنده مطلقًا، أي سواء كان من أوله أو من آخره، أو بينهما راو واحد أو أكثر، فيشمل المنقطع، والمعضل، والمعلق، وجعل الأول السيوطي في الألفية هو المشهور حيث قال:
المُرْسَلُ المَرْفُوعُ بالتَّابع أوْ … ذي كبَر أوْ سَقْطُ رَاو قَدْ حَكَوْا
أشْهَرُهَا الأوَّلُ ..... البيت
والقول الثالث: هو المعروف عند الأصوليين والفقهاء، وبه قال جماعة من المحدثين. كالخطيب البغدادي والحاكم.
стр. 1870
قال الحافظ السخاوي ﵀: وممن صرح بنحوه من المحدثين الحاكم في مدخله، ولكن مشى في علومه بخلافه، وصرح به أيضا البغوي في شرح السنة، وأبو نعيم في مستخرجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ثم الدارقطني، ثم البيهقي، بل صرح البخاري في حديث لإبراهيم بن يزيد النخعي، عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل، لكون إبراهيم لم يسمع منه، وكذا صرح أبو داود في حديث لعون بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود بأنه مرسل لكونه لم يدركه، والترمذي في حديث لابن سيرين، عن حكيم بن حزام، ومشى عليه أبو داود في مراسيله، وغيرهم. اهـ كلام السخاوي في فتح المغيث ج ١ ص ١٣١.
قال الجامع: وممن أطلقه المصنف هنا، حيث قال: وإن كان مرسلا مع أن صحابيته ذكرت، وهي عائشة ﵂.
وسبب الإرسال كما قال أبو داود في السنن، عدم سماع إبراهيم التيمي من عائشة ﵂، وقال الترمذي: لا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا من عائشة. وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق: عطية بن الحارث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري، وأبي حنيفة، واختلف فيه، فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، ولا من حفصة،
ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده، واختلف عليه في لفظه، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: "إن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم"، وقال عنه غير عثمان: "إن النبي ﷺ كان يقبل، ولا يتوضأ"، ومعاوية هذا قد أخرج له مسلم في صحيحه،
стр. 1871
وبذلك زال انقطاع الحديث، على أن أبا روق ثقة لم يذكره أحد بجرح. قال ابن عبد البر: قال الكوفيون: هو ثقة ولم يذكره أحد بجرح. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن سفيان، وأحمد، والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات. أفاده في النهل ج ٢ ص ١٨٢ - ١٨٤ وغرض المصنف من هذا الكلام تضعيف حديث عائشة، ولكن الراجح أنه صحيح، كما سيأتي تحقيقه.
(وقد روى هذا الحديث) أي حديث عائشة ﵂ في القبلة (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبو محمد الكوفي (عن حبيب ابن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار، الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة ١١٩. اهـ "ت" ص ٦٣.
(عن عروة) لم ينسبه المصنف، ولا الترمذي أصلا، وقد نسبه ابن ماجه، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، فذكر الحديث، قال الحافظ الزيلعي: وكذلك رواه الدارقطني.، ورجال هذا السند كلهم ثقات. اهـ ج ١ ص ٧٢.
وقيل عروة هذا هو عروة المزني، قال أبو داود في السنن: حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالَقَاني، قال: ثنا عبد الرحمن، يعني بن مغراء، قال: حدثنا الأعمش، أنا أصحاب لنا عن عروة المزني، عن عائشة
بهذا. يعني حديث "قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت فضحكت.
وهكذا روى البيهقي هذا الحديث وضعفه، وقال: إنه يرجع إلى عروة المزني، وهو مجهول.
стр. 1872
وقد رد الحافظ الزيلعي على البيهقي تبعا لشيخه ابن التركماني في الجوهر النقي، فقال: قلنا: بل هو عروة بن الزبير، كما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، وأما سند أبي داود الذي قال فيه: عن عروة المزني فإنه من رواية عبد الرحمن بن مغراء، عن ناس مجاهيل، وعبد الرحمن مغراء متكلم فيه، قال ابن المديني: ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث تركناه، لم يكن بذاك، قال ابن عدي: والذي قاله ابن المديني هو كما قال، فإنه رَوى عن الأعمش أحاديث لا يتابعه عليها الثقات. وأما ما حكاه أبو داود عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب بن أبي ثابت إلا عن عروة المزني، فهذا لم يسنده أبو داود، بل قال عقبه: وقد روى حمزة الزيات عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحا، فهذا يدل على أن أبا داود لم يرض بما قاله الثوري، ويقدم هذا، لأنه مثبت والثوري ناف.
والحديث الذي أشار إليه أبو داود هو أنه ﵊ كان يقول: "اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري"، رواه الترمذي في الدعوات، وقال: غريب (١) وسمعت محمد بن إسماعيل يقول:
حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة شيئا، انتهى، وعلى تقدير صحة ما قاله البيهقي: إنه عروة المزني فيحتمل أن حبيبا سمعه من ابن الزبير، وسمعه من المزني أيضا، كما وقع ذلك في كثير من الأحاديث. والله أعلم. وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال: صححه الكوفيون، وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عر وة، لروايته عمن هو أكبر من عروة، وأقدم موتًا، وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة. انتهى. اهـ نصب الراية ج ١ ص ٧٢.
