قليل اضطراب فسألته عنها فكان يمر فيها، قال المروذي عن أحمد بن حنبل: هشام طياش خفيف (١) وقال أبو المستضيء: رأيت هشام بن عمار إذا مشى أطرق في الأرض حياء من الله تعالى، وقال أبو بكر أحمد بن المعلي بن يزيد القاضي: رأيت هشام بن عمار في النوم والمشايخ متوافرون، وهو يكنس المسجد، فماتوا، وبقي هو آخرهم. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة: تكلم فيه وهو جائز الحديث، صدوق، وقال أحمد بن أبي الحواري: إذا حدثت في بلد فيه مثل هشام فيجب للحيتي أن تحلق، قال: وقال هشام: نظر يحيى بن معين في حديثي كله إلا حديث سويد بن عبد العزيز فإنه قال: سويد ضعيف، وقد حدث هشام بن عمار، عن ابن لهيعة بالإجازة، وقال أبو زرعة الرازي: من فاته هشام بن عمار يحتاج أن ينزل في عشرة آلاف حديث، روى عنه البخاري أربعة أحاديث، ولد سنة ١٥٣، ومات بدمشق آخر المحرم سنة ٢٤٥، وقيل ٤، وقيل ٦. اهـ "تت"ج ١١ ص ٥١ - ٥٤، أخرج له البخاري، والأربعة.
٢ - (سهل بن هاشم) بن بلال من ولد أبي سلام الحَبَشي أبو إبراهيم ويقال: أبو زكرياء بن أبي عقيل الواسطي، ثم البيروتي، نزيل دمشق، لا بأس به، من التاسعة. روى عن الأوزاعي، وابن أبي روَّاد، والثوري، وشعبة، وإبراهيم بن أدهم، وإبراهيم بن يزيد الجزري، وغيرهم. وعنه محمَّد بن المبارك الصوري، ومروان بن محمَّد، والهيثم بن خارجة، ودُحيم، وهشام بن عمار، وغيرهم. وقال أبو بكر بن أبي عاصم: ثنا دُحيم، ثنا سهل بن هاشم الواسطي ثقة، وقال الجوزجاني: ثنا أبو مسهر أن سهل بن هاشم حدثه، دمشقي معروف (٢)، وقال الآجري عن
стр. 2067
أبي داود: هو فوق الثقة، ولكنه يخطئ في أحاديث. وهو سهل بن أبي عقيل، وقال أيضا: كان من خيار الناس، روى حديثا عن عطاء، فأخطأ فيه، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب. اهـ "تت" ج ٤ ص ٢٥٩، وهو من أفراد المصنف.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الدمشقي ثقة حجة -٧ - تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، أخرجوا لهم إلا هشاما فلم يخرج له (م) وسهلا فانفرد به المصنف، وأنهم ما بين دمشقيين، وهم مَن قبل الزهري، ومدنيين وهم من بعده، والزهري مدني، سكن دمشق أيضًا، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة روت [٢٢١٠]. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵁ (أن النبي ﷺ قال) لفاطمة بنت أبي حبيش، وقد سألته عن الاستحاضة (إذا أقلبت الحيضة) بالفتح والكسر كما تقدم قريبا في [٢٠١] (فاتركي الصلاة) لحرمتها في الحيض (وإذا أدبرت) أي الحيضة (فاغتسلي) صرح هنا بالاغتسال، وفيما مضى بغسل
стр. 2068
الدم، فيستفاد من الروايتين وجوب الاغتسال، ووجوب غسل الدم، وتقدم تقريره في الحديث السابق.
(تنبيه) حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه، وقد مضى بعض فوائده في الحديث السابق، ويأتي تمام البحث فيه في كتاب الحيض إن شاء الله تعالى. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٢٠٣ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ العَدَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتُحِيضَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ سَبْعَ سِنِينَ، فَاشْتَكَتْ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ صَلِّي".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمران بن يزيد) هو ابن خالد بن يزيد نسب إلى جده، أبو عمر، أو أبو عمرو الدمشقي، صدوق -١٠ - تقدم في ١٣٤/ ٢٠١.
٢ - (إسماعيل بن عبد الله) العدوي الدمشقي وقد ينسب إلى جده ثقة -٨ - تقدم في ٢٠١.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الإمام العلم ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٤٥/ ٥٦.
стр. 2069
٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الحجة الثبت -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية كانت في حجر عائشة، روت عن عائشة، وأختها لأمها أم هشام بنت حارثة بن النعمان، وحبيبة بنت سهل، وأم حبيبة حمنة بنت جحش، وعنها ابنها أبو الرجال، وأخوها محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري، وابن أخيها يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن، وابن ابنها حارثة بن أبي الرجال، وابن أخيها أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وابنه عبد الله ابن أبي بكر، ويحيى، وسعد، وعبد ربه، أولاد سعيد بن قيس الأنصاري، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، والزهري، وعمرو ابن دينار، وآخرون.
قال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. قال أحمد بن محمَّد بن أبي بكر المقدمي: سمعت ابن المديني ذكر عمرة بنت عبد الرحمن ففخم أمرها، وقال: عمرة أحد
الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها. وذكرها ابن حبان في الثقات، وقال نوح بن حبيب القومسي: من قال: عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة فقد أخطأ، إنما هو ولد سعد بن زرارة وهو أخو أسعد, فأما أسعد فلم يكن له عقب، وإنما الولد لسعد، وإنما غلط الناس؛ لأن المشهور هو أسعد, سمعت ذلك من علي بن المديني، ومن الذي يعرفون نسب الأنصار، قال أبو حسان الزيادي: يقال: ماتت سنة -٩٨ - ، وقيل: ماتت سنة ١٠٦ وهي بنت -٧٧ - ، وقيل: ١٠٣ وقال ابن حبان: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة، وقال ابن المديني عن سفيان:
стр. 2070
أثبت حديث عائشة حديث عمرة، والقاسم، وعروة، وقال شعبة عن محمَّد بن عبد الرحمن: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة، قال شعبة: وكان عبد الرحمن بن القاسم يسألها عن حديث عائشة، وقال ابن سعد: كانت عالمة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة. اهـ "تت" ج ١٢ ص ٤٣٨ - ٤٣٩.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن شيخه ممن انفرد هو به، وإسماعيل أخرج له معه (د ت) والباقون اتفقوا عليهم، وأنهم ما بين دمشقيين وهم إلى الزهري، ومدنيين، وهم الباقون.
ومنها: قوله: عن عروة، وعمرة، عن عائشة، يقدر فيه لفظ "كلاهما" بعد عمرة، فيقول القارئ: عن عروة وعمرة كلاهما عن عائشة، وفيه رواية تابعى، عن تابعي، وتابعية، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عروة، وعمرة) وللبخاري: وعن عمرة، بإعادة الجار، قال الحافظ ﵀ كذا للأكثر، وفي رواية أبي الوقت، وابن عساكر بحذف الواو، فصار من رواية عروة، عن عمرة، وكذا ذكر الإسماعيلي أن أحمد بن الحسن الصوفي حدثهم به، عن خلف بن سالم، عن معن،
стр. 2071
والمحفوظ إثبات الواو، وأن الزهري رواه عن شيخين عروة، وعمرة، كلاهما عن عائشة، وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره من طرق عن ابن أبي ذئب، وكذا أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، وأبو داود من طريق الأوزاعي، كلاهما عن الزهري، وأخرجه مسلم أيضا من طريق الليث عن الزهري عن عروة وحده، ومسلم أيضًا من طريق إبراهيم بن سعد، وأبو داود من طريق يونس كلاهما عن الزهري عن عمرة وحدها، قال الدارقطني: هو صحيح من رواية الزهري عن عروة وعمرة جميعًا. اهـ فتح ج ١ ص ٥٠٨.
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: استحيضت) بالبناء للمفعول كما تقدم في الحديث -٢٠١ - (أم حبيبة بنت جحش) قال الحافظ ﵀: هى مشهورة بكنيتها، وقد قيل اسمها حبيبة، وكنيتها أم حبيب بغير هاء، قاله الواقدي، وتبعه الحربي، ورجحه الدارقطني، والمشهور في الروايات الصحيحة أم حبيبة بإثبات الهاء، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف، كما ثبت عند مسلم من رواية عمرو ابن الحارث. قلت: وهو الآتي للمصنف في -٢٠٤ - ومن رواية حفص ابن غيلان عن الزهري، وفي -٢٠٥ - من رواية عمرو بن الحارث عنه.
