١٢٥ - الَمضْمَضَةُ مِنَ اللَّبَنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المضمضة من أجل شرب اللبن.
واللبن بفتحتين: سائل أبيض يكون في إناث الآدميين والحيوان، وهو اسم جنس جمعي، واحدته لَبَنَة. أفاده في المعجم الأوسط. ج ٢ ص ٨١٤.
وقال ابن منظور: اللبن: معروف اسم جنس، قال الليث: اللبن خُلاصُ الجَسَد، ومستخلصه من بين الفرث والدم، وهو كالعَرَق، يجري في العروق. والجمع ألبان، والطائفة القليلة: لَبَنَة، واللبينة تصغيرها. اهـ لسان بإختصار ج ٥ ص ٣٩٨٩.
١٨٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ لَهُ دَسَمًا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد إمام أهل مصر الحجة الفقيه -٧ - تقدم في ٣١/ ٣٥.
стр. 1962
٣ - (عقيل) بن خالد الأيلي أبو خالد الأموي مولى عثمان -٦ - روى عن أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن أبي سعيد الخدري، وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وسلمة بن كهيل، والزهري، وغيرهم.
وروى عنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن روح، والمفضل بن فضالة، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وجابر بن إسماعيل، وعبد الرحمن بن سلمان الحجري، وسعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، يحيى بن أيوب، والحجاج بن فرافصة، وحدث عنه يونس بن يزيد الأيلي، وهو من أقرانه وغيرهم.
قال أحمد، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: أثبت من روى عن الزهري: مالك، ومعمر، ويونس، وعُقَيل، وعن ابن معين في رواية الدوري: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعقيل، وشعيب، وسفيان. وقال إسحاق بن راهويه: عقيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: عقيل أحب إليك، أم يونس؟ قال: عقيل أحب إلي لا بأس به. قال: وسئل أبي أيما أثبت عقيل، أو معمر؟ فقال: عقيل أثبت، كان صاحب كتاب، وكان الزهري يكون بأيلة، وللزهري هناك ضَيْعَة، وكان يكتب عنه هناك، وقال الماجشون: كان عقيل شُرطيا عندنا بالمدينة، ومات بمصر سنة -١٤١ - ، وقال محمد بن عزير الأيلي: مات سنة -٢ - ، وقال ابن السرح عن خاله: مات سنة -٤٤ - ، وفيها أرخه ابن يونس.
قال الحافظ: اسم جده عَقيل بفتح العين وكسر القاف بخلاف اسمه هو فإنه بالضم، وفي رواية ابن أبي مريم، عن ابن معين: عقيل ثقة،
стр. 1963
وقال عبد الله بن أحمد: ذكر عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عقيل، وإبراهيم بنِ سعد كأنه يضعفهما، فقال: وأي شيء هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرهُم. وقال العجلي: أيلي ثقة. وقال البخاري: قال علي: عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد: كان عقيل يحفظ. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العقيلي: صدوق، تفرد عن الزهري بأحاديث، قيل: لم يسمع من الزهري شيئًا إنما هو مناولة. اهـ تت
ج ٧ ص ٢٥٥ - ٢٥٦ أخرج له الجماعة.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني ثقة حجة -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (عبد الله بن عباس) ﵄، تقدم في -٢٧/ ٣١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بغلاني، قتيبة، ومصريين وهما الليث، وعقيل فإنه أيلي ومات بمصر، ومدنيين وهم الباقون.
فابن عباس مدني بصري طائفي مكي. وأنهم ممن اتفق الستة بالإخراج لهم. وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه عبيد الله أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم غير مرة، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة روى ١٦٩٦ - حديثا، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) ﵄ (أن النبي ﷺ شرب) بفتح الشين، وكسر الراء والمصدر شرب بفتح فسكون، والاسم الشُّرب، بالضم،
стр. 1964
وقيل: هما لغتان، والفاعل شارب، والجمع شاربون، وشرب -بفتح، فسكون- مثل صاحب، وصحب، ويجوز شَرَبة مثل كافر وكَفَرة، وقال السَّرَقُسْطي: ولا يقال في الطائر: شَرب الماءَ، ولكن يقال: حَسَاه، وقال ابن فارس في متخير الألفاظ: العَبّ: شُرْب الماء من غير مصّ، وقال في البارع: قال الأصمعي: يقال في الحافر كله وفي الظلف: جرع الماء يجرعه، وهذا كله يدل على أن الشرب مخصوص بالمص حقيقة، ولكنه يطلق على غيره مجازا. أفاده في المصباح ج ١ ص ٣٠٨ (لبنا) تقدم الكلام فيه في أول الباب (ثم دعا بماء، فتمضمض، ثم قال) مبينا سبب المضمضة من شربه (إن) بكسر الهمزة، لكونها محكية بالقول (له) أي اللبن (دسما) قال في (ق): الدسم محركة: الوَدَك والوَضَر، والدنس، وقد دسم كفرح. اهـ ص ١٤٢٩، أي أن له لدهنا يَعْلَق بالفم. فأحببت أن أزيل ذلك بالماء. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس هذا متفق عليه.
المسألة الثالية: في مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٢٥/ ١٨٧ - وفي الكبرى-١١٨/ ١٩٢ بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه، أخرجه (خ م د ت ق) فأخرجه (خ) في الطهارة -٥٤ - عن يحيى بن بكير وقتيبة، كلاهما عن الليث، عن عقيل، قال: وتابعه يونس، وصالح. وفي الأشربة -١٢/ ٧: عن أبي عاصم، عن الأوزاعي: أربعتهم عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس ﵄.
وأخرجه (م) في الطهارة -٥٨/ ٥ - عن قتيبة به. وفي -٥٨/ ٦ - عن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد، عن الأوزاعي به. وفي -٥٨/ ٦ -
стр. 1965
عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس به. وفي -٦٨/ ٦ - عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن الزهري به.
وأخرجه (د) في الطهارة ٧٧، و (ت) فيه أيضا -٦٦ - عن قتيبة به.
و (ق) فيه ٦٨/ ١ - عن دُحَيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي به.
المسألة الرابعة: قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث يعني حديث ابن عباس- أحد الأحاديث التي رواها الأئمة الخمسة، وهم الشيخان، وأبو داود، والنسائي، والترمذي عن شيخ، واحد، وهو قتيبة. اهـ فتح ج ٢ ص ١٠١.
المسألة الخامسة: في فوائده: في الحديث دلالة على استحباب تنظيف الفم من أثر اللبن بالمضمضة، كما ترجم عليه المصنف، ويستنبط منه استحباب تنظيف الفم من سائر الأطعمة، والأشربة التي فيها دسم، وأثر يبقى بعد أكلها، وكذا تنظيف اليدين ونحوهما من أطرافه.
المسألة السادسة: روى ابن ماجه هذا الحديث من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، بلفظ "مضمضوا من اللبن"، وكذا رواه الطبراني من طريق أخرى عن الليث بالإسناد المذكور. وأخرج ابن
ماجه من حديث أم سلمة، وسهل بن سعد مثله وإسناد كل منهما حسن.
وفي التهذيب لابن جرير الطبري: هذا خبر عندنا صحيح، وإن كان عند غيرنا فيه نظر لاضطراب ناقليه في سنده، فمن قائل عن الزهري عن ابن عباس من غير إدخال عبيد الله بينهما، ومن قائل عن الزهري عن عبيد الله بينهما، ومن قائل عن الزهري عن عبيد الله أن النبي ﷺ من غير ذكر ابن عباس.