стр. 1873
قال الجامع: وسيأتي مزيد بسط على هذا إن شاء الله تعالى.
(عن عائشة) ﵂، (قال يحيى القطان) بن سعيد بن فروخ التميمي أبو سعيد البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة، مات سنة -١٩٨ - وله -٧٨ - سنة. (حديث حبيب عن عروة، عن عائشة، هدا) أي ما تقدم في عدم وضوء النبي ﷺ بعد التقبيل
(وحديث حبيب عن عروة عن عالشة: تصلي، وإن قطر الدم على الحصير لا شيء) يعني أنه ضعيف. وحديث المستحاضة أخرجه أبو داود في "باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر"، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فذكر خبرها، وقال: "ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة وصلي".
وإنما ضعف القطان هذين الحديثين لأن في سندهما عروة المزني وهو مجهول. وقد عرفت أن الصحيح أنه عروة بن الزبير، وإنما قال عروة المزني هو عبد الرحمن بن مغراء وهو متكلم فيه.
فالراجح أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا حديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٧٠ - وفي الكبرى -١٥٥ - بالسند المذكور
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن محمد بن بشار عن يحيى، وعبد الرحمن كلاهما عن سفيان، عن أبي روق به. وأما طريق الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، فقد
أخرجها أبو داود، وابن ماجه، كما تقدم قريبًا.
стр. 1874
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث عدم انتقاض الوضوء بلمس المرأة، وفيه ما كان عليه النبي ﷺ -من كريم الأخلاق، حيث إنه كان يلاطف أزواجه، ويعاشرهن بالمعروف.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء بلمس النساء:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
المذهب الأول: أنه لا ينقض مطلقا، وهو مروي عن علي (١) وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، ومسروق، وسفيان الثوري، وبه قال أبو حنيفة، لكنه قال: إذا باشرها دون الفرج، وانتشر فعليه الوضوء.
المذهب الثاني: أنه ينقض بلا حائل، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم، ومكحول، والشعبي، والنخعي، وعطاء بن السائب، والزهري، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، وربيعة، وسعيد بن عبد العزيز، وهي احدى الروايتين عن الأوزاعي، وبه يقول الشافعي.
المذهب الثالث: إن لمس بشهوة انتقض، وإلا فلا، وهو مروي عن الحكم، وحماد، ومالك، والليث، وإسحاق، ورواية عن الشعبي، والنخعي، وربيعة، والثوري. وهذا هو الذي ارتضاه المصنف، حيث
ترجم عليه في الباب السابق، وعن أحمد ثلاث روايات، كالمذاهب الثلاثة.
المذهب الرابع: إن لمس عمدا انتقض، وإلا فلا، وهو مذهب داود، وخالفه ابنه، فقال: لا ينقض بحال.
стр. 1875
المذهب الخامس: إن لمس بأعضاء الوضوء انتقض، وإلا فلا، حكاه صاحب الحاوي عن الأوزاعي، وحكي عنه أنه لا ينقض إلا اللمس باليد.
المذهب السادس: إن لمس بشهوة انتقض وإن لمس فوق حائل رقيق، حكي هذا عن ربيعة ومالك في رواية عنهما.
المذهب السابع: إن لمس من تحل له لم ينتقض , وإن لمس من تحرم عليه انتقض. حكاه ابن المنذر وصاحب الحاوي عن عطاء، وهذا خلاف ما حكاه الجمهور عنه.
قال النووي ﵀: ولا يصح هذا عنه إن شاء الله.
ذكر الحجج التي احتج بها المختلفون في هذه المسألة ومالها وما عليها وترجيح الراجح منها:
حجة من قال لا ينقض مطلقا , وهو الراجح
احتج من قال: لا ينقض مطلقا بحديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ -قَبَّلَ بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ". وعن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة "أن النبي ﷺ -كان يقبل بعد الوضوء ثم لا يعيد الوضوء". وبحديث عائشة المتقدم أن يدها وقعت على قدم النبي ﷺ وهو ساجد وهو حديث صحيح، وبالحديث المتفق على صحته أن النبي ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت زينب ﵄ فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها". رواه الشيخان. وبحديث عائشة في الصحيحين أن النبي ﷺ "كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجلها فقبضتها"، وفي رواية النسائي بإسناد صحيح "فإذا أراد أن يوتر مسني برجله". ذكر هذه الحجج النووي ﵀ في المجموع ج ٢ ص ٣١.
стр. 1876
رد القائلين بالنقض على هذه الأدلة
ردهم على حديث حبيب بن أبي ثابت:
قال النووي ﵀: وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث حبيب ابن أبي ثابت فمن وجهين: أحسنهما وأشهرهما أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ.
