مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ٢٠٨، وفي ٣/ ٣٥٤، وفي الحيض ٣/ ٣٥٥، وفي الكبرى ١٢٦/ ٢١٤.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د ق) فأخرجه (د) في الطهارة عن القعنبي، عن مالك، عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وعن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن سليمان عنها. وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمَّد، وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به.
المسألة الرابعة: في فوائده:
قال في المنهل: والحديث يدل على أن من جهل شيئا من أمر دينه يُطلَب منه أن يسأل عنه أهل العلم، وعلى أنه يجوز أخذ العلم بواسطة، وعلى أن خبر الواحد حجة يعمل به، وعلى أنه يطلب من المسؤول أن يجيب السائل عفا سأله عنه إذا كان عالما بالحكم، وعلى أن الحائض لا تجب عليها الصلاة، وعلى وجوب الغسل على المستحاضة المعتادة إذا انقضت عادتها، وعلى أن المستحاضة يجب عليها أن تستثفر لمنع الدم فإن لم تفعل ذلك لزمها إعادة الوضوء إذا خرج منها الدم، وحديث "تصلي المستحاضة ولو قطر الدم على الحصير" محمول على من استثفرت ثم غلبها الدم ولا يرده الثَّفَر، وكذا من به سلس البول يلزمه سد المجرى بقطن ونحوه ثم يشده بالعصائب، فإن لم يفعل فقطر أعاد الوضوء، وعلى أن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أم لا, وتقدم الخلاف في ذلك.
قال الجامع: قد قدمنا أن الراجح هو العمل بالتمييز، إن كان، وإلا فردها إلى العادة. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 2102
المسألة الخامسة: اتفق العلماء في أن المستحاضة إذا أدبر حيضها تصلي، وتصوم، وتؤدي كل عبادة تشترط لها الطهارة، واختلفوا في إباحة وطئها حينئذ فالجمهور على جوازه لكونها في حكم الطاهرة وقد استدل الشافعي ﵀ بالأمر بالصلاة على جواز الوطء، قال: لأن الله تعالى أمر باعتزالها حائضا، وأذن في إتيانها طاهرة فلما حكم ﷺ للمستحاضة بحكم الطاهرة في أن تغتسل وتصلي دل ذلك على جواز وطئها، وقد أخرج عبد الرزاق، وغيره، عن ابن عباس من طريق عكرمة قال "المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها"، ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: "كانت أم حبيبة تستحاض، وكان زوجها يغشاها".
قال الحافظ ﵀: وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها. وأخرج أيضا عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها، والكلام فيه كالكلام في سابقه، فقد قال المنذري: في سماع عكرمة منهما نظر.
وهذا القول منقول عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزني، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، ومالك، والشافعي
وأبي حنيفة، ﵏.
وذهبت طائفة إلى أنه لا يحل وطؤها، وهو مذهب عائشة ﵂، وبه قال إبراهيم النخعي، والحكم، والزهري، وغيرهم. وعن ابن سيرين كراهته.
قال الجامع: والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور لعدم ورود المنع عن ذلك، فالبراءة الأصلية لا معارض لها، ولما تقدم في كلام الشافعي ﵀. والله أعلم.
المسألة السادسة: قد ذكر العلامة الناقد، والبحاثة السائد (١) أبو
стр. 2103
محمَّد بن حزم الظاهري في كتابه المُمْتع "المُحَلَّى" في بيان أحكام المستحاضة كلاما دقق فيه النظر وأورد فيه أقوال العلماء بأدلتها فنظر فيما لها وما عليها حسبما أداه إليه نظره فحقق في ذلك تحقيقا لا تراه في غيره من الكتب، وأنا ألخصه لأهميته، فإن مسألة المستحاضة قد طال البحث فيها بين أهل المذاهب حتى خرج عن حد الاعتدال، وقد أجاد القول فيه العلامة الشوكاني ﵀ فقال: وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاءوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، إلى آخر كلامه. ولنعد إلى كلام أبي محمَّد ابن حزم ﵀ قال ﵀:
(مسأله) فإن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض، تدع الصلاة، والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها، فإن تلون أو انقطع إلى سبعة (١) عشر يوما فأقل فهو طهر صحيح تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها، وإن تمادى أسود تمادت على أنها حائض إلى سبع عشرة ليلة، فإن تمادى بعد ذلك أسود فإنها تغتسل ثم تصلي وتصوم ويأتيها زوجها وهي طاهر أبدا لا ترجع إلى حكم الحائضة إلا أن ينقطع أو يتلون كما ذكرنا، فيكون حكمها إذا كان أسود حكم الحيض وإذا تلون، أو انقطع،
أو زاد على السبع عشرة حكم الطهر، فأما التي قد حاضت وطهرت فتمادى بها الدم فكذلك أيضًا في كل شيء إلا في تمادي الدم الأسود متصلا، فإنها إذا جاءت الأيام التي كانت تحيضها أو الوقت الذي كانت تحيضه إما مرارًا في الشهر أو مرة في الشهر أو مرة في أشهر أو في عام فإذا
стр. 2104
جاء ذلك الأمد أمسكت عفا تمسك به الحائض، فإذا انقضى ذلك الوقت اغتسلت وصارت في حكم الطاهر في كل شيء، وهكذا أبدا ما لم يتلون الدم أو ينقطع، فإن كانت مختلفة الأيام بنت على آخر أيامها قبل أن يتمادى بها الدم، فإن لم تعرف وقت حيضها لزمها فرضا أن تغتسل لكل صلاة وتتوضأ لكل صلاة (١)، أو تغتسل وتتوضأ وتصلي المغرب في آخر وقتها، ثم تتوضأ وتصلي العتمة في أول وقتها، ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر، وإن شاءت أن تغتسل في أول وقت الظهر للظهر والعصر فذلك لها، وفي أول وقت المغرب للمغرب والعتمة فذلك لها، وتصلي كل صلاة لوقتها ولابد، وتتوضأ لكل صلاة فرض ونافلة في يومها وليلتها، فإن عجزت عن ذلك وكان عليها فيه حرج تيممت كما ذكرنا.
برهان ذلك قول رسول الله ﷺ "إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإن كان الآخر فتوضئي وصلي"، وقوله ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" وفي بعضها "فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي"، وفي بعضها: "فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي"، ففي هذه الأخبار إيجاب مراعاة تلون الدم.
وحديث عائشة ﵂: "أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي"، وحديثها أيضا: أن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم؟، قالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دما، فقال لها رسول الله ﷺ : "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي".
стр. 2105
قال: ففي هذين الخبرين إيجاب مراعاة القدر الذي كانت تحيضه قبل أن يمتد بها الدم.
قال: وأما المبتدأة التي لا يتلون دمها عن السواد ولا مقدار عندها لحيض متقدم، فنحن على يقين من وجوب الصلاة والصيام عليها، ومن أن الدم الأسود منه حيض، ومنه ما ليس بحيض، فإذا كان كذلك فلا يجوز لأحد أن يجعل برأيه بعض ذلك الدم حيضًا وبعضه غير حيض، لأنه يكون شارعًا في الدين ما لم يأذن به الله، أو قائلا على الله تعالى ما لا علم لديه، فإذا كان كذلك فلا يحل لها ترك يقين ما افترض الله عليها من الصوم والصلاة لظن في بعض دمها أنه حيض، ولعله ليس حيضا، والظن أكذب الحديث.
وهذا الذي قلناه هو قول مالك، وداود، وقال الأوزاعي: تجعل لنفسها مقدار حيض أمها وخالتها وعمتها، وتكون فيما زاد في حكم المستحاضة، فإن لم تعرف جعلت حيضها سبعة أيام من كل شهر، وتكون في باقي الشهر مستحاضة تصوم، وقال سفيان الثوري، وعطاء: تجعل لنفسها قدر حيض نسائها، وقال الشافعي: تقعد يوما وليلة من كل شهر تكون فيه حائضا، وباقي الشهر مستحاضة تصلي وتصوم، وإلى هذا مال أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: تقعد عشرة أيام من كل شهر حائضا وباقي الشهر مستحاضة تصلي وتصوم.
