١٢٣ - بَابُ تَرْكِ الوُضُوءِ مِماَّ غَيَّرتِ النَّارُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما غيرته النار لكونه منسوخًا.
١٨٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفًا، فَجَاءَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الحجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي أبو عبد الله المدني الصادق، وأمه أم فَرْوَة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فلذلك كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين. صدوق إمام فقيه [٦].
روى عن أبيه، ومحمد بن المنكدر وعبيد الله بن أبي رافع، وعطاء، وعروة، وجده لأمه القاسم بن محمد، ونافع، والزهري، ومسلم بن أبي مريم. وعنه شعبة، والسفيانان، ومالك، وابن جريج، وأبو حنيفة،
стр. 1927
وابنه موسى، ووهيب بن خالد، والقطان، وأبو عاصم، وخلق كثير. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من أقرانه ويزيد بن الهاد، ومات قبله.
قال الدراوردي: لم يرو مالك عن جعفر حتى ظهر أمر بني العباس، وقال مصعب الزبيري: كان مالك لا يروي عنه حتى يضمه إلى آخر، وقال ابن المديني: سئل يحيى بن سعيد عنه؟ فقال: في نفسي منه شيء، ومُجالد أحب إلي منه، قال: أملى عليَّ جعفر الحديث الطويل -يعني في الحج-.
وقال إسحاق بن حكيم، عن يحيى بن سعيد: ما كان كذوبا، وقال سعيد بن أبي مريم: قيل لأبي بكر بن عياش: مالك لم تسمع من جعفر، وقد أدركته؟ قال: سألناه عما يحدث به من الأحاديث أشيء سمعته؟ قال: لا، ولكنها رواية رويناها عن آبائنا، وقال إسحاق بن راهويه: قلت للشافعي: كيف جعفر بن محمد عندك؟ فقال: ثقة في مناظرة جرت بينهما.
وقال الدُّوريّ عن يحيى بن معين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي خيثمة وغيره عنه: ثقة، وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم عن يحيى: كنت لا أسأل يحيى بن سعيد عن حديثه، فقال لي: لم لا تسألني عن حديث
جعفر بن محمد؟ قلت: لا أريده، فقال لي: إنه يحفظ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال ابن عدي: ولجعفر أحاديث، ونسخ من ثقات الناس كما قال يحيى بن معين، وقال عمرو ابن أبي المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين، وقال علي بن الجعد، عن زهير بن معاوية: قال أبي لجعفر بن محمد: إن لي جارًا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر، فقال جعفر:
стр. 1928
برىء الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر.
وقال حفص بن غياث: سمعت جعفر بن محمد يقول: ما أرجو من شفاعة علي شيئا إلا وأرجوا من شفاعة أبي بكر مثله. قال الجعابي وغيره: ولد سنة ٨٠، وقال خليفة وغير واحد: مات سنة -٤٨ - .
وقال ابن سعد: كان كئير الحديث ولا يحتج بحديثه ويستضعف. وسئل مرة: سمعت هذه الأحاديث من أبيك؟ فقال: نعم، وسئل مرة؟ فقال: إنما وجدتها في كتبه.
قال الحافظ: يحتمل أن يكون السؤالان وقعًا عن أحاديث مختلفة فذكر فيما سمعه أنه سمعه، وفيما لم يسمعه أنه وجده، وهذا يدل على تثبته. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه، وقد اعتبرت حديث الثقات عنه فرأيت أحاديث مستقيمة، ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات، ومن المحال أن يلصق به ما جناه غيره.
وقال الساجي: كان صدوقا مأمونا إذا حدث عنه الثقات فحديثه
مستقيم. قال أبو موسى: كان عبد الرحمن بن مهدي: لا يحدث عن سفيان عنه، وكان يحيى بن سعيد يحدث عنه، وقال النسائي في الجرح والتعديل: ثقة، وقال مالك: اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصل، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث إلا على طهارة. اهـ تت ج ٢ ص ١٠٣ - ١٠٥، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة.
٤ - (محمد بن علي) بن الحسين الباقر الثقة -٤ - تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٥ - (علي بن الحسين) زين العابدين الثقة -٣ - تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٦ - (زينب بنت أم سلمة) هي بنت أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد
стр. 1929
ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها بَرَّة فسماها رسول الله ﷺ زينب.
روت عن النبي ﷺ ، وعن أمها، وعائشة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، بنت أبي سفيان أمهات المؤمنين، وعن حبيبة. روى عنها ابنها أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحميد بن نافع المدني، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وكليب بن وائل وعلي بن الحسين، وأبو قلابة الجرمي، وآخرون. ماتت في ولاية طارق على المدينة سنة ٧٣ - ، وحضر ابن عمر جنازتها.
قال الحافظ: قوله: إنها ولدت بأرض الحبشة قاله الواقدي، وفيه نظر، ففي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح ما يرده، ويدل على أن أمها لما تزوجت النبي ﷺ بعد موت أبي سلمة كانت زينب ما فطمت بعدُ، وقال العجلي: تابعية مدنية، وقال ابن سعد: كانت أسماء بنت أبي
بكر أرضعتها فهى أحب أولادها من الرضاعة، وقال بكر بن عبد الله المزني: أخبرني أبو رافع قال: كنت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب بنت أبي سلمة، وقال سليمان التيمي عن أبي رافع:
غضبت على امرأتي فذكر قصة فيها، فقالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة. اهـ تت ج ١٢ ص ٤٢١ - ٤٢٢ أخرج لها الجماعة.
٧ - (أم سلمة) ﵂ يأتي ترجمتها في السند التالي (١).
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات اتفق الأئمة بإخراج أحاديثهم في الأصول غير جعفر فأخرج له (خ) في الأدب المفرد، وأنهم
стр. 1930
ما بين بصريين، وهما شيخه، ويحيى، ومدنيين، وهم الباقون، وأن شيخه أحد المشايخ الذين اتفق الستة بالرواية عنهم بدون واسطة، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جده.
شرح الحديث
(عن زينب بنت أم سلمة) ﵄ (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية ﵂ (أن رسول الله ﷺ أكل كتفا) وعند أبي داود من رواية ابن عباس ﵄: "أكل كتف شاة". والكتف بفتح الكاف وكسر التاء، ويجوز تسكينها مع فتح الكاف وكسرها، وجمعها: كِتَفَة كقِرَدَة وأكتاف، كأصحاب، وهى مؤنثة: عظم عريض خلف المنكب، وتكون للناس وغيرهم من الدواب.
(فجاءه بلال) بن رباح، ابن حمامة وهي أمه، المؤذن، أبو عبد الله الصحابي الجليل المتوفى بالشام سنة -١٧ - أو-١٨ - ، أو-٢٠ - وهو ابن بضع وستين سنة، وتقدم في ٨٦/ ١٠٤. ﵁. (فخرج) عطف على محذوف أي فأعلمه بالصلاة، فخرج النبي ﷺ (إلى الصلاة، ولم يمس ماء) أي لم يتوضأ. وتمسك بهذا من قال بعدم الوضوء مما مست النار. وسيأتي قريبًا تحقيقه إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
١٨٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَحَدَّثَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ.
стр. 1931
وَحَدَّثَنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: أَنَّهَا قَرَّبَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جَنْبًا مَشْوِيًّا، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي أبو عثمان البصري ثقة تقدم في ٥٣/ ٦٧.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ثقة -٦ - تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (محمد بن يوسف) بن عبد الله بن يزيد الكندي المدني الأعرج. ثقة ثبت -٥ - روى عن جده لأمه، وقيل: خاله، وقيل: عمه السائب ابن يزيد، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وعبد الله بن المفضل.
وعنه ابن جريج، ومالك بن أنس، وابن أبي الزناد، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن عمر العمري، وحفص بن غياث، وحاتم بن إسماعيل، والقطان، وغيرهم.
قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: محمد بن يوسف أثبت من عبد الرحمن بن حميد، وعبد الرحمن بن عمار، وكان أعرج وكاتبا، وقال صدقة بن الفضل: كان يحيى يثنى عليه، ويفضله على
محمد بن أبي يحيى.
стр. 1932
قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يشبهه. وقال ابن معين: قال لي يحيى: لم أر شيخا يشبهه في الثقة، وقال ابن معين، وأحمد، والنسائي: ثقة، وقال مصعب الزبيري: كان له شرف وقَدَم بالمدينة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن المديني: محمد بن يوسف الأعرج ثقة، وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح -يعني المصري-: ثبت له شأن. قال: وكان أحمد بن صالح معجبا به، وفي الزهرة روى عنه (خ) ٦٢ حديثًا. أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه. ومات في حدود -١٤٠ - اهـ "تت" ج ٩ ص ٥٣٤ - ٥٣٥.
٥ - (سليمان بن يسار) الدني مولى ميمونة ثقة فقيه -٣ - ، تقدم في ١١٢/ ١٥٦.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية زوج النبي ﷺ تزوجها سنة اثنتين من الهجرة بعد بدر، وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، روت عن النبي ﷺ ، وعن أبي سلمة بن عبد الأسد، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ .
وعنها ابناها عمر، وزينب ابنا أبي سلمة، ومكاتبها نَبْهَان، وأخوها عامر بن أبي أمية، وابن أخيها مصعب بن عبد الله بن أبي أمية، ومواليها عبد الله بن رافع، ونافع، وسفينة، وأبو كثير، وابن سفينة، وخيرة أم الحسن البصري، وسليمان بن يسار، وأسامة بن زيد بن حارثة، وهند بنت الحارث الفراسية، وغيرهم. قال الواقدي: توفيت في شوال سنة -٥٩ - وصلى عليها أبو هريرة، وقال أحمد بن أبي خيثمة: توفيت في ولاية يزيد بن معاوية، وقال غيره: توفيت سنة -٦٢ - .
قال الحافظ ﵀: إنما تزوجها النبي ﷺ سنة أربع على الصحيح،
стр. 1933
ويقال: سنة ثلاث، فإن أبا سلمة بن عبد الأسد شهد أحدا ورمي بسهم فعاش بعده خمسة أشهر، أو سبعة، ومات، وحلت أم سلمة في شوال سنة أربع، وقد نص على ذلك خليفة بن خياط والواقدي، وقال ابن عبد البر: مات في جمادى الآخرة سنة ثلاث. وأما قول الواقدي: إنها توفيت سنة -٥٩ - فمردود عليه بما ثبت في صحيح مسلم أن الحارث بن عبد الله بن ربيعة، وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية فسألاها عن الجيش الذي يخسف بهم، وكانت ولاية يزيد في أواخر سنة -٦٠ - . وحكى ابن عبد البر أنها أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وهو مشكل لأن سعيدا مات قبلها بمدة، والجواب عنه سهل إن صح، وهو احتمال أن تكون مرضت فأوصت بذلك ثم عوفيت مدة بعد ذلك. فمثل هذا يقع كثيرًا.
قال ابن حبان: ماتت في آخر سنة -٦١ - بعد ما جاءها نعي حسين بن علي ﵄. اهـ "تت" ج ١٢ ص ٤٥٧ أخرج لها الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ممن أخرجوا لهم، إلا شيخه فما أخرح له (خ) ومحمد بن يوسف فما أخرج له (د ت)، وأنهم ما بين بصريين: وهما شيخه، وخالد، ومكي، وهو ابن جريج، ومدنيين، وهم الباقون. وفيه رواية تابعي، عن تابعي: محمد بن يوسف عن سليمان، وسليمان هو أحد الفقهاء السبعة.
شرح الحديث
(قال) سليمان بن يسار (دخلت على أم سلمة) ﵂ (فحدثتني: أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبًا) بضمتين.
قال في المصباح: يقال: أجنب الرجل بالألف، وجَنُب: وزان
стр. 1934
قَرُب، فهو جُنُب، ويطلق على الذكر، والأنثى، والمفرد، والتثنية، والجمع، وربما يطابق على قلة، فيقال: أجناب وجنبون، ونساء جنبات. اهـ ج ١ ص ١١٠ - ١١١.
وفي المعجم الوسيط: الجنابة: حالُ مَن يَنزل منه مني، أو يكون منه جماع. اهـ ج ١ ص ١٣٨. (من غير احتلام) بل من جماع أهله (ثم يصوم). استَدَلَّ بهذا من قال: إن من أصبح جنبا فصومه صحيح،
ولا قضاء عليه. وهو مذهب الجمهور، وذهب طائفة من التابعين إلى عدم الصحة، ونقل عن طاوس ونسب إلى أبي هريرة، ولم يصح عنه. ونقل أيضا عن الحسن البصري، وسالم بن عبد الله، وعطاء أنه يتم صومه، ثم يقضيه. هذا كله في حق الجنب من الجماع، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزيه، هكذا قيل، لكن رده الحافظ بأن فيه اختلافا أيضا، فإن أبا هريرة أفتى بعدم الإجزاء. وسيأتي تمام المسألة، في
المسائل، إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن يوسف (وحدثنا) سليمان (مع هدا الحديث) أي حديث: "كان يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم" (أنها) أي أم سلمة (حدثته أنها قرّبت إلى النبي ﷺ جَنْبًا) بفتح فسكون: ما تحت الإبط إلى الكشح، جمعه جُنُوب، مثل فلس وفلوس.
(مشويا) اسم مفعول من شَوَيت اللحم، أشويه شَيًا، فانشوى، مثل كسرته فانكسر، وهو مشوي، وأصله مفعول. قاله في المصباح.
ج ١ ص ٣٢٨ (فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة، ولم يتوضأ). فيه دليل على عدم إيجاب الوضوء مما مست النار. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح.
стр. 1935
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، أخرجه هنا ١٢٣/ ١٨٣ وفي الكبرى ١١٦/ ١٨٩ بالسند المذكور. وأخرج "كان يصبح جنبًا" إلخ في الكبرى في الصيام عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن أسامة بن زيد عنها. وأخرج زيادة "أنها قربت إلى رسول الله ﷺ في الكبرى أيضا في الصيام، والمزارعة بالسند المذكور هنا.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرج حديث: "كان يصبح جنبا من غير احتلام" (م) في الصوم ١٣/ ٦ عن أحمد بن عثمان النوفلي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن أسامة بن زيد، عن سليمان عنها.
(تنبيه) أما طريق زينب السابق فأخرجه الترمذي في الأطعمة، وابن ماجه في الطهارة -٤٩١ - ، وأخرجه أحمد. انظر تحقيق الشيخ الألباني على المشكاة ج ١ ص ١٠٦.
المسألة الرابعة: في ذكر مذاهب العلماء فيمن أصبح جنبا هل يصح صومه، أم لا؟
قال العلامة الشوكاني ﵀: هذه الأحاديث -يعني الأحاديث التي أوردها صاحب المنتقى- استدل بها من قال: إن من أصبح جنبا فصومه صحيح، ولا قضاء عليه من غير فرق بين أن تكون الجنابة عن جماع أو غيره، وإليه ذهب الجمهور، وجزم النووي بأنه استقر الإجماع على ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: إنه صار ذلك إجماعًا، أو كالإجماع. وقد ثبت من حديث أبي هريرة ما يخالف أحاديث الباب، فأخرج الشيخان عنه أنه ﷺ قال: "من أصبح جنبا فلا صوم له"، وقد بقي على العمل
стр. 1936
بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين كما نقله الترمذي.