قال الجامع: في دعوى الاتفاق نظر لما سيأتي.
قال: ممن ضعفه سفيان الثوري، ويحى بن سعيد القطان، وأحمد ابن حنبل، وأبو داود، وأبو بكر النيسابوري، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر البيهقي، وآخرون من المتقدمين والمتأخرين. قال أحمد بن حنبل، وأبو بكر النيسابوري، وغيرهما: غلط حبيب من قبلة الصائم إلى القبلة فى الوضوء. وقال أبو داود: روى سفيان الثوري، أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني- يعني لا عن عروة بن الزبير، وعروة المزني مجهول، وإنما صح من حديث عائشة "أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم".
والجواب الثاني: لو صح لحمل على القبلة فوق حائل جمعًا بين الأدلة
مناقشة هذين الردين
قال الجامع: أما الجواب الثاني فهو أبعد الجوابين عن الصواب لا يحتاج إلى كبير مناقشة، لظهور ضعفه.
وأما الجواب الأول فقد قام برده المحققون من العلماء كالحافظ الزيلعي في نصب الراية، وأحسن من رأيت قام برده، وأجاد فيه هو العلامة أحمد محمد شاكر المصري ﵀ في تحقيقه على الترمذي، ودونك خلاصة ما كتبه:
стр. 1877
قال: بعد ذكر ما تقدم عن الثوري من أن حبيبًا لم يحدثهم إلا عن عروة المزني ما نصه: قال أبو داود: وقد رَوَى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثًا صحيحًا، والحديث الذي يشير إليه أبو داود، رواه الترمذي في الدعوات ٢/ ٢٦١ طبعة بولاق، و-٢/ ١٨٦ - طبعة الهند، وقال: هذ حديث حسن غريب. قال: سمعت محمدا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن
الزبير، شيئا، وهذا يدل أولا على أن عروة في هذا الإسناد هو عروة بن الزبير، كما صرح بذلك في رواية أحمد، وابن ماجه، خلافًا لمن وهم، فزعم أن عروة هنا هو عروة المزني، لما روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مغراء. قال: ثنا الأعمش قال: ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث. وهذا ضعيف لأن عبد الرحمن بن مغراء وإن كان من أهل الصدق إلا أن فيه ضعفًا، وقد أنكر عليه ابن المديني أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات، وقال الحاكم أبو أحمد: حدث بأحاديث لا يتابع عليها. وقد خالفه في روايته هنا الثقات من أصحاب الأعمش الحفاظ كما بينا في أسانيد الحديث، ويدل كلام أبي داود ثانيًا على أنه يرى صحة رواية حبيب، عن عروة بن الزبير، ويؤيده أن حبيب بن أبي ثابت لم يعرف بالتدليس، بل هو ثقة حجة، وقد أدرك كثيرًا من الصحابة وسمع منهم، كابن عمر، وابن عباس، وأنس، وابن عمر مات سنة -٧٤ - ، وابن عباس سنة -٦٨ - ، وهما أقدم وفاة من عروة، فقد توفى بعد التسعين، وحبيب مات سنة -١١٩ - وعمره -٧٣ - سنة أو أكثر.
وقال الزيلعي في نصب الراية: -١/ ٣٨ - : وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال: صححه الكوفيون وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة،
стр. 1878
لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتا. وقال في موضع آخر: لا شك أدرك عروة. انتهى.
وإنما صرح من صرح من العلماء بأنه لم يسمع هذا الحديث من عروة تقليدًا لسفيان الثوري، وموافقة للبخاري في مذهبه.
وقد تبين مما مضى أن سفيان أرسل الكلمة إرسالا من غير دليل يؤيده، وأن أبا داود خالفه وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة. والبخاري شرطه في الرواية معروف وهو شرط شديد خالفه فيه أكثر أهل العلم.
ومع كل هذا فإن حبيبًا لم ينفرد برواية هذا الحديث، وقد تابعه عليه هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير. فروى الدارقطني ص ٥٠: حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا حاجب بن سليمان، نا وكيع عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "قبل رسول الله ﷺ بعض نسائه، ثم صلى، ولم يتوضأ، ثم ضحكت". قال الدارقطني: تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه. والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: "أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم؟. وحاجب لم يكن له كتاب، وإنما يحدث من حفظه. وهذا إسناد صحمِح لا مطعن فيه. فإن النيسابوري إمام مشهور، وحاجب بن سليمان -المنبجي- بفتح الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة-: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه النسائي، وقال: ثقة، ولم يطعن فيه أحد من الأئمة إلا كلمة الدارقطني هذه،
وهو تحكم منه بلا دليل، وحكم على الراوي بالخطأ من غير حجة، فإن المعنيين مختلفان: بعض الرواة روى في قبلة الصائم، وبعضهم روى في قبلة المتوضىء، فهما حديثان مختلفان لا يُعَلُّ أحدهما بالآخر.