قال العلامة بدر الدين العيني ﵀: وبعدُ فليس في مضمضته ﵊ وجوب مضمضة ولا وضوء على من شربه، إذ
стр. 1966
كانت أفعاله غير لازمة العمل بها لأمته إذا لم تكن بيانا عن حكم فرض في التنزيل. وقال صاحب التلويح: وفيه نظر من حيث إن ابن ماجه رواه عن عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم الحديث الذي ذكرناه آنفًا، وفي حديث موسى بن يعقوب عنده أيضا وهو بسند صحيح قال: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أبيه، عن أم سلمة مرفوعًا "إذا شربتم اللبن فمضمضوا، فإن له دسما"، وعنده أيضًا من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "مضمضوا من اللبن فإن له دسما"، وعند ابن أبي حاتم في كتاب العلل من حديث أنس "هاتوا ماء فمضمض به". وفي حديث جابر ﵁ عند ابن شاهين "فمضمض من دسمه".
وقال الشيخ أبو جعفر البغدادي: الذي رواه أبو داود بسند لا بأس به عن عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن حباب، عن مطيع بن راشد، عن توبة العنبري، سمع أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ شرب لبنا فلم يمضمض، ولم يتوضأ، وصلى" يدل على نسخ المضمضة، وقال صاحب التلويح: يخدش فيه ما رواه أحمد بن منيع في مسنده بسند صحيح: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس ﵁ "أنه كان يمضمض من اللبن ثلاثا" فلو كان منسوخا لما فعله بعد النبي ﷺ "
قال العيني لا يلزم من فعله هذا، والصواب في هذا أن الأحاديث التي فيها الأمر بالمضمضة أمر استحباب لا وجوب، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود المذكور آنفا، وما رواه الشافعي رحمه الله تعالى بإسناد حسن عن أنس رضي الله عن "أن النبي ﷺ شرب لبنا، فلم يتمضمض، ولم يتوضأ".
فإن قلت: ادعى ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عباس
стр. 1967
قلت: لم يقل به أحد، ومن قال بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ؟. اهـ عمدة القاري ج ٢ ص ٤٢٢ - ٠ ونحوه في الفتح.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن المضمضة من اللبن مستحبة، ومثله ما له دسم للعلة المنصوص عليها في الحديث. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
* * *
ذكرُ ما يُوجبُ الغَسْلَ , وَماَ لا يُوجبُهُ
أي هذا محل ذكر الأحاديث الدالة على الأمور التي توجب الغسل على الشخص والتي لا توجبه.
والغسل بالفتح مصدر غسلته غسلا من باب ضرب، والإسم الغُسل بالضم، وجمعه أغسال مثل قفل وأقفال، وبعضهم يجعل المضموم والمفتوح بمعنى، وعزاه إلى سيبويه، وقيل الغُسْل بالضم: هو الماء الذي يتطهر به، وقال ابن القوطية: الغسل تمام الطهارة، وهو اسم من الإغتسال، وغَسَلت الميتَ من باب ضرب أيضا فهو مغسول، وغسيل، ولفظ الشافعي: وغسل الغاسل الميت، والتثقيل فيهما مبالغة، واغتسل الرجل، فهو مُغتَسِل بالكسر، اسم فاعل، والمُغْتَسَل بالفتح موضع الاغتسال، والغِسْل بالكسر: ما يغسل به الرأس من سدْر وخطمي ونحو ذلك. اهـ المصباح المنير ج ٢ ص ٤٤٧.
ثم ذكر تلك الأمور بأبواب متتالية، فقال:
стр. 1968
١٢٦ - غُسْلُ الكاَفر إذَا أسْلَمَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل الشخص الذي كان كافرا إذا إراد الإسلام. وهذا هو الأقرب في معنى الحديث، لما يأتي، لكن ظاهر تبويب المصنف أنه يريد به الغسل بعد الإسلام فكأنه يرى الأمر واسعًا فحمل حديث الباب على ما بعد الإسلام، وحديث الباب الآتي على ما قبله، لكن رواية أبي داود الآتية تعين حمل الحديثين على، ما قبل الإسلام، وهو الأولى.
١٨٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغَرِّ -وَهُوَ ابْنُ الصَّبّاحِ- عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٣٣/ ٣٧.
стр. 1969
٤ - (الأغر بن الصباح) التميمي المنقري الكوفي مولى آل قيس بن عاصم والد الأبيض. من السادسة. روى عن خليفة بن حصين بن قيس ابن عاصم، وأبي نضرة، وعنه الثوري وقيس بن الربيع، وأبو شيبة.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح. قال الحافظ: وقع ذكره في أثر علقه البخاري، نبهت عليه في ترجمة خليفة بن حصين، وقال العجلي، ثقة، وقال ابن حبان في الثقات: إنه من أهل البصرة، وأن محمد بن سواء روى عنه. اهـ تت ج ١ ص ٣٦٤ أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف، وعلق عنه البخاري.
٥ - (خليفة بن حصين) بضم الحاء مصغرًا بن قيس بن عاصم التميمي المنقري الكوفي -٣ - ، روى عن أبيه حصين بن قيس بن عاصم، وجده قيس بن عاصم، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن أرقم، وأبي الأحوص الجشمي، وأبي نصر الأسدي الراوي عن ابن عباس. روى عنه الأغر بن الصباح. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ ﵀: وقع ذكره في حديث موقوف علقه البخاري في النكاح، لشيخه أبي نصر الأسدي، ويلزم المزي أن يرقم له علامة التعليق كما صنع في ترجمة عبد الرحمن بن فروخ، وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: حديثه عن جده مرسل، وإنما يروي عن أبيه، عن جده. انتهى. وليس كما قال، فقد جزم ابن أبي حاتم بأن زيادة من رواه عن أبيه وهم. اهـ تت ج ٣ ص ١٥٩ - ١٦٠ أخرج له أبو داود، والترمذي والمصنف، وعلق عنه البخاري.
٦ - (قيس بن عاصم) بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس التميمي السعدي أبو علي، ويقال: أبو قبيصة، ويقال: أبو طلحة المنقري، وفد على النبي ﷺ في وفد بني تميم سنة تسع، فأسلم، وقال
стр. 1970
النبي ﷺ : "هذا سيد أهل الوبر"، وكان عاقلا، حليمًا سمحًا، قيل للأحنف ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس، روى عن النبي ﷺ . وعنه ابناه حكيم وحصين، وابن ابنه خليفة، والأحنف بن قيس، والحسن البصري، وأبو سوية: سهل بن خليفة، وشعبة بن التوأم.
قال ابن عبد البر: كان قد حَرَّم على نفسه الخمرَ في الجاهلية، وقال النضر بن شميل: قال عبدة بن الطيب فيه يرثيه (من الطويل):
عَلَيْكَ سَلامُ الله قَيْسَ بْنَ عَاصمٍ … وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا
الأبيات، نزل قيس البصرة، وبنى بها دارًا وبها مات عن اثنين وثلاثين ذكرًا من أولاده. اهـ تت ج ٨ ص ٣٩٩ - ٤٠٠ أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والمصنف. والله أعلم.
لطائف الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين: وهم عمرو، ويحيى، وقيس، وكوفيين، وهم الباقون، وفيه قوله: وهو ابن الصباح، وقد تقدم البحث عنه غير مرة، وهو أن شيخه لم ينسبه إلى أبيه، فأراد أن ينسبه هو، ففصل بين كلامه، وكلام شيخه، بقوله: "وهو". وفيه رواية الراوي عن جده. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن خليفة) بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام (ابن حصين) بصيغة التصغير (عن) جده (قيس بن عاصم) التميمي المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، ﵁ (أنه أسلم) أي أراد أن يسلم، لما في رواية أبي داود: قال: "أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر". ولحديث ثمامة بن أثال الآتي. وهذا هو
стр. 1971
الأوْلى في معنى الحديث، لأن الرواية يفسر بعضها بعضا. لكن ظاهر تبويب المصنف يرشد إلى حمل الحديث على ما قبل الإسلام، وهو الذي ارتضاه السندي (فأمره النبي ﷺ ) قبل إسلامه (أن يغتسل بماء وسدر) أي بماء مخلوط بورق النبق.