قال الحافظ: ووقع في الموطأ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة "أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن ابن عوف كانت تستحاض"، الحديث، فقيل: هو وَهَم، وقيل: بل صواب وأن اسمها زينب، وكنيتها أم حبيبة، وأما كون اسم أختها أم المؤمنين زينب فإنه لم يكن اسمها الأصلي، وإنما كان اسمها برة فغيره النبي ﷺ ، وفي أسباب النزول للواحدي أن تغيير اسمها كان بعد أن تزوجها النبي ﷺ ، فلعله ﷺ سماها باسم أختها لكون أختها غلبت عليها الكنية فأمن اللبس، ولهما أخت أخرى اسمها حمنة -بفتح المهملة وسكون الميم بعدها نون- وهي إحدى المستحاضات، وتعسف بعض المالكية فزعم أن اسم كل من بنات جحش زينب، قال: فأما أم المؤمنين
стр. 2072
فاشتُهرت باسمها، وأما أم حبيبة فاشتهرت بكنيتها، وأما حمنة فاشتهرت بلقبها, ولم يأت دليل على دعواه بأن حمنة لقب، ولم ينفرد الموطأ بتسمية أم حبيبة زينب، فقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب حديث الباب، فقال: "إن زينب بنت جحش"، وقد تقدم توجيهه. اهـ فتح ج ١ ص ٥٠٨ - ٥٠٩ (سبع سنين) قيل: فيه حجة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة قضاء الصلاة إذا تركتها ظانة أن ذلك حيض, لأنه ﷺ لم يأمرها بالإعادة مع طول المدة، ويحتمل أن يكون المراد بقولها "سبع سنين" بيان مدة استحاضتها مع قطع النظر هل كانت المدة كلها قبل السؤال أوْ لا فلا يكون فيه حجة لما ذكر. اهـ فتح ج ١ ص ٥٠٩.
(فاشتكلت إلى رسول الله ﷺ ) وفي الرواية الثانية "فاستفتت"، وكذا في الثالثة، وفي الرابعة "سألت" وكلها بمعنى واحد، أي سألته هل هو من الحيض أم لا (فقال رسول الله: ان هذه) أي الاستحاضة المفهومة من قولها "استحيضت" (ليست بالحيضة) هو بفتح الحاء لا غير كما نقله الخطابي عن أكثر المحدثين أو كلهم.
وقال النووي: انه متعين لأنه ﷺ أراد إثبات الاستحاضة، ونفي الحيض اهـ زهر، وقال السندي بعد ذكر نحو ما تقدم: قلت: والفتح أظهر، لكن يمكن الكسر على أن المعنى هذه الحالة، أو هذه الهيئة ليست بحالة الحيض، أو هيئته، ولكن هذا الدم دم عرق، فالحالة حالة الاستحاضة، فالاستدراك يحسن نظرا إلى لازمه، فليتأمل. اهـ كلام السندي. (ولكن هذا) أي دم الاستحاضة، وإنما ذكّره هنا، وأنثه في الأول نظرا إلى الخبر كما قاله السندي (عرق) أي دم عرق انفجر، ويسمى العاذل (١) أو العاذر كما مَرَّ قريبًا (فاغتسلي، ثم صلي) وفي الرواية الآتية "فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي" فبين أن الاغتسال لأجل انقطاع الحيض، لا للاستحاضة، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
رجال الإسناد: عشرة
١ - (الربيع بين سليمان بن داود) الجيزي المرادي أبو محمَّد المصري ثقة -١١ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (عبد الله بن يوسف) أبو محمَّد التنيسي ثقة -١٠ - تقدم في ١٢٩/ ١٩٢.
٣ - (الهيثم بن حميد) الغساني مولاهم، أبو حميد، ويقال: أبو الحارث الدمشقي صدوق رمي بالقدر من السابعة. روى عن المطعم بن المقدام، ويحيى بن الحارث، والأوزاعي، وثور بن يزيد الحمصي، وداود بن أبي هند، وأبي مُعَيد، حفص بن غيلان، وغيرهم.
وعنه الوليد بن مسلم، ومحمد بن المبارك الصوري، ومروان بن محمَّد، ومعلي بن منصور، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن دحيم: كان أعلم الأولين والآخرين بقول مكحول، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لا أعلم إلا خيرا، وقال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: لا بأس به، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: قدريّ ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال معاوية بن صالح: قال لي أبو مسهر: كان ضعيفًا قدريًا، وقال محمَّد بن إسحاق الصاغاني، عن أبي مسهر، حدثنا الهيثم بن حميد، وكان ضعيفًا، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: أخبرني أبو محمَّد التيمي، ثنا أبو مسهر، ثنا الهيثم بن حميد، وكان صاحب كتب، ولم يكن من الأثبات، ولا من أهل الحفظ، وقد كنت أمسكت عن الحديث عنه استضعفته، وقال أبو زرعة الدمشقي: حدثني
محمود بن خالد، عن أبي مسهر، حدثني محمَّد بن مهاجر أنه يعرف الهيثم بطلب العلم، قال أبو زرعة: فأعلم أهل دمشق بحديث مكحول
стр. 2075
الهيثم بن حميد، ويحيى بن حمزة، وقال أبو القاسم: بلغني عن جنيد بن حكيم، ثنا محمود بن خالد، قال كان مروان بن محمَّد يقدم الهيثم على يحيى بن حمزة في الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ "تت" ج ١١ ص ٩٢ - ٩٣، أخرج له الأربعة.
٤ - (النعمان) (١) بن المنذر الغساني ويقال اللخمي أبو الوزير الدمشقي، صدوق رمي بالقدر من السادسة، روى عن عطاء، ومجاهد، والزهري، وطاووس، وعبدة بن أبي لبابة ومكحول، وغيرهم. وعنه محمَّد بن الوليد الزبيدي، وهو من أقرانه، وسويد بن عبد العزيز، ومحمد ابن شعيب بن شابور، والهيثم بن حميد الغساني، ويحيى بن حمزة الحضرمي، ويزيد بن السمط، ومحمد بن يزيد الواسطي، وآخرون.
قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وقال دحيم: ثقة إلا أنه يُرمَى بالقدر، وقال الآجري عن أبي داود: ضرب أبو مسهر على حديث النعمان بن المنذر، فقال له يحيى بن معين: وفقك الله تعالى، قال أبو داود: كان داعية في القدر وضع كتابا يدعو فيه إلى القدر، وقال أبو زرعة الدمشقي: ثقة، وقال هشام بن عمار: ذاك يرى القدر، وقال النسائي عقب حديثه في الحيض: ليس بذاك القوي، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن سعد وجماعة: مات سنة -١٣٢ - اهـ "تت" ج ١٠ ص ٤٥٦ - ٤٥٧، أخرج له أبو داود، والمصنف.
٥ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الشهير الدمشقي ثقة إمام -٧ - تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٦ - (أبو مُعَيد) مصغرًا (وهو حفص بن غَيْلان) بمعجمة بعدها تحتانية
стр. 2076
ساكنة الهمداني ويقال: الرعيني -مصغرا نسبة إلى ذي رُعَين من أقيال اليمن- الدمشقي. روى عن سليمان بن موسى، والزهري، ومكحول، وطاووس، وبلال بن سعد، وغيرهم. وعنه هشام بن الغاز، وهو من أقرانه، وعمرو بن أبي سلمة، والهيثم بن حميد، والوليد بن مسلم، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وغيرهم. قال ابن معين، ودحيم: ثقة، وقال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس، وقال محمَّد بن المبارك الصوري: حدثنا الهيثم بن حميد، عن حفص بن غيلان، وكان ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال ابن حبان: من ثقات أهل الشام وفقهائهم، وقال ابن عساكر: بلغني عن إسحاق بن سيار النصيبي، أنه قال: أبو معيد ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: سمعت عبد الله بن سليمان بن الأشعث يقول: حفص بن غيلان ضعيف، قال ابن عدي له حديث كثير يروي كل واحد -يعني من أصحابه- نسخة، وهو عندي لا بأس به صدوق، وقال الحاكم: من ثقات الشاميين الذين يجمع حديثهم، وقال الآجري عن أبي داود كان يرى القدر ليس بذاك، دمشقي. اهـ "تت"ج ٢ ص ٤١٨ - ٤١٩ وفي "ت" صدوق فقيه رمي بالقدر -٨ - انفرد به المصنف وابن ماجه.