وقد تابع أبو أويس وكيعًا على روايته عن هشام، عن أبيه، فروى الدارقطني عن الحسين بن إسماعيل، عن علي بن عبد العزيز الوراق: نا
стр. 1879
عاصم بن علي، نا أبو أويس، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنها بلغها قول ابن عمر: في القبلة الوضوء: فقالت: "كان رسول ﷺ يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأ" ثم علله الدارقطني بعلة غريبة فقال: لا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز
أما علي بن عبد العزيز فهو الحافظ أبو الحسن البغوي شيخ الحرم ومصنف المسند، عاش بضعًا وتسعين سنة، ومات سنة ٢٨٦ - وهو ثقة حجة، وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وانظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٧٨ ومثل هذا يقبل منه ما تفرد بروايته، بل ينظر فيما يخالفه فيه غيره من الثقات، فلعله يكون أحفظ منهم، وأرجح رواية.
وأما عاصم بن علي الواسطي فإنه شيخ البخاري، قال أحمد: ما أصح حديثه عن شعبة، والمسعودي، وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين يقول: كل عاصم في الدنيا ضعيف؟ قال: ما أعلم في عاصم بن علي إلا خيرًا كان حديثه صحيحًا. انظر مقدمة الفتح -ص ٤١٠ طبعة بولاق- وقال الذهبي في الميزان: هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق، وقال أيضا: كان من أئمة السنة قوّالا بالحق، احتج به البخاري. ومات عاصم هذا سنة [٢٢١] وكان في عشر التسعين.
وأما أبو أويس فهو عبد الله بن عبد الله بن أويس، وهو ابن عم مالك ابن أنس وزوج أخته، وكان ثقة صدوقا، في حفظه شيء. قال ابن عبد البر: لا يحكي عنه أحد جرحة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يخالف في بعض حديثه. وهو هنا لم يخالف أحدًا، وإنما وافق وكيعًا في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه فرواه عنه مثله، ووافقه أيضًا في أن الحديث عن عروة: وكيعٌ عن حبيب بن أبي ثابت.
стр. 1880
وقد جاء الحديث بإسناد آخر صحيح عن عائشة، قال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ١٢٥ قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل ابن يعقوب بن صبيح، حدثنا محمد بن موسى بن أعين، حدثنا أبي، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة: أنه ﵇ "كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ". وعبد الكريم: روى عنه مالك في الموطأ، وأخرج له الشيخان، وغيرهما ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم. وموسى بن أعين: مشهور، وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم، وأخرج له مسلم. وابنه: مشهور، روى له البخاري.
وإسماعيل: روى عنه النسائي، ووثقه أبو عوانة الإسفرايني، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم. وقال عبد الحق: بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء لأنه غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره. وانظر أيضا نصب الراية، للزيلعى- ١: ٣٨ - فقد نقل هذا الكلام كله نصًا.
وهذا هو التحقيق الصحيح في تعليل الأحاديث من غير عصبية لمذهب، ولا تقليد لأحد. اهـ خلاصة ما كتبه العلامة أحمد شاكر ﵀. وهو في غاية التحقيق والتدقيق.
وقال في المنهل: وقد جاء لحديث عائشة طرق جيدة سوى ما مر من رواية حبيب عن عروة
منها ما رواه البزار في مسنده، فذكر ما تقدم في كلام أحمد شاكر.
ومنها ما رواه الدارقطني من طريق سعيد بن بشير قال: حدثني منصور
стр. 1881
ابن زاذان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: "لقد كان رسول الله ﷺ يقبلني إذا خرج إلى الصلاة ولا يتوضأ" وقال: تفرد به سعيد بن بشير، عن منصور، ولم يتابع عليه وليس بقوي اهـ. ورد بأن ابن الجوزي قال فيه: وثقه شعبة، ودحيم وأخرج له الحاكم في المستدرك. وقال ابن عدي: لا أرى بما يروي سعيد بأسًا. والغالب عليه الصدق. اهـ وأقل أحوال مثل هذا أن يستشهد به.
ومنها ما رواه أيضا من طريق ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "لا تعاد الصلاة من القبلة كان النبي ﷺ يقبل بعض نسائه ويصلي ولا يتوضأ"، ولم يعله بشيء سوى أن منصورا خالف الزهري.
ومنها ما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده قال: أخبرنا بقية بن الوليد، قال: حدثني عبد الملك بن محمد، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن رسول الله ﷺ قبلها وهو صائم وقال: إن القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم، وقال يا حميراء إن في ديننا لسعة". اهـ
المنهل ج ٢، ص-١٨٩ - ١٩٠.
ردهم على حديث أبي روق
قال النووي ﵀: والجواب عن حديث أبي روق بوجهين:
احداها: ضعف أبي روق، ضعفه يحيى بن معين (١) وغيره.