والسدر بكسر السين وسكون الدال: جمع سدرة كذلك: شجر النَّبق.
واستدل بالحديث من قال بوجوب الغسل على من أسلم، وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في المسائل، إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث قيس بن عاصم ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في ذكر مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٢٦/ ١٨٨ - وفي الكبرى -١١٩/ ١٩٣ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن الثوري، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن
حصين، عن جده قيس بن عاصم ﵁.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د ت) فأخرجه (د) في الطهارة -١٣١/ ١ - عن محمد بن كثير، عن سفيان، به.
وأخرجه (ت) في الصلاة -٣٠٨ - عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، بمعناه، وقال: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده: دل الحديث على مشروعية غسل الكافر إذا أراد أن يسلم إزالة للأوساخ التي أصابته في حال كفره، وعلى
стр. 1972
استحباب الإغتسال بماء مخلوط بسدر، ليكون أبلغ في النظافة، وعلى أن اختلاط الماء بالأشياء الطاهرة لا يخرجه عن الطهورية.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء، في وجوب الغسل على من أسلم، وعدمه: ذهب جماعة إلى وجوبه، وبه يقول مالك (١) وأحمد، وأبو ثور، قاله النووي في المجموع: ج ٢ ص ١٥٣: واختاره ابن المنذر، والخطابى.
واحتجوا بحديث قيس بن عاصم المذكور، وبحديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل، يقال له: ثُمَامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد"، وذكر الحديث، وفي آخره، فقال رسول الله ﷺ : "أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" رواه البخاري، وفي رواية للبيهقي وغيره: أن رسول الله ﷺ مَرَّ عليه، فأسلم، فأطلقه، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، وأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين".
وبحديث أمره ﷺ بالغسل واثلة، وقتادة الرهاوي، عند الطبراني، وعَقيل بن أبي طالب، عند الحاكم في تاريخ نيسابور، وفي أسانيد الثلاثة ضعف، كما قاله الحافظ.
وذهب جماعة إلى استحبابه، وبه يقول الشافعي والهادي إذا لم يجنب في حال الكفر، وإلا وجب عليه الغسل، سواء قد اغتسل أم لا؟ لعدم صحة الغسل، وفيه خلاف في مذهب الشافعي أصحهما وجوب
الإعادة. كما في المجموع.
واحتجوا بأنه ﷺ لم يأمر كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجبا لما خَصَّ
стр. 1973
بالأمر به بعضا دون بعض، فيكون ذلك قرينة صارفة للأمر إلى الندب.
وأما وجوبه على من أجنب فللأدلة القاضية بوجوبه، لأنها لم تفرق بين كافر، ومسلم.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى وجوبه على من أجنب، ولم يغتسل حال كفره، فإن اغتسل لا يجب، ولا يصح قياسه على الصلاة، والزكاة لأنهما لا يصحان بدون النية، بخلاف اغتساله، لأن الماء مطهر بنفسه فلا يحتاج إلى النية.
وذهب المنصور بالله إلى استحبابه مطلقا، وإن لم يغتسل من جنابة أصابته في كفره، لحديث "الإسلام يَجُبُّ ما قبله".
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب من قال بالإستحباب إذ لو كان واجبا لما خَصَّ به بعض من أسلم، ولو أمر به الكل لنقل إلينا نقلا مشتهرًا، ومعلوم انتشار الإسلام في الناس، ولكن لم يحفظ عن كل من أسلم أنه أمر بالاغتسال لا في عهد النبوة، ولا بعدها إلا عن طائفة قليلة. فدل على الاستحباب. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 1974
١٢٧ - تَقْديمُ غَسْل الكَافر إذَا أرَادَ أن يُسْلمَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية تقديم غسل الكافر على إسلامه إذا أراد أن يسلم.
ظاهر تبويب المصنف أنه يرى السعة في الأمر حيث ترجم في الماضي بما يشعر أن الغسل مؤخر، لكن الأولى حمل الحديث الماضي على تقديم الغسل على الإسلام، لحديث أبي داود المتقدم، وحديثُ الباب يؤيده. والله أعلم.
١٨٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ. مُخْتَصِرٌ.
стр. 1975
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت -٧ - تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (سعيد بن أبي سعيد) المقبري المدني ثقة -٣ - تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٤ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من رباعياته، وهو أعلى ما وقع له من الإسناد العالي، وقد تقدم في ٦/ ٦ , ١٤/ ١٤، ١٨/ ١٩، ٣١/ ٣٥.
ومنها أن رواته كلهم ثقات اتفق الستة على التخريج لهم، وأنهم ما بين بغلاني، ومصري، ومدنيين.
ومنها أن صحابيه أحد المكثرين السبعة روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري (أنه سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول: إن ثمامة) بضم الثاء المثلثة وميم مخففة (بن أثال) بهمزة مضمومة وثاء مثلثة مخففة آخره لام مخففة بن النعمان بن سلمة بن عتبة ابن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدُّئل بن حَنيفة الحنفي، أبو أمامة اليمامي ﵁ (الحنفي) بفتحتين منسوب إلى حنيفة المذكور، قال في اللباب: الحنفي بفتح الحاء، والنون وفي آخره فاء، هذه النسبة إلى حنيفة، وهم قبيلة كبيرة من ربيعة بن نزار، نزلوا اليمامة، وهم حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصَى بن دُعمَى بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، اهـ ج ١ ص ٣٩٧.
قال الجامع عفا الله عنه: القاعدة إذا نسب إلى فَعيلة مكبرًا، أو فُعَيْلَة
стр. 1976
مصغرًا إذا لم يكن معتل العين، ولا مضاعفًا يقال: فَعَلي بفتح الفاء والعين وحذف الياء، وفُعَلي بضم الفاء، وفتح العين، وحذف الياء، فيقال في النسبة إلى حنيفة: حنفيل وإلى جُهَينة: جُهَني، قال ابن مالك في الخلاصة:
وَفَعَلِيٌّ في فَعِيلَةَ التُزِمْ … وَفُعَلِيٌّ فِي فُعَيلَةَ حُتِمْ
وأما ما كان معتل العين كطويلة، أو مضاعفا كجَليلة مكبرا، وقُلَيلة مصغرًا، فلا يحذف ياؤه، بل ينسب على لفظه، فيقال: طَويلي وجَليلي وقُليلي، كما قال في الخلاصة:
وَتَمَّمُوا مَا كَانَ كَالطَّويلَه … وَهكَذَا مَا كَانَ كَالجَليلَهْ
(انطلق) أي ذهب، وأول الحديث كما في صحيح البخاري: بعث النبي ﷺ خَيْلا قبل نجد، فجأت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: "أطلقوا ثمامة" فانطلق (إلى نَخْل) بفتح فسكون اسم جمع واحده نخلة. شجرُ التمر.
قال في المصباح: وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره فيقولون هي التمر، وهي البر، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد، وتميم يذكِّرون، فيقولون: نخل كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِر﴾ [القمر: ٢٠]، و ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]،
وأما النخيل بالياء: فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذ لك. اهـ ج ٢ ص ٥٩٧.
قال الحافظ ﵀: قوله إلى نخل، في أكثر الروايات بالخاء المعجمة، وفي النسخة المقرؤة على أبي الوقت بالجيم، وصَوَّبها بعضهم، وقال: والنَّجْل: الماء القليل النابع، وقيل الجاري. قلت: ويؤيد الرواية الأولى أن لفظ ابن خزيمة في صحيحه في هذا الحديث
стр. 1977
"فانطلق إلى حائط أبي طلحة". اهـ فتح ج ١ ص ٦٦٣ ط دار الريان.