٧ - (الزهري) محمَّد بن مسلم المدني ثقة حجة -٤ - تقدم في ١/ ١.
٨ - (عروة) بن الزبير ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٩ - (عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية ثقة -٣ - تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣.
١٠ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
стр. 2077
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته كسابقه، وأن رواته ثقات على كلام في بعضهم، وأنهم ما بين مصريين، وهما الربيع، وعبد الله، وشاميين، وهم إلى الزهري، ومدنيين وهم الباقون. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: استحيضت أم حبيية بنت جحش، امرأة عبد الرحمن بن عوف) بالرفع بدل من أم حبيبة (وهي أخت زينب بنت جحش) أم المؤمنين ﵂، وقد تقدم أن مدة استحاضتها سبع سنين (فاستفتت رسول الله ﷺ ) أي سألته أن يبين لها حكم الاستحاضة يقال: أفتى العالمُ: إذا بَيَّنَ الحكم، واستفتيته: سألته أن يفتي، والفَتْوَى بالواو تفتح فاؤه، والفُتيا بالياء تضم فاؤه: اسم منه، والجمع الفتاوي بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف. أفاده في المصباح.
(فقال لها رسول الله ﷺ : إن هذه) أي الحالة التي أصابتها (ليست بالحيضة) تقدم الكلام في ضبطها في الحديث السابق (ولكن هذا عرق) أي دم عرق، وتقدم وجه التذكير والتأنيث هناك (فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت) أي أتت أيام حيضتك، فيكون ردًا إلى العادة، أو أن المراد ظهرت الحال التي تكون للحيض، من قوة الدم في اللون، فيكون ردا إلى التمييز، ويجوز كسر الحاء على إرادة الحالة، وفتحها على إرادة المرة. أفاده في المنهل ج ٣ ص ٧٨ - ٧٩ (فاتركي لها الصلاة) فيه دليل على تحريم الصلاة على الحائض (قالت عائشة) ﵂ (فكانت) أم حبيبة (تغتسل لكل صلاة، وتصلي) أي من عندها لا بأمره ﷺ ؛ لأن قوله "فاغتسلي" مطلق أمر بالاغتسال فلا يدل على التكرار، وسيأتي تحقيق الكلام عليه في المسائل (وكانت تغتسل أحيانا في
стр. 2078
مركن) بكسر الميم، كمنْبَر، إناء معروف اهـ "ق" وفي المعجم الأوسط: المركن: وعاء تغسل فيه الثياب اهـ (في حجرة أختها زينب) والحُجْرة وزان غُرْفة: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرَات كغرف وغرفات (وهي عند رسول الله ﷺ ) جملة حالية من أختها (حتى إن حمرة الدم لتعلوا الماء) لكثرتها (وتخرج) إلى المسجد (فتصلي مع رسول الله ﷺ ، فما يمنعها ذلك) أي الدم الخارج بكثرة (من الصلاة) لأنه ليس من الحيض.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه في هذا الباب برقم ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧، وفي الباب التالي برقم ٢٠٩، ٢١٠. وفي الكبرى ١٢٦/ ٢١١، ٢١٢، ٢١٣.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م دت ق) فأخرجه (خ) في الطهارة -٣٤ - عن إبراهيم بن المنذر، عن مَعْن، عن ابن أبي ذئب، وأخرجه (م) فيه ٤٨/ ٥ عن محمَّد بن جعفر بن زياد الوركاني، عن إبراهيم بن سعد، وفي ٤٨/ ٦ عن محمَّد بن المثنى، عن سفيان بن عيينة، وفي ٤٨/ ٤ عن محمَّد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وعن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد كلاهما عن
عبد الرزاق، عن معمر- خمستهم عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂.
وأخرجه أبو داود فيه ١١٠/ ٢ عن عبد الغني بن أبي عقيل، ومحمد ابن سلمة كلاهما عن ابن وهب به، وفي ١١١/ ٤ عن محمَّد بن إسحاق المسيَّبي، عن أبيه، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة ﵂.
стр. 2079
قال الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀: هكذا رواه أبو الحسن بن العبد، وأبو سعيد بن الأعرابي، وأبو بكر بن داسة، وغير واحد عن أبي داود، ووقع في رواية الخطيب عن الزهري، عن عروة، وعمرة، عن عائشة، وكذلك ذكره أبو القاسم -يعني ابن عساكر- في أول ترجمة الزهري، عن عروة، عن عائشة، ولم يذكره في هذه الترجمة. اهـ تحفة الأشراف ١٢٠ ص ٤١٣.
قال الجامع: ما وقع في رواية الخطيب هو الذي في شرح المنهل.
وأخرجه (ت) فيه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة ﵂
وأخرجه (ق) فيه ١١٦ عن محمَّد بن يحيى، عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، وعمرة، عنها.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في وجوب الاغتسال على المستحاضة لكل صلاة:
ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب عليها الغسل لكل صلاة إلا المتحيرة، بل الواجب عليها الوضوء لكل صلاة، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃، وبه قال عروة بن
الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد.
وذهب بعضهم إلى إيجاب الغسل عليها لكل صلاة، وممن روي عنه هذا ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وروي أيضا عن علي، وابن عباس، ﵃، وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا، وعن الحسن، وابن المسيب، أنها تغتسل من صلاة الظهر إلى الظهر دائما. أفاده النووي في شرح المهذب ج ٢ ص ٥٣٦.
ودليل الجمهور كما قال النووي ﵀ أن الأصل عدم الوجوب،
стр. 2080
فلا يجب إلا ما ورد الشرع به ولم يصح (١) عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع الحيض، وهو قوله ﷺ "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي"، وليس في هذا ما يقتضي التكرار، وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود، والبيهقي، وغيرهما أن النبي ﷺ أمرها بالغسل لكل صلاة، فليس فيها شيء ثابت (٢) وقد بين البيهقي ومَن قبله ضعفها، وإنما صح في هذا ما رواه البخاري، ومسلم في صحيحهما، أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت، فقال لها النبي ﷺ : "إنما ذلك عرق، فاغتسلي، ثم صلي" فكانت تغتسل عند كل صلاة، قال الشافعي ﵁: إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشك أن غسلها كان تطوعًا غير ما أمرت به، وذلك واسع لها، هذا لفظ الشافعي ﵀، وكذا قاله شيخه سفيان بن عيينة، والليث بن سعد وغيرهما. اهـ المجموع ج ٢ ص ٤٣٦ بتصرف.
وقال الحافظ ﵀ بعد ذكر كلام الشافعي بنحو ما ذكره النووي: ما نصه: وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم: لم يذكر ابن شهاب أنه ﷺ -أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي.