والثاني: أن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، هكذا ذكره الحفاظ: منهم أبو داود وآخرون، وحكاه عنهم البيهقي فتبين أن الحديث ضعيف مرسل، قال البيهقي: وقد روينا سائر ما روي في هذا الباب في
стр. 1882
الخلافيات وبينا ضعفها، فالحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها. اهـ كلام النووي في المجموع ج ١ ص ٣٣.
وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق: عطية ابن الحارث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري، عن أبي روق عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، فوصل إسناده، واختلف عليه في لفظه، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: "إن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم" وقال غير عثمان "إن النبي ﷺ -كان يقبل ولا يتوضأ". اهـ ج ١ ص ١٤١.
الجواب عن هذا الرد
قال الجامع: أما تضعيفه بسبب أبي روق فهو غير صحيح فما ضعفه أحد: قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم صدوق، وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: هو ثقة لم يذكره
أحد بجرح، وذكره ابن حبان في الثقات. وأما الإرسال فقد تقدم الكلام فيه، على أن المرسل حجة عند الأئمة الثلاثة في المشهور عن أحمد مطلقا، وحجة عند الشافعي إذا اعتضد، إما بمسند، أو بمرسل آخر، أو قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم. وهنا قد اعتضد بكليات وجزئيات الأحاديث المتقدمة، وأما قوله: فالحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم الخ: فهذا تضعيف للرواة من غير دليل ظاهر، والمعنيان مختلفان، فلا يعل أحدهما بالآخر. كما حققه الحافظ الزيلعي
стр. 1883
رحمه الله، والحاصل أن حديث أبي روق صالح للاحتجاج به، والله أعلم.
ردهم على حديث حمل أمامة
قال النووي ﵀: والجواب عن حديث حمل أمامة في الصلاة ورفعها ووضعها من أوجه أظهرها أنه لا يلزم من ذلك التقاء البشرتين، والثاني: أنها صغيرة لا تنقض الوضوء.، والثالث: أنها محرم.
الجواب عن هذا الرد
قال الجامع: أما قوله: لا يلزم من ذلك التقاء البشرتين: فهو خلاف الظاهر، وأما دعوى أنها كانت صغير ة أو محرما فغير مقبول لأن احتجاجهم على النقض بقوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ والآية إذا
حملت على اللمس باليد فهي مطلقة في النساء كلهم.
ردهم على حديث عائشة في مس يدها لقدم النبي ص وهو ساجد ونحو ذلك
قال النووي ﵀: والجواب عن حديث عائشة في وقوع يدها على بطن قدم النبي ﷺ : أنه يحتمل كونه فوق حائل، والجواب عن حديثها الآخر أنه لمس من وراء الحائل، وهذا هو الظاهر فيمن هو نائم في فراش.
الرد على هذا الجواب
قال الجامع: قد رد هذا الجواب العلامة الشوكاني في نيله ج ١ ص ٢٩٥ فقال: والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لبطن قدم النبي ﷺ بأنه يحتمل أن يكون بحائل، أو على أن ذلك خاص به ﷺ تكلف، ومخالفة للظاهر. اهـ.
стр. 1884
وقال العلامة ابن شاكر: ما حاصله: إن التعقب باحتمال الحائل، أو بالخصوصية، لا قيمة له، بل هو باطل، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا متعصب. اهـ.
حجة من قال بالنقض
قال العلامة الشوكاني ﵀: ما حاصله: قال الأولون -يعني القائلين بالنقض-: الآية صرحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمس اليد، ويؤيده بقاءه على معناه الحقيقي قراءة -أو لمستم- فإنها ظاهره في مجرد اللمس من دون الجماع.
قال الَاخرون -يعني القائلين بعدم النقض-: يجب المصير إلى المجاز وهو أن اللمس مراد به الجماع لوجود القرينة، وهي حديث عائشة الذي في التقبيل، وفي لمسها لبطن قدمه ﷺ .
وأما جوابهم عن الحديث الأول بالضعف: فغير صحيح لما تقدم من صحته.
وكذا دعوى الخصوصية أو وجود حائل لما تقدم من أنه تكلف، وغير ظاهر.
قالوا: أمر النبي (١) ﷺ رجلا قال: "يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ قال: فأنزل الله هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية: فقال له النبي ﷺ : توضأ ثم صل رواه أحمد والدارقطني، وفيه انقطاع، وأصله في الصحيحين بدون الأمر بالوضوء والصلاة.
стр. 1885
وصرح ابن عمر بأن "من قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء" رواه مالك والشافعي، ورواه البيهقي عن ابن مسعود بلفظ "القبلة من اللمس، وفيها الوضوء، واللمس ما دون الجماع". واستدل الحاكم على أن المراد باللمس ما دون الجماع بحديث عائشة ﵂ "ما كان، أو قل يوم، إلا وكان رسول الله ﷺ يأتينا، فيقبل، ويلمس" الحديث واستدل البيهقي بحديث أبي هريرة ﵁: "اليد زناها اللمس"، وفي قصة ماعز: "لعلك قبلت، أو لمست"، وبحديث عمر: "القبلة من اللمس، فتوضئوا منها".
ويجاب عن ذلك بأن أمر النبي ﷺ للسائل بالوضوء يحتمل أن يكون لأجل المعصية. وقد ورد أن الوضوء من مكفرات الذنوب، أو لأن الحالة التي وصفها مظنة خروج المذي أو هو طلب لشرط الصلاة المذكورة في الآية من غير نظر الى انتقاض الوضوء وعدمه، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
قال الجامع: قد تقدم أن الحديث فيه انقطاع، وأيضا فلم يثبت أنه كان متوضأ قبل ذلك، حتى يستدل به على انتقاض الوضوء باللمس. فتبصر.
وأما ما روي عن ابن عمر، وابن مسعود ﵄، وما ذكره الحاكم، والبيهقي، فنحن لا ننكر صحة إطلاق اللمس على الجس باليد، بل هو المعنى الحقيقي، ولكن ندعي أن المقام محفوف بقرائن
توجب المصير إلى المجاز. وأما قولهم بأن القبلة فيها الوضوء فلا حجة في قول الصحابي، لاسيما، إذا وقع معارضا لما ورد عن الشارع. وقد صرح البحر ابن عباس الذي علمه الله تأويل كتابه، واستجاب فيه دعوة رسوله ﷺ بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع، وقد تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزية.
стр. 1886
ويؤيد ذلك قول أكثر أهل العلم: إن المراد بقولة بعض الأعراب للنبي ﷺ : "إن امرأته لا ترد يد لامس" الكناية عن كونها زانية، ولهذا قال له ﷺ : "طلقها". انتهى كلام الشوكاني ﵀ بزيادة، وهو كلام حسن جدًا.
وقد كتب العلامة ابن رشد ﵀ في بدايته: بعد ذكر اختلاف القولين في تأويل الآية ما نصه: والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين بالسواء أو قريبًا من السواء - الا أنه أظهر في الجماع وإن كان مجازًا لأن الله تعالى قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع، وهما في معنى اللمس، وعلى هذا التأويل في الآية يحتج بها في إجازة التيمم للجنب دون تقدير تقديم فيها ولا تأخير، وترفع المعارضة التي بين الآثار والآية على التأويل الآخر -يريد ابن رشد بالآثار هنا حديث عائشة في القبلة- قال: وأما من فهم من الآية اللمسين معا فضعيف، فإن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحدًا من المعاني التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها. وهذا بين بنفسه في
كلامهم. اهـ بداية المجتهد ج ١ ص ٣٨ - ٣٩.
قال العلامة ابن شاكر: وهذا الذي قاله ابن رشد تحقيق دقيق، وبحث واضح، نفيس، فإن سياق الآيتين لا يدل إلا على أن المراد المعنى المكني عنه فقط. وكذلك قال الطبري في التفسير بعد حكاية القولين: وأولى القولين بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبل بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ. وقد أشبع الكلام في هذا العلامة أحمد شاكر، فيما كتبه على الترمذي، كما قدمناه، فارجع إليه فإنه نفيس جدا ج ١ ص ١٤١.
стр. 1887
والحاصل أن الراجح في تفسير الآية هو الجماع. والله أعلم.
(تنبيه) قال الشافعي ﵀: روى معبد بن نباتة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ : "أنه كان يقبل ولا يتوضأ" وقال: ولا أعرف حال معبد، فإن كان ثقة فالحجة فيما روي عن النبى ﷺ .
قال العلامة ابن شاكر ﵀: لم أجده -يعني هذا الحديث- بعد طول البحث والتتبع، وكذلك لم أجد ترجمة لمعبد هذا. ذكره في تعليقه على الترمذي ج ١ ص ١٤٢.
وقد ذكر الإمام النووي ﵀ ما احتج به أصحاب الأقوال الباقية من الأدلة في المجموع ج ٢ ص ٣٣.
وتركت ذكرها هنا لعدم جدواها، لأنها محجوجة بالأحاديث الدالة على عدم النقض مطلقا، فالراجح المعول عليه هو القول الأول وهو عدم النقض. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1888
١٢٢ - بَابُ الوُضُوءِ مماَّ غيَّرَتِ النَّارُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على إيجاب الوضوء الشرعي من أكل ما غيرته النار عن طبيعته بإنضاجها.
١٧١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا (١) إِسْمَاعِيِلُ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِظٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ".
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه ثقة حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية البصري ثقة حافظ -٨ - تقدم في -١٨/ ١٩ - .
٣ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني ثقة -٩ - تقدم في ٦١/ ٧٧.
٤ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة -٧ - تقدم في ١٠/ ١٠.
٥ - (الزهرى) محمد بن مسلم أبو بكر المدني ثقة حافظ حجة رأس -٤ - تقدم في -١ - .
стр. 1889
٦ - (عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين، أبو حفص المدني الدمشقي، أمه أم عاصم بن عمر بن الخطاب، ولد سنة -٦٣ - وقيل: -٦١ - ، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا له فقه وورع، روى حديثا كثيرا، وكان إمام عدل، شج في وجهه وهو صغير فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد، وضمه إلى صالح بن كيسان يعلمه، فلما حج أتاه فسأله عنه، فقال: ما علمت أحدا، الله أعظم في صدره من هذا الغلام، ونشأ بالمدينة، فتأدب بعبيد الله بن عبد الله، وأمثاله، لأن أباه بعث به إلى المدنية ليتأدب بآداب فقهائها، فكان بعض الناس يقول: بعث إلينا هذا الفاسق بابنه، وزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفة، ويسير بسيرة عمر، فما مات حتى رأى ذلك، وكان سعيد بن المسيب لا يأتي أميرا غيره، وكان أنس يقول: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى، ولي الخلافة سنة -٩٩ - بعد موت سليمان، بعهد منه، ومات سنة -١٠١ - ، وفضائله كثيرة مشهورة ﵁. اهـ "تت" باختصار ج ٧ ص ٤٧٥ - ٤٧٨. روى له الجماعة. وفي "ت": من الرابعة مات في رجب سنة -١٠١ وله -٤٠ - سنة ومدة خلافته سنتان ونصف.
٧ - (إبراهيم بن عبد الله بن قارظ) بقاف وظاء معجمة، وقيل: هو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، ووهم من زعم أنهما اثنان، صدوق من الثالثة. اهـ ت ص ٣١.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن يونس: قدم مصر زمن عمر ابن عبد العزيز، وجعل ابن أبي حاتم إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ ترجمتين، والحق أنهما واحد،
والاختلاف فيه على الزهري، وغيره، وقال ابن معين: كان الزهري
стр. 1890
يغلط فيه انتهى، وفي تاريخ البخاري ما معناه: روى معمر، وابن جريج، وعبد الجبار، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ -يعني عن أبي سلمة- وتابعه يحيى بن أبي كثير، ووافقهم ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن إبراهيم بن قارظ، وكذا قال سعيد، وإبراهيم ابن سعد، عن سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم ابن عبد الله بن قارظ، وتابعهم محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وقال عُقيل، ويونس عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وكذا قال يحيى ابن سعيد الأنصاري، عن أبي صالح السمان، عن عبد الله بن إبراهيم، وتابعه عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل: سمع عبد الله بن إبراهيم بن قارظ. اهـ تت ج ١ ص ١٣٤ - ١٣٥. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنف.
٨ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، غير إبراهيم بن قارظ، فصدوق، وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم إلا إبراهيم فأخرج له البخاري في الأدب المفرد، ولم يخرج له ابن ماجه أصلا، وأنهم ما بين بصريين وهما إسماعيل، ومعمر، ومدنيين، وهم الزهري، وعمر، وأبو هريرة، وصنعاني وهو عبد الرزاق، وكذا معمر فإنه نزلها أيضا، وحجازي وهو إبراهيم كما نسبه ابن حبان في الثقات وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض، وهم الزهري، وعمر، وإبراهيم، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
стр. 1891
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ ) حال كونه (يقول. توضئوا مما مست النار) أي من أجل أكل ما مسته النار وفي الروايات الأتية "مما أنضجت النار"، و"مما غيرت النار"، فيستفاد منها أن مجرد المس لا يتوضأ منه.
(وما) موصولة وجملة (مست) صلتها بتقدير عائد محذوف لكونه فضلة، أي مسته. واستدل به القائلون بوجوب الوضوء مما غيرت النار، وهو مذهب طائفة من العلماء: منهم عمر بن عبد العزيز،
والحسن البصري، والزهري، وأبو قلابة، وأبو مجلز لاحق بن حميد.
وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، قالوا: إن أحاديث الوجوب منسوخة بحديث جابر الآتي، وغيره، وسياتي تحقيق القول في ذلك في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه من هذا الكتاب: أخرجه المصنف في هذا الباب ١٧١، ١٧٢، ١٧٣.
المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، من طريق الأغر بلفظ "مما أنضجت النار"، وأخرجه الترمذي من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة بلفظ "مما مست النار" وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن علية، كرواية الصنف، وأخرجه عبد الرزاق، عن معمر به، وأخرجه ابن حبان من وجهين، عن عمر بن عبد العزيز. قاله بعض المحققين وبقية المسائل تأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
стр. 1892
١٧٢ - أَخْبَرَنَا (١) هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ حَرْبٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَارِظٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (هشام بن عبد الملك) بن عمران اليَزَني -بفتح التحتانية والزاي ثم نون - أبو تَقيّ -بفتح المثناة وكسر القاف- الحمصي، صدوق، ربما وهم، من العاشرة، مات سنة ٢٥١.اهـ "ت".
روى عن بقية، وإسماعيل بن عياش، وعبد الله بن عبد الجبار الخبائري، وسعيد بن مسلمة، ومحمد بن حرب الأبرش، ومحمد بن حميد القضاعي، وعدة.