قال: يقال لجميعهم: من أين قطعتم بأنها تحيضى كل شهر ولابد، وفي الممكن أن تكون ضهياء (١) لا تحيض فتركتم بالظن فرض ما أوجبه الله تعالى عليها من الصلاة والصيام، ثم ليس لأحد منهم أن يقول:
стр. 2106
أقتصر بها على أقل ما يكون من الحيض لئلا تترك الصلاة إلا بيقين، إلا كان للآخر أن يقول: بل أقتصر بها على أكثر الحيض لئلا تصلي وتصوم ويطؤها زوجها وهي حائض، وكل هذين القولين يفسد صاحبه، وهما جميعا فاسدان لأنهما تقوّل بالظن، والحكم بالظن في دين الله لا يجوز، ونحن على يقين لا شك فيه أن هذه المبتدأة لم تحض قط، وأن الصوم والصلاة فرضان عليها، وأن زوجها مأمور ومندوب إلى وطئها، ثم لا ندري ولا نقطع أن شيئًا من هذا الدم الظاهر عليها دم حيض، فلا يحل ترك اليقين والفرائض اللازمة بظن كاذب (١).
قال: وأما وضوؤها لكل صلاة فلحديث فاطمة بنت أبي حبيش، وأما غسلها لكل صلاة فلحديث أم حبيبة بنت جحش حيث أمرها النبي ﷺ بالغسل لكل صلاة، وكلاهما صحيح.
قال: وقال بهذا جماعة من الصحابة ﵃، فعن عائشة ﵂، أن أم حبيبة استحيضت فكانت تغتسل لكل صلاة. وعن سعيد بن جبير أنه كان عند ابن عباس فأتاه كتاب امرأة، قال سعيد فدفعه إلى، فقرأته فإذا فيه: إني امرأة متسحاضة أصابني بلاء وضر، وأني أدع الصلاة الزمان الطويل، وإن ابن أبي طالب سئل عن ذلك؟ فأفتاني أن أغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس: اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر غسلا واحدا، فقيل لابن عباس: إن الكوفة أرض باردة وأنها يشق عليها؟، قال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك.
стр. 2107
وعن سعيد بن جبير: قال: أرسلت امرأة مستحاضة إلى ابن الزبير: أني أفتيت أن أغتسل لكل صلاة، فقال ابن الزبير: ما أجد لها إلا ذلك، ثم أرسلت إلى ابن عباس، وابن عمر، فقالا جميعا: ما نجد لها إلا ذلك. وعن عطاء وإبراهيم النخعي قالا: تنتظر المستحاضة أيام أقرائها، ثم تغتسل غسلا واحدًا للظهر والعصر، تؤخر الظهر قليلا وتعجل العصر قليلا، وكذلك المغرب والعشاء، وتغتسل للصبح غسلا. وعن سعيد بن المسيب قال: المستحاضة تغتسل لكل صلاة وتصلي.
فهؤلاء من الصحابة أم حبيبة، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير لا مخالف (١) لهم يعرف من الصحابة ﵃، إلا رواية عن عائشة: أنها تغتسل كل يوم عند صلاة الظهر. ومن التابعين عطاء، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وغيرهم. وكلها بأسانيد صحيحة.
قال: فجاءت السنة في التي يتميز دمها أن الأسود حيض، وأن ما عداه طهر، فوضح أمر هذه، وجاءت السنة في التي لا تميز دمها، وهو كله أسود لأن ما عداه طهر لا حيض ولها وقت محدود مميز كانت تحيض فيه أن تراعي أمد حيضها فتكون فيه حائضا، ويكون ما عداه طهرا، فوجب الوقوف عند ذلك، وكان حكم التي كانت أيامها مختلفة منتقلة أن تبني على آخر حيض حاضته قبل اتصال دمها, لأنه هو الذي استقر عليه حكمها وبطل ما قبله باليقين والمشاهدة، فخرجت هاتان بحكمهما، ولم يبق إلا التي لا تميز دمها ولا لها أيام معهودة، ولم يبق إلا المأمورة بالغسل لكل صلاة أو لكل صلاتين فوجب ضرورة أن تكون هي، إذ ليس إلا ثلاث صفات وثلاثة أحكام، فللصفتين حكمان منصوصان عليهما، فوجب أن يكون الحكم الثالث للصفة الثالثة ضرورة ولابد.
стр. 2108
قال: وأما مالك فإنه غلب حكم تلون الدم ولم يراع الأيام، وأما أبو حنيفة فغلب الأيام ولم يراع حكم تلون الدم، وكلا العملين خطأ لأنه ترك لسنة لا يحل تركها، وأما الشافعي، وابن حنبل، وأبو عبيد، وداود فأخذوا بالحكمين معا، إلا أن أحمد بن حنبل وأبا عبيد غلبا الأيام، ولم يجعلا لتلون الدم حكما إلا في التي لا تعرف أيامها، وجعلا للتي تعرف أيامها حكم الأيام، وإن تلون الدم، وأما الشافعي، وداود فغلبا حكم تلون الدم سواء عرفت أيامها، أو لم تعرف، ولم يجعلا حكم مراعاة وقت الحيض إلا للتي لا يتلون، قال: فبقي النظر في أي العملين هو الحق؟ ففعلنا فوجدنا النص قد ثبت وصح بأنه لا حيض إلا الدم الأسود، وما عداه ليس حيضًا، لقوله ﷺ : "إن دم الحيض أسود يعرف"، فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة لا مدخل لها في حكم الاستحاضة، وأنه لا فرق بين الدم الأحمر وبين القصة البيضاء، ووجب أن الدم إذا تلون قبل انقضاء أيامها المعهودة أنه طهر صحيح، فبقي الإشكال في الدم الأسود المتصل فقط، فجاء النص بمراعاة الوقت لمن تعرف وقتها، وبالغسل المردد لكل صلاة أو لصلاتين في التي نسيت وقتها. وبالله التوفيق.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا خلاصة ما ذكره ابن حزم ﵀ في كتابه "المحلى" ج ٢ ص ٢٠٧ - ٢١٥ وهو بحث نفيس جدا في مسألة المستحاضة، وبه تجتمع الأحاديث "الصحيحة" ويزول الإشكال، غير ما قاله في التي لا تميز ولا لها عادة فإنه يخالفه الحديث الذي رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي، وصححاه كما قال المجد بن تيمية بإسنادهم عن حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت إلى رسول الله ﷺ أستفتيه، وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش قالت: قلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة
стр. 2109
شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجَّمي، قالت: إنما أثُجُّ ثَجًا، فقال: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: "إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، فكذلك فافعلي، وصلي وصومي إن قدرت على ذلك، وقال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إلى".
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث وإن اختلفوا فيه، لأجل الكلام في محمَّد بن عبد الله بن عقيل فقد تفرد به، فضعفه بعضهم به، وأعله ابن حزم بالانقطاع بين ابن جريج، وابن عقيل، وجهالة شيخ شيخه، لكن رد عليه ابن سيد الناس انظر نيل الأوطار ج ١ ص ٤٠٨. وصححه آخرون، ومنهم أحمد والترمذي كما قدمنا. صالح للاحتجاج به لأنه لا ينزل عن درجة الحسن كما صرح به الشيخ الألباني في صحيح الترمذي.
وخلاصة القول أنه يجب العمل به، فيترجح به قول من قال: إنها ترجع إلى الغالب من عادة نسائها، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وعطاء، كما تقدم.