وقال العلامة العيني ﵀: ويؤيد هذا يعني رواية الخاءَ- ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي هريرة "أن ثمامة أسر، وكان النبي ﷺ يغدو إليه فيقول: ما عندك يا ثمامة؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمن تمن على شاكر، وإن ترد المال نعطك منه ما شئت، وكان أصحاب النبي ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟، فمر عليه النبي ﷺ يومًا فأسلم، فحله، وبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين، فقال: ﷺ : "لقد حسن إسلام أخيكم" وبهذا اللفظ أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، وأخرجه البزار أيضا بهذا الطريق، وفيه: "فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر" وفي بعض الروايات: "أن ثمامة ذهب إلى المصانع، فغسل ثيابه،
واغتسل"، وفي تاريخ البر في "فأمره أن يقوم بين أبي بكر، وعمر فيعلمانه" اهـ عمدة القاري ج ٤ ص ٢٣٧.
(قريب من المسجد) النبوي (فاغتسل) ظاهره أنه فعل ذلك من غير أمر النبي ﷺ ، لكن الروايات المتقدمة تبين المراد منه، وهو أن اغتساله بأمره ﷺ (ثم) بعد اغتساله (دخل المسجد) النبوي (فقال: أشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده، ورسوله) تقدم الكلام على معنى الشهادتين وإعرابهما في -١٠٩/ ١٤٨ - مستوفى، فارجع إليه (يا محمد) ناداه بإسمه لكونه لا يعلم النهي عنه، أو قبل النهي (والله ما كان على وجه الأرض وجه) اسم كان، والجار والمجرور صفة مقدمة على موصوف نكرة، فيعرب حالا، كما هو القاعدة في نعت النكرة إذا قدم يعرب حالا منها، كما في قوله (من مَجْزُوِّ الوافر):
لِميَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ (١)
стр. 1978
(أبغض الي) خبر "كان" (من وجهك) متعلق بأبغض، وهذا إخبار منه بما كان عليه من عدواة النبي ﷺ (فقد أصبح وجهك أحب الوجوه) بنصب أحب خبرًا لأصبح (كلها) بالجر تأكيد للوجوه (إلي) متعلق بأحب، وهذا إخبار منه لحالته التي هو عليها بعد هداية الله له، فقد انقلبت تلك العداوة إلى الصداقة والمحبة بسبب العفو والحلم منه ﷺ ، وشرح الله صدره للإسلام.
(وإن خيلك) أي فُرسانك، قال ابن منظور ﵀: والخيل: الفُرسان، وفي المحكم: جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه. قال أبو عبيدة: واحدها خائل، لأنه يختال في مشيته، قال ابن سيده: وليس هذا بمعروف، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أي بفرسانك ورجالتك والخيل: الخيول، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨].
وفي الحديث: "يا خيل الله اركبي"، قال ابن الأثير: هذا على حذف المضاف، أراد يا فرسان خيل الله اركبي، وهذا من أحسن المجازات وألطفها. اهـ لسان ج ٢ ص ١٣٠٧.
قال الجامع: الأحسن تفسير الخيل في حديث الباب، وحديث "يا خيل الله اركبي" بالفرسان، أي أن فرسانك (أخدتني) أي أسرتني (وأنا أريد العمرة) جملة حالية من المفعول به.
وقد ذكر ابن اسحاق ﵀ السَّرِّية التي أخذته، فقال:
السرية التي أخذت ثمامة كان أميرها محمد بن مسلمة أرسله ﷺ في ثلاثين راكبًا إلى القُرَطَاء من بني أبي بكر بن كلاب بناحية ضَريَّة بالبكرات لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست، وعند ابن سعد على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة، وكانت غيبته بها تسع عشرة ليلة، وقدم
стр. 1979
لليلة بقيت من المحرم.
قوله: القرطاء بضم القاف وفتح الراء والطاء المهملة، وهِم نفر من بني أبي بكر بن كلاب، وكانوا ينزلون بالبكرات بناحية ضَريَّة، وبين ضرية والمدينة سبع ليال، وضرية بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف، وهى أرض كثيرة العشب، وإليها ينسب الحمى، وضرية في الأصل بنت ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وسمي الموضع المذكور باسمها، والبكرات بفتح الباء الموحدة في الأصل جمع بكرة، وهى ماء بناحية ضرية. اهـ عمدة القاري ج ٤ ص ٢٣٦ - ٢٣٧.
ثم سأل حكم إحرامه بالعمرة فقال (فماذا ترى) أيْ أيَّ حكم ترى في هذا الاعتمار قبل الإسلام هل صحيح فأمضي فيه، أم غير صحيح فأرفضه؟ (فبشره رسول الله ﷺ ) أي أفرحه بذكر ما للمسلمين عند الله تعالى من الخيرات، أو أفرحه بذكر حسن إسلامه للصحابة، ففي رواية ابن خزيمة، فقال ﷺ : "لقد حسن إسلام أخيكم"، يعني أنه لما سمع ذلك استبشر.
وقوله: بشره بتخفيفط الشين ثلاثيا وتشديدها مضعفًا، قال الجوهري: بشرت الرجل أبشره بالضم، بَشْرًا- أي بفتح فسكون، وبُشُورًا من البشرى، وكذلك الإبشار والتبشير ثلاث لغات، والاسم البشارة، والبُشارة، بالكسر والضم.
يقال: بشرته بمولود فأبشر إبشارًا، أي سُرَّ، وتقول أبْشر بخير، بقطع الألف، وبَشرتُ بكذا بالكسر أبشَر أي استبشرت به. وبَشَرَني فلان بوجه حسن أي لقيني وهو حسن البشْر بالكسر أي طلقُ الوجه. اهـ لسان باختصار ج ١ ص ٢٨٧.
قال الجامع: فعلى هذا يحتمل أن يكون معنى: فبشره رسول الله ﷺ ، أي لقيه بوجه طلق لفرحه بإسلامه. والله أعلم.
стр. 1980
(وأمره أن يعتمر) أي يكمّل عمرته التي أحرم بها، وفيه دليل أن من نوى قربة قبل إسلامه ينبغي أن يفعلها بعده، كما في حديث عمر ﵁ في نذره أن يعتكف في المسجد الحرام في الجاهلية فأمره ﷺ أن يوفي بنذره عام الفتح، رواه البخاري وغيره (مختصر) بالرفع خبر
لمحذوف أي هذا الحديث مختصر، من حديث مطول.
وقصته بطولها ساقها ابن إسحاق في المغازي كما أشار إليه في الإصابة ج ٢ ص ٢٧، وساقها ابن الأثير في أسد الغابة ج ١: قال ﵀:
أخبرنا أبو جعفر عبيد الله بن أحمد بن علي بإسناده إلى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان إسلام ثمامة بن أثال الحنفي أن رسول الله ﷺ دعا الله حين عرض لرسول الله ﷺ بما عرض أن يمكنه منه، وكان عرض لرسول الله ﷺ ، وهو مشرك، فأراد قتله، فأقبل ثمامة معتمرًا، وهو على شركه، حتى دخل المدينة، فتحير فيها حتى أخذ، فأتي به رسول الله ﷺ ، فأمر به، فربط إلى عَمُود من عُمُد المسجد فخرج رسول الله ﷺ عليه، فقال: "مالك يا ثمام هل أمكن الله منك؟ " فقال: قد كان ذلك يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن تسأل مالا تعطه، فمضى رسول الله ﷺ -وتركه حتى إذا كان من الغد مرَّ به فقال: "مالك يا ثمام" قال: خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن تسأل مالا تعطه، ثم انصرف رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول بيننا: ما نصنع بدم ثمامة؟ والله لأكلة من جزور سمينة من فدائه أحط إلينا من دم ثمامة، فلما كان من الغد مرَّ به رسول الله ﷺ فقال: "مالك يا ثمامة؟ " قال: خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن تسأل مالا تعطه، فقال رسول الله ﷺ : "أطلقوه فقد عفوتُ عنك يا ثمام، فخرج ثمامة حتى أتى حائطًا من
стр. 1981
حيطان المدينة، فاغتسل فيه، وتطهر، وطهر ثيابه، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فقال: يا محمد لقد كنت وما وجه أبغض إليَّ من وجهك، ولا دين أبغض إليَّ من دينك، ولا بلد أبغض إليَّ من بلدك، ثم لقد أصبحت، وما وجه أحب إلي من وجهك، ولا دين أحب إلي من دينك، ولا بلد أحب إلي من بلدك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا رسول الله إني خرجت معتمرًا، وأنا على دين قومي فأسرني أصحابك في عمرتي، فسيرني صلى الله عليك في عمرتي، فسيره رسول الله ﷺ في عمرته، وعلمه، فخرج معتمرًا، فلما قدم مكة وسمعته قريش يتكلم بأمر محمد قالوا: صبأ ثمامة، فقال: والله ما صبوت ولكنني أسلمت وصدّقت محمدًا وآمنت به، والذي نفس ثمامة بيده لا يأتيكم حبة من اليمامة، وكانت ريف أهل مكة- حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ، وانصرف إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة، فجهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم إلا كتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام، ففعل ذلك رسول الله ﷺ ، ولما ظهر مسيلمة، وقوي أمره أرسل رسول الله ﷺ فُرَات بن حَيَّان العجلي إلى ثمام في قتال مسيلمة وقتله. قال محمد بن إسحاق: لما ارتد أهل اليمامة عن الإسلام لم يرتد ثمامة، وثبت على إسلامه هو ومن تبعه من قومه، وكان مقيما باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة، وتصديقه ويقول: إياكم وأمرًا مظلمًا لا نور، فيه وإنه لشقاء كتبه الله على من أخذ به منكم، وبلاء على من يأخذ به منكم يا بني حنيفة، فلما عصوه واتفقوا على اتباع مسيلمة عزم على مفارقتهم، ومرّ العلاء بن الحضرمي ومن معه على جانب اليمامة يريدون البحرين، وبها الحطم ومن معه من المرتدين من ربيعة، فلما بلغه ذلك قال لأصحابه من المسلمين إني والله ما أرى أن أقيم مع هؤلاء وقد أحدثوا،
стр. 1982
وإن الله ضاربهم ببلية لا يقومون بها ولا يقعدون، وما أرى أن نتخلف عن هؤلاء، يعني ابن الحضرمي وأصحابه وهم مسلمون، وقد عرفنا الذي يريدون، وقد مروا بنا، ولا أرى إلا الخروج معهم، فمن أراد منكم فليخرج، فخرج ممدا للعلاء، ومعه أصحابه من المسلمين فَفَتَّ ذلك في أعضاد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة وشهد مع العلاء قتال الحطم فانهزم المشركون وقتلوا، وقسم العلاء الغنائم ونَفَّلَ رجالا فأعطى العلاء خميصة كانت للحطم يباهي بها رجلا من المسلمين فاشتراها منه ثمامة فلما رجع ثمامة بعد هذا الفتح رأى بنو قيس بن ثعلبة قوم الحطم خميصته على ثمامة، فقالوا: أنت قتلت الحطم قال: لم أقتله ولكني اشتريتها من المغنم، فقتلوه. اهـ أسد ج ١ ص ٢٤٦ - ٢٤٧. والله أعلم.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٢٧/ ١٨٩، وفي الصلاة ٢٠/ ٧١٢، وفي الكبرى ١١٩/ ١٩٣ و ٢٠/ ٧٩١ عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبري، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في الصلاة -٨٢ - ، وفي الإشخاص -٧ - عن قتيبة، وفيهما وفي المغازي -٧١/ ١ - عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه (م) في المغازي -٢١/ ١ - ، وأخرجه (د) في الجهاد -١٢٤/ ٣ - عن عيسى بن حماد، وقتيبة ثلاثتهم عن الليث بن سعد، به. وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، وعبد الرزاق، والبيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها جواز دخول الكافر المسجد، وفيه خلاف بين العلماء وسيأتي
стр. 1983
تحقيق الخلاف مع بيان الأدلة وترجيح الراجح منها في كتاب المساجد في باب ربط الأسير بسارية المسجد -٢٠/ ٧١٢ - إن شاء الله تعالى.
ومنها أسر الكافر، وجواز إطلاقه.
ومنها جواز ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها فيأنس لذلك، ففي صحيح ابن خزيمة عن عثمان بن أبي العاص "إن وفد ثقيف لما قدموا أنزلهم النبي ﷺ -المسجد ليكون أرَقّ لقلوبهم"، وقال جبير بن مطعم فيما ذكره أحمد ﵀: "دخلت المسجد والنبي ﷺ يصلي المغرب فقرأ بالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن" وقيل: يمكن أن يكون ربطه بالمسجد لأنه لم يكن لهم موضع يربط فيه إلا المسجد.
قال الجامع: والأول أولى لما تقدم.
ومنها مشروعية اغتسال الكافر إذا أسلم وفيه الخلاف المتقدم في الباب الماضي في وجوبه وعدمه، وقد قدمنا أن الراجح هو قول من قال بالإستحباب، وهو مذهب الشافعي، وبعض العلماء.
ومنها أنه أخذ ابن المنذر من هذا الحديث جواز دخول الجنب المسلم المسجد، وأنه أولى من المشرك، لأنه ليس بنجس.
قال الجامع: لكن يرد عليه حديث عائشة ﵁ مرفوعًا "لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب" رواه أبو داود، وحديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا "إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب" رواه ابن ماجه. والحديثان وإن ضعف ابن حزم إسنادهما بأنَّ أفلَتَ بن خليفة مجهول، فقد ردوا عليه بأن ابن حبان وثقه، وقال أبو حاتم: هو شيخ، وقال أحمد: لا بأس به، وروى عنه سفيان الثوري، وعبد الواحد بن زياد، وقال في الكاشف: صدوق، وقال في البدر المنير: بل هو مشهور ثقة.
стр. 1984
وكذا قول البخاري في جسرة الراوية عن عائشة: إن عندها عجائب قال ابن القطان: لا يكفي في رد أخبارها. وقال العجلي: تابعية ثقة. وذكرها ابن حبان في الثقات. وقد حسن ابن القطان حديثهما هذا، وصححه ابن خزيمة، قال ابن سيد الناس: ولعمري إن التحسين لأقل مراتبه لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج، فلا حجة لأبي محمد بن حزم في رده. أفاده في نيل الأوطارج ١ ص ٣٤٥ - ٣٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن دخول الجنب المسجد، وكذا الحائض ممنوع للحديثين المذكورين (١). والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 1985
١٢٨ - الغَسْلُ مِنْ مُواَراَةِ المُشْركِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الإغتسال من أجل دفن المشرك إذا مات.
والمواراة مصدر وَارَاه: إذا ستره. أفاده في المصباح.
١٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ نَاجِيَةَ بْنَ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَوَارِهِ". قَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا، قَالَ: "اذْهَبْ فَوَارِهِ". فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: "اغْتَسِلْ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (محمد) بن جعفر غندر البصري ثقة -٥ - تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري ثقة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي ثقة -٣ - تقدم في ٣٨/ ٤٢.