ثم قال: ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق عكرمة "أن أم حبيبة استحيضت، فأمرها ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، فإذا رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت". واستدل المهلبي بقوله لها "هذا عرق" على أنه لم يوجب عليها الغسل لكل صلاة لأن دم العرق لا
стр. 2081
يوجب الغسل، وأما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير، وابن إسحاق، عن الزهري في هذا الحديث "فأمرها بالغسل لكل صلاة" فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، وقد صرح الليث كما تقدم عند مسلم بأن الزهري لم يذكرها لكن روى أبو داود من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة في هذه القصة "فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة" فيحمل الأمر على الندب جمعا بين الروايتين، هذه ورواية عكرمة، وقد حمله الخطابي على أنها كانت متحيرة وفيه نظر لما تقدم من رواية عكرمة أنه أمرها أن تنتظر أيام أقرائها, ولمسلم من طريق عراك بن مالك، عن عروة في هذه القصة "فقال لها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك"، ولأبي داود وغيره من طريق الأوزاعي، وابن عيينة، عن الزهري في حديث الباب نحوه، لكن استنكر أبو داود هذه الزيادة في حديث الزهري، وأجاب بعض من زعم أنها كانت غير مميزة بأن قوله "فأمرها أن تغتسل لكل صلاة" أي من الدم الذي أصابها لأنه من إزالة النجاسة، وهي شرط في صحة الصلاة، وقال الطحاوي: حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، أي لأن فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة لا الغسل، والجمع بين الحديثين يحمل الأمر في حديث أم حبيبة على الندب أولى. اهـ فتح ج ١ ص ٥٠٨ - ٥٠٩.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله صاحب الفتح من حمل الأمر على الندب هو الأرجح عندي، لصحة الحديثين، فيكون الأمر بالغسل مصروفًا عن الوجوب إلى الندب بحديث الأمر بالوضوء، وأما تضعيف البيهقي وغيره له فقد أجاد المحقق ابن التركماني في الجوهر النقي في رده، ولنذكر كلامه رحمه الله تعالى، مع كلام البيهقي ﵀.
أخرج البيهقي بسنده ﵀ عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي
стр. 2082
بكر بن محمَّد، عن عمرة، عن عائشة أن أم حبيبة استحيضت فذكرت للنبي ﷺ ذلك؟ فقال: "إنها ليست بحيضة، ولكنها ركضة من الرحم فلتنظر قدر أقرائها التي كانت تحيض فتترك الصلاة، ثم تغتسل عند كل صلاة، وتصلي".
قال البيهقي: قال بعض مشايخنا خبر ابن الهاد غير محفوظ.
فرد ذلك ابن التركماني بقوله: إن أراد غير محفوظ عنه فليس كذلك فإن البيهقي أخرجه من طريق ابن أبي حازم عنه، وأخرجه النسائي من طريق بكر بن مضر عنه، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق
عبد العزيز الدراوردي عنه. فهؤلاء ثلاثة رووه عنه. وإن أراد أنه غير محفوظ منه فليس كذلك أيضا لأن ابن الهاد من الثقات المحتج بهم في الصحيح.
ثم أسند البيهقي من طريق أبي داود بسنده عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "استحيضت أم حبيبة فأمرها النبي ﷺ بالغسل لكل صلاة". ثم قال البيهقي: رواية ابن إسحاق عن الزهري، غلط لمخالفتها سائر الرواة عن الزهري.
فرده ابن التركماني بقوله: المخالفة على وجهين: مخالفة ترك، ومخالفة تعارض، وتناقض، فإن أراد مخالفة الترك فلا تناقض في ذلك، وإن أراد مخالفة التعارض فليس كذلك، إذ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبي ﷺ لها بالغسل عند كل صلاة، وفي بعضها أنها فعلته هي، وقد تابع ابن إسحاق سليمان بن كثير، كما ذكره البيهقي قريبا، وخبر ابن الهاد المتقدم شاهد لذلك.
ثم قال البيهقي: وكيف يكون الأمر بالغسل عند كل صلاة ثابتا من حديث عروة، وقد أخبرنا أبو أحمد، فذكر بسنده عن عروة، قال:
стр. 2083
ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا ثم تتوضأ بعد ذلك للصلاة، وأسند عن عائشة نحوه.
قال ابن التركماني: كأنه ضعف الأمر بالغسل لكل صلاة بمخالفة فتوى عروة، وعائشة له، وقد عرف من مذهب المحدثين أن العبرة لما رَوَى الراوي، لا لرأيه.
ثم ذكر البيهقي من طريق الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير عن
أبي مسلم، أخبرتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل عند كل صلاة، ثم قال: خالفه هشام الدستوائي، فأرسله، ثم ذكره من جهة هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن أم حبيبة سألت … الخ.
قال ابن التركمانى: في تسمية هذا مرسلا نظر، وعلى تقدير تسليمه قد عرف ما في الإرسال مع زيادة الثقة للإسناد. إلى آخر كلامهما رحمهما الله. فظهر بهذا أن حديث الأمر بالغسل صحيح، وأن العلل
التي ذكروها غير مقبولة على قواعد المحدثين.
ولقد أجاد الحافظ الناقد أبو محمَّد بن حزم في سَوْق الأحاديث في كتابه "المحَلَّى"، فقال: حدثنا حُمَام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، ثنا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا عَلان، ثنا محمَّد بن بشار، ثنا وهب ابن جرير بن حازم، ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة -وهو ابن عبد الرحمن بن عوف- عن أم حبيبة بنت جحش: أنها كانت تهراق الدم وأنها سألت رسول الله ﷺ فأمرها أن تغتسل لكل صلاة، وبه إلى ابن أيمن: ثنا أحمد بن محمَّد البرتي القاضي، ثنا عبد
الوارث بن سعيد التَّنُّوري، عن الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرتني زينب بنت أبي
стр. 2084
سلمة المخزومي: "أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن ابن عوف، وأن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كلا صلاة، وتصلي". وبه إلى ابن أيمن: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثني ابن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أم حبيبة بنت حجش: "أنها استحيضت فأمرها رسول الله ﷺ بالغسل عند كل صلاة".
حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا ابن السليم، ثنا ابن الأعرابي، ثنا أبو داود، ثنا هناد بن السري، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة.
حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك الخولاني، ثنا محمَّد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا وهب بن بقية، ثنا خالد بن إسماعيل، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، قالت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت؟ فقال رسول الله ﷺ : "لتغتسل للظهر والعصر غُسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدًا، وتغتسل للفجر غُسلًا، وتتوضأ فيما بين ذلك".
قال: فهذه آثار في غاية الصحة رواها عن رسول الله ﷺ أربع صواحب: عائشة أم المؤمنين، وزينب بنت أم سلمة، وأسماء بنت عميس، وأم حبيبة بنت جحش، ورواها عن كل واحدة من عائشة، وأم حبيبة، عروة، وأبو سلمة، ورواه أبو سلمة عن زينب بنت أم سلمة، ورواه عروة عن أسماء. اهـ "المحلى" ج ٢ ص ٢١١ - ٢١٣.
قال الجامع: وقد تقدم في رواية البيهقي أنه ثابت أيضا من رواية ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمَّد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، وهذه الرواية تأتي للمصنف في -٢٠٩ - والحاصل أن الحديث ثابت،
стр. 2085
فوجب القول به، وأما تغليط الحفاظ كما ادعاه البيهقي، ودعوى النسخ كما قال به الطحاوي، فغير صحيح، بل الأحسن الجمع بين الأحاديث بحمل الأمر على الندب كما هو رأي الجمهور، والله أعلم، وسيجيء مزيد إيضاح للمسألة في المسألة السادسة في الحديث رقم -٢٠٨ - إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة: عَدَّ في الفتح المستحاضات من الصحابيات في زمن النبي ﷺ عشرًا، بنات جحش الثلاثة على ما تقدم، وفاطمة بنت أبي حبيش المتقدمة، وسودة بنت زمعة، وحديثها عند أبي داود معلقا، وابن خزيمة موصولا، وأم سلمة وحديثها في سنن سعيد بن منصور، وأسماء بنت عميس، رواه الدارقطني، وهو في أبي داود، لكن على التردد، هل هي عنها، أو عن فاطمة بنت أبي حبيش؟، وسهلة بنت سهيل ذكرها أبو داود أيضا، وأسماء بنت مرثد، ذكرها البيهقي وغيره، وبادية بنت غيلان، ذكرها ابن منده، وروى البيهقي والإسماعيلي أن زينب ابنة أم سلمة استحيضت، لكن الحديث في أبي داود من حكايته زينب عن غيرها، وهو أشبه، فإنها كانت في زمنه ﷺ صغيرة لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة، وزينب ترضع، وقد كملت عشرًا بحذف زينب بنت أبي سلمة، انتهى. وللزرقاني على الموطأ (من الرجز):
قَدِ اسْتُحيضَتْ فِي زَمَان المُصْطفَى … بَنَاتُ جَحْشٍ سَهْلَةٌ وَبَاديَهْ
وَهنْدُ أَسْمَا سَوْدَةٌ وَفَاطَمَهْ … وَبنْتُ مَرْثَدٍ رَوَاهَا الراَّوِيَهْ
اهـ شرح الزرقاني ج ١ ص ١٢٧ وما قاله أحسن مما في نظم السيوطي ﵀ (١).