стр. 2110
والحاصل أن التي لها عادة ترجع إليها، والتي لا عادة لها ولكنها مميزة تعمل بالتمييز، والتي لا عادة لها ولا تمييز ترجع إلى عادة نسائها، فاتفقت الأحاديث بلا تعارض ولا دعوى نسخ ولا تضعيف لصحيح ولله الحمد.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2111
١٣٥ - ذِكْرِ الأَقْرَاءِ (١)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على المعنى المراد من الأقراء الوارد في القرآن.
ولما كان المصنف يَرَى أن القرأ هو الحيض، أورد هنا هذه الأحاديث مستدلا عليه، لكن الذي عليه المحققون أن القرأ من الأضداد يطلق على الحيض، وعلى الطهر كما سنحققه إن شاء الله تعالى، والأقراء جمع قرء بضم فسكون، وفيه لغة أخرى بفتح فسكون وجمعه قروء، مثل فلس وفلوس، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك إن شاء الله تعالى.
٢٠٩ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ لَا تَطْهُرْ، فَذُكِرَ شَأْنُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنَّهَا رَكْضَةٌ مِنَ الرَّحِمِ، فَلْتَنْظُرْ قَدْرَ قُرْئِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ لَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ تَنْظُرْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ".
стр. 2112
رجال الإسناد: سبعة
١ - (الربيع بن سليمان بن إبراهيم) الجيزي المرادي المصري ثقة -١١ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (إسحاق بن بكر) المصري صدوق فقيه -١٠ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (بكر بن مضر) أبو محمَّد المصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٤ - (يزيد بن عبد الله) بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني ثقة مكثر -٥ - تقدم في ٧٣/ ٩٠.
٥ - (أبو بكر بن محمَّد) بن عمرو بن حزم، الأنصاري الخزرجي ثم النجاري المدني القاضي، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمَّد، وقيل: اسمه كنيته ثقة عابد -٥ - روى عن أبيه، وأرسل عن جده، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، وروى عن خالته عمرة بنت عبد الرحمن، وأبي حبَّة البَدْريّ، وخالدة بنت أنس، ولها صحبة والسائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وسلمان الأغر، وغيرهم. وعنه ابناه عبد الله، ومحمد، وابن عمه محمَّد بن عمارة بن عمرو بن حزم، وعمرو بن دينار، وهو أكبر منه، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والوليد بن أبي هشام، ويزيد بن الهاد، وآخرون.
قال ابن معين، وابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عطاف بن خالد عن أمه عن امرأة أبي بكر بن محمَّد بن حزم قالت: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل، وقال محمَّد بن علي بن شافع: قالوا لعمر بن عبد العزيز استعملت أبا بكر بن حزم غرك بصلاته، فقال: إذا لم يغرني المصلون فمن يغرني؟
стр. 2113
قال: وكانت سجدته قد أخذت جبهته وأنفه، وذكره الهيثم بن عدي في محدثي أهل المدينة، والواقدي في ثقاتهم، وقال أبو ثابت، عن ابن وهب، عن مالك: لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وكان ولاه عمر بن عبد العزيز وكتب إليه أن يكتب له من العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمَّد، ولم يكن بالمدينة أنصاري أمير غير أبي بكر بن حزم وكان قاضيًا، زاد غيره فسألت ابنه عبد الله بن أبي بكر عن تلك الكتب؟ فقال: ضاعت، وقال سعيد بن عفير، عن ابن وهب: قال لي مالك: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مُرُوَّةً، ولا أتم حالا، ولا رأيت مثل ما أرى ولي المدينة والقضاء والموسم قيل: مات سنة ١٠٠، وقيل سنة ١١٠، وقيل: ١١٧، وقيل: ١٢٠، وقيل: ١٢٦. اهـ "تت" ج ١٢ ص ٣٨ - ٤٠. أخرج له الجماعة.
٦ - (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية ثقة -٣ - تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، غير إسحاق فصدوق، وأنهم ما بين مصريين، وهم إلى أبي بكر، ومدنيين، وهم الباقون، وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، يزيد، عن أبي بكر، عن عمرة. ورواية الراوي، عن خالته، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن أم حبيبة بنت جحش) تقدم الخلاف
стр. 2114
في اسمها (استحيضت) بالبناء للمفعول،: أي استمر بها الدم في غير أيامها المعتادة، وتقدم الكلام فيه مستوفى في حديث ٢٠١ (لا تطهر) أي لا ينقطع منها الدم، فهو بيان لمعنى استحيضت (فذكر شأنها لرسول الله ﷺ ) بالبناء للمفعول وتقدم في الروايات السابقة أنها هي التي ذكرت ذلك له (فقال: إنها) أي الاستحاضة هذه (ليست بالحيضة) بالفتح لأن المراد به الحيض، فهو للمرة، أي ليست الاستحاضة حيضا، وتقدم أن بعضهم جوز الكسر على معنى الهيئة، أي هذه الحالة ليست بحالة حيض (ولكنها ركضة من الرحم) قال السندي ﵀: ركضة بفتح فسكون: الضرب كما يُفعَل بالدابة، وقد جاء "إنها ركضة من ركضات الشيطان" فلعل معنى من الرحم أي في الرحم، والمراد أن الشيطان ضرب بالرجل في الرحم حتى فتق عرقها، وقيل: إن الشيطان وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها فصار كأنها ركضة نالها من ركضاته في الرحم. اهـ
وقال ابن الأثير: أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، كما تركض الدابة وتصاب بالرجل، أراد الإضرار بها والأذى، والمعنى أن الشيطان قد وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير كأنه يركض بآلة من ركضاته. اهـ لسان.
قال الجماء: الأوْلَى كما قال السندي حمله على ظاهره، أي أنه ضرب على عرقها، فانفجر ذلك العرق دما، وأيّ مانع من هذا المعنى، حتى نقول: إنه كناية عن كذا؟ فتنبه.
(فلتنتظر) أي لتتحرّ (قدر قرئها) أي حيضها، فالقرء هنا بمعنى الحيض، وقد تقدم أن المحققين على أنه مشترك بين الحيض والطهر، لكن في هذا المحل المراد منه الحيض، ولذا أورده المصنف في الحيض
стр. 2115
مستدلا به على كون القرء بمعنى الحيض. وسيجيء تحقيق أقوال أهل اللغة فيه إن شاء الله قريبا (التي) صفة لـ"قدر"، وإنما أنثه لتأويله بالمدة قاله السندي (كانت تحيض لها) أي فيها فاللام بمعنى "في" (فلتترك الصلاة) لكونها حائضًا (ثم تنظر ما بعد ذلك) من الوقت (فلنغتسل عند كل صلاة) أي عند إرادة أداء كل صلاة، وفيه الأمر بالغسل عند كل صلاة، وقد تقدم لك أن الراجح من أقوال العلماء حمل الأمر على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، وهو رأي الجمهور.
تنبيهان:
الأول: قد تقدم الكلام في درجة الحديث، وفي بيان مواضعه عند المصنف، وذكر من أخرجه مع المصنف في الباب الماضي ١٣٤/ ٢٠٨، فارجع إليه.
الثاني: في أقوال أهل اللغة في معنى القرء:
قال ابن منظور ﵀: القَرْء -أي بالفتح-، والقُرْء -أي بالضم- الحيض، والطهر، ضدّ، وذلك أن القرء: الوقت، فقد يكون للحيض، والطهر، قال أبو عبيد: القرء يصلح للحيض والطهر قال: وأظنه من أقْرَأت النجومُ إذا غابت، والجمع أقراء، وفي الحديث "دعي الصلاة أيام أقرائك"، وقُروء على فُعول، وأقرُؤ- الأخيرة عن اللحياني في أدنى العدد- ولم يعرف سيبويه أقْرَاءً ولا أقْرُءًا، قال: استغنوا عنه بفُعول، وفي التنزيل: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أراد ثلاثةً من قُرُوء، كما قالوا: خمسة كلاب، يراد بها خمسة من الكلاب، وكقوله (من الرجز):
خَمْسُ بَنَانِ قَانِيء الأَظْفاَرِ
أراد خمسا من البنان، وقال الأعشى (من الطويل):
стр. 2116
مُوَرثَّة مَالًا وَفي الحَيِّ رِفْعَةً … لِماَ ضَاعَ فيها منْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
وقال الأصمعي في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: جاء هذا على غير قياس، والقياس: ثلاثة أقْرُؤ، ولا يجوز أن يقال ثلاثة فلوس، إنما يقال: ثلاثة أفلس، فإذا كثرت فهي الفلوس، ولا يقال: ثلاثة رجال، وإنما هي ثلاثة رَجْلَة، ولا يقال: ثلاثة كلاب، إنما هي ثلاثة أكلب، قال أبو حاتم: والنحويون قالوا في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أراد ثلاثة من القروء.
وقال أبو عبيد: الأقراء الحيَضُ، والأقراء الأطهار، وقد أقرأت المرأة في الأمرين جميعًا، وأصله من دُنُوّ وقت الشيء. قال الشافعي ﵁: القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت، والطهر يجيء لوقت جاز أن يكون الأقراء حيَضًا، وأطهارًا، قال: ودلت سنة رسول الله ﷺ أن الله أراد بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الأطهار، وذلك أن ابن عمر ﵄ لما طلق امرأته وهي حائض فاستفتى عمرُ ﵁ النبيَّ ﷺ فيما فعل، فقال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء".
وقال أبو إسحاق: الذي عندي في حقيقة هذا أن القرء في اللغة: الجمع، وأن قولهم: قريت الماء في الحوض، وإن كان قد ألزم الياء، فهو جمعتُ، وقرأت القرآن لفظتُ به مجموعًا، والقرْد يَقْري، أي يَجمَع ما يأكل في فيه، فإنما القرء اجتماع الدم في الرحم، وذلك إنما يكون في الطهر، وصح عن عائشة، وابن عمر ﵄ أنهما قالا: الأقراء والقُرُوء: الأطهار، وحقق هذا اللفظ من كلام العرب قول الأعشى:
لِماَ ضَاعَ فيهَا مِنْ قُرُوء نِسَائِكَا
стр. 2117
فالقروء هنا الأطهار، لا الحيَض؛ لأن النساء إنما يؤتين في أطهارهن لا في حيَضهن، فإنما ضاع بغيبته أطهارهن. ويقال: قَرَأت المرأةُ: طهرت، وقرأت: حاضت. قال حميد (من الطويل):
أرَاهَا غُلامَا نَا الْخَلَا فَتَشَذَّرَتْ … مِرَاحًا وَلَمْ تَقْرَأ جَنِينًا وَلَا دَمَا
يقال: لم تحمل عَلَقَة، أي دمًا ولا جنينًا. قال الأزهري: وأهل العراق يقولون: القرء الحيض، وحجتهم قوله ﷺ : "دعي الصلاة أيام أقرائك" أي أيام حيضتك. وقال الكسائي والفراء معا: أقرأت المرأة: إذا حاضت فهي مُقْرىء.
وقال الفر اء: أَقرَأتَ الحاجَةُ إذا تأخرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا حاضت وما قرأت حيضة، أي ما ضَمَّت رحمها على حَيْضَة.
وقال ابن الأثير: قد تكررت هذه اللفظة في الحديث مفردة ومجموعة فالمفردة بفتح القاف وتجمع على أقراء، وقروء، وهو من الأضداد، يقع على الطهر، وإليه ذهب الشافعي، وأهل الحجاز، ويقع على الحيض، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأهل العراق، والأصل في القرء الوقت المعلوم، ولذلك وقع على الضدين؛ لأن لكل منهما وقتا. وأقرأت المرأة: إذا طهرت، وإذا حاضت، وهذا الحديث أراد بالأقراء فيه الحيض, لأنه أمرها فيه بترك الصلاة، وأقرأت المرأة، وهي مُقرىء: حا ضت، وطهرت، وقَرَأت: إذا رأت الدم، والمُقَرَّأة: التي ينتظر بها انقضاء أقرائها.
وقال أبو عمرو بن العلاء: دفع فلان جاريته إلى فلانة تُقَرِّئُها، أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء، وقُرِئَت المرأة: حُبست حتى انقضت عدتها.
وقال الأخفش: أقرأت المرأة: إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت: قرأت بلا ألف.
стр. 2118
يقال: قَرَأت المرأة حيضة، أو حيضتين، والقرأ انقضاء الحيض، وقال بعضهم: ما بين الحيضتين. اهـ لسان.
وقال النووي ﵀: وقال الزمخشري في كتابه الكشاف: فإن قلت: لم جاء المميِّز على الكثرة، قُرُوء دون القلة التي هى الأقراء؟ قلت: يتوسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر، لاشتراكهما في الجمعية، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة، قال: ولعل القروء كانت أكثر استعمالا في جمع قرء من الأقراء فَأوثرَ عليه تنزيلا لقليل الاستعمال منزلة المهمل فيكون مثل قولهم ثلاثة شسوع. اهـ تهذيب الأسماء واللغات ج ٣ ص ٨٦ قال الجامع: الحاصل أن القرء يطلق على الطهر، والحيض، فهو لفظ مشترك بينهما لا يحمل على أحدهما إلا بقرينة، وترجيح الأقوال بعضها على بعض في حمل الآية على أحد المعنيين يحتاج إلى بحث طويل ليس هذا موضع استيفائه، وسنعود إليه في موضعه من كتاب العدة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٢١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ" فَأَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا وَحَيْضَتِهَا، وَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
стр. 2119
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري ثقة، ثبت -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت -٨ - تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام العلم الحجة الثبت -٤ - تقدم في ١/ ١.
٤ - (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية ثقة -٣ - تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
(تنبيه) تقدم شرح الحديث، وما يتعلق به، وقوله (أقرائها وحيضتها) العطف فيه للتفسير، وفيه دليل على أن المراد بالقرء هنا هو الحيض. وقوله (فكانت تغتسل عند كل صلاة) أي لأمر النبي ﷺ لها، لما قدمنا من أن الأمر بذلك مرفوع صحيح. والله تعالى أعلم.
٢١١ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قُرْؤُكِ
стр. 2120
فَلَا تُصَلِّي، وَإِذَا مَرَّ قُرْؤُكِ فَتَطَهَّرِي، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ". هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الأَقْرَاءَ حِيَضٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَا ذَكَرَ الْمُنْذِرُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عيسى بن حماد) بن مسلم بن عبد الله التجيبي أبو موسى المصري، زُغْبَة، روى عن الليث بن سعد، وهو آخر من حدث عنه من الثقات، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ورشدين بن سعد، وسعيد ابن زكرياء الإمام، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، والبجيري، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازي، وأبو زرعة، وابن أخيه محمَّد بن أحمد بن حماد بن زغبة، وبَقيّ بن مخلد، والمعمري، وأبو الليث عاصم بن رازح، وآخرون.
قال أبو حاتم: ثقة رَضيّ، وقال أبو داود: لا بأس به، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وقال الدراقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن يونس: جاوز في سنه التسعين، توفي في ذي الحجة سنة -٢٤٨ - ، وقال ابن حبان: مات سنة -٩ - ، وقال أبو عمرو: الكندي في الموالي: زغبة لقب أبيه حماد، وزعم الشيرازي أنه لقب عيسى والصو اب الأول، ويؤيده أن الطبراني
لما روى عن أخيه أحمد قال: ثنا أحمد بن حماد زغبة، وقال ابن قانع:
стр. 2121
عيسى زغبة، أخرج له الجماعة، إلا البخاري، والترمذي. وفي الزهرة: روى عنه مسلم تسعة أحاديث. اهـ تت ج ٨ ص ٢٠٩ - ٢١٠.
قال الجامع: قوله والصواب الأول أي أن كون زغبة لقب أبيه حماد هو الصواب، ثم ذكر ما يؤيده عن الطبراني، وكذا قال النووي في شرح مسلم عند قول مسلم: قرأت على عيسى بن حماد زغبة: ما نصه: وهو لقب لحماد والد عيسى، ذكره أبو علي الجياني. اهـ ج ٢ ص ٣٣، لكن صرح الحافظ في التقريب في ترجمة عيسى هذا بأن زغبة لقبه، وهو لقب أبيه أيضًا، وقال في بحث الألقاب من التقريب: زغبة عيسى بن حماد، وأخوه أحمد، ويقال: إن زغبة لقب أبيهما. اهـ ص ٤٥٣.
والذي يظهر لي أنه لقب حماد ثم سَرَى إلى ولديه، فلا معنى للتصويب المذكور. ومعنى الزغبة كما في "ق" دُوَيبَّةٌ كالفأر. ولا ندري سبب تلقيبه.
٢ - (الليث) بن سعد إمام أهل مصر حجة ثبت فقيه -٧ - تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) اسم أبيه سُوَيد، المصري ثقة فقيه -٥ - تقدم في ١٣٤/ ٢٠٧.
٤ - (بكير بن عبد الله بن الأشج) القرشي مولاهم. ويقال: مولى أشجع، أبو عبد الله، ويقال: أبو يوسف المدني نزيل مصر. رَوَى عن محمود بن لبيد، وأبي أمامة بن سهل، وبُسْر بن سعيد، وأبي صالح السمان، وابن المسيب، وسليمان بن يسار، وغيرهم. وعنه بكر بن عمر المعافري، والليث، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وابنه مخرمة، ويزيد بن أبي حبيب،
وغيرهم.
стр. 2122
قال أحمد بن صالح المصري: سمعت ابن وهب يقول: ما ذكر مالكٌ بكيرَ بن الأشج إلا قال: كان من العلماء، وقال ابن الطباع: سمعت معن بن عيسى يقول: ما ينبغي لأحد أن يَفْضُل أو يفوق بكير بن الأشج في الحديث، وقال حرب عن أحمد ثقة صالح، وقال الدوري عن يحيى ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وقال ابن البراء عن ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وبكير ابن الأشج، وقال العجلي: مدني ثقة لم يسمع منه مالك شيئا خرج قديما إلى مصر، فنزل بها، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن نمير: توفي سنة ١١٧، وقال الترمذي: مات سنة ١٢٠، وقال عمرو بن علي: سنة ٢٢، وقال الواقدي سنة ٢٧.
قال الحافظ ﵀: قد روى مالك في الموطأ عن الثقة عنده عن بكير بن عبد الله بن الأشج، وقال أحمد بن صالح المصري: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه فهو الثقة الذي لا شك فيه، وقال البخاري في التاريخ الكبير: كان من صلحاء الناس، وهلك في زمن هشام، وقال ابن البراء عن علي بن المديني: أدركه مالك ولم يسمع منه، وكان بكير سيء الرأي في ربيعة، فأظنه تركه من أجل ربيعة، وإنما عرف مالك بكيرا بنظره في كتاب مخرمة، وقال الواقدي: كان يكون كثيرا بالثغر وَقَلَّ من يروي عنه من أهل المدينة، وقال بشر بن عمر الزهراني: قلت لمالك: سمعت من بكير؟ فقال: لا، وقال يحيى ابن بكير: بنو عبد الله بن الأشج ثلاثة لا أدري أيهم أفضل؟ وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وقال النسائي: ثقة ثبت مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين من صلحاء الناس، وقال: كان من خيار أهل المدينة، وقال الحاكم: لم يثبت سماعه من عبد الله بن الحارث ابن جَزْء، وإنما روايته عن التابعين. اهـ "تت" ج ١ ص ٤٩١ - ٤٩٣. أخرج له الجماعة.
٥ - (المنذر بن المغيرة) حجازي. روى عن عروة بن الزبير.
стр. 2123
وعنه بكير بن عبد الله بن الأشج، قال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات. قال المزي: يحتمل أن يكون جد المنذر بن عبد الله الحزامي. اهـ "تت" ج ١٠ ص ٣٠٣ - ٣٠٤.
(تنبيه) رمز على المنذر هذا في التقريب وتهذيب التهذيب والخلاصة لأبي داود والمصنف فقط، وهذا يوهم أنه ما أخرج له ابن ماجه، وهذا تقصير فإنه أخرج له هذا الحديث عن محمَّد بن رمح، عن الليث بسند المصنف. برقم ٦٢٠، ص ٢٠٣ ترقيم محمَّد فؤاد. فتنبه.
٦ - (عروة بن الزبير) المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٧ - (فاطمة بنت أبي حبيش) واسمه قيس بن المطلب الأسدية الصحابية ﵂ تقدمت في ١٣٤/ ٢٠١. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، غير المنذر، فذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: مجهول، وقال في التقريب: مقبول. لكن قد عرفت ما قاله أحمد بن صالح من أن مَن رَوَى عنه بكير ثقة. فتنبه. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عروة) بن الزبير (أن فاطمة بنت أبي حبيش) قيس بن المطلب الأسدية ﵂ (حدثت) قد تقدم أن عروة اختلفوا في سماعه منها، فالبيهقي ينفيه، ورجح ابن حزم سماعه منها، ومن عائشة (أنها أتت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم) أي عدم انقطاعه (فقال لها رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق) أي دم عرق (فانظري إذا أتاك قرؤك) بالفتح والضم، أي حيضك (فلا تصلي) لحرمة الصلاة في الحيض (فإذا مر
стр. 2124
قرؤك) أي قدر قرئك من الوقت (فتطهري) بالغسل (ثم صلي ما بين القرء إلى القرء) أي ما بين الحيض إلى الحيض، وأما ما عدا ذلك فهو استحاضة لا يمنع الصلاة ولا غيرها.
قال المصنف رحمه (هذا الدليل) أي حديث فاطمة هذا هو الدليل (على أن الأقراء حيَض) بكسر ففتح جمع حَيْضَة بفتح فسكون، مثل بَدْرَة، وبدر، والقياس حَيْضَات، مثل بَيْضَة وبَيْضَات. قاله في المصباح.
ومراد المصنف بهذا الاستدلال على أن المراد بالقرء في الآية هو الحيض، وكذا أورده في كتاب الطلاق برقم ٣٥٥٣ مستدلا عليه أيضا، لكن قد عرفت أن العلماء قالوا: أن لفظ القرء مشترك بين معنى الحيض، والطهر، فلا يلزم من استعماله في هذا لحديث في الحيض أن يكون في كل موضع بهذا المعنى، فلا يثبت أن المراد بالقرء في آية العدة هو الحيض.
وهذا الذي ذهب إليه الصنف هو مذهب الإمامين، أبي حنيفة، ومالك رحمهما الله، وهو قول عمر ﵁، وسيأتي مزيد تحقيق للمسألة في موضعها إن شاء الله تعالى.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (وقد روى هذا الحديث هشامُ بن عروة , عن عروة ولم يذكر فيه) أي فيما رواه (ما ذكر)، (المنذر) بن المغيرة فيه سندا ومتنا، فإنه قال عن عروة أن فاطمة الخ، وهشام قال: عن عروة، عن عائشة، وقال: إذا أتاك قرؤك، وهشام قال: فإذا أقبلت الحيضة.
والظاهر من كلامه أنه يريد تضعيف روايته للمخالفة، وكذا قال البيهقي: إن في الحديث انقطاعا، فقال هشام بن عروة: إن أباه إنما سمع قصة فاطمة بنت أبي حبيش عن عائشة، وروايته في الإسناد والمتن أصح من رواية المنذر بن المغيرة.
стр. 2125
لكن رُدَّ هذا بأنه لا يستلزم الضعف أما السند فلإمكان حمله على أن عروة سمعه منهما، قال ابن حزم ﵀: إن عروة أدرك فاطمة، ولا يبعد أن يسمع الحديث من عائشة، ومن فاطمة، وأما المتن فإن حديث أم حبيبة يشهد له، والله أعلم.
(تنبيه) هذا الحديث صحيح.
وقد تقدم الكلام في بيان مواضعه عند المصنف، وفي ذكر من أخرجه وفوائده، وغير ذلك من المسائل في الباب الماضي ١٣٤/ ٢٠٢ فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم، والله المستعان، وعليه التكلان.
ثم ذكر المصنف حديث هشام الذي أشار أن المنذر خالفه فيه فقال:
٢١٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟، قَالَ: "لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".
стр. 2126
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه ثقة حجة ثبت -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمَّد الكوفي ثقة ثبت من صغار -٨ - تقدم في ١٣١/ ١٩٥.
٣ - (وكيع) بن الجراح الإمام الحجة الثبت -٩ - الكوفي تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٤ - (أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضرير الكوفي ثقة ثبت من كبار -٩ - تقدم في ٢٦/ ٣٠.
٥ - (هشام بن عروة) الأسدي المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١.
٦ - (عروة) بن الزبير بن العوام الإمام المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠ - ٤٤.
٧ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين كوفيين وهم عبدة، ووكيع، وأبو معاوية، ومدنيين وهم الباقون إلا إسحاق، فمروزي، ثم نيسابوري، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه الإخبار، والعنعنة، والتحديث. والله تعالى أعلم
(تنبيه) هذا الحديث صحيح.
وأما شرحه، وما يتعلق به من المسائل فقد تقدمت في ١٣٤/ ٢٠١ فلا نطيل الكتاب بإعادتها. والله تعالى أعلم.
стр. 2127
١٣٦ - ذِكْرُ اغْتِساَلِ المُسْتَحَاضَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أي صفة تغتسل المستحاضة.
والمُستحاضَةُ: اسم مفعول من استُحيضت المرأة: إذا استمر بها الدم، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في ١٣٤/ ٢٠١.
٢١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ امْرَأَةً مُسْتَحَاضَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ، وَتُعَجِّلَ الْعَصْرَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً وَاحِدًا، وَتُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلاً وَاحِدًا.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن بشار) بندار أبو بكر البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمَّد) هو محمَّد بن جعفر، غندر البصري ثقة -٩ - تقدم في ٢١/ ٢٢.
стр. 2128
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) أبو محمَّد المدني ثقة جليل فاضل -٦ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصديق التيمي أحد الفقهاء السبعة ثقة ثبت -٣ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأن هذا السند أحد الأسانيد التي قيل فيها: إنها من أصح أسانيد عائشة ﵂، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن امرأة) هى سهلة بنت سهيل القرشية ﵂، كما بينها أبو داود من طريق ابن إسحاق، وهذا هو الذي مشى عليه أبو الحجاج المزي في التحفة ج ١٢/ ٢٧١، أو هي زينب بنت جحش، كما عند الطحاوي من طريق الثوري انظر شرح معاني الآثار ج ١ ص ١٠٠. وكذا عند البيهقي في السنن الكبرى ج ١ ص ٣٥٣ (مستحاضة) اسم مفعول من استحيضت المرأة بالبناء للمفعول: إذا استمر بها الدم في غير وقته المعتاد (على عهد رسول الله ﷺ ) أي في وقته (قيل لها: إنه عرق) بكسر فسكون، قال ابن الأثير رحمه: العرْق من الحيوان: الأجوف الذي يكون فيه الدم، والعصب -أي بفتحتين-: غير الأجوف. اهـ نهاية ج ٣ ص ٢١٩ (عاند) صفة لعرق، اسم فاعل من عَنَدَ العرقُ كقتل، وعَندَ كفَرح، وعَنُدَ ككَرُمَ، ويقال أيضًا: أعند
стр. 2129
بالهمزة، قال ابن منظور ﵀: وعَنَدَ العرقُ وعَنُد وعند وأعند: سال فلم يكد يَرْقَأ، وهو عرق عاند، قال عمرو بن ملقط (من السريع):
بطَعْنَة يَجْري لَهَا عَاندٌ … كَالمَاء منْ غَائلَة الجَابيَه
وأعْنَدَ أنفُهُ: كثر سيلان الدم منه، وأعندَ القيءَ وأعْنَدَ فيه: تابعه، وقال أبو عبيد: العرْق العاند الذي عَنَد وبَغَى، كالإنسان يُعَاند، فهذا العرق في كثرة ما يخرج منه بمنزلته، شُبِّهَ به لكثرة ما يخرج منه على خلاف عادته، وقيل العاند الذي لا يرقأ قال الراعي (من الطويل):
وَنَحْنُ تَرَكْنَا بالفَعَاليِّ طَعْنَةَ … لهَا عَاندٌ فَوْقَ الذِّرَاعَيْن مُسْبلُ
اهـ لسان ببعض اختصار.
وهذا العرق هو المسمى بالعاذل بالذال المعجمة واللام، أو العاذر بالذال والراء بدل اللام، وقد تقدم الكلام عليه في ١٣٤/ ٢٠١ (فأمرت) بالبناء للمفعول والآمر هو النبي ﷺ ، لما تقرر في أصول الحديث أن الصحابي إذا قال: أمرنا، أو نحو ذلك فهو مرفوع حكمًا، قال الحافظ
السيوطي ﵀:
وَليُعْطَ حُكْمَ الرَّفْع في الصَّوَاب … نَحْوُ منَ السُّنَّة منْ صَحَابي
كَذَا أمرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى … في عَهْده أوْ عَنْ إضَافَة عَرَى
هذا مع أنه قد وقع التصريح بالرفع فيه في رواية شعبة عند البيهقي من طريق الحسن بن سهل، عن عاصم بن علي، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه، عن عائشة "أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ أن تؤخر الظهر … الحديث، وقد ادعى البيهقي أن رواية الحسن بن سهل هذه غلط، لمخالفته غيره ممن لم يصرح
بالرفع.
стр. 2130
قال الجامع: لكن يؤيده رواية ابن إسحاق مصرحًا بالرفع، وسيأتي تمام البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المسائل الآتية.
(أن تؤخر الظهر وتعجل العصر) في تأويل المصدر نائب فاعل أمرت، أي أمرت بتأخير الظهر، وتعجيل العصر (وتغتسل لهما غسلا واحدًا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلا واحدًا) أي أمرت بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد في وقت واحد، وإنما أمرها ﷺ بذلك لما رأى أن الأمر قد طال عليها، وقد أجهدها الاغتسال لكل صلاة فرخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر الذي رخص له في الجمع بين الصلاتين. أفاده في المنهل ج ٢ ص ١١٠ (وتغتسل لصلاة الصبح غسلا واحدا) لكونه لا يجمع مع غيره من الصلوات. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه في هذا الموضع، وفي ٥/ ٣٦ من كتاب الحيض بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في الطهارة عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، بسند المصنف. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ج ١ ص ٣٥٢.