стр. 1986
٥ - (ناجية بن كعب) الأسدي، ويقال: ابن خُفَاف -بضم المعجمة، وبفائين- العَنَزى أبو خفاف الكوفي، ويقال: إنهما اثنان. روى عن ابن مسعود، وعلي، وعمار. وعنه أبو إسحاق السبيعي، وأبو حسان الأعرج، ووائل بن داود، وأبو السفر الهمداني، ويونس بن أبي إسحاق. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ناجية بن كعب صالح، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال يعقوب بن شيبة في حديث أبي إسحاق عن ناجية، عن عمار في التيمم رواه جماعة عن أبي إسحاق، فقال زائدة عنه، عن ناجية، ولم ينسبه، وقال أبو الأحوص: عن ناجية أبي خفاف، وقال أبو بكر بن عياش: عن ناجية العنزي، وقال ابن عيينة وإسرائيل: عن ناجية بن كعب، فقال علي بن المديني: قول ابن عيينة عن ناجية بن كعب غلط، وإنما هو ناجية بن خفاف العنزي، قال علي: وأما ناجية بن كعب فهو أسدي، قال علي: وناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي لم يسمع هذا الحديث عندي من عمار، لأن ناجية هذا لقيه يونس ابن أبي إسحاق، وليس بالقديم. وقال الخطيب أبو بكر: قال ابن عيينة وإسرائيل ومعلى بن هلال، عن أبي اسحاق، عن ناجية بن كعب، وهو وهم. قال: وأحسب أبا إسحاق رواه لهم عن ناجية غير منسوب، فظنوه ناجية بن كعب. انتهى.
وقد رواه أبو نعيم، وخلف بن هشام، ومحمد بن عبيد المحاربي، عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي، في قصة وفاة أبي طالب، وروى الترمذي بهذا الإسناد قول أبي جهل للنبي ﷺ "إنَّا لا نكذبك" الحديث، وهذا جميع ماله عندهم.
قال الحافظ ﵀: فيلخص من أقوال هؤلاء الأئمة أن الراوي عن عمار حديث التيمم هو ناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي، وهو الذي روى عن ابن مسعود، وعنه أبو إسحاق، وابنه يونس بن أبي
стр. 1987
إسحاق وغيرهما، وأما ناجية بن كعب الأسدي فهو الراوي عن علي بن أبي طالب، فقد قال ابن المديني أيضا: لا أعلم أحدًا روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول، وقال العجلي: ناجية بن كعب كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الجوزجاني: مذموم، وفرق البخاري، وابن أبي حاتم عن أبيه، ومسلم في الطبقات، وغير واحد بين ناجية بن كعب الأسدي، وبين ناجية بن خفاف العنزي، وذكر ابن منده ناجية بن خفاف في الصحابة، وقال: لاتصح له صحبة. اهـ تت ج ١٠ ص ٤٠١.
٦ - (علي) بن أبي طالب ﵁ تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات غير ناجية بن كعب، فمختلف فيه كما تقدم، ففي التقريب: ناجية بن كعب الأسدي عن علي ثقة من الثالثة. وتقدم عن ابن المديني أنه قال: لا أعلم روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول، ووثقه العجلي، وابن حبان.
ومنها أنهم ما بين بصريين، وهم من قبل أبي إسحاق، وكوفيين، وهم الباقون. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن علي) بن أبي طالب ﵁ أنه أتى النبي ﷺ ) أي جاء إليه، يقال: أتى الرجل ياتي أتْيًا -أي من باب رمى-: جاء، والإتيان اسم منه، وأتيته يستعمل لازما ومتعديا، قال الشاعر (من الكامل):
فَاحْتَلْ لنَفْسكَ قَبْلَ أتْيِ العَسْكَرِ
وأتا يأتو أتْوًا لغة فيه. قاله في المصباح. ج ١ ص ٣.
стр. 1988
(فقال: إن أبا طالب) ابن عبد المطلب، واسمه عبد مناف، والد علي ﵁، وعم النبي ﷺ شقيق أبيه، وهو الذي قام بكفالته بعد موت جده عبد المطلب بوصية منه (مات) وفي رواية المصنف الآتية في الجنائز ٨٤/ ٢٠٠٦، وأبي داود: قال: قلت للنبي ﷺ إن عمك الشيخ الضال مات فمن يواريه؟ (فقال: اذهب فواره) وفي الرواية الآتية "فوار أباك" أي ادفنه، وغيِّبه عن أعين الناس، لثلا يتأذى أحد بجيفته (فلما واريته) أي دفنته (رجعت اليه) ﷺ (فقال لي: اغتسل) وفي الرواية الآتية "ولا تحدثن حدثا حتى تأتيني، فواريته، ثم جئت، فأمرني، فاغتسلت، ودعا لي". وقوله: ولا تحدثنَّ حدثًا أي لا تفعل شيئًا قبل مجيئك إلي.
وفيه أنه لم يأمره بغسله، ولا بتكفينه.
ثم الظاهر أن هذا الاغتسال من دفنه، لا من غسله فيكون مخصوصا بالكافر لنجاسته على قول أن بدن الكافر نجس لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، أو لأنه لا يخلو عن نجاسة لعدم عنايته بالنظافة.
وقال السندي: الاغتسال مبني على أنه غسله، وأن من يغسل الميت ينبغي له أن يغتسل، ويحتمل أن يختص ذلك بالكافر لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، لكن الأحاديث تقتضي العموم، نعم لو قيل: إن اغتساله من جهة المواراة، ومواراة الكافر توجب الغسل لنجاسته لكان له وجه. اهـ كلام السندي ج ٤ ص ٨٠.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي ﵀ أخيرًا هو المتجه عندي. والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 1989
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته: هذا الحديث صححه الشيخ الألباني، وقد عرفت ما في ناجية من الكلام، فقال ابن المديني: مجهول، وقال الجوزجاني: مذموم، ووثقه ابن حبان، والعجلي، والحافظ في التقريب، وضعف الحديث البيهقي.
قال الجامع: الحق أنه لا ينزل عن درجة الحسن. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٢٨/ ١٩٠ - بالسند المذكور، وفي الجنائز ٨٤ - عن أبي قدامة عن يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق به. وفي الكبرى في الطهارة ١٢٠/ ١ - عن محمد بن بشار، عن يحيى به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه: أخرجه (د) في الجنائز -٧٥ - عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي ﵁. وأخرجه الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأبو
يعلى، والبزار، والبيهقي.
قال الحافظ ﵀: ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف، ولا يتبين وجه ضعفه، وقد قال الرافعي: أنه حديث ثابت مشهور، قال ذلك في أماليه. اهـ تلخيص ج ٢ ص ١١٤.
المسألة الرابعة: قال الحافظ في التلخيص: ليس في شيء من طرق هذا الحديث التصريح بأنه غسله إلا أن يؤخذ ذلك من قوله: فأمرني فاغتسلت، فإن الاغتسال من غسل الميت.
قال الجامع: هذا غير واضح، بل الظاهر أنه من دفنه، لا من غسله كما تقدم.
стр. 1990
قال الحافظ: وقد وقع عند أبي يعلى من وجه آخر في آخره: وكان علي إذا غسل ميتًا اغتسل، ووقع عند ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ: فقلت: إن عمك الشيخ الكافر قد مات، فما ترى فيه؟ قال: أرى أن تغسله وتجنه، وقد ورد من وجه آخر أنه غسله. رواه ابن سعد عن الواقدي: حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: لما أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب بكى، ثم قال لي: اذهب فاغسله، وكفنه، قال: ففعلت، ثم أتيته، فقال لي: اذهب فاغسله وكفنه، قال: ففعلت، ثم أتيته، فقال لي: اذهب فاغتسل، وكذلك رويناه في الغيلانيات.
واستدل بعضهم على ترك غسل المسلم للكافر بما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: جاء ثابت بن قيس بن شماس، فقال: يا رسول الله أن أمي توفيت وهي نصرانية، وإني أحب أن أحضرها، فقال له اركب دابتك وسرْ أمامها، فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها، قال الدارقطني: لا يثبت.
قال الحافظ: قلت: وهو مع ضعفه لا دلالة فيه على الأمر بترك الغسل ولا بفعله. اهـ تلخيص ج ٢ ص ١١٤ - ١١٥.
المسألة الخامسة: في فوائده: من فوائد الحديث الإحسان إلى القريب ولو كافرا، ودفنه ومشروعية الغسل من دفنه، وهو الذي ترجم عليه المصنف، وكمال أدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ ، فلا يُقدمُون على شيء إلا عن أمر منه ﷺ ولو كان ذلك الأمر مما يتعين عليهم، حيث إن عليا سأل عن شأن أبيه بعد موته ولم يتولّ أمره بانفراده، وهذا من وفور إيمانه فلا تغلبه حنانة الأبوة، ولا عظيم قربه منه، بل آثر الله ورسوله ﷺ ، فصدق عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
стр. 1991
الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].
المسألة السادسة: في مذاهب العلماء في غسل الكافر ودفنه:
قال النووي ﵀ في المجموع ما حاصله: مذهب الشافعي أن للمسلم غسله ودفنه واتباع جنازته، قال: ونقله ابن المنذر عن أصحاب الرأي وأبي ثور، وقال مالك وأحمد: ليس للمسلم غسله ولا دفنه،
لكن قال مالك: له موارته. اهـ مجموع ج ٥ ص ١٥٣.
قال الجامع عفا الله عنه:
الراجح عندي أنه يواريه، لحديث الباب، ولا يغسله، ولا يتبع جنازته، لعدم صحة دليل على ذلك، وما تقدم فهو من طريق الواقدي، وهو ضعيف. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 1992
١٢٩ - بَابُ وُجُوب الغَسْل إذَا التَقَى الختاَناَن
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الغسل إذا التقى ختان الرجل بختان المرأة، وإن لم يُنْزلا.
الختانان بالكسر: تثنية ختَان، وهو موضع القطع من الذكر والأنثى.
قال ابن منظور ﵀: خَتَنَ الغلامَ والجارية يختنهما، ويختُنُهما -يعني من بابي ضرب ونصر- خَتْنًا، والإسم: الختان والختانة، وهو مختون، وقيل: الختن للرجال، والخفض للنساء. والخَتين المختون، الذكر والأنثى في ذلك سواء. والختانة: صناعة الخاتن، والخَتْن فعل الخاتن الغلامَ، والختان، ذلك الأمر كله وعلاجه. والختان: موضع الختن من الذكر، وموضع القطع من نواة الأنثى، ومنه الحديث المروي: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل". وهما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، ويقال لقطعهما: الإعذار والخفض.
ومعنى التقائهما: غيوب الحشفة في فرج المرأة حتى يصير ختانه بحذاء ختانها، وذلك أن محل الذكر من المرأة سافل عن ختانها، لأن ختانها مستعل، وليس معناه أن يماس ختانه ختانها، هكذا قال الشافعي في كتابه. وأصل الختن: القطع. اهـ لسان العرب ج ٢ ص ١٠٢.
١٩١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ اجْتَهَدَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ".
стр. 1993
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام العلم الحجة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (قتادة) بن دعامة أبو الخطاب البصري الحجة الثبت -٤ - تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (الحسن) بن يسار البصري الحجة الثبت -٣ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٦ - (أبو رافع) نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة مولى ابنة عمر وقيل: مولى بنت العجماء، أدرك الجاهلية، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبى موسى الأشعري، وأبي هريرة، وحفصة بنت عمر ﵃. وروى عنه ابنه عبد الرحمن، والحسن البصري، وحميد بن هلال وخلاس بن عمرو، وعبد الله بن فيروز الدَّانَاج، وثابت البناني،
وعطاء بن أبي ميمونة، وقتادة، وبكر بن عبد الله المزني، وسليمان التيمي، وعلى بن زيد بن جدعان، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: خرج من المدينة قديما، وكان ثقة،
وقال العجلي: بصري تابعي ثقة من كبار التابعين، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال حماد بن سلمة عن ثابت: لما أعتق أبو رافع بكى، وقال: كان لي أجران فذهب أحدهما.
قال الحافظ: وقال الدراقطني قيل: إن اسمه نفيع، ولا يصح -يعني أن اسمه قتيبة، قال: وهو ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن
стр. 1994
عبد البر في الصحابة: لا أقف على نسبه، وهو مشهور من علماء التابعين أدرك الجاهلية، وروى إبراهيم الحربي في غريبه من طريق أبي رافع قال: كان عمر يمازحني حتى يقول: أكذب الناس الصائغ يقول: اليوم، وغدا. اهـ تت ج ١٠ ص ٣٧٢ - ٣٧٣، أخرج له الجماعة.
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ممن اتفقوا على الإخراج لهم إلا شيخه فلم يخرج له (خ) وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، قتادة، والحسن، وأبو رافع، وفيه أبو
هريرة أحد المكثرين السبعة، وأن الرواة كلهم بصريون، إلا الصحابي فمدني. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ : إذا جلس) الضمير المستتر فيه وفي قوله "ثم جهد" للرجل، والضميران البارزان في قوله "شعبها"، و"جهدها" للمرأة، وترك إظهار ذلك لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. وقد وقع مصرحًا به في رواية لابن المنذر من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: "إذا غَشيَ الرجل امرأته فقعد بين شعبها" … الحديث. أفاده في الفتح ج ١ ص ٤٧٠ (بين شعبها الأربع) بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة جمع شعبة بضم فسكون: القطعة من الشيء، قيل: المراد هنا يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها وإسكتاها (١)، وقيل: فخذاها وشُفْرَاهَا، وقيل: نواحي
стр. 1995
فرجها الأربع، ورجح القاضي عياض الأخير، واختار ابن دقيق العيد الأول، قال: لأنه أقرب الى الحقيقة أو هو حقيقة في الجلوس، وهو كناية عن الجماع فاكتفى به عن التصريح. قاله في الفتح ج ١ ص ٤٧٠.
(ثم جهدها) قال الفيومي ﵀: جَهَد في الأمر جَهْدا من باب نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجهده الأمر والمرض جهدا أيضا: إذا بلغ منه المشقة، ومنه جَهْدُ البلاء، ويقال: جهدت فلانا جهدا إذا بلغت مشقته، جهدت الدابة، وأجهدتها: حملت عليها في السير فوق طاقتها، وجهدت اللبن جهدًا: مزجته بالماء، ومخضته حتى استخرجت زبده، فصار حلوا لذيذًا، قال الشاعر (من البسيط):
منْ نَاصع اللَّوْن حُلوْ الطُّعْم مَجْهُود
وصفه إبله بغزارة لبنها، والمعنى أنه مُشتهى لا يمل من شربه، لحلاوته وطيبه.
وقوله ﵊: "إذا جلس بين شعبها، وجهدها" مأخوذ من هذا، شبه لذة الجماع بلذة شرب اللبن الحلو، كما شبهه بذوق العسل بقوله: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". اهـ المصباح ج ١ ص ١١٢.
وقال ابن منظور ﵀: "ثم جهدها": أي دفعها، وحَفَزَهَا، وقيل الجهد من أسماء النكاح. -يعني الجماع- اهـ لسان ج ١ ص ٧٠٩.
وفي الفتح: يقال: جهد، وأجهد أي بلغ المشقة، قيل: معناه كَدَّهَا بحركته، أو بلغ جهده في العمل بها. اهـ ج ١ ص ٤٧٠.
قال الجامع: حاصل المعنى المراد: أنه جامعها. والله أعلم.
ووقع في مسلم من طريق شعبة، عن قتادة "ثم اجتهد"، ورواه أبو
стр. 1996
داود من طريق شعبة، وهشام معا، عن قتادة بلفظ "وألزق الختان بالختان" بدل قوله: "ثم جهدها".
قال الحافظ ﵀: وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج. ورواه البيهقي من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة مختصرًا ولفظه "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل". وروي أيضا بهذا اللفظ من حديث عائشة أخرجه الشافعي من طريق سعيد بن المسيب عنها، وفي إسناده علي بن جُدْعان، وهو ضعيف، وابن ماجه من طريق القاسم بن محمد عنها، ورجاله ثقات، ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري عنها بلفظ "ومس الختان الختان"، والمراد بالمس والالتقاء المحاذاة، ويدل عليه رواية الترمذي بلفظ "إذا جاوز"، وليس المراد بالمس حقيقته لأنه لا يتصور عند غيبة الحشفة، ولو حصل المس قبل الإيلاج لم يجب الغسل بالإجماع. قاله في الفتح ج ١ ص ٤٧١.
(فقد وجب الغسل) جواب "إذا"، أي لزمه الغسل، وإن لم ينزل، فلا يشترط الإنزال، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل عليه، وإن لم ينزل، يدل على هذا رواية مسلم من طريق مطر الوراق، عن الحسن في آخر هذا الحديث "وإن لم ينزل"، ووقع ذلك في رواية قتادة أيضا رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن عفان، قال: حدثنا همام، وأبان قالا: أخبرنا قتادة به، وزاد في آخره، "أنزل، أو لم ينزل"، وكذا رواه الدراقطني وصححه من طريق علي بن سهل عن عفان، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة، عن قتادة. أفاده في الفتح ج ١ ص ٤٧١. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف أخرجه هنا
стр. 1997
-١٢٩/ ١٩١ - وفي الكبرى -١٢١/ ١٩٧ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م د ق) فأخرجه (خ) في الطهارة ١٠٧ - عن معاذ بن فضالة، وأبي نعيم، كلاهما عن هشام، عن قتادة، به. قال: وقال موسى عن أبان عن قتادة: أخبرنا الحسن مثله. وتابعه عمرو يعني ابن مرزوق -، عن شعبة، عن قتادة.
وأخرجه مسلم فيه-٥٦/ ١ عن أبي خيثمة زهير بن حرب، وأبي غسان المسمعي، وابن المثنى، وابن بشار، أربعتهم عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، ومطر الوراق، كلاهما عن الحسن به. وفي -
٥٦/ ٢ - عن محمد بن عمرو بن جبلة، عن ابن أبي عدي -وفي -٥٦/ ٢ - عن ابن المثنى، عن وهب بن جرير- كلاهما عن شعبة به.
وأخرجه (د) فيه ٨٤/ ٢ - عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، وشعبة، كلاهما عن قتادة نحوه "إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان" وأخرجه (ق) فيه -١١١/ ٣ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، الفضل بن دكين به.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم من أولج ولم ينزل:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى إيجاب الغسل بالإيلاج وإن لم ينزل، وبه قال الخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، وقد ادعى بعضهم انعقاد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وليس كذلك بل
الخلاف موجود. كما سنحققه، وذهب بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى عدم الإيجاب إلا بالإنزال، وممن روى عنه ذلك عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله،
стр. 1998
وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهور الأنصار ﵃، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أهل الظاهر. قاله ابن حزم في المحلى ج ٢ ص ٤.
قال النووي ﵀ بعد ذكر بعض من ذكرهم ابن حزم: ثم منهم من رجع عنه الى موافقة الجمهور، ومنهم من لم يرجع. اهـ المجموع جـ ٢ ص ١٣٦.
وحجة هؤلاء ما رواه الشيخان، والطحاوي، والبزار من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁: أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك. هذا لفظ البخاري، وما رواه مسلم عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب، قال:
سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة، ثم يكسل؟ فقال: "يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ". وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والطحاوي. وما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج، ورأسه يقطر، فقال: "لعلنا أعجلناك"؟ فقال: نعم يا رسول الله، قال: "إذا أعجلتَ، أو قُحطتَ فلا غسل عليك، وعليك الوضوء". وأخرجه الطحاوي. وأخرج الطحاوي أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلت لإخواني من الأنصار: أنزلوا
стр. 1999
الأمر كما تقولون: الماء من الماء، أرأيتم إن اغتسل؟ فقالوا: لا والله حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله، وأخرج أبو العباس السراج أيضا في مسنده: حدثنا روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار أن ابن عباس أخبره أن أبا سعيد الخدري كان ينزل في داره، وأن أبا سعيد أخبره أنه كان يقول لأصحابه: أرأيتم إذا اغتسلت، وأنا أعرف أنه كما تقولون؟ قالوا: لا حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله في الرجل يأتي امرأته ولا ينزل. وأخرج مسلم أيضًا
عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال: "الماء من الماء".
وما رواه ابن ماجه، والطحاوي من حديث أبي أيوب ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الماء من الماء".
وما أخرجه الطحاوي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت أصبت من أهلي، فلما جاءني رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئا، فقال رسول الله ﷺ : "الماء من الماء، والغسل على من أنزل".
وما أخرجه أحمد من حديث عتبان الأنصاري، قال قلت: يا نبي الله إني كنت مع أهلي، فلما سمعت صوتك أقلعْتُ فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : "الماء من الماء". وما أخرجه أحمد، والطبراني من حديث رافع بن خديج ﵁، ناداني رسول الله ﷺ -وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أمْن، فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : "لا عليه، الماء من الماء". وما أخرجه أبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "انطلق رسول الله في طلب رجل من الأنصار، فدعاه، فخرج الأنصاري، ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله ﷺ : ما
стр. 2000
لرأسك"، فقال: دعوتني وأنا مع أهلي، فخفت أن أحتبس عليك، فعجلت فقمت وصببت علي الماء، ثم خرجت، فقال: "هل كنت أنزلت؟ " قال: لا، قال: "إذا فعلت ذلك، فلا تغتسلن، اغسل ما مس المرأة منك، وتوضأ وضوءك للصلاة. فإن الماء من الماء". وأخرجه البزار أيضًا.
وما أخرجه البزار من حديث ابن عباس ﵄ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار فأبطأ عليه، فقال: "ما حبسك؟ " قال: كنت حين أتاني رسولك على امرأتي، فقمت، فاغتسلت، فقال: "وكان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل"، قال: فكان الأنصار يفعلون ذلك".
وما أخرجه معمر بن راشد في جامعه من حديث عبد الله بن عقيل قال: "سلم النبي ﷺ على سعد بن عبادة، فلم يأذن له كان على حاجته، فرجع النبي ﷺ -فقام سعد سريعا فاغتسل، ثم تبعه، فقال: يا رسول الله إني كنت على حاجة، فقمت، فاغتسلت، فقال النبي ﷺ : "الماء من الماء".
واحتج الجمهور بحديث الباب، وحديث عائشة ﵂ أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل؟ فقالت: فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا منه جميعا. أخرجه الطحاوي، والترمذي، ولفظه: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا". وقال: هذا حديث صحيح، وأخرجه ابن ماجه أيضا، وروى مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب "أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين ﵂، فقال: لقد شقّ على اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر، إني لأعظم أن أستقبلك به، فقالت: