داود من طريق شعبة، وهشام معا، عن قتادة بلفظ "وألزق الختان بالختان" بدل قوله: "ثم جهدها".
قال الحافظ ﵀: وهذا يدل على أن الجهد هنا كناية عن معالجة الإيلاج. ورواه البيهقي من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة مختصرًا ولفظه "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل". وروي أيضا بهذا اللفظ من حديث عائشة أخرجه الشافعي من طريق سعيد بن المسيب عنها، وفي إسناده علي بن جُدْعان، وهو ضعيف، وابن ماجه من طريق القاسم بن محمد عنها، ورجاله ثقات، ورواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري عنها بلفظ "ومس الختان الختان"، والمراد بالمس والالتقاء المحاذاة، ويدل عليه رواية الترمذي بلفظ "إذا جاوز"، وليس المراد بالمس حقيقته لأنه لا يتصور عند غيبة الحشفة، ولو حصل المس قبل الإيلاج لم يجب الغسل بالإجماع. قاله في الفتح ج ١ ص ٤٧١.
(فقد وجب الغسل) جواب "إذا"، أي لزمه الغسل، وإن لم ينزل، فلا يشترط الإنزال، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل عليه، وإن لم ينزل، يدل على هذا رواية مسلم من طريق مطر الوراق، عن الحسن في آخر هذا الحديث "وإن لم ينزل"، ووقع ذلك في رواية قتادة أيضا رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن عفان، قال: حدثنا همام، وأبان قالا: أخبرنا قتادة به، وزاد في آخره، "أنزل، أو لم ينزل"، وكذا رواه الدراقطني وصححه من طريق علي بن سهل عن عفان، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة، عن قتادة. أفاده في الفتح ج ١ ص ٤٧١. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف أخرجه هنا
стр. 1997
-١٢٩/ ١٩١ - وفي الكبرى -١٢١/ ١٩٧ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م د ق) فأخرجه (خ) في الطهارة ١٠٧ - عن معاذ بن فضالة، وأبي نعيم، كلاهما عن هشام، عن قتادة، به. قال: وقال موسى عن أبان عن قتادة: أخبرنا الحسن مثله. وتابعه عمرو يعني ابن مرزوق -، عن شعبة، عن قتادة.
وأخرجه مسلم فيه-٥٦/ ١ عن أبي خيثمة زهير بن حرب، وأبي غسان المسمعي، وابن المثنى، وابن بشار، أربعتهم عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، ومطر الوراق، كلاهما عن الحسن به. وفي -
٥٦/ ٢ - عن محمد بن عمرو بن جبلة، عن ابن أبي عدي -وفي -٥٦/ ٢ - عن ابن المثنى، عن وهب بن جرير- كلاهما عن شعبة به.
وأخرجه (د) فيه ٨٤/ ٢ - عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، وشعبة، كلاهما عن قتادة نحوه "إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان" وأخرجه (ق) فيه -١١١/ ٣ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، الفضل بن دكين به.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم من أولج ولم ينزل:
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى إيجاب الغسل بالإيلاج وإن لم ينزل، وبه قال الخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، وقد ادعى بعضهم انعقاد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وليس كذلك بل
الخلاف موجود. كما سنحققه، وذهب بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى عدم الإيجاب إلا بالإنزال، وممن روى عنه ذلك عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله،
стр. 1998
وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهور الأنصار ﵃، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أهل الظاهر. قاله ابن حزم في المحلى ج ٢ ص ٤.
قال النووي ﵀ بعد ذكر بعض من ذكرهم ابن حزم: ثم منهم من رجع عنه الى موافقة الجمهور، ومنهم من لم يرجع. اهـ المجموع جـ ٢ ص ١٣٦.
وحجة هؤلاء ما رواه الشيخان، والطحاوي، والبزار من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁: أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته، فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك. هذا لفظ البخاري، وما رواه مسلم عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب، قال:
سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يصيب من المرأة، ثم يكسل؟ فقال: "يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ". وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والطحاوي. وما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ "أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج، ورأسه يقطر، فقال: "لعلنا أعجلناك"؟ فقال: نعم يا رسول الله، قال: "إذا أعجلتَ، أو قُحطتَ فلا غسل عليك، وعليك الوضوء". وأخرجه الطحاوي. وأخرج الطحاوي أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلت لإخواني من الأنصار: أنزلوا
стр. 1999
الأمر كما تقولون: الماء من الماء، أرأيتم إن اغتسل؟ فقالوا: لا والله حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله، وأخرج أبو العباس السراج أيضا في مسنده: حدثنا روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار أن ابن عباس أخبره أن أبا سعيد الخدري كان ينزل في داره، وأن أبا سعيد أخبره أنه كان يقول لأصحابه: أرأيتم إذا اغتسلت، وأنا أعرف أنه كما تقولون؟ قالوا: لا حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله في الرجل يأتي امرأته ولا ينزل. وأخرج مسلم أيضًا
عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال: "الماء من الماء".
وما رواه ابن ماجه، والطحاوي من حديث أبي أيوب ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "الماء من الماء".
وما أخرجه الطحاوي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت أصبت من أهلي، فلما جاءني رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئا، فقال رسول الله ﷺ : "الماء من الماء، والغسل على من أنزل".
وما أخرجه أحمد من حديث عتبان الأنصاري، قال قلت: يا نبي الله إني كنت مع أهلي، فلما سمعت صوتك أقلعْتُ فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : "الماء من الماء". وما أخرجه أحمد، والطبراني من حديث رافع بن خديج ﵁، ناداني رسول الله ﷺ -وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أمْن، فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : "لا عليه، الماء من الماء". وما أخرجه أبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "انطلق رسول الله في طلب رجل من الأنصار، فدعاه، فخرج الأنصاري، ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله ﷺ : ما
стр. 2000
لرأسك"، فقال: دعوتني وأنا مع أهلي، فخفت أن أحتبس عليك، فعجلت فقمت وصببت علي الماء، ثم خرجت، فقال: "هل كنت أنزلت؟ " قال: لا، قال: "إذا فعلت ذلك، فلا تغتسلن، اغسل ما مس المرأة منك، وتوضأ وضوءك للصلاة. فإن الماء من الماء". وأخرجه البزار أيضًا.
وما أخرجه البزار من حديث ابن عباس ﵄ قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى رجل من الأنصار فأبطأ عليه، فقال: "ما حبسك؟ " قال: كنت حين أتاني رسولك على امرأتي، فقمت، فاغتسلت، فقال: "وكان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل"، قال: فكان الأنصار يفعلون ذلك".
وما أخرجه معمر بن راشد في جامعه من حديث عبد الله بن عقيل قال: "سلم النبي ﷺ على سعد بن عبادة، فلم يأذن له كان على حاجته، فرجع النبي ﷺ -فقام سعد سريعا فاغتسل، ثم تبعه، فقال: يا رسول الله إني كنت على حاجة، فقمت، فاغتسلت، فقال النبي ﷺ : "الماء من الماء".
واحتج الجمهور بحديث الباب، وحديث عائشة ﵂ أنها سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل؟ فقالت: فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا منه جميعا. أخرجه الطحاوي، والترمذي، ولفظه: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا". وقال: هذا حديث صحيح، وأخرجه ابن ماجه أيضا، وروى مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب "أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين ﵂، فقال: لقد شقّ على اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر، إني لأعظم أن أستقبلك به، فقالت:
стр. 2001
ما هو؟ ما كنت سائلا عنه أمك فاسألني عنه، فقال لها: الرجل يصيب أهله فيكسل ولا ينزل؟ قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال أبو موسى: لا أسأل أحدًا عن هذا بعدك أبدًا". ورواه الشافعي أيضًا عن مالك، وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال الإمام أحمد: هذا إسناد صحيح إلا أنه موقوف على عائشة ﵂.
وقال أبو عمر: هذا الحديث موقوف في الموطأ عند جماعة من رواته، وروى موسى بن طارق أبو قرة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". ولم يتابع على رفعه عن مالك. وأخرج الطحاوي أيضًا عن جابر بن عبد الله، قال: أخبرتني أم كلثوم عن عائشة ﵂: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل، هل عليه من غسل؟، وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل".
قال الجمهور فهذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله ﷺ -أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل.
وقالت الطائفة الأولى هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله ﷺ ، وقد يجوز أن يفعل ما ليس عليه- يعني يفعله بطريق الاستحباب، لا بطريق الوجوب، فلا يتم الاستدلال بها، والآثار الأُوَلُ تُخبر عما يجب، وما لا يجب فهي أولى.
فأجاب الجمهور عن هذا، بأن هذه الآثار على نوعين: أحدهما "الماء من الماء" لا غير، فهذا ابن عباس ﵁ قد روي عنه أنه قال: مراد رسول الله ﷺ أن يكون هذا في الاحتلام، فقد أخرج الترمذي بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: "إنما الماء من الماء" في الاحتلام، يعني إذا رأى أنه يجامع، ثم لم ينزل، فلا غسل عليه (١).
стр. 2002
والنوع الآخر: الذي فيه الأمر، وأخبر فيه بالقصة وأنه لا غسل في ذلك حتى يكون الماء فهذا قد جاء خلاف ذلك عن النبي ﷺ ، وهو حديث أبي هريرة ﵁ المذكور في الباب وهو ناسخ لتلك الآثار.
فإن قيل: ليس فيه دليل على النسخ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ.
أجيب بأنه قد جاء ما يدل على النسخ صريحا، وهو ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو- يعني ابن الحارث، عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره "أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمرنا بالغسل، ونهى عن ذلك". قال أبو داود: يعني "الماء من الماء". وأخرجه الطحاوي أيضًا. وأخرج أبو داود أيضا بسنده عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال: حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصهارسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعدُ. وأخرجه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
فإن قيل: في الحديث الأول مجهول، وهو قوله: حدثني بعض من
أرضى، أجيب بأن هذا المجهول أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، لأن البيهقي روى هذا الحديث، ثم قال: ورويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، والحديث محفوظ عن سهل، عن أبي بن كعب، كما أخرجه أبو داود.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له.
стр. 2003
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بسند رجاله ثقات عن رفاعة بن رافع قال: بينا أنا عند عمر بن عبد الخطاب ﵁ إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عليَّ به، فجاء زيد، فلمارآه عمر، قال: أي عدو نفسه قد بلغت أنك تفتي الناس برأيك، فقال يا أمير المؤمنين بالله ما فعلت لكني سمعت من أعمامي حديثا، فحدثت به: من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم من المرأة، فأكسل لم يغتسل؟، فقال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ فلم يأتنا فيه تحريم، ولم يكن من رسول الله ﷺ فيه نهي، قال: رسول الله ﷺ يعلم ذلك؟ قال: لا أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له فشاورهم، فأشار الناس أن لا غسل في ذلك إلا ما كان من معاذ، وعلي ﵄، فإنهما قالا: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر ﵁: هذا وأنتم أصحاب بدر، وقد اختلفتم، فَمَنْ بعدكم أشد اختلافًا، فقال علي ﵁: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا ممن سأل رسول الله ﷺ من أزواجه، فأرسل الى حفصة؟ فقالت: لا علم بهذا، فأرسل إلى عائشة، فقالت: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل"، فقال عمر ﵁: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا. ورواه الطحاوي، وفيه: "لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا". وقد أطال العيني الكلام في هذا البحث في العمدة فانظر فيه ج ٣ ص ٢٤٧ - ٤٥٠.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح هو ما عليه الجمهور من أن التقاء الختانين يوجب الغسل بلا إنزال، لوضوح نسخه بما ذكر من الأدلة الصحيحة الصريحة فيه، ولو فرض عدم تأخرها لم ينتهض
стр. 2004
حديث "الماء من الماء" لمعارضة حديث أبي هريرة، وعائشة ﵄، لأنه مفهوم وهما منطوقان، والمنطوق أرجح من المفهوم. انظر نيل الأوطار جـ ١ ص ٣٣٢ - ٣٣٣.
تنبيهان: (الأول) قال الحافظ في التلخيص: ذهب الجمهور إلى نسخ حديث "الماء من الماء". وأوله ابن عباس، فقال: إنما قال النبي ﷺ : "إنما الماء من الماء" في الاحتلام، أخرجه الطبراني، وأصله في الترمذي، ولم يذكر النبي ﷺ ، وفي إسناده لين، لأنه من رواية شريك عن أبي الجحاف، وفي السنن بسند رجاله ثقات، عن أبيّ بن كعب قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، لكن وقع عند أبي داود ما يقتضي انقطاعه، فقال: عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره أن أبي بن كعب أخبره، وفي رواية ابن ماجه من طريق يونس عن الزهري، قال: قال سهل، وجزم موسى بن هارون والدراقطني بأن الزهري لم يسمعه من سهل، وقال ابن خزيمة: هذا الرجل الذي لم يسمه الزهري، هو أبو حازم، ثم ساق من طريق أبي حازم عن سهل عن أبي: "أن الفتيا التي يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدُ".
ووقع في رواية لابن خزيمة من طريق معمر، عن الزهري أخبرني سهل، فهذا يدفع قول من جزم بأنه لم يسمعه منه، لكن قال ابن خزيمة أهاب أن تكون هذه اللفظة غلطا من محمد بن جعفر الراوي له عن
معمر، قال الحافظ: قلت: أحاديث أهل البصرة عن معمر يقع فيها الوهم، لكن في كتاب ابن شاهين من طريق معلى بن منصور، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، حدثني سهل، وكذا أخرجه بقيّ بن مَخْلَد في مسنده عن أبي كريب، عن ابن المبارك، وقال ابن حبان:
стр. 2005
يحتمل أن يكون الزهري سمعه من رجل عن سهل، ثم لقي سهلا فحدثه، أو سمعه من سهل، ثم ثبته فيه أبو حازم، ورواه ابن أبى شيبة من طريق شعبة، عن سيف بن وهب، عن أبي حرب بن الأسود، عن عميرة بن يثربي، عن أبي بن كعب نحوه. اهـ تلخيص ج ١ ص ١٣٥.
(الثاني) ادعى ابن العربي نفي الخلاف في هذه المسألة فَرُدَّ عليه بأن الخلاف مشهور بين الصحابة، ثبت عن جماعة منهم. وادعى ابن القصار ارتفاع الخلاف بعد الصحابة، فرد عليه بأن الخطابي قال أنه قال به جماعة من الصحابة فسمي بعضهم، ومن التابعين الأعمش، وتبعه عياض، لكن قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره، ورد عليه بأنه ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو في سنن أبي داود بسند صحيح، وعن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بسند صحيح، وقال عبد الرزاق أيضا: عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى اغتسل من أجل اختلاف الناس لأخذنا بالعروة الوثقى، وقال الشافعي في اختلاف الحديث: حديث "الماء من الماء" ثابت لكنه منسوخ، إلى أن قال: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا -يعني من الحجازيين- فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل. اهـ فعرف بهذا أن الخلاف كان مشهورا بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب. والله أعلم. أفاده في الفتح ج ١ ص ٤٧٤. والله أعلم.
١٩٢ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا
стр. 2006
الأَرْبَعِ ثُمَّ اجْتَهَدَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ: أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَغَيْرُهُ كَمَا رَوَاهُ خَالِدٌ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إبراهيم بن يعقوب بن اسحاق الجُوزجاني) بضم الجيم الأولى وسكون الواو وفتح الزاي، نسبة إلى مدينة بخراسان مما يلي بَلخَ، يقال لها: جوزجانان. أفاده في اللباب ج ١ ص ٣٠٨، وهو ثقة حافظ رمي بالنصب -١١ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (عبد الله بن بوسف) التّنّيسي (١) أبو محمد الكلاعي، المصري، أصله من دمشق نزل تنيس. روى عن سعيد بن عبد العزيز، ومالك، ويحيى بن حمزة الحضرمي، والليث، وعبد الله بن سالم الحمصي، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، وعيسى بن يونس، والهيثم بن حميد، وسلمة بن العيار، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وغيرهم. وعنه البخاري، وروى له أبو داود، والترمذي، والنسائي بواسطة محمد بن إسحاق الصغاني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وعمر بن منصور النسائي، ومحمد بن عبد الله بن البرقي، ومحمد بن محمد بن مصعب الخراساني، والربيع بن سليمان الجيزي. وروى عنه أيضًا يحيى ابن معين، وحرملة بن يحيى، والحسن بن عبد العزيز الجروي، وأبو حاتم،
стр. 2007
ويعقوب بن سفيان، وبكر بن سهل الدمياطي، وإسماعيل سمويه، وغيرهم.
قال ابن معين: أوثق الناس في الموطأ القعنبي، ثم عبد الله بن يوسف، وقال مرة: ما بقى على أديم الأرض أحد أوثق في الموطأ من عبد الله بن يوسف، وقال أبو حاتم: هو أوثق من مروان الطاطري،
وهو ثقة. وقال العجلي: ثقة، وقال البخاري: كان من أثبت الشاميين، وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سمعت عبد الله بن يوسف الثقة المقنع، وقال ابن عبد الحكم: كان يحيى بن بكير يقول:
متى سمع عبد الله بن يوسف من مالك، فخرجت أنا، فلقيت أبا مسهر سنة -١٨ - فقال لي: سمع عبد الله بن يوسف الموطأ معي -٦٦ - فقلت ذلك ليحيى بن بكير، فلم يقل فيه شيئا بعدُ، وقال ابن عدي: هو صدوق لا بأس به، ومحمد بن إسماعيل مع شدة استقصائه اعتمد عليه في مالك، قال ابن يونس: توفي بمصر سنة ٢١٨ - ، وكان ثقة حسن الحديث، وعنده الموطأ، ومسائل عن مالك سوى الموطأ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وفي الزهرة: روى عنه (خ) -٢٣٦ - . اهـ تت ج ٦ ص ٨٦ - ٨٨، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والمصنف.
٣ - (عيسى بن يونس) ابن أبي إسحاق السبيعي ثقة [٨]، تقدم في ٨/ ٨
٤ - (أشعث بن عبد الملك) الحُمْراني البصري ثقة -٦ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٥ - (محمد بن سيرين) الثقة الحجة -٣ - تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٦ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
стр. 2008
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، أخرج لهم الستة، إلا شيخه فأخرج له (د ت) وعبد الله بن يوسف فأخرج له (خ د ت) وأشعث فأخرج له (خت ٤).
وأما شرح الحديث فقد مضى قبله.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي (هذا) إشارة إلى السند الذي فيه أشعث عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁، فقوله: "هذا" مبتدأ، خبره قوله (خطأ) على حذف مضاف أي ذو خطأ (والصواب) أي ذو الصواب فيه (أشعث، عن الحسن , عن أبي هريرة) إنما رجح المصنف هذا لمخالفة عيسى بن يونس لغيره في هذا، فقد رواه يحيى القطان، عن أشعث، عن الحسن، عن أبي هريرة، أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن أبيه، عن يحيى ج ٢ ص ٤٧٠. وغرضه من هذا تضعيف الرواية بهذا السند لانقطاعه لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا على الصحيح كما سيأتي للمصنف في باب ما جاء في الخلع في الحديث رقم -٣٤٦١ - النص على ذلك. لكن في ترجيح المصنف هذا نظر، فإن عيسى إمام ثقة فمخالفته لغيره لا تحمل على الخطأ، بل يحمل على أن أشعث رواه عن الحسن، وابن سيرين، والحاصل أن الأولى تصحيح هذا السند لما ذكر، وعلى تقدير عدم صحته فالمتن صحيح بالطريق السابق، فلا يضر فيه الكلام في هذا السند. والله أعلم.
(تنبيه) ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمة (١) أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ثم قال: وهذا الحديث لم يقل فيه عن
стр. 2009
عيسى، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، إلا سليمان بن عبد الرحمن، وغيره يقول عن أبي هريرة.
قال الجامع: وهذا فيه نظر من وجهين: الأول جعله من حديث أشعث بن سوّار، فإن الصواب أنه أشعث بن عبد الملك، الثاني قوله لم يقل فيه عن عيسى، عن ابن سيرين إلا سليمان غير صحيح، لأن عبد الله ابن يوسف التنيسي ذكره كذلك أيضا كما ذكره المصنف هنا. والله أعلم.
قال النسائي (وقد روى الحديث) أي حديث أبي هريرة هذا (عن شعبة النضرُ بن شميل) المازني أبو الحسن النحوي نزيل مرومات سنة -٢٠٤ - وله ٨٢ سنة.
قال الجامع: ليُنْظَر من أخرج رواية النضر هذه (وغيره) أي غير النضر، منهم وهب بن جرير عند البيهقي ج ١ ص ١٦٣، ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي عنده أيضا ج ١ ص ١٦٣، وعند أبي داود ج ١ ص ٣٦٥ بنسخة عون المعبود (كما رواه خالد) بن الحارث الهجيمي، وأراد بهذا تقوية روايته. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2010
١٣٠ - الغُسْلُ منَ الَمنيِّ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الاغتسال من أجل خروج المني، فمن تعليلية.
والمني: فعيل بمعنى مفعول. والتخفيف لغة، فيعرب إعراب المنقوص، وجمع المَنيّ مُنْيٌ، مثل بَريد وبُرُد، لكنه ألزم الإسكان للتخفيف. قاله في المصباح.
وفي (ق) وشرحه: والمنيّ كغني، ويخفف، والمنيةُ كرَمْيَة: ماء الرجل والمرأة، جمعه مُنْيٌ كَقُفْل. اهـ.
وجعل التخفيف في اللسان في الضرورة الشعرية، وعبارته: والمنيّ مشددًا: ماء الرجل، وأنشد ابن بَريٍّ للأخطل يهجو جريرًا (من الوافر):
مَنِيُّ العَبْدِ عَبْدِ أَبَي سُوَاجِ … أحَقُّ منَ المُدَامَةِ أنْ تَعِيبَا
قال: وقد جاء أيضا مخففا في الشعر، قال رُشَيد بن رُمَيض (من الوافر أيضا):
أتَحْلِفُ لا تَذُوقُ لَنَا طَعَامًا … وَتَشْرَبُ مَنْيَ عَبْدِ أبي سُوَاجِ؟ اهـ.
١٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الرُّكَيْنِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ، فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ".
стр. 2011
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني أبو رجاء الثقة الحجة [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (علي بن حجر) السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار -٩ - تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - (عَبيدة بن حُمَيد) الأول بفتح العين وكسر الباء مكبرا، والثاني بضم الحاء مصغرا، الكوني الحذّاء صدوق ربما أخطأ -٨ - تقدم في ١٣/ ١٣.
٤ - (الرُّكَين بن (١) الرَّبيع) بن عَميلة الفزاري، أبو الربيع الكوفي. من الرابعة.
روى عن أبيه، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي الطفيل، وحصين بن قبيصة، وقيس بن مسلم، وعدي بن ثابت، ويحيى بن يعمر، وغيرهم. وعنه حفيده الربيع بن سهل بن الركين، وإسرائيل، وزائدة، وشعبة، والثوري، ومسعر، وجرير بن عبد الحميد، وشريك، وعَبِيدة بن حُمَيد، ومعتمر بن سليمان، وعدة.
قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ١٣١ - ، وكذا أرخه الهيثم، وابن قانع، وقال يعقوب بن سفيان: كوفي ثقة. اهـ تت ج ٣ ص ٢٨٧ - ٢٨٨ - أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والباقون.
٥ - (حصين (٢) بن قبيصة) الفزاري الكوفي ثقة من الثانية، روى عن ابن مسعود، وعلي، والمغيرة بن شعبة. وعنه الركين بن الربيع،
стр. 2012
وعبد الملك بن عُمير، وسمى أباه عقبة، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من الكوفيين. اهـ تت ج ٢ ص٣٨٧. أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٦ - (علي) بن أبي طالب ﵁ تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته ثقات إلا عَبيدة فصدوق، وأنهم كوفيون غير شيخيه، فالأول بغلاني، والثاني مروزي، وفيه قوله: واللفظ لقتيبة، وهو إشارة إلى القاعدة المشهورة، وهي أنه إذا روى الراوي عن شيخين، فأكثر، واتفقوا في المعنى، دون اللفظ، فالأحسن له أن يروي ما لكل على حدة، ويجوز أن يجمعهم في الرواية، فيقول: حدثني فلان، وفلان، وفلان، واللفظ لفلان، ثم يسوقه على لفظه. أو وتقاربوا في المعنى، أو واتحدوا في المعنى، ونحو ذلك، وقد تقدم نظير هذا غير مرة. فتنبه. وفيه رواية تابعي، عن تابعي. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن علي) بن أبي طالب ﵁ أنه (قال: كنت رجلا مذاء) أي كثير المذي، وهو ماء رقيق يخرج عند الملاعبة، ويضرب إلى البياض وفيه ثلاث لغات، الأولى سكون الذال، والثانية كسرها مع التثقيل، والثالثة الكسر مع التخفيف، ويعرب في الثالثة إعراب المنقوص، ومَذَى الرجلُ يَمْذي، من باب ضرب، فهو مذّاء، ويقال: الرجل يَمذي، والمرأة تَقْذِي، وأمذى بالألف، ومذّي بالتثقيل كذلك، قاله في المصباح.
(فقال لي رسول الله ﷺ ) وفي الرواية التالية، فسألت النبي ﷺ ،
стр. 2013
فقال .. ، وتقدم في ١١٢/ ١٥٢ - أنه أمر بذلك رجلا، وفي -١٥٣ - أمر المقداد به، وفي ١٥٤ - أمر عمارا به، والتوفيق بين هذه الرويات أن يقال: إنه أمر أحدهما بالسؤال، فلما استبطأه أمر الآخر به، ولما كان هو الآمر بالسؤال أضافه الى نفسه، فقال: سألت … ، ويحتمل أنه تولى بعد ذلك السؤال بنفسه، لكن الأول هو الظاهر، وأما قوله: فقال لي يحتمل أنه حضر الجواب، وكان هو السائل عن الحكم حقيقة أضاف الجواب إليه، ويحتمل أن النبي ﷺ علم بالقضية فواجهه بالجواب، والله أعلم. وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في الباب المذكور.
(إذا رأيت المذي) أي أبصرته، فرأى هنا بصرية، ولذا تعدت إلى واحد (فاغسل ذكرك) لكونه نجسا (وتوضأ وضوءك للصلاة) أي وضوءًا مشابهًا لوضوئك لأجل الصلاة، ودفع بهذا التشبيه توهم أن
المراد هو الوضوء اللغوي. كغسل اليد ونحوه (وإذا فضختَ الماءَ) أي دفقت المني، يقال: فضَخْتُ الماء: إذا دفقته، وانفضخ الدلوُ: إذا دفق ما فيه من الماء، والدلو يقال لها المفضخة. قاله في اللسان (فاغتسل) جواب "إذا"، يعني أنه إذا نزل منك مني بدفق يجب عليك أن تغسل جميع بدنك، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، وإنما الخلاف بينهم فيما إذا نزل المني بغير دفق، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
١٩٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ زَائِدَةَ (ح) قَالَ: وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَنْبَأَنَا (١) أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الرُّكَيْنِ
стр. 2014
ابْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَمِيلَةَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءًا، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ، فَتَوَضَّأْ، وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ فَضْخَ الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قدامة السرخسي نزيل نيسابور ثقة سني مأمون -١٠ - تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري ثقة ثبت حافظ -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٣ - (زائدة) بن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي ثقة ثبت سني -٧ - تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي نزيل نيسابور ثقة ثبت حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي البصري الحافظ الإمام الحجة ثقة ثبت من التاسعة. روى عن عكرمة بن عمار، وجرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، وعبد الرحمن بن
الغسيل، وشعبة، ويزيد بن إبراهيم التستري، وهمام، ومالك، والليث، وعمر بن المرقع، وحماد بن سلمة، وزائدة، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وأبو داود، وروى أبو داود أيضا، والباقون عنه
стр. 2015
بواسطة إسحاق بن راهويه، وأبي خيثمة، والحسن بن علي الخلال، وإبراهيم بن خالد اليشكري، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، وأبي موسى محمد بن المثنى، وبندار، وابن سعد، وحجاج بن الشاعر، والدارمي، وعبد بن حُميد، وهارون الحمال، وإبراهيم الجُوزجاني، وأبي داود الحراني، وعبد الله بن الهيثم، وسهل بن زنجلة الرازي، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: متقن، وقال الميموني عن أحمد: أبو الوليد شيخ الإسلام ما أقدم اليوم عليه أحدا من المحدثين، وهو أسن من عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- بثلاث سنين، وقال ابن وَارَة: قلت
لأحمد: أبو الوليد أحب إليك في شعبة، أو أبو النضر؟ قال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة، فأبو الوليد، قلت لأحمد: فإني سمعته يقول: بينا أنا أكتب عند شعبة إذ بصر بي، فقال: وتكتب؟ فوضعت
الألواح. وقال ابن وارة: قال لي علي بن المديني: اكتب عن أبي الوليد الأصول، قال: وقال لي أبو نعيم: لولا أبو الوليد ما أشرت عليك أن تدخل البصرة، قال ابن وارة: وحدثني أبو الوليد وما أرى أني أدركت مثله، وقال العجلي: بصري ثقة ثبت في الحديث، وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود، وقال ابن أبي حاتم: ثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو الوليد أمير المحدثين، قال: وسمعت أبا زرعة وذكر أبا الوليد، فقال: أدرك نصف الإسلام وكان إمام زمانه جليلا عند الناس. قال: وسمعت أبي يقول: أبو الوليد إمام فقيه عاقل ثقة حافظ ما رأيت بيده كتابا قط، وقال أيضا: سئل أبي عن أبي الوليد، وحجاج بن المنهال؟
فقال: أبو الوليد عند الناس أكبر، كان يقال: سماعه من حماد بن سلمة فيه شيء كان سمع منه بأخَرَة، وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره، وقال أبو حاتم أيضا: ما رأيت أصح من كتاب أبي الوليد، وقال
стр. 2016
معاوية بن عبد الكريم الرمادي: أدركت الناس وهم يقولون: ما بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاد، وقال ابن سعد، والبخاري، وغير واحد: مات سنة -٢٢٧ - ، ويقال: إن مولده سنة -١٣٣ - زاد ابن سعد: كان ثقة ثبتا حجة توفي في غرة شهر ربيع الأول، وهو ابن -٩٤ - سنة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من عقلاء الناس. حدثنا عنه أبو خليفة الفضل بن الحباب. قال الحافظ: وأبو خليفة خاتمة أصحابه، وقال ابن قانع: ثقة مأمون ثبت. وقال في الزهرة: روى عنه البخاري مائة وسبعة أحاديث. اهـ تت ج ١١ ص ٤٥ - ٤٧. أخرج له الجماعة.
وأما-٦، ٧، ٨ - فقد تقدموا في السند السابق. وكذا شرح الحديث، فلا نطيل الكتاب بتكراره. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق الحديث علي ﵁
المسألة الأولى: في درجته: حديث على ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا، -١٩٤ - وفي الكبرى-٢٠٠ بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه معه أبو داود في الطهارة -٨٣/ ١ - عن قتيبة، عن عَبيدة بن حُميد، عن الرُّكين بن الرَّبيع الفزاري، عن حُصين بن قَبيصة، عن علي ﵁.
وقال في المنهل: أخرجه البيهقي من طريق المصنف -يعني أبا داود-، وأخرجه البخاري، ومسلم، والبيهقي، أيضا من حديث محمد بن الحنفية عن أبيه بنحوه، وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، بلفظ سئل رسول الله ﷺ عن المذي؟ فقال: "فيه الوضوء، وفي المني الغسل"، قال الترمذي: هذا
стр. 2017
حديث حسن، وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، وأحمد في مسنده عن الأسود بن عامر. اهـ ج ٢ ص ٢٥٩.
(تنبيه) قال الحافظ ﵀ في النكت الظراف: قال أبو أحمد الحاكم: لا أعلم أحدًا حدث به غير الركين بن الربيع. اهـ ج ٧ ص ٣٦٧.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث كون المذي يوجب الوضوء، وأنه لا يوجب الغسل، وأنه من الأنجاس، للأمر بغسل الذكر، وأن دفق المني يوجب الغسل، وأن الشخص لا ينبغي أن يسكت عما يجهله من أمر دينه، وإن كان مما يستحيى منه.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في وجوب الغسل بخروج المني:
قال الإمام النووي ﵀: أجمع العلماء على وجوب الغسل بخروج المني. ولا فرق عندنا -يعني الشافعية- بين خروجه بجماع، أو احتلام، أو استمناء، أو نظر، أو بغير سبب، سواء خرج بشهوة، أو غيرها، وسواء تلذذ بخروجه أم لا؟ وسواء خرج كثيرًا أو يسيرًا ولو بعض قطرة، وسواء خرج في النوم، أو اليقظة من الرجل، والمرأة، العاقل والمجنون، فكل ذلك يوجب الغسل عندنا.
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا يجب إلا إذا خرج بشهوة، ودفق، كما لا يجب بالمذي لعدم الدفق.
قال: دليلنا الأحاديث الصحيحة المطلقة كحديث "الماء من الماء"، وبالقياس على إيلاج الحشفة، فإنه لا فرق فيه، ولا يصح قياسهم على المذي، لأنه في مقابلة النص، ولأنه ليس كالمني. اهـ المجموع. ج ٢ ص ١٣٩.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المذهب الثاني هو الراجح لأن
стр. 2018
النبي ﷺ -وصف خروج المني في حديث علي ﵁ بالفضخ، وقد قدمنا أن معناه الدفق، فما لم يخرج بهذه الصفة لم يجب الغسل، وأما حديث الماء من الماء ونحوه فلا ينافي هذا لأنه مطلق فيحمل على المقيد. والله أعلم.
(خاتمة) في لغات المني، والمذي والودي، وقد تقدم بعضه:
قال النووي ﵀: أما المني فمشدد، وسمي منيا لأنه يُمنَى، أي يصب كما سميت منى لما يُراق فيها من الدماء، ويقال: أمنى، ومَنَى بالتخفيف، ومَنَّى بالتشديد ثلاث لغات. الأولى أفصح، وبها جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]، وفي المذي ثلاث لغات: المذي بإسكان الذال، وتخفيف الياء، والمذي بكسر الذال وتشديد الياء، وهاتان مشهورتان، قال الأزهري وغيره: التخفيف أفصح وأكثر.
والثالثة: المذي بكسر الذال، وإسكان الياء، حكاها أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح، عن ابن الأعرابي، ويقال: مَذَى بالتخفيف، وأمذى، ومذّى بالتشديد، والأولى أفصح.
والودي بإسكان الدال المهملة وتخفيف الياء، ولا يجوز عند جمهور أهل اللغة غير هذا، وحكى الجوهري في الصحاح عن الأموي أنه قال: بتشديد الياء، وحكى صاحب مطالع الأنوار لغية أنه بالذال المعجمة، وهذان شاذان، ويقال: وَدَى بتخفيف الدال، وأوْدَى، وَوَدَّى بالتشديد، والأولى أفصح، قال الأزهري: لم أسمع غيرها، قال أبو عمر الزاهد: قال ابن الأعرابي: يقال: مَذَى، وأمْذَى، ومَذَّى بالتشديد، وهو المَذْيُ مثال الرَّمْي، والمَذيّ مثال العَميّ (١)، وَوَدَى وأوْدَى ووَدَّى، وأمنَى ومَنى ومَنَّى، قال: والأولى منها كلها أفصح. اهـ المجموع ببعض تصرف ج ٢ ص ١٤١.
стр. 2019
١٣١ - غُسْلُ الَمرأة, تَرَى فِي مناَمِهاَ ماَ يَرىَ الرَّجُلُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على وجوب الغسل على المرأة التي ترى في منامها ما يراه الرجل من الحُلُم، بأن رأت أن زوجها يجامعها، فلما استيقظت وجدت الماء قد خرج منها.
وجملة ترى الخ يحتمل أن تكون في محل نصب على الحال بناء على القاعدة المشهورة أن الجُمَل وشبهها بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات، ويحتمل أن تكون في محل جر صفة للمرأة بجعل "أل"
للجنس، فالمعرف بها بمنزلة النكرة، كما في قوله: (من الكامل)
ولَقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئيم يَسُبُّني … فَمَضَيْتُ ثُمَّت قُلْتُ لا يَعْنيني
١٩٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، قَالَ: "إِذَا أَنْزَلَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد ابن سمير بن مليل بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب. أدرك صرد الإسلام (١)
стр. 2020
وأسلم. ثقة ثبت من صغار -٨ - روى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمرو بن هشام بن عروة، وأبي إسحاق، وطلحة بن يحيى بن طلحة، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، والثوري، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى الرازي، وعمرو الناقد، وأبو الشعثاء: علي بن الحسن، ومحمد بن سلام البيكندي، وأبو كريب: محمد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله ابن نمير، وهناد بن السري، وأبو سعيد الأشج، وإبراهيم بن مُجَشِّر، وغيرهم. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة، وزيادةٌ مع صلاح في بدنه (١) وكان شديد الفقر، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أبو أسامة أحب إليك، أو عبدة بن سليمان؟ قال: ما منهما إلا ثقة، وقال العجلي: ثقة رجل صالح صاحب قرآن يقرئ، وقال الميموني عن أحمد: قدمت الكوفة سنة -١٨٨ - وقد مات عبدة سنة -١٨٧ - قبل قدومي بسنة.
وقال ابن سعد: كان ثقة مات في رجب سنة -٨٨ - ، وكذا أرخه ابن نمير لكنه قال: في جمادي الثانية، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث جدّا، مات في رجب سنة -٧ - وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي، وأبو زرعة عن عبدة، ويونس بن بكير، وسلمة بن الفضل أيهم أحب إليكم في ابن إسحاق؟ فقالا: عبدة بن سليمان، وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: ثقة مسلم صدوق، وقال الدارقطني: ثقة. اهـ "تت"ج ٦ ص ٤٥٨ - ٤٥٩، أخرج له الجماعة.
стр. 2021
٣ - (سعيد) بن أبي عروبة: مهران البصري ثقة -٦ - تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري ثقة حجة -٤ - تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس) بن مالك ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
٦ - (أم سليم) بنت ملحان أخت أم حرام الأنصارية، لها صحبة، واسمها سهلة، ويقال: رميلة، ويقال: رميثة، ويقال: أنيثة، ويقال: مليكة، وهي والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة الأنصاري، يقال: إنها هي الغميصاء، أو الرميصاء، ثبت ذلك في البخاري في حديث ابن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة"، وفي صحيح مسلم من حديث ثابت، عن النبي ﷺ دخلت الجنة فسمعت خشفة، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذه الرميصاء"، وفي رواية "الرميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك".
روت عن النبي ﷺ ، وعنها ابنها أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعمرو بن عاصم الأنصاري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت له أنسًا، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت وعرضت على زوجها الإسلام، فغضب عليها، وخرج إلى الشام، فهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة، خطبها وهو مشرك فأبت عليه إلا أن يسلم، فأسلم فولدت له غلامًا كان قد أُعجِب به، فمات صغيرًا، وأسف عليه، وقيل: إنه أبو عُمير
صاحب النُّغَير، ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة، فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته وكانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم، وروي عن أم سُلَيم، قالت: لقد دعا لي
стр. 2022
رسول الله ﷺ حتى ما أريد زيادة، ومناقبها كثيرة شهيرة. اهـ "تت" ج ١٢ ص ٤٧١ - ٤٧٢، ماتت في خلافة عثمان ﵄. وفي الخلاصة: لها أربعة عشر حديثا، اتفق الشيخان على حديث منها وانفرد (خ) بحديث، و (م) بحديثين اهـ ج ٣ ص ٤٠٠، أخرج لها الجماعة إلا ابن ماجه. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته (١)، وأن رواته كلهم ثقات اتفق الستة بالتخريج لهم، إلا أم سليم فلم يخرج لها ابن ماجه، وكلهم بصريون إلا إسحاق فمروزي، ثم نيسابوري، وأم سليم فمدنية، وفيه رواية صحابي، عن صحابية، ورواية الابن عن أمه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ (أن أم سليم) أمه وقد ذكرنا الاختلاف في اسمها ﵂ (سألت رسول الله ﷺ ) الظاهر كما قال الحافظ ﵀ أن أنسا لم يحضر القصة، وإنما روى ذلك عن أمه، ويدل على ذلك رواية مسلم من حديث أنس أن أم سليم حدثت أنها سألت النبي ﷺ … الحديث (عن المرأة) أي عن حكمها من وجوب الاغتسال وعدمه، ففي الرواية الآتية "أفتغتسل من ذلك؟ " (ترى في منامها) أي في حالة نومها (ما) موصولة (يرى الرجل) أي في نومه، وهو مجامعة زوجته. تعني أنها رأت في نومها أن زوجها جامعها
ونحو ذلك، مثل ما يرى الرجل في نومه من جماع زوجته ونحوه.
стр. 2023
وعائد الصلة ضمير منصوب هو مفعول "يرى"، وحذفه إذا كان كذلك كثير، كما قال ابن مالك:
................ … وَالحَذْفُ عنْدَهُمْ كَثيرٌ مُنْجَلِي
في عَائدٍ مُتَّصلِ إِنِ انْتَصَبْ … بفعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
ويحتمل أن تكون "ما" موصولا حرفيا، أي مثل رؤيا الرجل، فلا تحتاج إلى عائد، وجملة "يرى" إما حال من المرأة، أو وصف له على ما تقدم من التوجيه.
وقد جاء التصريح بالمكني عنه هنا في رواية أحمد "أنها قالت: يا رسول الله إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟ " … الحديث. وفي الروايات الآتية ذكره بلفظ الاحتلام، وإنما شبهت ذلك
بما في الرجل لاشتهاره عندهم حتى لا يستحيا من ذكره فيما بينهم بخلاف النساء فيستحيين من ذكره.
(قال) النبي ﷺ مجيبا عن سؤالها (إذا رأت الماء) أي المني بعد الاستيقاظ، فالرؤية هنا بصرية، لا علمية، ففي رواية أحمد من حديث خوله بنت حكيم "ليس عليها غسل حتى تنزل كما ينزل الرجل"، وفيه رَدٌّ على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها،
وحمل قوله: "إذا رأت الماء"أي علمت به؛ لأن وجود العلم هنا متعذر، لأنه إن أراد به علمها بذلك وهي نائمة، فلا يثبت به حكم؛ لأن الرجل لو رأى أنه جامع، وعلم أنه أنزل في النوم، ثم استيقظ فلم ير بللا، لم يجب عليه الغسل، اتفاقا، فكذلك المرأة. وإن أراد به علمها بذلك بعد أن استيقظت فلا يصح, لأنه لا يستمر في اليقظة ما كان في النوم إن كان مشاهدًا، فحمل الرؤية على ظاهرها، هو الصواب. أفاده في الفتح. ج ١ ص ٤٦٣ - ٤٦٤.
стр. 2024
وقد اعترض الشنقيطي على كلام الحافظ هذا بما فيه نظر، فتنبه.
والحاصل أن تحقق خروج المني لابد منه في وجوب الاغتسال، فأما حمل الرؤية على الرؤية القلبية، وأنها إذا علمت بالخروج وجب عليها الغسل إذ مني المرأة قد لا يخرج بل ينعقص داخل الرحم، فغير صحيح لأن ذلك لا يوجب بل الوجوب متعلق بخروجه، وتيقن ذلك إما بالنظر بالعين، أو غير ذلك من وجوه اليقين، كما أفادته سائر الروايات. والله أعلم. (فلتغتسل) جواب "إذا".
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم سليم ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف رحمه الله تعالى:
أخرجه المصنف في هذا الباب -١٩٥ - وفي الكبرى ١٢٣/ ٢٠٢ بهذا السند، وفي عشرة النساء من الكبرى أيضًا، عن محمَّد بن عبد الله بن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أم سليم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة ٤١/ ٢ عن عباس بن الوليد النرسي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة به.
وأخرجه (ق) فيه ١٠٧/ ٢ عن محمَّد بن المثنَّى، عن ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة به.
وسيأتي الكلام على بقية المسائل آخر الباب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2025
١٩٦ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ كَلَّمَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَرَى فِي النَّوْمِ مَا يَرَى الرَّجُلُ، أَفَتَغْتَسِلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: أُفٍّ لَكِ، أَوَ تَرَى الْمَرْأَةُ ذَلِكِ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (كَثير بن عُبَيد) بن نُمَير المَذْحجي، أبو الحسن الحمصي، الحذاء، القرئ، إمام جامع حمص ثقة -١٠ - روى عن بقيَّة بن الوليد، والوليد بن مسلم، ومروان بن معاوية، ومحمد بن حرب الخَوْلاني، ومحمد بن خالد الوهبي، وابن عيينة، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد، وأبي حيوة شُريح بن يزيد، وأيوب بن سويد، ووكيع، وطائفة. وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وبقيّ بن مخلد، وابن أبي عاصم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعُمير بن بُجير، وابن أبي داود، وعبد الله بن أحمد بن أبي الحواري، ومحمد بن محمَّد بن سليمان الباغندي، وغيرهم. قال أبو حاتم ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن أبي داود: كان يقال: إنه أمّ بأهل حمص ستين سنة، فماسها في صلاته قط،
стр. 2026
قال عبد الغني بن سعيد فذاكرت بذلك أبا الحسين أحمد بن محمَّد بن عمر بن عامر الفرضي الحمصي، فقال: قيل لكثير بن عبيد في ذلك؟ فقال: ما دخلت من باب المسجد قط، وفي نفسي غير الله. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة خمسين، أو قبلها بقليل، أو بعدها، وكان من خيار الناس. وحكى ابن زبر عن الحسن بن علي: أنه قال: سنة -٢٤٧ - ويرده أن ابن جوصاء إنما دخل حمص سنة -٥٠ - ، وقال مسلمة بن قاسم في تاريخه: ثقة، وكذا قال أبو بكر بن أبي داود. اهـ "تت"ج ٨ ص ٤٢٣ - ٤٢٤، أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٢ - (محمَّد بن حرب) الخَوْلاني الحمصي الأبرش ثقة -٩ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٢.
٣ - (الزُّبَيدى) (١) محمَّد بن الوليد أبو الهُذَيل الحمصي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهرى) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ الثبت -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام الحجة الفقيه الثبت -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفق الأئمة بالتخريج لهم إلا شيخه، فأخرج له أبو داود، وابن ماجه، وفيه عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين
السبعة روت-٢٢١٠ - ، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
стр. 2027
شرح الحديث
(عن عروة) بن الزبير (عن) خالته (عائشة) أم المؤمنين ﵂ أنها (أخبرته) أي عروة (أن أم سليم) سهلة، وقيل: غير ذلك، بنت ملحان، والدة أنس ﵄ (كلمت رسول الله ﷺ وعائشةُ جالسة) جملة حالية، وفيه التفات إذ الظاهر أن تقول: وأنا جالسة، أي عنده ﷺ في وقت السؤال (فقالت) بيان لقولها: "كلمت" (يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق) قدمت أم سليم ﵂ هذا القول تمهيدا لبسط عذرها في ذكرها ما تستحي النساء من ذكره لأن الذي يعتذر به إذا كان متقدما على المعتذر منه أدركته النفس صافيا من العتب، وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر منه، فتأثرت بقبحه، ثم يأتي العذر رافعا، وعلى الأول يأتي دافعا، ودفع الشيء المستكره قبل وقوعه أيسر من رفعه بعد وقوعه. قاله في المنهل ج ٢ ص ٣٢٨.
ويستحي: من الاستحياء وهو الانقباض والانزواء، قال الأخفش: يتعدى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييت منه، واستحييته، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة. قاله في المصباح.
وفيه إثبات صفة الحياء لله على ما يليق به، وأما ما قاله ابن دقيق العيد، وتبعه عليه الحافظ، وغيره من أن المراد بالحياء هنا معناه اللغوي، وهو تغير، وانكسار، وهو مستحيل في حق الله تعالى، فيحمل هنا على أن المراد أن الله لا يأمر بالحياء في الحق، أو لا يمنع من ذكر الحق، إلى آخر ما قاله، فمما لا يلتفت إليه. بل الحياء كسائر صفات الله التي أثبتها لنفسه، في كتابه أو وصفه بها رسله عليهم الصلاة والسلام، من الحياء، والرضا، والغضب، والمحبة وغير ذلك نثبته على
стр. 2028
ظاهره على ما أراده إثباتا بلا تمثيل، ولا تكييف، ولا نتأوله كما تأولت المعطلة، ولا ننفيه كما نفت الجهمية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
(أرأيت المرأة) أي أخبرني عن حكمها، وقد تقدم الكلام على "أرأيت" في ١١٠/ ١٥٠. في حديث "أرأيت لو كان لرجل خيل غر" .. الحديث. (ترى في النوم) جملة حالية، أو في محل نصب صفة للمرأة كما تقدم (ما يرى الرجل) أي مثل الذي يراه الرجل في النوم من جماع زوجته، ونحوه، كما تقدم التصريح به في رواية أحمد "إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام" … الحديث.
وفيه دليل على اشتهار ذلك في الرجال، فإنهم لا يتسحيون من ذكره بخلاف النساء، فإنهن لا يكدن يتكلمن بذلك حتى كأنه خاص بالرجال دونهن، لا أن ذلك منفي عنهن، كما روي عن بعضهم، فهذه الأحاديث ترد عليه (أفتغتسل) هذا هو محل السؤال، والهمزة للاستفهام، والفاء للعطف، وفيه يقول جمهور النحاة تقديم وتأخير، إذ همزة الاستفهام حقها التأخير عن العاطف، لكن لما كان صدر الكلام قدمت على العاطف، وقال الزمخشري: الهمزة داخلة على محذوف، تقديره أهي جنب فتغتسلُ، ونحو ذلك، لكن الراجح ما قاله الجمهور. انظر تفاصيل المسألة في مغني اللبيب ج ١ ص ١٤ بحاشية الأمير.
(من ذلك) أي مما رأته في منامها، فـ "من" سببية، أو تعليلية متعلقة "بتغتسل" (فقال لها رسول الله ﷺ : نعم) بفتحتين تصديق لما سألته، فهي للتصديق إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، والوَعْد بعد المستقبل، نحو هل تقوم؟، قال سيبويه: "نعم" عدة وتصديق، أي عدة في الاستفهام، وتصديق للإخبار. اهـ المصباح باختصار.
стр. 2029
ثم هذه الرواية مطلقة، ولابد من تقييدها بما في الروايات الأخرى "إذا رأت الماء" (قالت عائشة) ﵂ (فقلت لها: أفّ لك) هذه كلمة تستعمل في الاحتقار، والإنكار، وهو المناسب هنا، فإن الظاهر من قول عائشة ﵂ الإنكار على أم سليم، كما يدل عليه قولها: أو ترى المرأة ذلك؟، وقولها في بعض الروايات: فَضَحت النساء تَربت يمينك.
وأفّ: اسم صوت إذا صوت به الإنسان عُلم أنه مُتَضَجّر، وقيل: أصل الأفّ وسخ الأصبع، إذا فُتل، ويقال: أفَّفْت بفلان تأفيفًا، إذا قلت له: أفّ لك، وفيها لغات، أفصحها وأكثرها استعمالا ضم الهمزة
وتشديد الفاء مكسورة منونة. أفاده في المنهل ج ٢ ص ٣٢٨ وقال المجد في (ق): أفَّ يَؤفُّ ويَئفّ: تَأفَّفَ من كرب، أو ضجر، وأفّ كلمة تكرّه، وأفَّفَ تأفيفا، وتأفَّفَ: قالها.
ولغاتها أربعون (١) أفّ بالضم، وتثلث الفاء، وتنون، وتخفف فيهما، أُفْ كطُفْ، أفّ مشددة الفاء، أفَّى بغير إمالة، وبالإمالة المحضة، وبالإمالة بين بين، والألف في الثلاثة للتأنيث، أفّي بكسر الفاء، أفوه
أفه بالضم مثلثة الفاء مشددة، وتكسر الهمزة، أفْ، كمن، إفِّ مشددة، إف بكسرتين مخففة، إف منونة مخففة ومشددة، وتثلث، إفُّ بضم الفاء مشددة، إفَّا، كإنَّا، إفَّى بالإمالة، إفِّي بالكسر، وتفتح الهمزة، أفْ كعَنْ، أفِّ مشددة الفاء مكسورة، آفْ ممدودة، أف، آف، منونتين. اهـ (ق).
وقد أوصلها الشارح المرتضى إلى خمسين لغة، فطالع شرحه ج ٦ ص ٤١ - ٤٢ قال أبو البقاء: من كسر بناه على الأصل، ومن فتح طلب
стр. 2030
التخفيف، ومن ضم أتبع، ومن نون أراد التنكير، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن خفف الفاء حذف أحد المثلين تخفيفًا. اهـ زهر ج ١ ص ١١٣.
(أو ترى المرأة ذلك؟) استفهام إنكاري، تقدمت الهمزة فيه على العاطف كما في قولها "أفتغتسل".
قال العراقي: أنكرت عليها بعد جواب المصطفى ﷺ لها, لأنه لا يلزم من ذكر حكم الشيء، تحقق وقوعه، فالفقهاء يذكرون الصور الممكنة ليعرفوا حكمها، وإن لم تقع، بل قد يصورون المستحيل لتشحيذ الأذهان. اهـ.
وقال ابن عبد البر ﵀: فيه دليل على أنه ليس كل النساء يحتلمن، وإلا لما أنكرت عائشة وأم سلمة ذلك، وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال إلا أن ذلك في النساء أكثر، وعكس ذلك ابن بطال فقال: فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن. قال الحافظ: والظاهر أن مراده الجواز لا الوقوع، أي فيهن قابلية ذلك. وقال المسيوطي: وأيّ مانع أن يكون ذلك خصوصية لأزواجه ﷺ أنهن لا يحتلمن كما أن من خصائص الأنبياء أنهم لا يحتلمون, لأنه من الشيطان فلم يسلطه الله عليهم، وكذا لا يسلطه على أزواجه تكريما له. قال الزرقاني: المانع من ذلك أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وهو كغيره لم يثبت ذلك للأنبياء إلا بالدليل.
قال الحافظ ولي الدين العراقي: بَحَثَ بعض أصحابنا، فمنع وقوعه من أزواجه ﷺ بأنهن لا يطعن غيره لا يقظة ولا مناما، والشيطان لا يتمثل به، وفيه نظر لأنهن قد يحتلمن من غير رؤية كما يقع لكثير من الناس، أو يكون سبب ذلك شبعا أو غيره، والذي منعه بعض العلماء هو وقوع
стр. 2031
الاحتلام من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قاله الزرقاني في شرح الموطأ ج ١ ص ١٠٣.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه المناقشات كلها عندي محل نظر، بل ما ذكره الحافظ أبو عمر بن عبد البر هو الواضح، فلما كان كل من عائشة، وأم سلمة ممن لا يحتلم، أنكرتا عليها، ولا يدل ذلك على خصوصية أزوا جه ﷺ . والله أعلم.
وقوله: (ذلك) بكسر الكاف خطابًا للأنثى.
قالت عائشة (فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ ) منكرًا لاستبعادها ذلك، (فقال: تربت يمينك) أي لصقت بالتراب، وهو كناية عن الافتقار، يقال: ترب الرجل يَتْرَبُ من باب تعب: افتقر، كأنه لصق بالتراب، فهو ترب، وأتْرَبَ بالألف لغة. قاله في المصباح. وفي (ق) وأترب: قَلَّ ماله، وكَثُر: ضدّ، كَتَرَّب يعني بالتضعيف - فيهما.
وقال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي: للعلماء في معناه عشرة أقوال (١) استغنيت (٢) ضعف عقلك (٣) تربت من العلم (٤) تربت إن لم تعقل هذا (٥) أنه حث على العلم كقوله انج ثكلتك أمك، ولا يريد أن تثكله أمه (٦) أصابها التراب (٧) خابت (٨) اتعظت (٩) أنه دعاء خفيف (١٠) أنه بثاء مثلثة في أوله.
وقال النوي: في هذه اللفظة خلاف كثير منتشر جدا للسلف، والخلف من الطوائف، كلها، والأصح الأقوى الذي عليه المحققون في معناها أن أصلها افتقرت، ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة
حقيقة معناها، فيقولون تربت يداك وقاتله الله ما أشجعه؟ ولا أم له؟ ولا أب له، وثكلته أمه، وما أشبه هذا عند إنكار الشيء أو الزجر عنه، أو الذم عليه، أو استعظامه، أو الحث عليه، أو الإعجاب به.
стр. 2032
وقال عياض: هذا اللفظ، وما أشبهه يجري على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء.
وقال الباجي: الأظهر أنه ﷺ خاطبها على عادة العرب في تخاطبها من استعمال هذه اللفظة عند الإنكار لمن لا يريدون فقره.
ويحتمل أنه قال ذلك لها تأديبًا لإنكارها ما أقر عليه، وهو لا يقر إلا على الصواب.
وقيل معناه ضعف عقلك أتجهلين هذا، أو افتقرت بذلك من العلم، وقال الأصمعي: معناه الحض على تعلم مثل هذا، وقال أبو عمر: معناه أصابها التراب ولم يدع عليها بالفقر. أفاده الزرقاني في شرحه
ج ١ ص ١٠٤.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل الكلام في هذا المقام أنه أراد الإنكار عليها، وما أراد الدعاء، بل استعمل في الإنكار ما جرت بذكره العادة عند الإنكار. والله أعلم.
(فمن أين يكون الشبه؟) الفاء فصيحية أي إذا لم يكن لها مني فمن أين يشبهها ولدها والشَّبَه: بفتحتين، وبكسر فسكون، وكذا الشبيه وزان كريم: المشابهة. قاله في المصباح. والحاصل أن شبه الولد يكون
من الماء، فلو لم يكن لها ماء لم يوجد الشبه.
وفي رواية للبخاري: "فبم يشبهها ولدها" وعن أنس ﵁ فقال نبي الله ﷺ : "نعم فمن أين يكون الشبه، إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق، يكون منه الشبه" رواه مسلم، وعن عائشة فقال: "وهل يكون الشبه إلا من قِبَل ذلك؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه". رواه مسلم أيضا، وعن ثوبان ﵁ أنه ﷺ أجاب حَبْرًا من أحبار اليهود عن ذلك بقوله: "ماء الرجل أبيض، وماء
стр. 2033
المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله".
وقد دل مجموع الحديثين على أنه إذا سبق ماء الرجل جاء الولد ذكرا، وأشبه أعمامه، وإذا سبق ماء المرأة جاء أنثى، وأشبه أخواله، لكن المشاهدة قد تنافي هذا فقد يكون الولد ذكرا ويشبه أخواله، وقد يكون أنثى ويشبه أعمامه، فلابد من تأويل أحد الحديثين. قال القرطبي: والذي يتعين تأويل حديث ثوبان، فيقال: إن ذلك العلو معناه سبق الماء إلى الرحم، ووجهه أن العلو لما كان معناه الغلبة والسابق غالبًا في ابتدائه في الخروج قبل غلبه علاه (١)، ويؤيده أنه روي في غير مسلم: "إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرًا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا". انتهى.
ولكن يشكل عليه قوله في رواية مسلم السابقة "فمن أيهما علا أو سبق يكون الشبه" لكن يجوز أن يقال: المذكورة والأنوثة شبه أيضا باعتبار الجنسية، فتكون كثرته مقتضية للشبه في الصورة، وسبقه مقتضيا للشبه في الجنسية (٢).
وفي الحديث رد على من زعم أن الولد من ماء المرأة فقط، وأن ماء الرجل عاقد له كالأنفحة للبن، بل هو مخلوق من الماءين جميعا، وفيه استعمال القياس لأن معناه من كان منه إنزال الماء عند الجماع أمكن منه إنزال الماء عند إلاحتلام فأثبت الإنزال عند الجماع بدليل الشبه، وقاس عليه الإنزال با لاحتلام. ذكره الحافظ ولي الدين العراقي ﵀. أفاده الزرقاني ج ١ ص ١٠٤. والله تعالى أعلم.
стр. 2034
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٩٦ - وفي الكبرى -٢٥٣ - عن كثير بن عبيد، عن محمَّد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عنها.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في الطهارة -٩٦ - تعليقًا، قال بعد إخراجه من طريق يونس، عن الزهري: وهكذا رواه الزبيدي، وعقيل، وابن أخي الزهري، عن الزهري.
وبقية المسائل تأتي آخر الباب إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
١٩٧ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَفِيمَ يُشْبِهُهَا الْوَلَدُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (شعيب بن يوسف) أبو عمرو الحافظ النيسابوري ثقة صاحب حديث -١٠ - تقدم في ٤٢/ ٤٩.
стр. 2035
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ثقة حجة [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام) بن عروة المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة بن الزبير) بن العوام المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (زينب بنت أم سلمة) الصحابية ربيبة النبي ﷺ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٢.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين نسائي، وهو شعيب، وكوفي، وهو يحيى، ومدنيين وهم الباقون، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وفيه رواية الابن عن أبيه، والبنت عن أمها، ورواية صحابية، عن صحابية، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة.
شرح الحديث
(عن زينب بنت أم سلمة) المخزومية ربيبة النبي ﷺ ، كان اسمها برة فسماها النبي ﷺ زينب ﵂ (عن) أمها أم المؤمنين (أم سلمة) هند بنت أبي أمية: حذيفة ﵂. (أن امرأة) هي أم سليم، فقد صرح باسمها في الصحيحين من طريق هشام، عن أبيه (قالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق) قد مضى الكلام عليه في الحديث
السابق، وإنما قالت هذا تمهيدًا لقولها (هل على المرأة غسل) وللبخاري: "من غسل" بزيادة "من" (إذا هي) قال ابن دقيق العيد "هي" تأكيد