المسألة الرابعة: قد تكلم البيهقي في هذا الحديث في السنن الكبرى، فأخرجه من طريق الحسن بن سهل، ثنا عاصم، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ … الحديث، قال البيهقي: وهو غلط من جهة الحسن يعني رفعه صريحًا لمخالفته الجماعة، ثم أخرجه من طريق عمر بن
стр. 2131
حفص، عن عاصم بهذا السند، استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فأمرت أن تؤخر الظهر … الحديث، يعني بالبناء للمفعول، ثم قال البيهقي: وهكذا رواه جماعة عن شعبة، وذكر جماعة منهم امتناع عبد الرحمن بن القاسم من رفع الحديث، ثم أخرجه من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة، بسنده ومتنه، قال شعبة: قلت: من أمرها، النبي ﷺ ؟، قال: لست أحدثك عن النبي ﷺ شيئا، ثم قال البيهقي: ورواه معاذ بن معاذ، عن شعبة، وفيه قال: فقلت لعبد الرحمن: عن النبي ﷺ ؟ فقال: لا أحدثك عن النبي ﷺ ، وكذلك قاله النضر بن شميل عن شعبة، ورواه محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الرحمن، فخالف شعبة في رفعه، وسمى المستحاضة. ثم ذكر البيهقي بسنده عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي ﷺ فأمرها … الحديث، ثم قال: قال أبو بكر بن إسحاق: فإن بعض مشايخنا لم يسند هذا الخبر غير ابن إسحاق، وشعبة لم يذكر النبي ﷺ ، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعًا. اهـ السنن باختصار ج ١ ص ٣٥٢ - ٣٥٣.
والحاصل أن البيهقي يرى كون هذا الحديث غير مرفوع، فلا تقوم به المحجة على الحكم المذكور.
وقد أجاب عن هذا العلامةُ ابن التركماني في الجوهر النقي، فقال: قلت: امتنع عبد الرحمن من إسناد الأمر إلى النبي ﷺ صريحًا, ولا شك أنه إذا سمع "فَأمرَت" ليس له أن يقول: فأمرها النبي ﷺ لأن اللفظ الأول مسند إلى النبي ﷺ بطريق اجتهادي، لا بالصريح، فليس له أن ينقله إلى ما هو صريح، ولا يلزم من امتناعه من صريح النسبة إلى النبي ﷺ أن لا يكون مرفوعا بلفظ "أمرت" على ما عرف من ترجيح أهل الحديث والأصول في هذه الصيغة أنها مرفوعة فتأمله فقد يتوهم من لا خبرة له من
стр. 2132
كلام البيهقي وغيره أنه من الموقوف الذي لا تقوم به الحجة، وبهذا يعلم أن ابن إسحاق لم يخالف شعبة في رفعه بل رفعه ابن إسحاق صريحًا، ورفعه شعبة دلالة، ورفعه هو أيضًا صريحًا في رواية الحسن بن سهل عن عاصم عنه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد وافق ابن إسحاق في رفعه سفيان بن عيينة إلا أنه أرسله، أخرج البيهقي بسنده عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه "أن امرأة من المسلمين استحيضت، فسألت رسول الله ﷺ ؟ … الحديث، فهذا المرسل يؤيد رواية ابن إسحاق.
والحاصل أن الحديث مرفوع صحيح. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه، توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2133
١٣٧ - بَابُ الاغْتساَلِ مِنَ النِّفَاسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الاغتسال على المرأة التي حصل لها الولادة، من أجل الدم الذي خرج منها، فـ"من" تعليلية.
والنفاس: بالكسر الولادة، قال ابن منظور ﵀: والنفاس: ولادة المرأة إذا وضعت، فهي نُفَسَاء، والنَّفْسُ: الدم، ونُفسَت المرأة، ونَفسَت، بالكسر نَفَسًا ونَفَاسَة ونفَاسًا، وهي نُفَسَاء، ونَفْسَاء، ونَفَسَاء: وَلَدت، وقال ثعلب: النفساء الوالدة، والحامل، والحائض، والجمع من كل ذلك نُفَسَاوات ونفَاس ونُفَاس ونُفَّس، (عن اللحياني) ونُفُس ونُفَّاس.
قال الجوهري: وليس في الكلام فُعَلاءُ يُجمع على فعال غير نُفَساء وعُشَراء، ويجمع أيضا على نُفَسَاوات وعُشَروات، وامرأتان نُفَسَاوان، أبدلوا من همزة التأنيث واوا. وفي الحديث: "أن أسماء بنت عميس نُفست بمحمد بن أبي بكر" أي وضعت، ومنه الحديث "فلما تَعَلَّت من نفاسها": أي خرجت من أيام ولادتها، وحكى ثعلب نُفسَت ولدًا، على فعل المفعول. وَوَرثَ فلان هذا الماء في بطن أمه قبل أن يُنفَسَ، أي يولد، قال الجوهري: وقولهم ورث فلان هذا المال قبل أن يُنفَسَ فلان، أي قبل أن يولد، قال أوس بن حجر يصف محاربة قومه لبني عامر بن صعصعة (من المتقارب):
وَإنَّا وَإِخْوَانَنَا عَامرًا … عَلَى مثْل مَا بَيننَا نَأتَمرْ
لَنَا صَرْخَة ثُمَّ إسْكَاتَةٌ … كَمَا طرَّقَتْ بنفَاس بكرْ
أي بولد، وقوله: لنا صرخة، أي اهتياجة يتبعها سكون كما يكون
стр. 2134
للنفساء إذا طرّقت بولدها، والتطريق أن يعصر خروج الولد فتصرخ لذلك، ثم تسكن حركة المولود، فتسكن هي أيضا، وخص تطريق البكر لأن ولادة البكر أشد من ولادة الثيب، والمنفُوس: المولود، وفي الحديث: "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة والنار"، وفي رواية "إلا كتب رزقها وأجلها" منفوسة: أي مولودة، قال: يقال: نَفسَت، ونُفسَت، فأما الحيض فلا يقال فيه إلا نَفست، بالفتح. وفي حديث عمر ﵁: "أنه أجبر بني عَمٍّ على منفوس" أي ألزمهم إرضاعه وتربيته. وفي حديث أبي هريرة: "أنه صلى على منفوس" أي طفل حين ولد، والمراد أنه صلى عليه ولم يعمل ذنبًا، وفي حديث ابن المسيب: "لا يرث المنفوس حتى يستهل صارخا"، أي حتى يسمع له صوت. وقالت أم سلمة: كنت مع النبي ﷺ في الفراش فحضت، فخرجت، وشددت عليَّ ثيابي، ثم رجعت، فقال: "أنفست"؟ أراد: أحضت؟، يقال: نفست المرأة تَنْفَس، بالفتح: إذا حاضت. اهـ لسان.
٢١٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ نُفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: "مُرْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ".
стр. 2135
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن قدامة) بن أعين بن المسور القرشي مولى بني هاشم أبو عبد الله المصيصي. روى عن جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وفضيل بن عياض، وعَثَّام بن علي العامري، وأبي بدر شجاع بن الوليد، وأبي عبيدة الحداد، وابن عيينة، وأبي أسامة، وعلي بن حمزة الكسائي، ووكيع، وغيرهم. وروى عنه أبو داود، والنسائي، وأحمد بن فيل الأنطاكي، وعبد الله بن أحمد بن معدان الفراء، وأبو حفص عمر بن الحسن بن نصر القاضي، وأبو حميد عبد الله بن محمَّد بن تميم، وعبد الرحمن بن عبيد بن أخي الإمام، وعثمان بن عبد الله بن عفان الأنطاكي الفارض، وعمر بن سعيد بن سنان الطائي، ومحمد بن المسيب، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وأبو بكر بن أبي داود، وغيرهم.
قال النسائي: لا بأس به، وقال مرة: صالح، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة صدوق، وروى عنه ابن وضاح لقيه بمكة. ومات قريبا من -٢٥٠ - اهـ "تت" ج ٩ ص ٤١٠، انفرد به أبو داود، والمصنف.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي ثقة ثبت -٥ - تقدم في ٢٢/ ٢٣.
(تنبيه) وقع في شرح الشنقيطي ﵀ هنا خطأ، وهو أنه قال يحيى بن سعيد القطان، والصواب ما قلنا؛ لأن جريرا لا يروى عن القطان، بل عن الأنصاري وكذا صرح بكونه الأنصاري أبو الحجاج
المزي في تحفته ج ٢ ص ٢٧٤ فتنبه.
стр. 2136
٤ - (جعفر بن محمَّد) أبو عبد الله المعروف بالصادق المدني إمام صدوق فقيه -٦ - تقدم في ١٢٣/ ١٨٢.
٥ - (محمَّد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر المدني ثقة فاضل -٤ - تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٦ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَميّ ﵁ تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات إلا جعفرًا فصدوق، وكلهم مدينون، إلا ابن قدامة فمصيصي، وجريرًا فكوفي، وأخرج لهم الجماعة، غير ابن قُدَامة فأخرج له المصنف، وأبو داود، وجعفرًا فلم يخرج له (خ) وفيه جابر بن عبد الله ﵁ أحد المكثرين السبعة روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁ (في حديث أسماء بنت عميس) الخثعمية الصحابية الجليلة، كانت عند جعفر بن أبي طالب، فولدت له أولاده كلهم بالحبشة حينما هاجرت معه إليها وبعدما قتل جعفر عنها تزوجها أبو بكر فولدت له ولده محمدا، وهو الذي نفست به بذي الحليفة، ثم تزوجها بعده علي بن أبي طالب، فكانت عنده حتى قتل عنها ﵃ أجمعين.
وكان عمر ﵁ يسألها عن تعبير الرؤيا، ولما بلغها قتل ابنها محمَّد بن أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيظها حتى شَخَبت ثديُهَا دمًا. أفاده في "تت" ج ١٢ ص ٣٩٨ - ٣٩٩.
стр. 2137
والجار والمجرور حال من قوله: إن رسول الله ﷺ لأنه في تأويل المصدر مفعول "أخبرنا"، أي أخبرنا بقول رسول الله ﷺ لأبي بكر الخ حال كون هذا القول من جملة حديث أسماء، إنما قال كذا؛ لأن الحديث طويل جدًا فاختصر منه هنا ما يستدل به على حكم النفاس فقط. واختصار الحديث فيه خلاف مشهور عند المحدثين، والصحيح الجواز إذا لم يخل المتروك بالمعنى المقصود، وهو مذهب الشيخين، والمصنف، وكثيرين، قال السيوطي في الألفية الحديثية:
وَجَائرٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الخَبَر … إنْ لَمْ يُخلَّ البَاقي عنْدَ الأكْثَر
والحديث بطوله ساقه مسلم في كتاب الحج، في صفة حجة النبي ﷺ (حين نفست) بالبناء للمفعول، أي ولدت فهي نفساء والجمع نفاس بالكسر، وبعض العرب يقول: نفست تَنْفَس من باب تعب، فهي نافس مثل حائض، والولد منفوس، والنفاس بالكسر أيضا اسم من ذلك، ونفست تنفس من باب تعب: حاضت، ونقل الأصمعي: نفست بالبناء للمفعول أيضا، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، وهو من النفس، وهو الدم، وسمي الدم نَفْسا لأن النفس التي هى اسم لجملة
الحيوان قوامها بالدم. أفاده في المصباح. وتقدم عن اللسان بأتم من هذا في أول الباب. والظرف حال من حديث أسماء، أي حال كون ذلك الحديث حاصلا وقت ولادتها (بذي الحليفة) اسم ماء من مياه بني جُشَم، ثم سمي به الموضع، وهو ميقات أهل المدينة على نحو مرحلة عنها، ويقال على ستة أميال. قاله في الصباح (أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر) عبد الله عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي ابن أبي قُحَافة الصديق، ﵄، أول الرجال إسلامًا، ورفيق سيد المرسلين ﷺ في هجرته، شهد المشاهد، وهو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ومناقبه جمة ترجمته في تاريخ
стр. 2138
دمشق في مجلد ونصف، توفي ﵁ سنة ١٣ عن ٦٣ سنة، ودفن بالحجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (مُرْها) فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، وهو على غير قياس؛ لأن قياسه اؤمُرْ بلا حذف، فحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال ومثله خُذ، وكُل، ويَقلّ بلا حذف مع العاطف، نحو "وامر أهلك بالصلاة" قال ابن مالك في لاميته (من البسيط):
وَشَذَّ بالحَذْف مُرْ وَخُذْ وكُلْ وَفَشَا … وَامُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْميمُ خُذ وَكُلا
(أن تغتسل، وتهل) أي تحرم بالحج، يقال: أهل المحرم: رفع صوته بالتلبية عند الإحرام، وكل من رفع صوته فقد أهلَّ إهلالا، واستَهَلَّ استهلالا بالبناء للفاعل فيهما. أفاده في المصباح.
وهذا الاغتسال للنظافة لا للطهارة لأنها نفساء لا تطهير إلا بانقطاع الدم عنها.
واعترض السندي على المصنف في إيراده هذا الحديث في هذا الباب, لأن هذا الاغتسال للتنظيف، لأجل الإحرام، وليس هو من قبيل الاغتسال من النفاس؛ لأن ذلك يكون عند انقطاع النفاس، لا في
أثنائه، فإنه لا ينفع حينئذ، وهذا الاغتسال المأمور به هنا كان في ابتداء النفاس وحال قيامه، فلا وجه لذكره في هذا الباب.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما اعترض به السندي غير صحيح, لأن المصنف لم يقل: الاغتسال عند انقطاع النفاس، وإنما قال: الاغتسال من النفاس، وهذه العبارة وإن كان فيها احتمال ما قاله السندي، إلا أن الأولى حملها على أعمّ منه، وهو: وجوب الاغتسال من أجل النفاس لكونه نجسا، سواء كان حال قيامه بها، للنظافة، أو انقطاعه عنها للطهارة، فيكون أخذ حكم النظافة من النص، واستنبط
стр. 2139
منه حكم الطهارة عند الانقطاع, لأنه إذا وجب عليها حال القيام بسببه، فوجوبه عليها حال الانقطاع من باب أولى, لأن العلة هي كون الدم نجسًا يجب الطهارة له مثل دم الحيض، إذ لا فرق بينه وبينه، ولذا أجمع أهل العلم على وجوب الاغتسال عند خروجها منه كما ذكره ابن المنذر في الأوسط ج ٢ ص ٢٤٨. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٣٧، وفي ٢٤٣ وفي الكبرى ١٢٨/ ٢١٩ بهذا السند، وفي الحج ٥٧/ ٢ عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر، عن جعفر بن محمَّد به نحوه، وفي ٥٧/ ١ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن جعفر به أتم منه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م ق) فأخرجه (م) في المناسك ١٦/ ٢ عن أبي غسان محمَّد بن عمرو، عن جرير، عن يحيى الأنصاري عن جعفر به. وأخرجه (ق) في الحج ١٢/ ٣ عن علي بن
محمَّد، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن جعفر به.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث وجوب الاغتسال من النفاس، وأنه أحد موجبات الاغتسال بالإجماع، كما قدمناه عن ابن المنذر، ومشروعية الإهلال بالتلبية عند الإحرام في الحج أو العمرة، وأن المرأة كالرجل في ذلك، ومشروعية النظافة للإحرام، فيلزم المرأة الغسل وإن كانت حائضًا أو نفساء. وستأتي بقية المسائل في كتاب الحيض إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
стр. 2140
١٣٨ - بَابُ الفَرْقِ بَيْنَ دَمِ الحَيْضِ وَالاسْتِحاَضَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الفرق بين دم الحيض، وبين دم الاستحاضة، وقد تقدم تعريف الحيض والاستحاضة في ١٣٤/ ٢٠١. فلا تغفل.
٢١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ".
٢١٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ هَذَا مِنْ كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ حِفْظِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