روى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وحفيده الحسين بن تقي ابن أبي تقي وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عوف الطائي، ويعقوب بن سفيان، وبقي بن مخلد، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، ومحمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي، والحسن بن سفيان، وأبو بكر ابن أبي داود، وأبو بكر الباغندي، وأبو عروبة، وأحمد بن عمرو بن جُوصَاء، وآخرون.
وقال أبو حاتم: كان متقنا في الحديث، وقال الآجري عن أبي داود:
стр. 1893
شيخ ضعيف، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ "تت" ج ١١،ص ٤٥، أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٢ - (محمد بن حرب) الخولاني الحمصي الأبرش -بالمعجمة-، أبو عبد الله كاتب محمد بن الوليد الزبيدي، روى عن الزبيدي، والأوزاعي، وابن جريج، ومحمد بن زياد الألهاني، وعبد الله بن عمر العمري، وغيرهم. وعنه أبو مسهر، وخالد بن خلي، وحيوة بن شريح، وعيسى بن المنذر الحمصي، وإسحاق بن راهويه، وآخرون. وثقه ابن معين، وعن أحمد: لا بأس به، ووثقه العجلي، ومحمد بن عوف، والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة -٩٢ - وقيل: ١٩٤. أخرج له الجماعة.
٣ - (الزييدي) محمد بن الوليد بن عامر الحمصي ثقة ثبت -٧ - ، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم ثقة حجة -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عمر بن عبد العريز)، تقدم في السند السابق.
٦ - (عبد الله بن قارظ) هو إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، تقدم أنهم اختلفوا في اسمه في السند السابق. ١٧١
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سباعيته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا هشاما فصدوق، ومثله عبد الله بن قارظ، وأن هشاما أخرج له (د س ق) فقط، وعبد الله أخرج له كلهم إلا (خ) فأخرج له في الأدب الفرد، ولم يخرج له ابن ماجه أصلا، والباقون اتفقوا على التخريج لهم، وتقدم بعض اللطائف في ١٧١. والله تعالى أعلم.
стр. 1894
شرح الحديث
قال أبو هريرة ﵁ (سمعت رسول الله ﷺ قول: توضئوا من) أكل (ما مست النار) "ما" موصولة، وجملة "مست النار" صلتها والعائد محذوف، كما قال ابن مالك:
والحَذْفُ عنْدَهُمْ كَثيرٌ مُنْجَلي
في عَائد مُتَّصلٍ إِن انْتَصَبْ … بفعْل أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
ومس: من باب تعب، وقتل، يقال: مس الماء الجسد مسا: أصابه، ويتعدى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مسست الجسد بماء، وأمسست الجسد ماء. أفاده في المصباح.
(تنبيه) المسائل المتعلقة بهذا الحديث بعضها تقدم، وبعضها يأتي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
١٧٣ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ -وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ- قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَكَلْتُ أَثْوَارَ أَقِطٍ، فَتَوَضَّأْتُ مِنْهَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
стр. 1895
رجال هذا الإسناد: تسعة
١ - (الرييع بن سليمان) بن داود الجيزي (١) أبو محمد الأزدي مولاهم المصري الأعرج. روى عن ابن وهب، وعبد الله بن عبد الحكم، والشافعي، وأبي الأسود النضر بن عبد الحميد، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وابن أبي داود، والطحاوي، وأبو بكر الباغندي، وغيرهم.
قال ابن يونس: كان ثقة. توفى يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي الحجة، سنة -٢٥٦ - ، وقال الخطيب كان ثقة. وقال النسائي في أسماء شيوخه: لا بأس به، وقال مسلمة بن قاسم: كان رجلا صالحا، كثير الحديث مأمونا، ثقة، أخبرنا عنه غير واحد، وقال أبو عمر الكندي في الموالي: كان فقيها دينا. وُلدَ بعد الثمانين ومائة. اهـ تت ج ١ ص ٢٤٥ أخرج له أبو داود، والمصنف.
٢ - (إسحاق بن بكر بن مضر) بن محمد بن حكيم بن سلمان المصري أبو يعقوب. روى عن أبيه. وعنه الربيع الجيزي، وعبد الرحمن، ومحمد ابنا عبد الله بن عبد الحكم، وموسى بن قريش، وأبو حاتم
الرازي. وقال. لا بأس به، كان عنده دُرْج (٢) عن أبيه. وقال ابن يونس: كان فقيها مفتيا، وكان يجلس في حلقة الليث، ويفتي بقوله، وكان ثقة، توفى سنة -٢١٨ - ، وذكر يحيى بن عثمان بن صالح أن مولده سنة -١٤٢ - ، وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ تت ج ١ ص ٢٢٩ أخرج له مسلم، والمصنف.
٣ - (بكر بن مضر) بن محمد بن حكيم بن سلمان أبو محمد، وقيل: أبو عبد الملك المصري مولى ربيعة بن شرحبيل. روى عن جعفر