ورواه عبد الرزاق عن عروة بن الزبير، وحكاه ابن المنذر عن طاوس. قال ابن بطال: وهو أحد قولي أبي هريرة. قال الحافظ ولم يصح عنه لأن ابن النذر رواه عنه من طريق أبي المهزم، وهو ضعيف. وحكى ابن المنذر أيضا عن الحسن البصري، وسالم بن عبد الله بن عُمر ﵄ أنه يتم صومه ثم يقضيه. وروى عبد الرزاق عن عطاء مثل قولهما. قال في الفتح: ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح ابن حي إيجاب القضاء، والذي نقله عنه الطحاوي استحبابه.
ونقل ابن عبد البر عنه، وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع. ونقل الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في حق الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزيه. وتعقبه الحافظ بما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه أفتى من أصبح جنبا من احتلام أن يفطر. وفي رواية أخرى عنه عند النسائى أيضا: "من احتلم من الليل، أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم". وأجاب القائلون بأن من أصبح جنبا يفطر عن أحاديث الباب بأجوبة:
منها: أن ذلك من خصائصه ﷺ ، ورده الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأن حديث عائشة المذكور في أول الباب- أعني حديث أن رجلا قال يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم … الحديث، رواه مسلم- يقتضي عدم اختصاصه ﷺ بذلك.
وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز. وقد نقل النووي هذا الجمع عن أصحاب الشافعي، وتعقبه الحافظ بأن الذي نقله البيهقي وغيره عن
стр. 1937
أصحاب الشافعي هو سلوك طريقة الترجيح.
وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، وبالنسخ قال الخطابي، وقواه ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه، ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا ولا يفسد صومه. ويقوي ذلك أن قول الرجل للنبي ﷺ "قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر" يدل على أن ذلك كان بعد نزول الآية، وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، ويؤيد دعوى النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك كما في رواية للبخاري "أنه لما أخبر بما قالت أم سلمة وعائشة، فقال: هما أعلم برسول الله ﷺ ، وفي رواية ابن جريج فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك"، وكذا وقع عند النسائي أنه رجع، وكذا عند ابن أبي شيبة، وفي رواية للنسائي أن أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عباس، ووقع نحو ذلك في البخاري، وقال: إنه حدثه بذلك الفضل. وفي رواية أنه قال: حدثني بذلك أسامة.
وأما ما أخرجه ابن عبد البر عن أبي هريرة أنه قال: "كنت حدثتكم من أصبح جنبا فقد أفطر، وإن ذلك من كيس أبي هريرة" فقال الحافظ: لا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس وهو متروك.
ومن حجج من سلك طريق الترجيح ما قاله ابن عبد البر أنه صح وتواتر حديث عائشة وأم سلمة ﵄. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي بذلك، وأيضا رواية اثنين مقدمة على رواية واحد، ولاسيما وهما زوجتان للنبي ﷺ ، والزوجات أعلم بأحوال الأزواج، وأيضًا: روايتهما موافقة للمنقول، وهو ما تقدم
стр. 1938
من مدلول الآية، وللمعقول، وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على الصائم فإن الصائم قد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل، ولا يفسد صومه، بل يتمه إجماعا. اهـ. نيل
ج ١ ص ٢٨٥.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن من أصبح جنبا لا يفسد صومه، لقوة دليله. والله أعلم.
(تنبيه) أما ما يتعلق بالشطر الثاني من الحديث، الذي هو "أنها قربت إلى النبي ﷺ جنبا مشويا فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ" فسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
١٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
رجال هذا الإسناد: ستة
كلهم تقدموا في السند الذي قبله إلا ابن عباس فتقدم في ٢٧/ ٣١.
стр. 1939
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄ أنه (قال: شهدت رسول الله ﷺ ) أي حضرت عنده (أكل) جملة حالية من المفعول به، أي حال كونه آكلا (خبزا) بضم فسكون، وفعله من باب ضرب كما في المصباح.
(ولحما) بفتح فسكون جمعه لحوم، ولحمان بالضم، ولحام بالكسر، قاله في المصباح (ثم قام الى الصلاة) أي إلى أدائها (ولم يتوضأ) جملة حالية من الفاعل، أي حال كونه غير متوضىء. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف في هذا المحل، وأشار الحافظ في النكت الظراف بأنه أخرجه في الحدود عن قتيبة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. وروى عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة معناه. في رواية ابن الأحمر، ولم يذكره أبو القاسم- يعني ابن عساكر في أطرافه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أما من رواية سليمان فمن أفراد المصنف، وقد أخرجه (- خ م د) من رواية عطاء بن يسار، فأخرجه (خ) في الطهارة عن عبد الله بن يوسف وأخرجه (م د) فيه جميعا عن القعنبي- كلاهما عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء عنه. أفاده المزي في التحفة ج ٥ ص ١٠٦.
وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن الجارود، والطحاوي، وغيرهم.
وبقية المسائل تأتي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
стр. 1940
١٨٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن منصور) النسائي أبو سعيد الحافظ، ثقة ثبت -١١ - تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (علي بن عياش) بتحتانية ومعجمة- ابن مسلم، الألهاني -بفتح الهمزة وسكون اللام - أبو الحسن الحمصي، البكَّاءُ. ثقة ثبت -٩ - . روى عن حريز بن عثمان، وأبي غسان محمد بن مطرف، وشعيب بن أبي حمزة، وثابت بن ثوبان، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وروى له الأربعة بواسطة أحمد بن حنبل، ومحمد بن سهل بن عسكر، وإبراهيم بن الهيثم البلدي، ومحمد بن مصفى الحمصي، ومحمود بن خالد، وموسى بن سهل الرملي، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وصفوان بن عمرو الحمصي، وعمران ابن بكار الكلاعي، وعمرو بن منصور النسائي، ويزيد بن محمد بن عبد الصمد، والعباس بن الوليد بن صبح الخلال، ومحمد بن أبي الحسن السمان، ومحمد بن يحيى الذهلي. وروى عنه أيضا يحيى بن معين، ودُحيم، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأبو زرعة الرازي. وغيرهم.
стр. 1941
قال حنبل عن أحمد: علي بن عياش أثبت من عصام بن خالد، وقال العجلي، والنسائي: ثقة، وقال الدارقطني: ثقة حجة، وقال يحيى بن أكثم: أدخلت علي بن عياش على المأمون فتبسم، ثم بكى، فقال: يا يحيى أدخلت علي مجنونا؟
فقلت أدخلت عليك خير أهل الشام وأعلمهم بالحديث ما خلا أبالمغيرة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان متقنا. قال ابن معين، ومحمد بن معين، ومحمد بن المصفى: مات سنة -٢١٨ - وقال سليمان بن عبد الحميد البهراني: قال علي بن عياش: ولدت سنة -١٤٣ - ، ومات سنة -٢١٩ - ، وفيها أرخه يعقوب بن سفيان، وأبو سليمان ابن زبر، وفي الزهرة روى عنه البخاري أربعة أحاديث. اهـ تت ج ٧ ص ٣٦٨ - ٣٦٩ - بزيادة يسيرة من ت، أخرج له البخاري، والأربعة.
٣ - (شعيب بن أبي حمزة) دينار الحمصي ثقة عابد -٧ - تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٤ - (محمد بن المنكدر) المدني ثقة فاضل -٣ - تقدم في ١٠٣/ ١٣٨.
٥ - (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي الجليل ﵄ تقدم في ٣١/ ٣٥.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ممن أخرج الستة لهم، إلا عمرو بن منصور، فمن أفراد المصنف، وعلي بن عياش فما أخرج له مسلم، وأن جابر بن عبد الله هو أحد المكثرين السبعة روى -١٥٤٠ - حديثًا.
стр. 1942
شرح الحديث
(عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله) بن عمرو ابن حرام الأنصاري ﵄ (قال كان آخر الأمرين) قال الحافظ في الفتح: قال أبو داود وغيره: إن المراد بالأمر ها هنا الشأن والقصة، لا مقابل النهي. اهـ أي آخر الواقعتين منه ﷺ . اهـ عون ج ١ ص ٣٢٧.
(من رسول الله ﷺ ) حال من الأمرين (ترك الوضوء مما مست النار) قال في المنهل: آخر مرفوع على أنه اسم كان، وترك خبرها، ويجوز العكس, وهذا إذا لم تعلم الرواية، وإلا اتبعت، والأمران هما الوضوء مما مست النار، وترك الوضوء منه. اهـ ج ٢ ص ٢١٩.
واستدل بهذا الحديث من قال بعدم إيجاب الوضوء بأكل ما مست النار. وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا حديث صحيح.
المسألة الثالْية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا -١٢٣/ ١٨٥، وفي الكبرى -١١٦/ ١٨٨ بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة -٧٥/ ٤ - عن أبي عمران موسى بن سهل الرملي، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عنه.
وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والبيهقي.
المسألة الرابعة: أعل بعض المحدثين حديث جابر هذا، (١) فقال أبو
стр. 1943
داود في سننه: وهذ اختصار من الحديث الأول- يعني حديث: "قَرَّبتُ للنبي ﷺ خبزا ولحما، فأكله ثم دعا بالوضوء فتوضأ قبل الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل، ثم قام إلى الصلاة، ولم يتوضأ".- اهـ ج ٢ ص ٢١٧ - ٢١٩ بشرح المنهل.
وقال ابن أبي حاتم في العلل: سالت أبي عن حديث رواه علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ -ترك الوضوء مما مست النار" فسمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو أن النبي ﷺ أكل كتفا ولم يتوضأ. كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر، عن جابر ﵁، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه. اهـ العلل ج ١ ص ٦٤.
وقال ابن حبان في صحيحه: هذا خبر من حديث طويل اختصره شعيب بن أبي حمزة متوهما لنسخ إيجاب الوضوء مما مست النار مطلقًا، وانما هو نسخ لإيجاب الوضوء مما مست النار خلا لحم الجزور فقط. اهـ ج ٢ ص ٢٢٩.
وله علة أخرى فقد قال الشافعي في سنن حرملة: لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل. وقال البخاري في الأوسط: حدثنا علي بن المديني قال: قلت لسفيان: إن أبا علقمة الفروي روى عن ابن المنكدر عن جابر ﵁ "أن النبي ﷺ أكل لحما ولم يتوضأ"، فقال: أحسبني سمعت ابن المنكدر، قال: أخبرني من سمع جابرًا.
قال الحافظ ﵀: ويشيد أصل حديث جابر ما أخرجه البخاري في الصحيح عن سعيد بن الحارث قلت لجابر: الوضوء مما مست النار؟ قال: لا. وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة، أخرجه
стр. 1944
الطبراني في الأوسط، ولفظه "أكل آخر أمره لحمًا، ئم صلى، ولم يتوضأ". انتهى. تلخيص الحبير ج ١ ص ١١٦.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في إيجاب الوضوء مما مست النار وعدمه. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على مذهبين:
المذهب الأول: مذهب من قال بعدم الوجوب، وإليه ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين:
فمن الصحابة: الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وعائشة ﵃.
وبه قال جماهير التابعين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وسفيان الثوري، وأهل الحجاز، وأهل الكوفة (١).
المذهب الثاني: مذهب من قال بإيجاب الوضوء منه:
وإليه ذهب طائفة من أهل العلم: منهم عمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وأبو قلابة، وأبو مجْلَز -لاحق بن حميد -، وحكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة ﵃: منهم ابن عمر، وأبو طلحة، وأبو موسى، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعائشة ﵃ (٢).
стр. 1945
احتج الأولون القائلون بعدم الوجوب بالأحاديث الصحيحة:
منها حديث أم سلمة، وابن عباس، وجابر ﵃ المذكور في هذا الباب.
ومنها حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ -أكل كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ" متفق عليه.
ومنها حديث عمرو بن أمية الضمري ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ يحتز من كتف شاة يأكل منها، ثم صلى ولم يتوضأ" متفق عليه.
ومنها حديث ميمونة ﵂ "أن النبي ﷺ أكل عندها كتفا ثم صلى، ولم يتوضأ". رواه مسلم
ومنها حديث أبي رافع ﵁ قال: "أشهد لكنت أشوي لرسول الله ﷺ بطن شاة ثم صلى ولم يتوضأ". رواه مسلم.
قال البيهقي وغيره: وفي الباب عن عثمان، وابن مسعود، وسويد بن النعمان، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة، وأبي هريرة، وعبد الله بن الحارث، ورافع بن خديج، وغيرهم.
واحتج القائلون بالوجوب بالأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، وهى أحاديث صحيحة أخرجها المصنف في الباب المتقدم ومسلم في صحيحه، وغيرهما.
وأجاب الأولون بأنها منسوخة بأحاديث الباب، وغيرها، ولا سيما حديث جابر ﵁. ومنهم: من حمل الوضوء فيها على المضمضة، وهو حمل ضعيف. كما قاله النووي ﵀.
стр. 1946
وقد اعترض جماعة على الاحتجاج بحديث جابر المذكور على نسخ الوجوب، فقالوا: لا دلالة فيه لأنه مختصر من الحديث الطويل الذي رواه أبو داود وغيره عن جابر ﵁. وقد تقدم في كلام أبي داود. فقوله: آخر الأمرين يريد هذه القضية، وأن الصلاة الثانية هى آخر الأمرين، يعني آخر الأمرين من الصلاتين لا مطلقا.
وممن قال بهذا التأويل أبو داود كما تقدم، والزهري، وغيرهما، قالوا: إن أحاديث الأمر بالوضوء متأخرة ناسخة لأحاديث ترك الوضوء.
قال النووي ﵀: وهذا الذي قالوه ليس كما زعموا. فأما تأويلهم حديث جابر فهو خلاف الظاهر بغير دليل، فلا يقبل، وهذه الرواية المذكورة لا تخالف كونه آخر الأمرين فلعل هذه القضية هي آخر الأمر، واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء. ويجوز أيضا أن يكون ترك الوضوء قبلها فإنه ليس فيها أن الوضوء كان لسبب الأكل. وأما دعواهم النسخ فهي دعوى بلا دليل، فلا تقبل.
وروى البيهقي ﵀ عن الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي شيخ مسلم: قال: اختلف في الأول من هذه الأحاديث فلم نقف على الناسخ منها ببيان يحكم به، فأخذنا بإجماع الخلفاء الراشدين والأعلام من الصحابة ﵃ في الرخصة في ترك الوضوء مع أحاديث الرخصة (١).
وذهب بعضهم إلى الجمع بين الأحاديث بأن أحاديث الأمر بالوضوء محمولة على الاستحباب، وهذا ما جنح إليه الخطابي، والمجد بن تيمية. قال في المنتقى: وهذه النصوص- يعني الأحاديث الدالة على ترك
стр. 1947
الوضوء مما مست النار- إنما تنفي الإيجاب لا الاستحباب، ولهذا قال ﷺ للذي سأله أنتوضأ" من لحوم الغنم؟
قال: "أن شئت فتوضأ، "وإن شئت فلا تتوضأ"، ولولا أن الوضوء من ذلك مستحب لما أذن فيه، لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة. اهـ ج ١ ص ٣١٧. نيل
قال الجامع عفا الله عنه: وفي قوله لأنه إسراف … الخ نظر، لأن تكرار الوضوء ليس فيه إسراف، سواء أديت به عبادة أم لا؟ لأن أحاديث فضائل الوضوء، كحديث "إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمض، خرجت خطاياه من فيه" الحديث مطلقة عن التقييد بأداء عبادة بالأول.
وأما قول بعض الفقهاء بكراهة الوضوء على الوضوء من غير أداء عبادة بالأول فمما لا دليل عليه. فتبصر.
وقد حقق العلامة أبو الأشبال أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى هذه المسألة فيما كتبه على الترمذي بما شفى وكفى، وأنا أنقل خلاصته لنفاسته: قال رحمه الله تعالى:
اختلف العلماء في وجوب الوضوء مما مست النار، والذي نرجحه، ونذهب إليه عدم الوجوب -إلا في لحوم الإبل- وأن أحاديث الرخصة ناسخة للأمر السابق لها بإيجاب الوضوء منه، وقد تأول بعض أصحابنا من أهل العلم أحاديث الرخصة بأنها ليست نصا في نسخ الأمر، لاحتمال أن يكون النبي ﷺ فعل ذلك خصوصية له.
ويرد عليه أن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح، وأيضا فإن حديث جابر ﵁ المفصل الذي نقلناه من مسند أحمد ج ٣ ص ٣٧٤ - صريح في أن النبي ﷺ "أكل، وأكل القوم معه، ثم نهض فصلى بنا العصر وما مس ماء ولا أحد من القوم ". وهذا قاطع في نفي الخصوصية. وأما
стр. 1948
الدليل على النسخ فحديثان: أولهما: رواه أحمد في السند رقم -٢٣٧٧ ج ١/ ٢٦٤ - عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، قال: دخلت على ابن عباس بيت ميمونة زوج النبي ﷺ لغد يوم الجمعة قال: وكانت ميمونة قد أوصت له به، فكان إذا صلى الجمعة بسط له فيه، ثم انصرف إليه فجلس فيه للناس، قال: فسأله رجل وأنا أسمع عن الوضوء مما مست النار من الطعام؟
قال: فرفع ابن عباس يده إلى عينيه، وقد كف بصره، فقال: بصر عيناي هاتان رسول الله ﷺ توضأ لصلاة الظهر في بعض حجره، ثم دعا بلال إلى الصلاة، فنهض خارجا، فلما وقف على باب الحجرة لقيته هدية من خبر ولحم بعث بها إليه بعض أصحابه، قال فرجع رسول الله
ﷺ بمن معه، ووضعت لهم في الحجرة، قال: فأكل وأكلوا معه، قال: ثم نهض رسول الله ﷺ بمن معه إلى الصلاة، وما مس ولا أحد ممن كان معه ماء، قال: ثم صلى بهم.
وكان ابن عباس إنما عقل من أمر رسول الله ﷺ آخره. وهذا فيه أيضا رد على من زعم الخصوصية.
وقال الشافعي فيما رواه عنه الزعفراني: إنما قلنا لا يتوضأ منه لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس، وإنما صحبه بعد الفتح، يروي عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة، ثم صلى، ولم يتوضأ، وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، أن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف (١) والثابت عن رسول الله ﷺ أنه لم يتوضأ منه، ثم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وعامر بن ربيعة،
стр. 1949
وأبي كعب، وأبي طلحة، كل هؤلاء لم يتوضئوا منه. نقله البيهقي- ١/ ١٥٥.
وقد روى كثير من الصحابة حديث الأمر بالوضوء مما مست النار، وروى غيرهم أحاديث الرخصة في ذلك، ولكن الذي كان يجادل منهم في المسألة أبو هريرة، وابن عباس، فالأول يشدد في الوجوب، والثاني يشدد في بيان الرخصة، وكل منهما يرد على صاحبه، ومع هذا فإن أبا هريرة روى أيضا حديث الرخصة، ورد ذلك عنه بإسناد صحيح، فقد روى أحمد -٢/ ٣٨٩ حديثا عن عفان، عن وهيب، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ثم قال: وبهذا الاسناد: "أن النبي ﷺ أكل كتفا شاة فمضمض، وغسل يده، وصلى" وهذا إسناد صحيح.
وقد روى الطيالسي أيضا حديث الرخصة هذا برقم -٢٤١١ - ، ورواه غيرهما كذلك. فيظهر من هذا أن أبا هريرة سمع الحديثين من غيره من الصحابة، ولعل إصراره علي التشديد في الوجوب لإضطراب الروايتين عنده وعدم يقينه برجحان النسخ، أو لعله رأى الوضوء وسمع الأمر به، ولم يشاهد الحديث الآخر بل سمعه سماعا فلم يطمئن قلبه إلى ترك ما رآه بنفسه.
وأصرح من كل هذا في النسخ حديث جابر قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار". وهو حديث صحيح رواه أبو داود-١/ ١٥٦ - والنسائي ١/ ٤٠، وابن الجارود ص ٢١ - ٢٢، والبيهقي-١٥٥ - ١٥٦ - كلهم من طريق شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر، عن جابر. وهو حديث صحيح ليس في إسناده مطعن، وليست له علة. وقد أعله بعض الحفاظ بما لا يصلح تعليلا، فقال أبو حاتم فيما رواه عنه ابنه في العلل رقم ١٦٨ - : هذا حديث مضطرب المتن
стр. 1950
إنما هو: أن النبي ﷺ أكل كتفا ولم يتوضأ. كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر عن جابر. ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه.
وقال أبو داود في السنن عقيب روايته: وهذا اختصار من الحديث الأول- يعني الحديث الذي رواه قبله من طريق ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن جابر ﵁ "قربت للنبي ﷺ خبزا ولحما فأكل ثم دعا بوَضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم
قام إلى الصلاة ولم يتوضأ".
فكأن أبا داود يريد أن يفهم أن قول جابر ﵁ -في رواية شعيب- آخر الأمرين -يعني به آخر الفعلين في هذه الواقعة المعينة، كان عمله الأول فيها أن توضأ بعد الأكل، وعمله الثاني أن صلى بعد الأكل ولم يتوضأ ومن الواضح أن هذا تأويل بعيد جدا، يخرج به الحديث عن ظاهره، بل يحيل معناه عما يدل عليه لفظه وسياقه.
ورَمْيُ الثقات الحفاظ بالوهم بهذه الصفة، ونسبة التصرف الباطل في ألفاظ الحديث إليهم حتى يحيلوها عن معناها قد يرفع من نفوس ضعفاء العلم الثقة بالروايات الصحيحة جملة.
وشعيب بن أبي حمزة الذي رواه عن ابن المنكدر ثقة متفق عليه، حافظ أثنى عليه الأئمة، كما قال الخليلي. وعلي بن عياش الذي رواه عن شعيب ثقة حجة كما قال الدارقطني. ونسبة الوهم إلى مثل هذين الراويين أو أحدهما يحتاج الى دليل صريح أقوى من روايتهما، وهيهات أن يوجد. ولهذا قال ابن حزم في المحلى -١/ ٢٤٣ - : القطع بأن الحديث مختصر من هذا قول بالظن، والظن أكذب الحديث. بل هما حديثان كما وردا.
стр. 1951
ثم إن التأويل الذي ذهب إليه أبو داود بإختصار حديث شعيب من الحديث الآخر، بمعنى أن المراد من آخر الأمرين آخر الفعلين في الواقعة الواحدة المعينة يرده ما نقلنا عن المسند رقم ١٥٠٨٠ - من طريق محمد بن إسحاق، عن ابن عقيل فإن فيه أن النبي ﷺ أكل هو ومن معه، ثم بال، ثم توضأ للظهر، وأنه أكل بعد ذلك هو ومن معه، ثم صلوا العصر ولم يتوضئوا. فهذا يدل دلالة واضحة على أن الوضوء الأول كان للحدث، وليس من أكل ما مست النار حتى يصح أن يسمى الفعل الثاني بأكله، ثم صلاته من غير أن يتوضأ آخر الأمرين، لأنهما فعلان ليسا من نوع واحد، وأرى أن هذه الرواية قاطعة في نفي التأويل الذي ذهب إليه أبو داود. والحمد لله. اهـ كلام العلامة أحمد محمد شاكر ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الراجح فيها قول من قال بعدم الوجوب إلا في لحم الإبل، لنسخ الأحاديث الدالة على الإيجاب، ومن أقوى الأدلة على ذلك قول جابر ﵁ الذكور، فإنه من أهل اللسان يعرف الناسخ والمنسوخ، فإخباره بذلك لا يكون إلا عن علم ويقين.
ويدل عليه أيضا إجماع الخلفاء الراشدين عليه.
وأما دعوى الخصوصية كما مال إليه الشوكاني فغير صحيح لما تقدم أنه أقرّ الصحابة عليه.
وأما الاستدلال بحديث "أكل رسول الله ﷺ من كتف شاة ولم يتوضأ" ونحو ذلك فقد عارضه أبو محمد بن حزم ﵀ في المحلى ج ١/ ص ٢٤٤ - : بقوله: إنه لا حجة لمن قال بذلك لأن أحاديث إيجاب الوضوء هى الواردة بالحكم الزائد على هذه التي هى موافقة لما كان عليه الناس قبل ورود الأمر بالوضوء مما مست النار، ولولا حديث شعيب بن
стр. 1952
أبي حمزة -يعني حديث جابر هذا- لما حل لأحد ترك الوضوء مما مست النار. اهـ كلامه. فالحاصل أن الراجح هو ما عليه الجمهور. والله أعلم.
المسألة السادسة: لم يذكر المصنف أحاديث الوضوء من أكل لحوم الإبل. وقد ثبت فيه حديثان:
أحدهما: حديث جابر بن سمرة رضي الله "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، توضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أصلي في مرابض الإبل؟ قال: لا." رواه مسلم ١/ ١٠٨ - ، وأحمد في مسنده ج ٥/ ص ٨٦، والطيالسي رقم ٧٦٦.
والثاني: حديث البراء بن عازب ﵄، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضئوا منها، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: لا تتوضئوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: لا تصلوا فيها، فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: صلوا فيها فإنها بركة". رواه أحمد ٤/ ٢٨٨، ٤/ ٣٠٣، ورواه الطيالسي رقم-٧٣٤ و ٧٣٥، ورواه أبو داود ١/ ٧٢ - ٧٣، وابن ماجه، وابن الجارود، وابن حبان، وابن خزيمة، وقال: لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه.
المسألة السابعة: في اختلاف العلماء في الوضوء من لحوم الإبل:
فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء. قال النووي ﵀: ممن ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو
стр. 1953
أمامة، وجماهير من التابعين، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم.
وذهب إلى الانتقاض به أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن المنذر، وابن خزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي، وحكى عن أصحاب الحديث مطلقا، وحكى عن جماعة من الصحابة.
قال البيهقي ﵀: حكى بعض أصحابنا عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به. قال البيهقي: قد صح فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة، وحديث البراء قاله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن رهوايه.
قال الجامع عفا الله عنه: المذهب الصحيح مذهب من قال بوجوب الوضوء من لحوم الإبل. لقوة دليله.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم ٤٩٤ - : وهذا المذهب أقوى دليلا، وإن كان الجمهور على خلافه. وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر ﵁: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ … " الحديث. ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام. اهـ كلام النووي.
قال العلامة أحمد شاكر ﵀ فيما كتبه على الترمذي: وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي ج ١ ص ١١٢: وحديث لحم الإبل صحيح مشهور، وليس يقوى عندي ترك الوضوء منه. وحاول بعضهم أن يلتمس حكمة لوجوب الوضوء من لحوم الإبل، ولسنا نذهب هذا المذهب، ولكن نقول كما قال الشافعي في الأم ١/ ١٤: إنما الوضوء والغسل تعبد. اهـ كلامه ج ١ ص ١٢٥. والله تعالى أعلم.
стр. 1954
١٢٤ - المَضْمَضَةُ من السَّويق
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المضمضة من أكل السويق.
والمضمضة: مصدر مضمض، يقال: مضمضتُ الماء في فمي: حركته بالإدارة فيه، وتمضمضت بالماء: فعلت ذلك، قال الفارابي: والمضمضة صوت الحية ونحوها، ويقال: هو تحريكها لسانها. قاله في المصباح. ج ٢ ص ٥٧٥
والسويق مر تفسيره، ويأتي أيضًا.
١٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ وَهِىَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلاَّ بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَتَمَضْمَضَ وَتَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
стр. 1955
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن سلمة) المرادي الفقيه المصري. ثقة ثبت -١١ - تقدم في ١٩/ ٢٠.
٢ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصري الفقيه ثقة فقيه -١٠ - تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (عبد الرحمن بن القاسم) العُتَقي المصري ثقة فقيه من كبار -١٠ - تقدم في ١٩/ ٢٠.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه -٧ - تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني ثقة حجة -٥ - تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٦ - (بُشَير بن يسار) مصغرًا، ويسار بالياء التحتانية المثناة الحارثي الأنصاري، مولاهم، المدني ثقة فقيه، من -٣ - .
روى عن أنس وجابر، ورافع بن خَديج، وسهل بن أبي حثمة، وسويد ابن النعمان، ومحَيِّصَةَ بن مسعود، وغيرهم. وعنه ابن ابنه بشير بن عبد الله بن بشير بن يسار، وربيعة الرأي، وسعيد بن عبيد الطائي، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد، وأبو الرَّحَّال عقبة بن عبيد، وغيرهم.
قال ابن معين: وليس بأخي سليمان بن يسار، وقال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، وكان أدرك عامة أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان قليل الحديث. وكناه محمد بن إسحاق في رواياته عنه أبا كيسان، وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ تت ج ١ ص ٤٧٢ أخرج له الجماعة.
٧ - (سويد بن النعمان) بن مالك بن عامر بن مجدعة الأوسي الأنصاري المدني، بايع تحت الشجرة، وقيل: إنه شهد أحدًا وما بعدها.
стр. 1956
روى عن النبي ﷺ في المضمضة من السويق. وعنه بشير بن يسار. وجزم ابن سعد، وغير واحد شهوده أحدا، وكناه أبو حاتم أبا عقبة، وزعم العسكري إنه استشهد يوم القادسية، قال الحافظ: وفيه نظر. اهـ تت ج ٤ ص ٢٨٠ - ٢٨١ أخرج له البخاري، والمصنف، وابن ماجه، والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصريين، وهم من قبل مالك، ومدنيين، وهم الباقون. وأنهم ممن اتفق الستة على التخريج لهم إلا محمد بن سلمة، فاخرج له (م د س ق)، والحارث، فأخرج له (د س)، وعبد الرحمن، فأخرج له (خ مد س)، وسويد بن النعمان فأخرج له (خ س ق) وأن صحابيه من المقلين، روى عنه بشير بن يسار فقط فرد حديث، وهو هذا الحديث. وفيه بُشَير مصغرًا لا يوجد في الكتب الستة مصغرًا إلا هذا، وإلا بشير بن كعب العدوي، عند (خ ٤) وغيرهم بشير بفتح الباء مكبرًا. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن بشير بن يسار مولى بنى حارثة) الأنصاري المدني (أن سويد بن النعمان) الأوسي المدني ﵁ (أخبره) أي بشيرا (أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر) ظرف منصوب بخرج، أي في السنة التي غزا فيها رسول الله ﷺ أهل خيبر.
وخيبر غير منصرت للعلمية والتأنيث باعتبار القرية، أو البلدة، وهي بلدة معروفة، كانت لليهود حتى أجلاهم عمر ﵁ منها، لأن النبي ﷺ حين فتحها صالحهم على العمل فيها بشرط أن المسلمين إذا شاءوا أخرجوهم. وكانت غزوتها في صفر سنة سبع من الهجرة، وبينها وبين المدينة أربع مراحل، أو خمس، وكانت تعد ريف الحجاز، وبها معاقل
стр. 1957
وحصون، فوعد الله المسلمين بفتحها في قوله: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ الآية [الفتح: ٢٠]، فتم لهم ذلك.
قيل: سميت باسم أول من سكنها، وهو رجل من العماليق، قال بعضهم: وكان اسمه خيبر بن قانية بن عبيل بن مهلان. وقيل: الخيبر بلسان اليهود الحصن (حتى) غاية لمحذوف أي ساروا حتى (إذا كانوا) أي النبي ﷺ -ومن معه (بالصهباء) بفتح المهملة والمد موضع قريب من خيبر على روحة منها، كما بَيَّنَه بقوله (وهى) أي الصهباء (من أدنى خيبر) أي من أقرب نواحيها إلى المدينة وللبخاري في الأطعمة: وهى على روحة من خيبر، وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان: هى
على بريد. وبين البخاري في موضع آخر من الأطعمة من حديث ابن عيينة: أن هذه الزيادة من قول يحيى بن سعيد أدرجت. قاله في الفتح ج ٢ ص١٠٠ والجملة مستأنفة سيقت لبيان جهة الصهباء، ولا يظهر كونها حالا (صلى العصر) جواب "إذا" (ثم دعا بالأزواد) أي طلب جمعها في محل واحد ليشترك من لا زاد له مع الآخرين. مواساة لهم. والأزواد جمع زاد، وهو الطعام الذي يتخذه المسافر لسفره. قاله
في المصباح. ج ١ ص ٢٥٩ (فلم يؤت) بالبناء للمفعول (إلا بالسويق) أي لم يكن عندهم شيء يأتون به غير السويق.
والسويق بالسين وقد يقال بالصاد: ما يتخذ من الشعير أو القمح أو السُّلْت بعد ما يقلى فيدق، وإذا أريد أكله يبل بماء أو لبن أو سمن أو ربّ، أو غير ذلك لأنه يكون بعد السحق يابسًا، ويصنع منه الشراب أيضًا، ولهذا تقدم حديث ابن الأخنس أن خالته أم حبيبة سقته سويقًا وأمرته بالوضوء. وجمعه أسوقة" وقال بعضهم سمي به لانسياقه في الحلق، والقطعة منه سويقة، وقيل: إنهم يتخذونه من الحنطة عندما تُفرك (١)
стр. 1958
أي يشتد حبها ويقلونها على النار، ويسحقونها.
(فأمر به) أي ذلك السويق (فثري) بالبناء للمجهول يقال: ثَرَّى فلان التراب، والسويق: إذا بله. قاله في اللسان ج ١ ص ٤٨٠، والمعنى فَبُلَّ بالماء حتى يصلح للأكل، وفي الفتح: قوله: فثري: بضم المثلثة وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها أي بل بالماء لما لحقه من اليُبْس. اهـ ج ٢ ص ١٠١.
(فأكل وأكلنا) زاد في رواية سليمان عند البخاري: "وشربنا" وفي الجهاد عنده من رواية عبد الوهاب: "فلكنا وأكلنا وشربنا" قاله في الفتح ج ٢ ص ١٠١ (ثم قام إلى) أداء صلاة (المغرب فتمضمض، وتمضمضنا) أي قبل الدخول في الصلاة، وفائدة المضمضة من السويق، وإن كان لا دسم له أنه يحتبس بقاياه بين الأسنان، ونواحي الفم، فيشغله تتبعه عن أحوال الصلاة. قاله في الفتح ج ٢ ص ١٠١ (ثم صلى ولم يتوضأ) أي بسبب أكل السويق.
وقال الخطابي: فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار منسوخ، لأنه متقدم، وخيبر كانت سنة سبع.
ورد عليه الحافظ، فقال: لا دلالة فيه لأن أبا هريرة ﵁ حضر فتح خيبر، وروى الأمر بالوضوء كما في مسلم، وكان يفتي به بعد النبي ﷺ اهـ فتح ج ٢ ص ١٠١.
قال الجامع عفا الله عنه: التحقيق أن الحديث منسوخ، وقد مر تحقيقه. والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث سويد بن النعمان ﵁ هذا أخرجه البخاري.
стр. 1959
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا بهذا السند، وفي الكبرى-١١٧/ ١ عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاري به، وفي الكبرى أيضا في الوليمة ٥٧ عن محمد بشار عن يحيى القطان، عن يحيى بن سعيد به.
المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ ق) فأخرجه (خ) في الطهارة -٥٣/ ١ - عن عبد الله بن يوسف، وفي المغازي -٣٩/ ١ - عن القعنبي: كلاهما عن مالك، وفي الطهارة أيضا -٥٦/ ٢ - عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، وفي الجهاد -١٢٢/ ٣ - عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي، وفي موضعين من الأطعمة-٧، و ١٥ - عن علي بن عبد الله، عن سفيان، وفي الأطعمة أيضًا عن سليمان ابن حرب، عن حماد بن زيد، وفي المغازي أيضا -٣٦/ ٢٦ - عن محمد بن بشار، عن ابن أبي عدي، عن شعبة، قال وتابعه معاذ بن معاذ عن شعبة، كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. وأخرجه (ق) في الطهارة -٦٦/ ٥ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بُشير بن يسار، عن سويد بن النعمان ﵁.
المسألة الرابعة في فوائده:
منها أن فيه دلالة على مشروعية المضمضة من أكل السويق لما ذكرناه من العلة، وهو ما ترجم له المصنف.
ومنها أن فيه دلالة على عدم الوضوء مما مست النار، وقد مَرَّ البحث عنه.
ومنها أخذ الزاد في السفر، وأنه لا ينافي التوكل.
ومنها جمع الرفقاء على الزاد في السفر، وكذا في غيره، وقد يجب ذلك إذا اشتدت الحاجة إليه.
стр. 1960
ومنها الاشتراك على الأكل وإن كان بعضهم أكثر أكلا.
ومنها المواساة عند الحاجة بخلط الطعام ليصيب من لا زاد له من ذلك الطعام.
ومنها أن للوالي أن ينظر في مصالح العساكر، فيعمل بما يراه أنفع لهم.
ومنها أنه استدل به المهلب على أن للإمام أن يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة.
ومنها جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد، وأن ذلك كان قبل فتح مكة كما تقدم.
ومنها أن الخطابي استدل به على نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار. لأنه متقدم، وفتح خيبر كانت في سنة سبع، ورد عليه الحافظ بأنه لا دلالة فيه عليه لأن أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر، وروى الأمر بالوضوء، كما في مسلم، وكان يفتي به بعد النبي ﷺ . واعترض عليه العيني بأنه لا يستبعد ذلك لأن أبا هريرة ربما يروي حديثا عن صحابي كان ذلك قبل أن يسلم فيسنده إلى النبي ﷺ لأن الصحابة كلهم عدول.
قال الجامع: ويرد عليه ما تقدم في رواية الصنف برقم ١٧١، و ١٧٢، و ١٧٣ من التصريح بسماعه منه ﷺ ، فالصواب مع الحافظ في هذا، ولكن الحديث منسوخ بغيره من الأدلة، وأقوى الأدلة عليه هو حديث جابر ﵁ "كان آخر الأمرين … الحديث". كما تقدم البحث عنه في الباب السابق. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 1961
١٢٥ - الَمضْمَضَةُ مِنَ اللَّبَنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المضمضة من أجل شرب اللبن.
واللبن بفتحتين: سائل أبيض يكون في إناث الآدميين والحيوان، وهو اسم جنس جمعي، واحدته لَبَنَة. أفاده في المعجم الأوسط. ج ٢ ص ٨١٤.
وقال ابن منظور: اللبن: معروف اسم جنس، قال الليث: اللبن خُلاصُ الجَسَد، ومستخلصه من بين الفرث والدم، وهو كالعَرَق، يجري في العروق. والجمع ألبان، والطائفة القليلة: لَبَنَة، واللبينة تصغيرها. اهـ لسان بإختصار ج ٥ ص ٣٩٨٩.
١٨٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ لَهُ دَسَمًا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد إمام أهل مصر الحجة الفقيه -٧ - تقدم في ٣١/ ٣٥.
стр. 1962
٣ - (عقيل) بن خالد الأيلي أبو خالد الأموي مولى عثمان -٦ - روى عن أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن أبي سعيد الخدري، وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وسلمة بن كهيل، والزهري، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن روح، والمفضل بن فضالة، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وجابر بن إسماعيل، وعبد الرحمن بن سلمان الحجري، وسعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، يحيى بن أيوب، والحجاج بن فرافصة، وحدث عنه يونس بن يزيد الأيلي، وهو من أقرانه وغيرهم.
قال أحمد، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: أثبت من روى عن الزهري: مالك، ومعمر، ويونس، وعُقَيل، وعن ابن معين في رواية الدوري: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعقيل، وشعيب، وسفيان. وقال إسحاق بن راهويه: عقيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: عقيل أحب إليك، أم يونس؟ قال: عقيل أحب إلي لا بأس به. قال: وسئل أبي أيما أثبت عقيل، أو معمر؟ فقال: عقيل أثبت، كان صاحب كتاب، وكان الزهري يكون بأيلة، وللزهري هناك ضَيْعَة، وكان يكتب عنه هناك، وقال الماجشون: كان عقيل شُرطيا عندنا بالمدينة، ومات بمصر سنة -١٤١ - ، وقال محمد بن عزير الأيلي: مات سنة -٢ - ، وقال ابن السرح عن خاله: مات سنة -٤٤ - ، وفيها أرخه ابن يونس.
قال الحافظ: اسم جده عَقيل بفتح العين وكسر القاف بخلاف اسمه هو فإنه بالضم، وفي رواية ابن أبي مريم، عن ابن معين: عقيل ثقة،
стр. 1963
وقال عبد الله بن أحمد: ذكر عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عقيل، وإبراهيم بنِ سعد كأنه يضعفهما، فقال: وأي شيء هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرهُم. وقال العجلي: أيلي ثقة. وقال البخاري: قال علي: عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد: كان عقيل يحفظ. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العقيلي: صدوق، تفرد عن الزهري بأحاديث، قيل: لم يسمع من الزهري شيئًا إنما هو مناولة. اهـ تت
ج ٧ ص ٢٥٥ - ٢٥٦ أخرج له الجماعة.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني ثقة حجة -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عبد الله بن عباس) ﵄، تقدم في -٢٧/ ٣١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بغلاني، قتيبة، ومصريين وهما الليث، وعقيل فإنه أيلي ومات بمصر، ومدنيين وهم الباقون.
فابن عباس مدني بصري طائفي مكي. وأنهم ممن اتفق الستة بالإخراج لهم. وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم غير مرة، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة روى ١٦٩٦ - حديثا، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ شرب) بفتح الشين، وكسر الراء والمصدر شرب بفتح فسكون، والاسم الشُّرب، بالضم،
стр. 1964
وقيل: هما لغتان، والفاعل شارب، والجمع شاربون، وشرب -بفتح، فسكون- مثل صاحب، وصحب، ويجوز شَرَبة مثل كافر وكَفَرة، وقال السَّرَقُسْطي: ولا يقال في الطائر: شَرب الماءَ، ولكن يقال: حَسَاه، وقال ابن فارس في متخير الألفاظ: العَبّ: شُرْب الماء من غير مصّ، وقال في البارع: قال الأصمعي: يقال في الحافر كله وفي الظلف: جرع الماء يجرعه، وهذا كله يدل على أن الشرب مخصوص بالمص حقيقة، ولكنه يطلق على غيره مجازا. أفاده في المصباح ج ١ ص ٣٠٨ (لبنا) تقدم الكلام فيه في أول الباب (ثم دعا بماء، فتمضمض، ثم قال) مبينا سبب المضمضة من شربه (إن) بكسر الهمزة، لكونها محكية بالقول (له) أي اللبن (دسما) قال في (ق): الدسم محركة: الوَدَك والوَضَر، والدنس، وقد دسم كفرح. اهـ ص ١٤٢٩، أي أن له لدهنا يَعْلَق بالفم. فأحببت أن أزيل ذلك بالماء. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس هذا متفق عليه.
المسألة الثالية: في مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٢٥/ ١٨٧ - وفي الكبرى-١١٨/ ١٩٢ بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه، أخرجه (خ م د ت ق) فأخرجه (خ) في الطهارة -٥٤ - عن يحيى بن بكير وقتيبة، كلاهما عن الليث، عن عقيل، قال: وتابعه يونس، وصالح. وفي الأشربة -١٢/ ٧: عن أبي عاصم، عن الأوزاعي: أربعتهم عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس ﵄.
وأخرجه (م) في الطهارة -٥٨/ ٥ - عن قتيبة به. وفي -٥٨/ ٦ - عن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد، عن الأوزاعي به. وفي -٥٨/ ٦ -
стр. 1965
عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس به. وفي -٦٨/ ٦ - عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن الزهري به.
وأخرجه (د) في الطهارة ٧٧، و (ت) فيه أيضا -٦٦ - عن قتيبة به.
و (ق) فيه ٦٨/ ١ - عن دُحَيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به.
المسألة الرابعة: قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث يعني حديث ابن عباس- أحد الأحاديث التي رواها الأئمة الخمسة، وهم الشيخان، وأبو داود، والنسائي، والترمذي عن شيخ، واحد، وهو قتيبة. اهـ فتح ج ٢ ص ١٠١.
المسألة الخامسة: في فوائده: في الحديث دلالة على استحباب تنظيف الفم من أثر اللبن بالمضمضة، كما ترجم عليه المصنف، ويستنبط منه استحباب تنظيف الفم من سائر الأطعمة، والأشربة التي فيها دسم، وأثر يبقى بعد أكلها، وكذا تنظيف اليدين ونحوهما من أطرافه.
المسألة السادسة: روى ابن ماجه هذا الحديث من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، بلفظ "مضمضوا من اللبن"، وكذا رواه الطبراني من طريق أخرى عن الليث بالإسناد المذكور. وأخرج ابن
ماجه من حديث أم سلمة، وسهل بن سعد مثله وإسناد كل منهما حسن.
وفي التهذيب لابن جرير الطبري: هذا خبر عندنا صحيح، وإن كان عند غيرنا فيه نظر لاضطراب ناقليه في سنده، فمن قائل عن الزهري عن ابن عباس من غير إدخال عبيد الله بينهما، ومن قائل عن الزهري عن عبيد الله بينهما، ومن قائل عن الزهري عن عبيد الله أن النبي ﷺ من غير ذكر ابن عباس.
قال العلامة بدر الدين العيني ﵀: وبعدُ فليس في مضمضته ﵊ وجوب مضمضة ولا وضوء على من شربه، إذ