стр. 2086
٢٠٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي".
رجال الإسناد: سبعة
١ - (محمَّد بن سلمة) المرادي أبو الحارث المصري ثقة ثبت -١١ - تقدم في ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن وهب) هو عبد الله المصري ثقة حافظ -٩ - تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) المصري ثقة فقيه -٧ - تقدم في ٦٣/ ٧٩.
وأما الباقون فتقدم الكلام فيهم في السند السابق. وكذا تقدم شرح الحديث والمسائل المتعلقة به.
(تنبيه) قوله: "ختنة رسول الله ﷺ " تأنيث خَتَن بفتحتين، قال الفيّومي ﵀: الختن بفتحتين كل من كان من قبل المرأة كالأب، والأخ، والجمع أخْتان، وختن الرجل عند العامة زوج ابنته، وقال الأزهري: الختن أبو المرأة، والختنة أمها، فالأختان من قبل المرأة، والأحماء من قبل الرجل، والأصهار يعمهما، ويقال: المخاتنة: المصاهرة من الطرفين، يقال: خاتنهم: إذا صاهرهم. اهـ مصباح.
стр. 2087
٢٠٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتِ: اسْتَفْتَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي". فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد المصري الإمام ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٣١/ ٣٥. وأما الباقون فتقدم الكلام عليهم قريبًا، وكذا شرح الحديث.
٢٠٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّمِ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي".
أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَمْ يَذْكُرْ جَعْفَرًا.
стр. 2088
رجال الإسناد: سبعة
١ - (قتيبة) تقدم في في السند الماضي.
٢ - (الليث) بن سعد تقدم في السند الماضي أيضا.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) واسم أبيه سُوَيد، الأزدي مولاهم أبو رجاء المصري، وقيل غير ذلك في ولائه. روى عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي، وأبي الطفيل، وأسلم بن يزيد أبي عمران، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، وغيرهم. وعنه سليمان التيمي، ومحمد بن إسحاق، وزيد بن أبي أنيسة، وعمرو بن الحارث، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الله بن عياش القتباني، وحيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أيوب، وابن لهيعة، والليث بن سعد، ويحيى بن أيوب المصريون، وآخرون.
قال ابن سعد: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليما عاقلا، وكان أول من أظهر العلم بمصر، والكلام بالحلال والحرام، ومسائل، وقال الليث: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، وقال الآجري عن أبي داود: لم يسمع من الزهري، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. مات سنة -١٢٨ - ، وقال غيره: بلغ زيادة على -٧٥ - سنة.
قال الحافظ: وفيها أرخه ابن يونس، وقال: روى عنه الأكابر من أهل مصر ثم روى عن ابن لهيعة أنه ولد سنة -٥٣ - وقال البخاري: قال يحيى بن بكير: هو ابن قيس، ويقال ابن سويد، وله أخ اسمه خليفة، وسئل موسى الجهني أيهما أحب؟ فقال: يزيد، قال: وسئل أبو زرعة عن يزيد؟ فقال: مصري ثقة، وقال العجلي: مصري تابعي
стр. 2089
ثقة، وقال ابن أبي مريم عن أبيه: يزيد بن أبي حبيب، عن عقبة بن عامر مرسلا، وقال الليث: ثنا يزيد بن أبي حبيب، وعبيد الله بن أبي جعفر وهما جَوْهَريَّا البلد، وقال ابن وهب لوجعلا في ميزان ما رجح أحدهما على الآخر. اهـ "تت" ج ١١ ص ٣١٨ - ٣١٩ وفي "ت" ثقة فقيه يرسل -٥ - أخرج له الجماعة.
٤ - (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة المصري ثقة -٥ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٥ - (عراك بن مالك) الغفاري الكناني المدني. روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وزينب بنت أبي سلمة، وحفصة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وأبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك ابن أبي بكر، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ونوفل بن معاوية الديلي، والزهري، وهو أصغر منه وروى عنه ابناه خثيم، وعبد الله، وسليمان ابن يسار، وهو من أقرانه، والحكم بن عتيبة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد ابن أبي حبيب المصري، وزياد بن أبي زياد مولى ابن عباس، وجعفر بن ربيعة المصري.، وبكير بن الأشج، ومكحول الشامي، وأبو الغصن ثابت بن قيس، وعقيل بن خالد، وعبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز.
قال العجلي: شامي تابعي ثقة من خيار التابعين، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، وقال أيوب بن سود عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما كان أبي يعدل بعراك بن مالك أحدًا، وقال أبو الغصن: رأيته يصوم الدهر، وقال الزبير بن بكار عن محمَّد بن الضحاك، عن
стр. 2090
المنذر بن عبد الله: أن عراك بن مالك كان من أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ولى عبد الواحد البصري على الدينة فقرب عراكا، وقال صاحب الرجل الصالح، وكان يجلس معه على سريره، فبينما هو يوما معه إذ أتاه كتاب يزيد أن أبعث مع عراك حرسيا حتى ينزله دَهْلَك (١) وخذ من عراك حمولته، فقال عبد الواحد لحرسي خذ بيد عراك فابتع من ماله راحلة ثم توجه إلى دهلك حتى تقره بها، ففعل الحرسي ذلك وما تركه يصل إلى أمه، قال: وكان أبو بكر بن حزم قد نفى الأحوص الشاعر إلى دهلك فلما ولي يزيد بن عبد الملك أرسل إلى الأحوص فأقدمه عليه فمدحه الأحوص، فأكرمه، وقال ضمام بن إسماعيل، عن عقيل بن خالد: كنت بالمدينة في الحرس فلما صليت العصر إذ برجل يتخطى الناس حتى دنا من عراك بن مالك فلطمه حتى وقع، وكان شيخًا كبيرًا ثم جر برجله ثم انطلق به حتى حصل في مركب في (٢) البحر إلى دهلك فكان أهل دهلك يقولون: جزى الله عنا يزيد خيرًا أخرج إلينا رجلا علمنا الله الخير على يديه.
قال ابن سعد وغيره: مات بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك. قال الحافظ: فإن صح هذا فمقتضاه أنه لم تطل إقامته بدهلك ولم أر من صرح بأنه مات بالمدينة غير ابن سعد (٣) وكلهم قالوا: مات في زمن يزيد ابن عبد الملك. وقال أحمد بن حنبل فيما روى ابن أبي حاتم في المراسيل عن الأثرم وذكر صاحب خالد بن أبي الصلت، عن عراك، سمعت عائشة مرفوعا "حولوا مقعدتي إلى القبلة" … فقال: مرسل، عراك، ابن مالك من أين سمع من عائشة؟ إنما يروى عن عروة، هذا خطأ، ثم
стр. 2091
قال: من يروي هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، فقال: قال غير واحد: عن خالد الحذاء ليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت، وقال أحمد في موضع آخر أحسن ما روي في الرخصة -يعني في استقبال القبلة- حديث عراك، وإن كان مرسلا، فإن مخرجه حسن، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال موسى بن هارون: لا نعلم لعراك سماعا من عائشة. اهـ "تت" ج ٧ ص ١٧٢ - ١٧٤ وفي "ت" ثقة فاضل من الثالثة، أخرج له الجماعة.
٦ - (عروة) بن الزبير أحد الفقهاء السبعة المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٧ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، قد أخرجوا لهم، وهم ما بين مصريين، وهم إلى جعفر، ومدنيين وهم الباقون، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، وتقدم هذا
كله غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن أم حبيية) تقدم الخلاف في اسمها قريبا (سألت رسول الله ﷺ عن الدم) أي حكم الدم المستمر (قالت عائشة ﵁: رأيت مركنها) بكسر فسكون: إجانة تُغسل فيها الثياب (ملآن) قال السندي: وفي بعض النسخ ملآى، وكذا في مسلم
جاء بالوجهين، قال النووي: وكلاهما صحيح، التذكير على اللفظ، والتأنيث على المعنى لأنه إجانة. اهـ، والإجانة بكسر الهمزة، وتشديد الجيم: إناء يغسل فيه الثياب، والجمع أجاجين، والإنجانة لغة
стр. 2092
تمتنع الفصحاء من استعمالها. اهـ المصباح.
وكلام عائشة هذا معترض بين السؤال والجواب (فقال لها رسول الله ﷺ امكثي قدر ما كانت تحبسك) أي تمنعك (حيضتك) أي قدر الأيام التي كانت الحيضة تعتادك فيها فتمنعك عن الصلاة، وهذا فيه إشارة إلى أنها مميزة حيضها (ثم) إذا مضى قدرها (فاغتسلي) لانقضاء مدة الحيض.
قال المصنف (أخبرنا قتيبة) بن سعيد بهذا الحديث (مرة أخرى) أي وقتا آخر، يقال: فعلت ذلك مرة، أي تارة، والجمع مرات، ومرار. قاله في المصباح (ولم يذكر جعفرا) يعني أنه أسقطه من السند، فقال:
عن يزيد، عن عراك.
والحاصل أن قتيبة حدث بهذا الحديث مرتين مرة بزيادة جعفر، ومرة بإسقاطه، فيكون مما رواه يزيد عن عراك بواسطة جعفر، ثم أخذه عنه بلا واسطة، وهذا هو الظاهر من كلام النسائي، وأما ما ذكره الشيخ الشنقيطي ترديدا بقوله: إما أن يكون سهوًا منه فبعيد, لأننا إذا قلنا يحتمل السهو في هذا، نقول أيضا يحتمل في الزيادة، فيكون الحديث غير محفوظ، وهذا بعيد من صنيع المصنف، فالأولى ما قررناه. والله أعلم.
وأما المسائل فقد تقدمت في الماضي، فارجع إليها.
٢٠٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ تَعْنِي: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ
стр. 2093
رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ، ثُمَّ لْتُصَلِّ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام العلم ثقة حجة -٧ - تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدني أحد الأعلام ثقة ثبت -٣ - تقدم في ١٢/ ١٢.
٤ - (سليمان بن يسار) المدني مولى ميمونة ﵂ ثقة فقيه -٣ - تقدم في ١١٢/ ١٥٦.
٥ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفقوا على التخريج لهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه، فبغلاني، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه سليمان أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
стр. 2094
شرح الحديث
(عن أم سلمة) هند ﵂ (تعني) بالتاء وفي نسخة بالياء، أي تريد أم سلمة ﵂ بما حدثت به (أن امرأة) وإنما أتى بتعني لنسيانه اللفظ الذي عبرت هي به، وإنما حفظ المعنى فأداه به. والمرأة هي فاطمة بنت أبي حبيش، وليست أم حبيبة بنت جحش كما توهمه الشنقيطي, لأن أبا داود صرح بذلك في سننه حيث قال: سَمَّى المرأة التي كانت استحيضت، حماد بن زيد عن أيوب في هذا الحديث قال فاطمة بنت أبي حبيش. اهـ ج ٢ ص ٦٦ بشرح المنهل.
وقد بين الدارقطني في سننه أن سفيان، وعبد الورث، ووهيبا، وحماد بن زيد سموها فاطمة، فقد أخرج بسنده عن سفيان، عن أيوب السختياني، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ : أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض على عهد رسول الله ﷺ فسألت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال: "لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن، وقدرهن من الشهور، فلتترك الصلاة لذلك، فإذا خلّفت ذلك، فلتغتسل، ولتتوضأ، ولتستذفر، ثم تصلي". وأخرج بسنده عن عبد الوارث، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، أن أم سلمة استفتت رسول الله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش .. الحديث. ثم قال: ورواه وهيب عن أيوب، عن سليمان، عن أم سلمة بهذا. وأخرج بسنده أيضا عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، أن فاطمة بنت أبي حبيش .. الحديث.
(كانت تهراق) بالبناء للمفعول، وهاؤها مفتوحة أو ساكنة، وأصلها تراق، من إراقة الشيء بمعنى صبه، قال ابن منظور ﵀: وأراقَ الماء يُريقه، وهراقه يُهَريقه -أي بفتح الهاء- على البدل، وأهراقه
стр. 2095
يُهْريقه -أي بسكون الهاء- على العوض كما ذهب إليه سيبويه في قولهم: أسطاع، وقالوا في مصدره إهراقة، كما قالو ا: إسطاعةً، قال ذو الرمة (من الطويل):
فَلَمَّا دَنَتْ إِهْرَاقَةُ المَاءِ أنْصَبَتْ … لأَعْزلَهُ عَنْهَا وَفِي النَّفْسِ أَنْ أثْني
ورجل مُريق، وماء مُرَاق على أرقتُ، ورجل مُهَريق، وماء مُهَراق -يعني بفتح الهاء- على أهرقت. اهـ لسان ببعض تصرف.
وقال السندي: وأصل هَرَاق أراق، أبدلت الهمزة هاء، ويقال: يُهَريق بفتح الهاء, لأن الهاء موضع الهمزة، ولو كانت الهمزة ثابتة في المضارع لكانت مفتوحة، ويقال: أهراق يهريق بسكون الهاء جمعا بين
البدل والأصل. اهـ ج ١ ص ١٢٠.
(الدم) بالنصب، ويجوز الرفع، قال السيوطي ﵀: قال ابن مالك: هذا من زيادة "أل" في التمييز، وقال ابن الحاجب في أماليه: يجوز فيه الرفع على البدل من الضمير في تهراق، والنصب على التمييز، أو توهم التعدي، أو بفعل مقدر، وهو الأوجه، كأنه لما قيل: تهراق، قيل: ما تهراق؟ قال: تهريق الدم مثل:
ليُبْكَ يَزيدُ ضَاِرعٌ لخُصُومَةٍ
وإن اختلفا في الإعراب، ومثله في الكلام كثير. اهـ زهر ج ١ ص ١٢٠.
وقال العلامة السندي ﵀: ونصب الدم تشبيها بالمفعول، وهو في المعنى تمييز، إلا أنه لا يطلق عليه اسم التمييز مراعاة لقواعد الإعراب -يعني وجوب تنكير التمييز عند البصريين-، وقيل: هو تمييز، وتعريفه زائد -يعني أن أل فيه زائدة- والأصل يهراق دمها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، وجعل الدم تمييزًا وقيل: يجوز تعريف التمييز -وهو مذهب الكوفيين- لورود أمثاله كثيرًا.
стр. 2096
وقيل: على إسقاط حرف الجر، أي بالدماء، أو على إضمار الفعل: أي يهريق الله تعالى الدم منها، أو لما قيل: تهراق، كأنه قيل: ما تهراق؟ قال: تهريق الدم، والرفع على أنه بدل من ضمير تهراق، أو نائب الفاعل إن كان يُهرَاق بلفظ التذكير. اهـ ج ١ ص ١٢٠.
وقال ابن الأثير: جاء الحديث على ما لم يسم فاعله، أي تهراق هي والدماء منصوب على التمييز، وإن كان معرفة، وله نظائر، كقوله تعالى: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وهو مطرد عند الكوفيين، وشاذ عند البصريين، أو أجري تهراق مجرى نُفست المرأة غلاما، ونتج الفرس مُهْرا، قال: ويجوز الرفع بتقدير تهراق دماؤها وأل بدل من المضاف إليه، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي عقدة نكاحه ونكاحها.
وقال أبو حيان في شرح التسهيل: أجاز بعض المتأخرين تشبيه الفعل اللازم بالمتعدى كما شبه وصفه باسم الفاعل المتعدي مستدلا بحديث "تهراق الدماء"، ومنعه الشلوبين، وقال: لا يكون ذلك إلا في الصفات، وتأول الحديث على إسقاط حرف الجر، أي بالدماء، أو على إضمار فعل، أي يهريق الله الدماء منها، قال أبوحيان: وهذا هو الصحيح إذ لم يثبت من لسان العرب. اهـ (١) زرقاني على الموطأ ج ١ ص ١٢٣.
(على عهد) أي في زمان (رسول الله ﷺ فاستفتت لها) أي لأجلها (أم سلمة رسول الله ﷺ ) أي بأمرها إياها بذلك، لما في رواية الدارقطني "أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت حتى كان المركن ينقل من تحتها وأعلاه الدم قال: فأمرت أمَّ سلمة أن تسأل لها رسول الله ﷺ .. الحديث.
стр. 2097
وقد تقدم في الرواية السابقة، -٢٠١ - أنها السائلة، وثبت في حديث آخر عند أبي داود وغيره: أن أسماء بنت عميس سألت لها، قال الحافظ ولي الدين العراقي: ولعل الجمع بينها أن فاطمة سألت كلا من أم سلمة وأسماء أن تسأل لها فسألتا مجتمعتين، أو سألت كل واحدة منهما مع عدم علمها بسؤال الأخرى، وصح إطلاق السؤال على فاطمة باعتبار أمرها بالسؤال، أو أنها حضرت معهما فلما بدأتا بالكلام تكلمت هي حينئذ. نتهى.
قال الجامع: أو يحمل على أنها لما استبطأت سؤالهما تولت بنفسها ذلك لشدة اهتمامها بمعرفة حكمه. والله أعلم
قال الزرقاني ﵀: وهو مبني على تسليم أن هذه المرأة المبهمة فاطمة، وقد قال ابن عبد البر: قال أيوب السختياني: هذه المرأة هى فاطمة المذكورة في الحديث الأول، وهو عندنا حديث آخر، وكذا جعله ابن حنبل حديثا غير الأول، فإنه في امرأة عرفت إقبالها وإدبارها، وهذا الحديث في امرأة كان لها أيام معروفة فزادها الدم وأطبق عليها، فلم تميز، فأمرها ﷺ أن تترك الصلاة قدر أيامها من الشهر.
وأجاب ابن العراقي بأنه إن صح أن المبهمة فاطمة فلعلها كانت لها أحوال كانت في بعضها مميزة، وفي بعضها ليست مميزة، وجاء الجواب لها باعتبار حالتيها.
قال الجامع عفا الله عنه: كون المرأة المبهمة هي فاطمة هو الراجح عندي، وأما ما ذكره الحافظ ابن عبد البر من أنها ليست هي لأن الحديث الأول -يعني الحديث الذي فيه التصريح باسمها- في امرأة عرفت إقبال حيضها وإدباره، أي بالصفة، حيث أنه قال لها "فإذا أقبلت الحيضة"، وفي بعض الروايات عند المصنف وأبي داود "إذا كان دم الحيض، فإنه
стр. 2098
دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة"، قال: وهذا الحديث -يعني حديث المرأة المبهمة- في امرأة كان لها أيام معروفة -أي حيث قال لها: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فغير صحيح (١) لأن الأمرين جميعًا واردان في فاطمة مصرحًا باسمها.
فمما ورد في تمييزها بالصفة ما أشرنا إليه آنفا من رواية المصنف الآتي في -١٣٨/ ٢١٥ - عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض فقال لها رسول الله ﷺ : "إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة" … الحديث. ومما ورد في ردها إلى الأيام المعروفة لها ما رواه البخاري في صحيحه عن فاطمة بنت أبي حبيش، سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر, أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها" الحديث.
فثبت بهذا أن فاطمة ورد فيها الأمران معا فصح ما قاله أيوب من أن المبهمة هى فاطمة، والجواب عن الحديثين هو ما أجاب به ولي الدين العراقي، من أن فاطمة كانت لها حالات ففي بعضها كانت مميزة فأحالها ﷺ على التمييز، وفي بعضها كانت غير مميزة فردها إلى عادتها المعروفة. وقد تقدم قريبا بيان رواية أيوب السختياني أنها فاطمة في سنن الدارقطني مستوفى، فلا تغفل.
(فقال) ﷺ مجيبًا عن سؤالها (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض) أي فيها، وعند أبي داود "تحيضهن" (من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها) من الاستحاضة، والجار والمجرور متعلق بتحيض، أو حال من عدد الليالي والأيام، والظرف حال من الشهر، أي حال كون
ذلك الشهر كائنا قبل أن يصيبها استمرار الدم (فلتترك الصلاة) وكذا
стр. 2099
كلّ ما يمنع في حال الحيض من الصوم وغيره، وإنما عين الصلاة حيث إنها سألت عنها بقولها: أفأدع الصلاة؟ (قدر ذلك) أي قدر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن قبل استمرار الدم بها (من الشهر) الذي استمر فيه الدم.
وحاصل المعنى أنه أمرها أن تحسب عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض فيها قبل أن تستحاض، وتترك الصلاة من الشهر الآتي قدرها، مثلا إذا كانت عادتها أن تحيض من كل شهر خمسة أيام من أوله تترك الصلاة خمسة أيام من الشهر الآتي.
(فإذا خلّفت ذلك) بتشديد اللام وفتح الفاء من التخليف، أي إذا تركت قدر الأيام والليالي المذكورة وراءها، والمراد إذا مضى قدرها (فلتغتسل) لانقطاع حيضها؛ لأن مدة حيضها فيما مضى هي مدة حيضها في هذا الوقت، فإذا مضى قدرها خرجت من الحيض، وصارت مستحاضة حكمها حكم الطاهرة.
واحتج بهذا الحديث من قال: إن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها، ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أم خالفها، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، قيل: هو مبني على "قاعدة ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال" وذلك حيث إنه ﷺ لم يسألها هل هي مميزة أم لا؟ لكن نازع الصنعاني في بناء الحنفية هذا القول على هذه القاعدة لأنهم لا يقولون بها، بل القائل بها هم الشافعية، انظر حاشية العدة ج ١ ص ٤٧٥.
وذهب مالك، والشافعي في أصح قوليه إلى أنها ترد لعادتها إذا لم تكن مميزة، وإلا ردت إلى تمييزها.
قال الجامع: وهذا القول هو الراجح عندي عملا بحديثي فاطمة رضي
стр. 2100
الله عنها، وستكون لي عودة إلى تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى.
(ثم لتستثفر) بمثلثة قبل الفاء، أي لتشدّ ثوبًا تمنع به سيلان الدم.
قال ابن منظور ﵀: هو أن تشد فرجها، بخرقة عريضة، أو قطنة تحتشي بها، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع سيلان الدم. وهو مأخوذ من ثَفَر (١) الدابة الذي يجعل تحت ذَنَبها، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثَّفْر (٢) أريد به فرجها، وإن كان أصله للسباع، واستثفر الرجل بثوبه إذا رد طرفه بين رجليه إلى حُجْزَته، واستثفر الكلب: إذا أدخل ذنبه بين فخذيه حتى يُلزقه ببطنه. اهـ لسان باختصار.
(ثم لتصلي) بإثبات الياء في نسخ النسائي التي عندنا، وكذا في الموطأ، وأبي داود في بعض النسخ، وفي بعضها بحذفها، ووجه إثباتها الإشباع كقراءة من قرأ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء، كذا قال ولي الدين العراقي، قال الزرقاني: ولا يقال: فيه نظر، لأنه أمر لأنثى؛ لأنا نقول هو ليس خطابًا، وإنما هو مسند لضمير الغائبة أي لتصل هي فكان الواجب حذف الياء للام الأمر، فجيء بها للإشباع، فحذف الجازم ياء العلة، والموجودة إشباع. اهـ كلام الزرقاني ج ١ ص ١٢٤.
قال الجامع: عدم حذف حرف العلة للجازم قيل: ضرورة، وقيل
لغة، قاله السيوطي في "همع الهوامع"، وخرج عليه قراءة قنبل ﴿إنه من يتقي ويصبر﴾ وقيل الموجودة إشباع، والأصلية حذفها الجازم، ورد بأن الإشباع لا يكتب، وقيل غير ذلك في الآية انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ج ١ ص ٥١. والله تعالى أعلم.
стр. 2101
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ٢٠٨، وفي ٣/ ٣٥٤، وفي الحيض ٣/ ٣٥٥، وفي الكبرى ١٢٦/ ٢١٤.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د ق) فأخرجه (د) في الطهارة عن القعنبي، عن مالك، عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وعن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن سليمان عنها. وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمَّد، وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به.
المسألة الرابعة: في فوائده:
قال في المنهل: والحديث يدل على أن من جهل شيئا من أمر دينه يُطلَب منه أن يسأل عنه أهل العلم، وعلى أنه يجوز أخذ العلم بواسطة، وعلى أن خبر الواحد حجة يعمل به، وعلى أنه يطلب من المسؤول أن يجيب السائل عفا سأله عنه إذا كان عالما بالحكم، وعلى أن الحائض لا تجب عليها الصلاة، وعلى وجوب الغسل على المستحاضة المعتادة إذا انقضت عادتها، وعلى أن المستحاضة يجب عليها أن تستثفر لمنع الدم فإن لم تفعل ذلك لزمها إعادة الوضوء إذا خرج منها الدم، وحديث "تصلي المستحاضة ولو قطر الدم على الحصير" محمول على من استثفرت ثم غلبها الدم ولا يرده الثَّفَر، وكذا من به سلس البول يلزمه سد المجرى بقطن ونحوه ثم يشده بالعصائب، فإن لم يفعل فقطر أعاد الوضوء، وعلى أن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أم لا, وتقدم الخلاف في ذلك.
قال الجامع: قد قدمنا أن الراجح هو العمل بالتمييز، إن كان، وإلا فردها إلى العادة. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 2102
المسألة الخامسة: اتفق العلماء في أن المستحاضة إذا أدبر حيضها تصلي، وتصوم، وتؤدي كل عبادة تشترط لها الطهارة، واختلفوا في إباحة وطئها حينئذ فالجمهور على جوازه لكونها في حكم الطاهرة وقد استدل الشافعي ﵀ بالأمر بالصلاة على جواز الوطء، قال: لأن الله تعالى أمر باعتزالها حائضا، وأذن في إتيانها طاهرة فلما حكم ﷺ للمستحاضة بحكم الطاهرة في أن تغتسل وتصلي دل ذلك على جواز وطئها، وقد أخرج عبد الرزاق، وغيره، عن ابن عباس من طريق عكرمة قال "المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها"، ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: "كانت أم حبيبة تستحاض، وكان زوجها يغشاها".
قال الحافظ ﵀: وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها. وأخرج أيضا عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها، والكلام فيه كالكلام في سابقه، فقد قال المنذري: في سماع عكرمة منهما نظر.
وهذا القول منقول عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزني، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، ومالك، والشافعي
وأبي حنيفة، ﵏.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يحل وطؤها، وهو مذهب عائشة ﵂، وبه قال إبراهيم النخعي، والحكم، والزهري، وغيرهم. وعن ابن سيرين كراهته.
قال الجامع: والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور لعدم ورود المنع عن ذلك، فالبراءة الأصلية لا معارض لها، ولما تقدم في كلام الشافعي ﵀. والله أعلم.
المسألة السادسة: قد ذكر العلامة الناقد، والبحاثة السائد (١) أبو
стр. 2103
محمَّد بن حزم الظاهري في كتابه المُمْتع "المُحَلَّى" في بيان أحكام المستحاضة كلاما دقق فيه النظر وأورد فيه أقوال العلماء بأدلتها فنظر فيما لها وما عليها حسبما أداه إليه نظره فحقق في ذلك تحقيقا لا تراه في غيره من الكتب، وأنا ألخصه لأهميته، فإن مسألة المستحاضة قد طال البحث فيها بين أهل المذاهب حتى خرج عن حد الاعتدال، وقد أجاد القول فيه العلامة الشوكاني ﵀ فقال: وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاءوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، إلى آخر كلامه. ولنعد إلى كلام أبي محمَّد ابن حزم ﵀ قال ﵀:
(مسأله) فإن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض، تدع الصلاة، والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها، فإن تلون أو انقطع إلى سبعة (١) عشر يوما فأقل فهو طهر صحيح تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها، وإن تمادى أسود تمادت على أنها حائض إلى سبع عشرة ليلة، فإن تمادى بعد ذلك أسود فإنها تغتسل ثم تصلي وتصوم ويأتيها زوجها وهي طاهر أبدا لا ترجع إلى حكم الحائضة إلا أن ينقطع أو يتلون كما ذكرنا، فيكون حكمها إذا كان أسود حكم الحيض وإذا تلون، أو انقطع،
أو زاد على السبع عشرة حكم الطهر، فأما التي قد حاضت وطهرت فتمادى بها الدم فكذلك أيضًا في كل شيء إلا في تمادي الدم الأسود متصلا، فإنها إذا جاءت الأيام التي كانت تحيضها أو الوقت الذي كانت تحيضه إما مرارًا في الشهر أو مرة في الشهر أو مرة في أشهر أو في عام فإذا
стр. 2104
جاء ذلك الأمد أمسكت عفا تمسك به الحائض، فإذا انقضى ذلك الوقت اغتسلت وصارت في حكم الطاهر في كل شيء، وهكذا أبدا ما لم يتلون الدم أو ينقطع، فإن كانت مختلفة الأيام بنت على آخر أيامها قبل أن يتمادى بها الدم، فإن لم تعرف وقت حيضها لزمها فرضا أن تغتسل لكل صلاة وتتوضأ لكل صلاة (١)، أو تغتسل وتتوضأ وتصلي المغرب في آخر وقتها، ثم تتوضأ وتصلي العتمة في أول وقتها، ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر، وإن شاءت أن تغتسل في أول وقت الظهر للظهر والعصر فذلك لها، وفي أول وقت المغرب للمغرب والعتمة فذلك لها، وتصلي كل صلاة لوقتها ولابد، وتتوضأ لكل صلاة فرض ونافلة في يومها وليلتها، فإن عجزت عن ذلك وكان عليها فيه حرج تيممت كما ذكرنا.
برهان ذلك قول رسول الله ﷺ "إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإن كان الآخر فتوضئي وصلي"، وقوله ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" وفي بعضها "فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي"، وفي بعضها: "فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي"، ففي هذه الأخبار إيجاب مراعاة تلون الدم.
وحديث عائشة ﵂: "أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي"، وحديثها أيضا: أن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟، قالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دما، فقال لها رسول الله ﷺ : "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي".
стр. 2105
قال: ففي هذين الخبرين إيجاب مراعاة القدر الذي كانت تحيضه قبل أن يمتد بها الدم.
قال: وأما المبتدأة التي لا يتلون دمها عن السواد ولا مقدار عندها لحيض متقدم، فنحن على يقين من وجوب الصلاة والصيام عليها، ومن أن الدم الأسود منه حيض، ومنه ما ليس بحيض، فإذا كان كذلك فلا يجوز لأحد أن يجعل برأيه بعض ذلك الدم حيضًا وبعضه غير حيض، لأنه يكون شارعًا في الدين ما لم يأذن به الله، أو قائلا على الله تعالى ما لا علم لديه، فإذا كان كذلك فلا يحل لها ترك يقين ما افترض الله عليها من الصوم والصلاة لظن في بعض دمها أنه حيض، ولعله ليس حيضا، والظن أكذب الحديث.
وهذا الذي قلناه هو قول مالك، وداود، وقال الأوزاعي: تجعل لنفسها مقدار حيض أمها وخالتها وعمتها، وتكون فيما زاد في حكم المستحاضة، فإن لم تعرف جعلت حيضها سبعة أيام من كل شهر، وتكون في باقي الشهر مستحاضة تصوم، وقال سفيان الثوري، وعطاء: تجعل لنفسها قدر حيض نسائها، وقال الشافعي: تقعد يوما وليلة من كل شهر تكون فيه حائضا، وباقي الشهر مستحاضة تصلي وتصوم، وإلى هذا مال أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: تقعد عشرة أيام من كل شهر حائضا وباقي الشهر مستحاضة تصلي وتصوم.
قال: يقال لجميعهم: من أين قطعتم بأنها تحيضى كل شهر ولابد، وفي الممكن أن تكون ضهياء (١) لا تحيض فتركتم بالظن فرض ما أوجبه الله تعالى عليها من الصلاة والصيام، ثم ليس لأحد منهم أن يقول: