٤ - (جعفر بن محمَّد) أبو عبد الله المعروف بالصادق المدني إمام صدوق فقيه -٦ - تقدم في ١٢٣/ ١٨٢.
٥ - (محمَّد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر المدني ثقة فاضل -٤ - تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٦ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَميّ ﵁ تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات إلا جعفرًا فصدوق، وكلهم مدينون، إلا ابن قدامة فمصيصي، وجريرًا فكوفي، وأخرج لهم الجماعة، غير ابن قُدَامة فأخرج له المصنف، وأبو داود، وجعفرًا فلم يخرج له (خ) وفيه جابر بن عبد الله ﵁ أحد المكثرين السبعة روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁ (في حديث أسماء بنت عميس) الخثعمية الصحابية الجليلة، كانت عند جعفر بن أبي طالب، فولدت له أولاده كلهم بالحبشة حينما هاجرت معه إليها وبعدما قتل جعفر عنها تزوجها أبو بكر فولدت له ولده محمدا، وهو الذي نفست به بذي الحليفة، ثم تزوجها بعده علي بن أبي طالب، فكانت عنده حتى قتل عنها ﵃ أجمعين.
وكان عمر ﵁ يسألها عن تعبير الرؤيا، ولما بلغها قتل ابنها محمَّد بن أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيظها حتى شَخَبت ثديُهَا دمًا. أفاده في "تت" ج ١٢ ص ٣٩٨ - ٣٩٩.
стр. 2137
والجار والمجرور حال من قوله: إن رسول الله ﷺ لأنه في تأويل المصدر مفعول "أخبرنا"، أي أخبرنا بقول رسول الله ﷺ لأبي بكر الخ حال كون هذا القول من جملة حديث أسماء، إنما قال كذا؛ لأن الحديث طويل جدًا فاختصر منه هنا ما يستدل به على حكم النفاس فقط. واختصار الحديث فيه خلاف مشهور عند المحدثين، والصحيح الجواز إذا لم يخل المتروك بالمعنى المقصود، وهو مذهب الشيخين، والمصنف، وكثيرين، قال السيوطي في الألفية الحديثية:
وَجَائرٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الخَبَر … إنْ لَمْ يُخلَّ البَاقي عنْدَ الأكْثَر
والحديث بطوله ساقه مسلم في كتاب الحج، في صفة حجة النبي ﷺ (حين نفست) بالبناء للمفعول، أي ولدت فهي نفساء والجمع نفاس بالكسر، وبعض العرب يقول: نفست تَنْفَس من باب تعب، فهي نافس مثل حائض، والولد منفوس، والنفاس بالكسر أيضا اسم من ذلك، ونفست تنفس من باب تعب: حاضت، ونقل الأصمعي: نفست بالبناء للمفعول أيضا، وليس بمشهور في الكتب في الحيض، وهو من النفس، وهو الدم، وسمي الدم نَفْسا لأن النفس التي هى اسم لجملة
الحيوان قوامها بالدم. أفاده في المصباح. وتقدم عن اللسان بأتم من هذا في أول الباب. والظرف حال من حديث أسماء، أي حال كون ذلك الحديث حاصلا وقت ولادتها (بذي الحليفة) اسم ماء من مياه بني جُشَم، ثم سمي به الموضع، وهو ميقات أهل المدينة على نحو مرحلة عنها، ويقال على ستة أميال. قاله في الصباح (أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر) عبد الله عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي ابن أبي قُحَافة الصديق، ﵄، أول الرجال إسلامًا، ورفيق سيد المرسلين ﷺ في هجرته، شهد المشاهد، وهو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ومناقبه جمة ترجمته في تاريخ
стр. 2138
دمشق في مجلد ونصف، توفي ﵁ سنة ١٣ عن ٦٣ سنة، ودفن بالحجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (مُرْها) فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، وهو على غير قياس؛ لأن قياسه اؤمُرْ بلا حذف، فحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال ومثله خُذ، وكُل، ويَقلّ بلا حذف مع العاطف، نحو "وامر أهلك بالصلاة" قال ابن مالك في لاميته (من البسيط):
وَشَذَّ بالحَذْف مُرْ وَخُذْ وكُلْ وَفَشَا … وَامُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْميمُ خُذ وَكُلا
(أن تغتسل، وتهل) أي تحرم بالحج، يقال: أهل المحرم: رفع صوته بالتلبية عند الإحرام، وكل من رفع صوته فقد أهلَّ إهلالا، واستَهَلَّ استهلالا بالبناء للفاعل فيهما. أفاده في المصباح.
وهذا الاغتسال للنظافة لا للطهارة لأنها نفساء لا تطهير إلا بانقطاع الدم عنها.
واعترض السندي على المصنف في إيراده هذا الحديث في هذا الباب, لأن هذا الاغتسال للتنظيف، لأجل الإحرام، وليس هو من قبيل الاغتسال من النفاس؛ لأن ذلك يكون عند انقطاع النفاس، لا في
أثنائه، فإنه لا ينفع حينئذ، وهذا الاغتسال المأمور به هنا كان في ابتداء النفاس وحال قيامه، فلا وجه لذكره في هذا الباب.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما اعترض به السندي غير صحيح, لأن المصنف لم يقل: الاغتسال عند انقطاع النفاس، وإنما قال: الاغتسال من النفاس، وهذه العبارة وإن كان فيها احتمال ما قاله السندي، إلا أن الأولى حملها على أعمّ منه، وهو: وجوب الاغتسال من أجل النفاس لكونه نجسا، سواء كان حال قيامه بها، للنظافة، أو انقطاعه عنها للطهارة، فيكون أخذ حكم النظافة من النص، واستنبط
стр. 2139
منه حكم الطهارة عند الانقطاع, لأنه إذا وجب عليها حال القيام بسببه، فوجوبه عليها حال الانقطاع من باب أولى, لأن العلة هي كون الدم نجسًا يجب الطهارة له مثل دم الحيض، إذ لا فرق بينه وبينه، ولذا أجمع أهل العلم على وجوب الاغتسال عند خروجها منه كما ذكره ابن المنذر في الأوسط ج ٢ ص ٢٤٨. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٣٧، وفي ٢٤٣ وفي الكبرى ١٢٨/ ٢١٩ بهذا السند، وفي الحج ٥٧/ ٢ عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر، عن جعفر بن محمَّد به نحوه، وفي ٥٧/ ١ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن جعفر به أتم منه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م ق) فأخرجه (م) في المناسك ١٦/ ٢ عن أبي غسان محمَّد بن عمرو، عن جرير، عن يحيى الأنصاري عن جعفر به. وأخرجه (ق) في الحج ١٢/ ٣ عن علي بن
محمَّد، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن جعفر به.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث وجوب الاغتسال من النفاس، وأنه أحد موجبات الاغتسال بالإجماع، كما قدمناه عن ابن المنذر، ومشروعية الإهلال بالتلبية عند الإحرام في الحج أو العمرة، وأن المرأة كالرجل في ذلك، ومشروعية النظافة للإحرام، فيلزم المرأة الغسل وإن كانت حائضًا أو نفساء. وستأتي بقية المسائل في كتاب الحيض إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
стр. 2140
١٣٨ - بَابُ الفَرْقِ بَيْنَ دَمِ الحَيْضِ وَالاسْتِحاَضَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الفرق بين دم الحيض، وبين دم الاستحاضة، وقد تقدم تعريف الحيض والاستحاضة في ١٣٤/ ٢٠١. فلا تغفل.
٢١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ".
٢١٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ هَذَا مِنْ كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ حِفْظِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ
стр. 2141
- ﷺ : "إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي". قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ، لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري الحجة الثبت -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (ابن أبي عدي) محمَّد بن إبراهيم بن أبي عدي، وقد ينسب إلى جده , وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصري ثقة -٩ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٥.
٣ - (محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص) الليثي أبو عبد الله، ويقال: أبو الحسن المدني. صدوق له أوهام -٦ - روى عن أبيه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيدة بن سفيان، وسعيد بن الحارث، وإبراهيم ابن عبد الله بن حنين، ودينار أبي عبد الله القراظ، وعمر بن مسلم بن أكيمة الليثي، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وغيرهم.
وروى عنه موسى بن عقبة، ومات قبله، وابن عمه، عمر بن طلحة بن علقمة، وشعبة، والثوري، وحماد بن سلمة، وابن أبي عدي، وغيرهم. قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد، وسئل عن سهيل، ومحمد بن عمرو؟ فقال: محمَّد أعلى منه، قال علي: قلت ليحيى: محمَّد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قال: لا بل
стр. 2142
أشدد، قال: ليس هو ممن تريد، وكان يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال يحيى: وسألت مالكًا عنه فقال فيه نحو ما قلت لك، قال علي: وسمعت يحيى يقول: محمَّد بن عمرو أحب إليَّ من ابن أبي حرملة، وقال إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان: محمَّد بن عمرو رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث، وقال إسحاق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن محمَّد بن عمرو ومحمد ابن إسحاق أيهما يقدم؟ فقال: محمَّد بن عمرو، وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن محمَّد بن عمرو؟ فقال: ما زال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال الجوزجاني: ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه، وقال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه. وهو شيخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وقال ابن أبي عدي: له حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد عنه بنسخة ويغرب بعضهم على بعض. وروى عنه مالك في الموطأ، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ. روى له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعة، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة، وقال عبد الله بن أحمد، عن ابن معين: سهيل، والعلاء، وابن عقيل حديثهم ليس بحجة. ومحمد بن عمرو فوقهم، وقال يعقوب بن شيبة: هو وسط، وإلى الضعف ما هو؟ وقال الحاكم: قال ابن المبارك: لم يكن به بأس، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف، وقال ابن معين: ابن عجلان أوثق من محمَّد بن عمرو، ومحمد بن عمرو أحب إلى من محمَّد ابن إسحاق، حكاه العقيلي. مات سنة-١٤٤، وقيل: ١٤٥ - اهـ "تت" ج ٩ ص ٣٧٥ - ٣٧٧.
стр. 2143
٤ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري الحجة الحافظ الثبت -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (عروة بن الزبير) بن العوام أحد الثقات الأعلام -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (فاطمة بنت أبي حبيش) قيس بن المطلب ﵂ تقدمت في ١٣٤/ ٢٠١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وقد علمت ما في محمَّد بن عمرو من الكلام، لكن لا ينزل حديثه عن درجة الحسن، ولذا قال في التقريب: صدوق له أوهام، وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم، وأنهم مدنيون إلا ابن المثنى، وابن أبي عدي، فبصريان، وفيه الإخبار والتحديث، والعنعنة. وفيه أن هذا مما رواه عروة عن فاطمة، وقد تقدم الكلام عليه مفصلا ويأتي أيضًا إن شاء الله تعالى.
شرح الحديث
(عن فاطمة بنت أبي حبيش) ﵁ (أنها كانت تستحاض) أي ينزل منها الدم في غير وقته المعتاد (فقال لها رسول الله ﷺ ) بعد سؤالها عن حكم ما أصابها (إذا كان دم الحيض) أي وُجدَ، فكان تامة، ويحتمل أن تكون ناقصة، وخبرها مقدرٌ أي موجودًا (فإنه) أي دم الحيض (أسود يعرف) صفة لـ"أسود" وفيه احتمالان:
الأول: أنه على صيغة المجهول من المعرفة، قال ابن رسلان: أي تعرفه النساء، وقال الطيبي: أي تعرفه النساء باعتبار لونه وثخانته كما تعرفه باعتبار عادته.
الثاني: أنه على صيغة المعروف، من الإعراف، أي له عَرْف
стр. 2144
ورائحة. اهـ عون المعبود ج ١ ص ٤٧١ والعرف بفتح فسكون: الريح طيبةً، أو مُنْتنَةً، وأكثر استعماله في الطيبة. اهـ "ق".
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قالوا من الإعراف … ، لكن لم أجد (١) في كتب اللغة أعرف بمعنى صارت له رائحة خبيثة، وإنما الذي في "ق": أعرف طال عُرفه، اهـ. والعُرْف بضم فسكون: لَحْمة مستطيلة في أعلى رأس الديك. اهـ مصباح، ومما استدركه في التاج على "ق": أعرف الطعام: طاب عَرْفه، أي رائحته. اهـ. وهذان المعنيان لا يلائمان هنا، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه بعكس المعنى المراد هنا، لأن المراد هنا أنه ذو رائحة كريهة. فليتأمل.
فإذا كان ذلك (فأمسكي عن الصلاة) أي اتركيها، يقال: أمسكتُ عن الأمر: كففت عنه. قاله في المصباح.
(فإذا كان الآخر) بفتح الخاء، أي إذا أتى الدم الآخر، فـ"كان" تامة كما تقدم، أو إذا كان الآخر نازلا، فهي ناقصة حذف خبرها كما قدرناه، و"الآخر" عام يشمل الألوان كلها غير الأسود، كالأصفر والأشقر، والأكدر، فكلها ليست حيضًا (فتوضئي) لوقت كل صلاة، وقد ثبت بالروايات الأخرى الأمر بالاغتسال، وقدمنا أن الأمر فيه للاستحباب، كما هو رأي الجمهور، والله أعلم (فإنما هو عرق) تقدم معنى العرق وضبطه، فلا تنس، وهذه الجملة كالتعليل لما قبلها، أي لأن ذلك دم عرق انفجر، لا دم حيض فيمنعَ صلاةً، ولا غيرها مما يحل للطاهرات.
قال العلامة الصنعاني ﵀: هذا الحديث فيه رد المستحاضة إلى صفة الدم بأنه إذا كان بتلك الصفة، فهو حيض، وإلا فهو استحاضة، وقد تقدم أنه ﷺ قال لها: "إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي
стр. 2145
الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وصلي". ولا ينافيه هذا الحديث، فإنه يكون قوله: "إن دم الحيض أسود يعرف" بيانا لوقت إقبال الحيضة، وإدبارها، فالمستحاضة إذا ميزت أيام حيضها إما بصفة الدم، أو بإتيانه في وقت عادتها إن كانت معتادة عملت بعادتها. ففاطمة هذه يحتمل أنها كانت معتادة فيكون قوله: "فإذا أقبلت حيضتك" أي بالعادة، أو غير معتادة فيراد بإقبال حيضتها، بالصفة، ولا مانع من اجتماع العرفين في حقها وحق غيرها. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل من مجموع الروايات أنه ﷺ بين في حديثها أن معرفة الحيضة لا تخلو من أحد أمرين: إما العادة، وإما الصفة، وقد يجتمعان. فإذا كان الأمران أو أحدهما فالعمل عليه، وأما التي لا عادة لها ولا تمييز فإنما يؤخذ من الأحاديث الأخرى، وقد تقدم ذلك، وتحقيق مذاهب العلماء في حكم المستحاضة مفصلا موضحا في ١٣٤/ ٢٠٨ والحمد لله.
قال النسائي ﵀: مبينا اختلاف تحديث ابن أبي عدي (أخبرنا محمَّد بن المثنى) قال (حدثنا ابن أبي عدي) هو محمَّد بن إبراهيم (هذا) أي الحديث السابق، بلا ذكر عائشة في السند (من كتابه) أي مما كتبه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش عن شيخه محمد بن عمرو، فجعله عن عروة، عن فاطمة.
(قال) أي النسائي ﵀: وقائل "قال" في الموضعين الراوي عنه، والظاهو أنه ابن السني؛ لأنه المشهور برواية "المجتبى" عنه (أخبرنا محمَّد ابن المثنى) قال (حدثنا) محمَّد بن إبراهيبم (ابن أبي عدي من حفظه) أي مما حفظه من حديثها من شيخه، فـ "منْ" في الموضعين لابتداء الغاية، متعلقة بـ "حدثنا".
(قال) أي ابن أبي عدي (حدثنا محمَّد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص
стр. 2146
الليثي (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش الخ) فجعله من مسند عائشة ﵂ , لا من مسند فاطمة ﵂.
وعند أبي داود ﵀: قال ابن المثنى: ثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا، ثم حدثنا بعدُ حفظا، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو عن الزهري .. الخ، وهذا يدل على أن تحديثه من حفظه بعد تحديثه من كتابه.
والحاصل أن هذا الحديث مما حدث به ابن أبي عدي مرتين: مرة من كتابه فجعله من مسند عروة عن فاطمة، ثم حدث به مرة أخرى فجعله من مسنده عن عائشة ﵂.
قال في المنهل: والأول أقوى، فقد أخرج البيهقي من طريق عبد الله ابن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي: ثنا محمَّد بن أبي عدي، ثنا محمَّد بن عمرو يعني ابن علقمة، عن الزهري، عن عروة: أن فاطمة
بنت أبي حبيش … الحديث، قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان ابن أبي عدي حدثنا به عن عائشة، ثم تركه.
قال الجامع: هذا يدل على عكس ما قاله ابن المثنى، ولعل ابن أبي عدي حدث به أحمد على خلاف ما حدث به ابن المثنى، فعلى هذا فدعوى كونه أقوى غير صحيحة، فالأولى كون الروايتين صحيحتين لا ترجيح لإحداهما على الأخرى، بل يكون مما حدث به على الوجهين، وكذا دعوى الانقطاع في تحديثه من كتابه غير صحيحة؛ لأن ابن أبي عدي حافظ متقن، وقد حفظه على الوجهين فحدث مرة عن عروة عن فاطمة، ومرة عن عروة عن عائشة، وقد أدرك عروةُ كليهما، وسمع منهما بلا شك، ففاطمة بنت عمه، وعائشة خالته، وقد صرح بأن فاطمة حدثته.
стр. 2147
والحاصل أن الحديث من الوجهين صحيح. وسيأتي تمام البحث فيه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (قد رَوَى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكر ابن أبي عدي (١)، والله تعالى أعلم) يعني أن حديث فاطمة هذا قد رواه رواة كثيرون، لكن ما روى أحد منهم على لفظ ما رواه ابن أبي عدي، بل رووه بلفظ: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم، وتوضئي"، وفي رواية "فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي"، كما يأتي في الحديث التالي.
قال الجامع: الظاهر من كلام النسائي تعليل رواية ابن أبي عدي لأمرين:
الأول: اضطرابه في السند، فمرة جعله من مسند فاطمة، ومرة من مسند عائشة.
والثاني: مخالفته في متنه لما رواه الجماعة فإنهم رووه باللفظ المذكور وهو رواه بلفظ: "إن دم الحيض دم أسود يعرف … " الحديث.
قال الجامع: والجواب عن هذا ظاهر، أما الأول فقد تقدم قريبا بأنه صحيح من الوجهين لأن عروة رواه عنهما؛ لأنه لقيهما، وأما الثاني: فلأن ما رواه هو لا يخالف ما روى الجماعة لأن معنى "أقبلت الحيضة" أي بصفتها المعروفة، وهي كونها أسود تعرف، فظهر بهذا أن ما رواه غير مخالف لما رووه، والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2148
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته هذا الحديث صحيح. وقد تقدم تخريجه برقم ١٣٤/ ٢٠١ فارجع إليه تزدد علمًا.
المسألة الثانية: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث أن الحائض يجب عليها أن لا تصلي، وأن المستحاضة يجب عليها أن تصلي، وأن دم الحيض والاستحاضة بينهما فرق وهو أن دم الحيض أسود يعرف، فما عداه استحاضة، وهذا هو الذي ترجم عليه المصنف، وعلى أنه ﷺ بين كل شيء، حتى ما يكون من أمر النساء المستحيا منه، وعلى أن الصحابة والصحابيات كان عندهم شدة اهتمام بأمور الدين، حتى يسألون عن المستحيا منه.
المسألة الثالثة قال العلامة شمس الدين ابن القيم ﵀ في تهذيب السنن: حديث عروة عن فاطمة هذا قال ابن القطان: منقطع لأنه انفرد به محمَّد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، ورواه عن محمَّد بن عمرو، محمَّد بن أبي عدي مرتين: إحداهما من كتابه هكذا، والثانية زاد فيه عائشة بين عروة وفاطمة، وهذا متصل، ولكن لما حدث به من كتابه منقطعًا، ومن حفظه متصلا، فزاد عائشة أورث ذلك نظرًا فيه.
وقد جاء في سنن أبي داود مصرحًا به أنه أخذه من عائشة لا من فاطمة، وروى أبو داود من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة: أن فاطمة حدثته أنها سألت رسول الله ﷺ ، لكن المنذر مجهول، قاله أبو حاتم الرازي،
والحديث عند غير أبي داود معنعن، لم يقل فيه: أن فاطمة حدثته، قال: وكذلك حديث سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة حدثتني فاطمة: أنها أمرت أسماء، أو أسماء حدثتني أنها أمرتها فاطمة
стр. 2149
أن تسأل رسول الله ﷺ ، فهو مشكوك فيه في سماعه من فاطمة، قال وفي متن الحديث ما أنكر على سهيل، وعُدَّ مما ساء حفظه فيه وظهر أثر تغيره عليه، وذلك لأنه أحال فيه على الأيام، قال: فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد قال: والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم
وعلى القرء.
قال العلامة ابن القيم ﵀: وهذا كله عَنَتٌ ومُنَاكَدَة من ابن القطان. أما قوله: إنه منقطع: فليس كذلك، فإن محمَّد بن أبي عدي مكانه من الحفظ والإتقان معروف لا يجهل، وقد حفظه وحدث به مرة عن عروة، عن فاطمة، ومرة عن عائشة عن فاطمة، وقد أدرك كليهما وسمع منهما بلا ريب، ففاطمة بنت عمه (١)، وعائشة خالته، فالانقطاع الذي رمي به الحديث مقطوع دابرُهُ، وقد صرح بأن فاطمة حدثته به.
وأما قوله: إن المنذر جهله أبو حاتم، فلا يضره ذلك، فإن أبا حاتم الرازي يُجَهِّلُ رجالا وهم ثقات معروفون، وهو متشدد في الرجال، وقد وثق المنذر جماعة وأثنوا عليه. وعرفوه.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الكلام نظر, لأن المنذر ما وثقه إلا ابن حبان، وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف، وقال أبو حاتم: مجهول، وقال في التقريب: مقبول، إلا أن أحمد بن صالح المصري قال: كل
من روى عنه بكير بن عبد الله فهو ثقة، وقد روى عنه كما تقدم، فهذا يؤيد توثيق ابن حبان له.
قال ابن القيم ﵀: وأما قوله: الحديث عند غير أبي داود معنعن، فإن ذلك لا يضره ولا سيما على أصله في زيادة الثقة، فقد صرح سهيل عن الزهري، عن عروة، قال: حدثتني فاطمة، وحمله
стр. 2150
على سهيل، وأن هذا مما ساء حفظه فيه دعوى باطلة، وقد صحح مسلم وغيره حديث سهيل.
وأما قوله: إنه أحال فيه على الأيام، والمعروف الإحالة على القرء والدم فهو كلام في غاية الفساد، فإن المعروف الذي في الصحيح إحالتها على الأيام التي كانت تحبسها حيضها، وهي القرء بعينها، فأحدهما يصدق الآخر، وأما إحالتها على الدم فهو الذي ينظر فيه، ولم يروه أصحاب الصحيح، وإنما رواه أبو داود، والنسائي، وسأل عنه ابن أبي حاتم أباه فضعفه، وقال هذا منكر، وصححه الحاكم، اهـ كلام ابن القيم، بنوع تصرف.
ثم ذكر النسائي ﵀ روايات من خالف ابن أبي عدي فقال:
٢١٧ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتِ: اسْتُحِيضَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟، قَالَ رَسُولُ اللهِ: "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ أَثَرَ الدَّمِ وَتَوَضَّئِي، فَإِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ". قِيلَ لَهُ:
стр. 2151
فَالْغُسْلُ، قَالَ: "ذَلِكَ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ "وَتَوَضَّئِي" غَيْرَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هِشَامٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "وَتَوَضَّئِي".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حماد بن زيد) بن درهم البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٣/ ٣.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزيبر ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة بن الزبير) بن العوام ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدم في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، أخرجوا لهم غير شيخه فما أخرج له البخاري، وهم مدنيون إلا يحيى، وحمادًا فبصريان. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والحديث مضى شرحه غير مرة، ولكن نشير إلى حل بعض ألفاظه.
فقوله: (قيل له: فالغسل) الظاهر أن المسؤول هو حماد بن زيد، أي قال قائل له لما ذكر الوضوء، فالغسل ما حكمه؟ هل يجب عليها أم لا؟ (فقال: ذلك) أي الغسل (لا يشك فيه) أي في وجوبه عليها (أحد) لأنها
стр. 2152
حائض طهرت، فوجوب الغسل عليها أمر ظاهر لا يخفى على أحد.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ "لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث) أي حديث فاطمة بنت قيس المروي عن طريق هشام بن عروة (وتوضئي) مفعول "ذكر" محكي لقصد لفظه (غير حماد بن زيد) يعني أنه انفرد بزيادة الأمر بالوضوء عن هشام (وقد روى) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله (غير واحد) أي نقل جماعة من الرواة هذا الحديث (عن هشام) بن عروة (ولم يذكر فيه وتوضئي) بل ذكر الأمر بغسل الدم والصلاة.
والحاصل أن المصنف زعم: أن حماد بن زيد انفرد بذكر الأمر بالوضوء في هذا الحديث؛ لأن الرواة عن هشام ما ذكروا ذلك.
وكذا أشار مسلم في صحيحه إلى ما ذكره المصنف حيث قال بعد ذكر الحديث عن طريق أبي معاوية، وجرير، وعبد الله بن نمير، وحماد بن زيد، كلهم عن هشام بن عروة: ما نصه: وفي حديث حماد بن زيد زيادة حرف، تركنا ذكره. وأراد بالحرف الذي تركه قوله: "وتوضئي" وذلك لانفراد حماد به عن الرواة الآخرين.
والذي قاله المصنف وأشار إليه مسلم من انفراد حماد بالزيادة غير صحيح، فقد زادها أبو معاوية عن هشام عند البخاري في الصحيح، قال بعد ذكر الحديث ما نصه: قال -يعني هشاما- وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
قال الحافظ: وادعى بعضهم أن هذا معلق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكور عن محمد -يعني ابن سلام- عن أبي معاوية، عن هشام، وقد بين ذلك الترمذي في روايته، وادعى آخر أنّ قوله: "ثم توضئي" من كلام عروة موقوفا عليه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه لقال: ثم تتوضأ بصيغة الإخبار، فلما أتى بصيغة الأمر شاكله الأمر
стр. 2153
الذي في المرفوع، وهو قوله: "فاغسلي". اهـ فتح ج ١ ص ٣٩٧.
وكذلك زادها حماد بن سلمة، ويحيى بن سليم، فقد رواه الدارمي من طريق حماد بن سلمة، والسراّجُ من طريق يحيى بن سليم كلاهما عن هشام بن عروة. قاله الحافظ في الفتح ج ١ ص ٤٨٨، و، كذا زادها أبو حمزة السُكَّريّ عن هشام، فقد رواه ابن حبان من طريقه في صحيحه ج ٢ ص ٣٢٠، وفيه "فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة".
والحاصل أن ذكر الأمر بالوضوء في حديث فاطمة من طريق هشام ثابت عن حماد بن زيد عند المصنف، وأشار إليه مسلم، وأبي معاوية عند البخاري، والترمذي، وحماد بن سلمة عند الدارمي، يحيى بن سليم عند السرّاج، وأبي حمزة عند ابن حبان. فتفطن. والله أعلم.
ثم ذكر المصنف بعض ما أشار إليه بقوله: وقد روى غير واحد عن هشام الخ فذكر ممن خالفهم حماد، وانفرد بتلك الزيادة على زعمه مالكًا، وخالد بن الحارث، فالأول ذكره بقوله:
٢١٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".
стр. 2154
وإسناد هذا الحديث هو الإسناد السابق، غير قتيبة وقد تقدم في ١/ ١، ومالك تقدم في ٧/ ٧، وكذلك المتن هو السابق، وأتى به المصنف لبيان أن مالكا ما ذكر "وتوضئي" في روايته عن هشام.
وأما طريق خالد فذكرها بقوله:
٢١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ، أَفَأَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "لَا إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ". قَالَ خَالِدٌ: فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ: "وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (أبو الأشعث) أحمد بن المقدام بن سليمان بن الأشعث بن أسلم العجلي البصري. روى عن بشر بن المفضل، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، ومعتمر بن سليمان، وطائفة. وعنه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبغوي، وابن صاعد، والمحاملي، والباغندي، وأبو عروبة، والحسين بن يحيى بن عياش القطان خاتمة أصحابه.
стр. 2155
قال أبو حاتم: صالح الحديث محله الصدق، وقال صالح جزرة: ثقة، وقال ابن خزيمة: كان كيسا صاحب حديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو داود: وكان يُعَلِّم المُجَّان المُجُون، فأنا لا أحدث عنه، قال ابن عدي: وهذ لا يؤثر فيه؛ لأنه من أهل الصدق، وكان أبو عروبة يفتخر بلقيه ويثني عليه. ووثقه مسلمة بن قاسم، وابن عبد البر، وآخرون، وذكره ابن حبان في الثقات. قال السراج عنه: ولدت قبل موت أبي جعفر بسنتين، ومات في صفر سنة -٢٥٣ - ، قال الحافظ: وكانت وفاة أبو جعفر سنة -١٥٨ - فيكون عمر أبي الأشعث بضعًا وتسعين. اهـ "تت" ج ١ ص ٨١ - ٨٢.
قال الجامع عفا الله عنه: وقصة تعليمه المُجَّان المُجُون هو ما ذكره الذهبي في الميزان، ج ١ ص ١٥٨: قال كان بالبصرة مُجَّان يلقون صُرّة الدراهم ويرقبونها، فإذا جاء من لحظها فرفعها، صاحوا به، وخجّلوه، فعلمهم أبو الأشعث أن يتخذوا سورة فيها زجاج، فإذا أخذوا صورة الدراهم فصاح صاحبها وضعوا بدلها في الحال صرة الزجاج اهـ. والمُجَّان بضم الميم وتشديد الجيم جمع ماجن كعُذَّال جمع عاذل وهو من لا يبالي قولا أو فعلا.
وأما باقي السند فهم السابقون في الماضي غير خالد، فهو:
خالد بن الحارث بن عُبَيد بن سُلَيم الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت من الثامنة مات ١٨٦ - وقد تقدم في ٥٣/ ٦٧.
والحديث مضى مشروحًا غير مرة.
وقوله: (فيما قرأت عليه)، جارو ومجرور خبر مقدم، وقوله (ليست بالحيضة) الخ مبتدأ مؤخر محكي لقصد لفظه، أي قال خالد بن الحارث: كان في جملة ما قرأته على هشام هذه الجمل، وهي "وليست
стр. 2156
بالحيضة "الخ. والظاهر من هذه العبارة أن خالدا أخذ هذا الحديث عن هشام مرتين: مرة سماعا، وهو إلى قوله: "لا، إنما ذلك عرق"، ومرة قرأةً، وفيه قوله "وليست بالحيضة الخ". والله أعلم.
وقوله: "وليست بالحيضة"، أي ليست الحالة هذه بحالة الحيضة، فذكره في قوله: "إنما هو عرق"، باعتبار أنه دم، أي هذا الدم المستمر دم عرق، وأنثه في قوله: "ليست" باعتبار أنه حالة. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف. أخرجه هنا ١٣٨/ ٢٢٠، وفي الكبرى ١٢٩/ ٢٢٤ عن طريق خالد، وكذلك طريق مالك أخرجها هنا ١٣٨/ ٢١٧، وفي الكبرى ١٢٩/ ٢٢٣.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم، أما طريق خالد فهي من أفراده كما أشار إليه الحافظ المزي في التحفة ج ١٢ ص ١٤٤، وأما طريق مالك فأخرجها (خ) في الطهارة عن عبد الله ابن يوسف، و (د) فيه عن القعنبي كلاهما عن مالك، عن هشام به.
وقد أخرج الحديث من طريق هشام مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والدارمي وابن حبان، وابن سعد. انظر تحقيق أحمد شاكر للترمذي ج ١ ص ٢١٨ - ٢١٩.
وقد تقدمت بنية المسائل في الأحاديث السابقة فلا تنس. والله تعالى أعلم.
стр. 2157
١٣٩ - بَابُ النَّهْي عَنِ اغْتِساَلِ الجُنُبِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن اغتسال الجنب في الماء الذي لا يجري.
والجنب بضمتين: مشتق من الجنابة يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمثنى، والجمع، وربما يطابق.
قال ابن منظور ﵀: والجنابة: المنيّ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وقد أجنب الرجل، وجَنُبَ أيضا بالضم، وجنب -أي بالكسر- وتجنّب. قال ابن برّي في أماليه على قوله: جنُب بالضم: المعروف عند أهل اللغة أجنب، وجنب بكسر النون، وأجنب أكثر من جَنبَ، وقال الأزهري: إنما قيل له: جُنُب لأنه نُهي أن يَقْرَب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، فتجنبها، وأجنب عنها، أي تنحّى عنها وقيل: لمجانبته الناس ما لم يغتسل.
والرجل جُنُب من الجنابة، وكذلك الاثنان والجميع، والمؤنث، كما يقال: رجل رضًا، وقوم رضًا، وإنما هو على تأويل ذوي جنب، فالمصدر يقوم مقام ما أضيف إليه.
ومن العرب: من يثني، ويجمع، ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل وحكى الجوهري: أجنب وجَنُب بالضم، وقالوا: جُنُبَان، وأجْنَاب، وجنبون، وجُنُبات.
وفي الحديث "لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب" (١) قال ابن الأثير: الجنب الذي يجب عليه الغسل بالجماع، وخروج المني، وأجنب، يجنب، إجنابا، والاسم الجنابة، وهي في الأصل البعد، وأراد بالجنب في هذا
стр. 2158
الحديث: الذي يترك الاغتسال من الجنابة عادة، فيكون أكثر أوقاته جنبا، وهذا يدل على قلة دينه وخبث باطنه، وقيل أراد بالملائكة ها هنا غير الحفظة، وقيل: أراد لا تحضره الملائكة بخير، قال: وقد جاء في بعض الروايات كذلك. اهـ لسان ببعض اختصار.
والدائم اسم فاعل من دام الشيء يدُوم دَوْما ودَوَاما وديمومة: ثبت، وسكن، فهو بمعنى الساكن، كما في المصباح. وفي اللسان: قال أبو بكر: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن دائم، وللمتحرك دائم.
قال الجامع عفا الله عنه: المراد به هنا الساكن، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٤٦/ ٥٧، فارجع إليه.
٢٢٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سليمان بن داود) بن حماد المَهْري أبو الربيع المصري ابن أخي رشدين بن سعد، ثقة من الحادية عشرة تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٢ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصري قاضيها ثقة -١٠ - تقدم في ٩/ ٩.
стр. 2159
٣ - (ابن وهب) عبد الله، المصري ثقة حافظ عابد -٩ - تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري أبو أيوب المصري ثقة فقيه من -٧ - تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٥ - (بكير) بن عبد الله بن الأشج المدني، ثم المصري ثقة -٥ - تقدم في ١٣٤/ ٢١١.
٦ - (أبو السائب) الأنصاري المدني مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة. روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة. وعنه العلاء بن عبد الرحمن، وصيفي مولى أفلح، وأسماء بن عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل، وقد روى عن سعد بن أبي وقاص أيضا، ووقع في نوادر الأصول في الأصل الثامن والستين أنه جهني، وأن اسمه عبد الله بن السائب، أخرج له البخاري في جزء القراءة، والباقون. اهـ "تت" ج ١٢ ص ١٠٤.
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات، مصريون، إلا أبا هريرة، وأبا السائب فمدنيان، وفيه قوله: "واللفظ له"، بمعنى أن هذا اللفظ للحارث، وأما سليمان فروايته بغير هذا اللفظ، وهذه قاعدة اصطلح عليها المحدثون أنهم إذا رووا حديثا عن شيخين فأكثر، واتحد معنى الروايات دون اللفظ، يبينون كون اللفظ لأحدهما، أو لأحدهم، وقد تقدم هذا مفصلا غير مرة، فلا تغفل، وكذلك قوله: وأنا أسمع تقدم البحث عنه مرارًا فلا نطيل الكتاب بإعادته. والله تعالى أعلم.
стр. 2160
شرح الحديث
(عن بكير) بن عبد الله بن الأشج المصري (أن أبا السائب) لا يعرف اسمه، وقيل: عبد الله بن السائب (أخبره) أي بكيرًا (أنه سمع أبا هريرة) الدوسي ﵁ (يقول) جملة حالية من المفعول به (قال رسول الله ﷺ : لا) ناهية (يغتسل) فعل مضارع مجزوم بلا، (أحدكم) أيتها الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وإنما أتى بخطاب المذكر تغليبًا (في الماء الدائم) أي الساكن، من دام الشيء يَدُوم من باب قال: ويَدَام من باب خاف، قال الشاعر (من الرجز):
يَا مَيَّ لا غَرْوَ وَلا مَلامَا … في الحُبِّ إنَّ الحُبَّ لَنْ يَدَامَا
وأصله من الاستدارة، وذلك أن الماء إذا كان بمكان فإنه يكون مستديرا في الشكل، ويقال: الدائم الثابت الواقف الذي لا يجري. وقد تقدم تمام البحث فيه ٤٦/ ٥٧، فارجع إليه تزدد علمًا.
(وهو جنب) جملة حالية، وتقدم البحث عن الجنب في أول الباب. زاد عند مسلم: فقال: "كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا" والمعنى أن الجنب يغترف من الماء الدائم ولا يجوز له أن ينغمس فيه.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا في هذا الباب -١٣٩/ ٢٢٠ - وفي كتاب الغسل، والتيمم ١/ ٣٩٦ بهذا السند إلا أنه أسقط هناك بكيرًا. وليس هذا الحديث في الكبرى.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن هارون ابن سعيد الأيلي، وأبي الطاهر بن السرح، وأحمد بن عيسى، كلهم
стр. 2161
عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث بسند المصنف، وأخرجه (ق) فيه عن أحمد بن عيسى، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث النهي عن اغتسال الجنب في الماء الذي لا يجري، وهل هذا النهي للتنزيه، أم للتحريم؟ الظاهر أنه للتحريم لأنه لا صارف للنهي عنه. وأنه إذا كان جاريا فلا نهي، وإن كان الأولى تركه، وأن سبيل من أراد الاغتسال منه يغترف منه اغترافا. وتقدم البحث عن أحكام هذا الحديث مستوفى في ٤٦/ ٥٧ فارجع إليه تزدد علمًا. ويأتي بعضه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2162
١٤٠ - بَابُ النَّهْي عَنِ البَوْلِ فِي الماَءِ الرَّاكِدِ وَالاغْتِساَلِ مِنْهُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن البول في الماء الراكد، والاغتسال منه.
والراكد: اسم فاعل من ركَدَ المَاءُ رُكُودًا من باب قَعَدَ: سَكَنَ، وأركدته: أسكنته.
وفي اللسان: قال أبو عبيد: الراكد: هو الدائم الساكن الذي لا يجري، يقال: ركَدَ الماءُ رُكُودًا إذا سكن، ورَكَدت الريحُ: إذا سكنت، فهي راكدة، وركد الميزان: إذا استوى، وركد العصير من العنب: سكن غليانه، وكل ما ثبت في شيء فقد ركد، والرواكد الأثافي، مشتق من ذلك لثباتها، ورَكَدت البَكْرَةُ، ثبتت ودارت، وهو ضدّ. اهـ لسان باختصار.
وقوله: منه: هكذا في الحديث الآتي بـ"من"، وعند البخاري بـ "في"، وسنحقق الفرق بين العبارتين عند شرح الحديث إن شاء الله تعالى.
٢٢١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ".
стр. 2163
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ) أبو يحيى المكي ثقة من العاشرة تقدم في ١١/ ١١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمَّد الهلالي الكوفي، ثم المكي ثقة حجة -٨ - تقدم في ١/ ١.
٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن المدني ثقة -٥ - تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (موسى بن أبي عثمان) التُّبَّان المدني، وقيل الكوفي، مولى
المغيرة. روى عن أبيه، وأبي يحيى المكي، والأعرج، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وأم ظبيان. وعنه أبو الزناد، ومالك بن مغول، وشعبة، والثوري. قال سفيان: كان مؤدبًا، ونعم الشيخ كان، وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ: فرق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التبان، روى عن أبيه. وعنه أبو الزناد، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي، روى عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، وعن النخعي، وسعيد، وعنه شعبة، والثوري وغيرهما, ولم يذكر في التبان شيئًا، وقال في الآخر عن أبيه: شيخ. اهـ "تت" ج ١٠ ص ٣٦٠.
٥ - (أبو عثمان) التبان بمثناة مضمومة ثم موحدة ثقيلة -مولى المغيرة ابن شعبة- اسمه سعيد، وقيل: عمران. روى عن أبي هريرة. وعنه ابنه موسى، ومنصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم. روى له البخاري تعليقًا، والنسائي حديثه عن أبي هريرة "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم"، كلا الحديثين من رواية ابنه موسى عنه.
стр. 2164
وروى البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي من رواية شعبة عن منصور، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة حديث: "لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي". قال الترمذي: حسن، وأبو عثمان لا يعرف اسمه، ويقال: هو والد موسى بن أبي عثمان، وأبو عثمان التُّبَّان، ذكره ابن حبان في الثقات. علق له البخاري، وأخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. اهـ " تت" ج ١٢، ص ١٦٣ - ١٦٤.
٦ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات مدنيون إلا شيخه، وسفيان فمكيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في دهره، ﵁.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: لا يبولن) "لا" ناهية، والفعل المؤكد بالنون الثقيلة مجزوم المحل، لكونه مبنيا معها على الفتح (أحدكم) تقدم أنه يشمل الذكور والإناث، وإنما وجه الخطاب إلى الذكور تغليبا (في الماء الراكد) أي الواقف، وتقدم معناه مستوفى في أول الباب، وتقدم للمصنف وكذا للشيخين بلفظ "الدائم" (ثم يغتسل منه) تقدم في ٤٦/ ٥٧. هذا الحديث عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ بلفظ "ثم يتوضأ منه"، ورواية "ثم يغتسل" هي رواية البخاري، وغيره، ثم المشهور رفع الفعل، فتكون الجملة خبرًا لمبتدإ محذوف، أي ثم هو يغتسل، والجملة بمنزلة تعليل الحكم، أي لا يبولن أحدكم في الماء الراكد؛ لأنه يغتسل منه بعدُ، و"ثم" للاستبعاد، فكأنه قال: كيف يبول فيه، وهو يحتاج إليه للاغتسال منه. وجَوَّز ابن
стр. 2165
مالك الجزم عطفًا على محل "يبولن" والنصب على إعطاء "ثم" حكم الواو، وتعقب القرطبي هذين الوجهين، وتمام البحث على هذا قد تقدم في شرح ٤٦/ ٥٧. فارجع إليه تزدد علمًا.
وقوله: (منه) أي من الماء الراكد، وهكذا في رواية الشيخين ووقع في رواية للبخاري بلفظ "فيه", قال العلامة ابن دقيق العيد: وكل من اللفظين يفيد حكما بالنص وحكمًا بالاستنباط، ووجهه كما قال الحافظ أن لفظ "في" تدل على منع الانغماس بالنص، وعلى منع التناول، بالاستنباط، ولفظ "من" بعكس ذلك. وتقدم البحث في هذا في الموضع المذكور. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه من الكتاب: أخرجه المصنف في هذا الموضع وفي الكبرى ١٣٠/ ٢٢٥ وفي كتاب الغسل ١/ ٣٩٩ بهذا السند وفي الكبرى-١٣٠/ ٢٢٥ - وهو من أفراده لم يخرجه من أصحاب الأصول أحد غيره.
وبقية المسائل تقدمت مستوفاة في ٤٦/ ٥٧ فارجع إليه تزدد علمًا.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2166
١٤١ - بَابُ ذِكْرِ الاغْتِساَلِ أوَّلَ اللَّيْلِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الاغتسال في أول الليل مبادرة إلى الطهارة.
٢٢٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ اللَّيْلِ كَانَ يَغْتَسِلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ آخِرَهُ.
قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن هشام) بن يزيد الجزري أبو أمية الحراني. روى عن جده لأمه عَتَّاب بن بشير، ومحمد بن سلمة الحَرَّاني، وسليمان بن أبي كريمة، وعبد الملك الماجشون، وابن عيينة، وأبي بكر بن عياش، ومخلد ابن يزيد، وغيرهم. وعنه النسائي، ومحمد بن عوف الطائي، وبَقيّ بن مَخْلَد، وأحمد بن علي الأبَّار, وزكرياء السجزي، ومحمد بن محمَّد ابن سليمان الباغندي، والحسين بن إسحاق التستري، وأبو عروبة
الحراني، وآخرون. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات،
стр. 2167
وقال: مات بسواد الكوفة، وهو ذاهب إلى الحج، سنة -٢٤٥ - وهو من أفراد النسائي. اهـ "تت"ج ٨ ص ١١٣.
٢ - (مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء وفتح اللام- ابن يزيد القرشي الحراني أبو يحيى، ويقال أبو خداش، ويقال: أبو الحسين، ويقال: أبو خالد. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وحَريز بن عثمان، والأوزاعي، وابن جريج، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، وسعيد بن عبد العزيز، وحنظلة بن أبي سفيان، وغيرهم. روى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو جعفر النفيلي، وابنا أبي
شيبة، وعبد الحميد بن محمَّد بن المستام، وأبو أمية عمرو بن هشام، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: لا بأس به، وكان يهم، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو داود ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أحمد بن علي الأبار: سألت علي بن ميمون عنه؟ فقال: كان شيخًا قرشيًا، نعم الشيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الساجي: كان يهم، وقدم أحمد مسكين بن كثير عليه، فمن أوهامه حديثُهُ عن الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس، عن أبي هريرة رفعه: "قال: يكفر كل لحاء (١) ركعتان". قال أبو داود: مخلد شيخ، إنما رواه الناس مرسلا، وقال ابن سعد: حدثنا عباد بن عمرو: حدثنا مخلد بن يزيد وكان فاضلًا خيرًا كبير السن. قال أبو جعفر النفيلي: مات سنة -١٩٣ - . أخرج له الجماعة، إلا الترمذي. اهـ "تت" ج ١٠ ص ٧٧ - ٧٨.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (أبو العلاء) بُرْد بن سنَان، الشامي الدمشقي مولى قريش، سكن
стр. 2168
البصرة. روى عن واثلة، وإسحاق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وبُدَيل ابن ميسرة العقيلي، وبكير بن فيروز، وعُبَادة بن نُسَي، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ومكحول الشامي، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. وعنه ابن علية، والسفيانان، والحمادان، وحفص بن غياث، والأوزاعي، وسعيد بن أبي عروبة، وابنه العلاء بن برد، ومعتمر بن سليمان، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وغيرهم. وذكر صاحب (١) الكمال أن كهمس بن الحسن روى عنه، والصواب كهمس بن المنهال، ذكره النسائي في الطبقة السادسة من أصحاب نافع، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال دُحَيم، والنسائي، وابن خراش: ثقة، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بحديثه بأس، وكان شاميًا. وقال ابن الجنيد عنه: نحو ذلك، وقال أيضا: هرب من الشام من أجل قتل الوليد بن يزيد، فلأجل ذلك سمع منه أهل البصرة، وقال يزيد بن زريع: ما رأيت شاميًا أوثق من برد. وقال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم أي أصحاب مكحول أعلى؟ فقال وذكر جماعة. ثم قال: ولكن زيد بن واقد وبرد ابن سنان من كبارهم، وقال النسائي مرة: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أيضا: كان صدوقًا في الحديث، وقال أبو حاتم كان صدوقًا قدريًا، وقال الدارمي عن علي بن المديني: برد بن سنان ضعيف. وقال عمرو بن علي، وخليفة: مات سنة ١٣٥ أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والأربعة. اهـ "تت " ج ١ ص ٤٢٨ - ٤٢٩.
٥ - (عبادة بن نُسَيّ) بضم العين وتخفيف الباء آخره تاء تأنيث،
стр. 2169
ونُسي: بضم النون وفتح السين المهملة الخفيفة- الكندي أبو عمرو الشامى الأردني قاضي طبرية. روى عن أوس بن أوس الثقفي، وشداد ابن أوس، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعبد الرحمن بن غُنْم، وخباب بن الأرت، والأسود بن ثعلبة، وأبيّ بن عمارة، وله صحبة، وجنادة بن أبي أمية، وكعب بن عجرة، وغيرهم. وعنه برد بن سنان، والمغيرة بن زياد الموصلي، وعبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم، وأيوب بن قَطن، وحاتم بن نصر، والحسن بن ذكوان، وعتبة بن حميد، وغيرهم.
قال ابن سعد في تابعي أهل الشام: كان ثقة، وقال أحمد، وابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة، وقال أحمد في رواية: ليس به بأس، وقال البخاري: عبادة بن نسي الكندي: سيدهم، وقال أبو داود:
سألت ابن معين عنه؟ فقال: لا يسئل عنه من النسك (١). وقال أبو حاتم، وابن خراش: لا بأس به، وقال مغيرة بن زياد: قال مسلمة بن عبد الملك: إن في كندة لثلاثة نفر، إن الله ينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: عبادة بن نسي، ورجاء بن حيوة، وعدي بن عدي، وقال عمرو بن
علي، وغير واحد: مات سنة -١١٨ - ، وقال ابن حبان في الثقات: مات وهو شاب، وقال ابن صفوان: وثقه ابن نمير. أخرج له الأربعة. اهـ "تت" ج ٥ ص ١١٣ - ١١٤.
٦ - (غضيف بن الحارث) ويقال: غطيف بن الحارث بن زنيم السكوني الكندي، ويقال: الثمالي أبو أسماء الحمصي، مختلف في صحبته. روى عن بلال المؤذن، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة ابن الجراح، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأبي حميصة المزني، وعطية بن بشر، وعائشة. وروى عنه ابنه عياض بن غضيف، ومكحول، وعبادة بن نسي، وسليم بن عامر، وشرحبيل بن مسلم، وأزهر بن سعد الحرازي،
стр. 2170
وحبيب بن عبيد الرحبي، وعبد الله بن أبي قيس، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: قال أبي، وأبو زرعة: غضيف بن الحارث له صحبة، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام: غضيف ابن الحارث الكندي كان ثقة، وقال العجلي: غضيف بن الحارث شامي تابعي ثقة، وقال الدارقطني: ثقة من أهل الشام، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في حرف العين: عياض بن غضيف وهو الذي يقول فيه سليم بن عامر: غضيف بن الحارث لم يضبط اسمه، ووقع في رواية النسائي من طريق الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غطيف عن أبي عبيدة بن الجراح، وقال مكحول: عن غطيف بن الحارث: مررت بعمر بن الخطاب، فقال: نعم الفتى غضيف بن الحارث، قال الهيثم ابن عدي، وخليفة بن خياط: مات في زمن مروان بن الحكم، وقال غيرهما: بقي إلى زمن عبد الملك بن مروان، وهو الصحيح.
وقال الحافظ ﵀: الذي روى عنه ابنه عياض غير صاحب الترجمة كما سأبينه؛ لأن البخاري قال في تاريخه الأوسط: حدثنا عبد الله -يعني ابن صالح- حدثنا معاوية، عن أزهر بن سعيد، قال: سأل عبد الملك بن مروان غضيف بن الحارث الثمالي، وهو أبو أسماء السكوني الشامي أدرك النبي ﷺ ، وقال الثوري في حديث غضيف بن الحارث: وهو وهم، وقال في التاريخ الكبير: قال معن -هو ابن عيسى عن معاوية -يعني ابن صالح- عن يونس بن سيف، عن غضيف بن الحارث، أو الحارث بن غضيف السكوني، قال: مهما نسيتُ من الأشياء، فإني لم أنس أني رأيت رسول الله ﷺ واضعا يده اليُمنى على اليسرى في الصلاة.
وقال ابن حبان في الصحابة: غضيف بن الحارث الثمالي أبو أسماء
стр. 2171
السكوني من أهل اليمن "رأى النبي ﷺ واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة" سكن الشام، وحديثه عند أهلها. مات في زمن مروان بن الحكم في فتنته، ومن قال: إنه الحارث بن غضيف فقد وهم، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: غضيف بن الحارث له صحبة نزل الشام، وهو بالضاد، فأما غطيف الكندي: فهو بالطاء تحتها نقطة (١) فهو غير هذا، يروي عنه ابنه عياض بن غطيف، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا شرب الرجل الخمر فاجلدوه" … الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: غطيف بن الحارث له صحبة تفرد عنه ابنه عياض، وممن فرق بينهما أيضا أبو القاسم عبد الصمد القاضي في تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص، وأبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير وغيرهما. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. اهـ
"تت"ج ٨ ص ٢٤٨ - ٢٥٠.
٧ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين حرانيين، وهما شيخه، وشيخ شيخه، وكوفي، وهو سفيان، وشاميين، وهم الباقون إلا عائشة فمدنية، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، برد، وعبادة، وغضيف، وفيه رواية صحابي عن صحابية إن ثبتت صحبة غضيف، وفيه عائشة من المكثرين السبعة ﵂.
شرح الحديث
(عن غضيف بن الحارث) أبي أسماء السكوني الحمصي (أنه سأل عائشة) أم المؤمنين ﵂ أيّ الليل) برفع "أيّ" على أنها
стр. 2172
استفهامية مبتدأ، وإنما أضيفت إلى مفرد مُعَرَّف لقصد أجزائه، كما في قول الشاعر (من الطويل):
ألا تَسْألونَ النَّاسَ أيِّي وَأيُّكُمْ … غَدَاةَ التَقَيْنَا كَانَ خَيْرًا وَأكْرَمَا
قال ابن مالك ﵀:
وَلا تُضفْ لمُفْرَد مُعَرَّفِ … أيًا فَإنْ كَرَّرْتَهَا فَأضفِ
أوْ تَنْوِ اَلأجْزَا وَاخْصُصْنَ بالمَعْرفَهْ … مَوْصُولةً أيًا وَبالعَكْس الصِّفَهْ
وتقدير الكلام هنا: أي أجزاء الليل، والخبر جملة قوله (كان يغتسل رسول الله ﷺ ) أي فيه، والعاملان تنازعا في "رسول الله"، قال ابن مالك:
إنْ عَامِلانِ اقْتَضَيَا فِي اسْم عَمَلْ … قَبْلُ فَللوَاحد منْهُمَا العَمَلْ
وَالثَّان أوْلَى عنْدَ أهْل البَصْرَهْ … وَاختَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أسْرَهْ
ويحتمل كون "كان" زائدة، كما قال ابن مالك:
وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِي حَشوٍ كَمَا … كَانَ أصَحَّ علْمَ مَنْ تَقَدَّمَا
وقال الشنقيطي ﵀ في شرحه: إنه على التقديم والتأخير، أي كان رسول الله ﷺ يغتسل فيه.
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة لدعوى التقديم والتأخير، فقد عرفت أن الكلام مستقيم بدونه. فتنبه. والله أعلم.
والرابط على كل حال مقدر، أي فيه، كما مر آنفا، ويحتمل كون "أي" استفهامية منصوبة على الظرفية متعلقة بما بعدها لإضافتها إلى الليل. وعند أبي داود: قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟ (قالت) عائشة (ربما اغتسل أول الليل) منصوب على الظرفية متعلق بما قبله، وعند أبي داود "في أول الليل" (وربما اغتسل آخره) فيه دليل على أن غسل الجنابة ليس
стр. 2173
واجبًا على الفور، بل يجوز تأخيره، وإن كان الأولى المبادرة إليه طلبا لدوام الطهارة، قال غضيف (قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر) أي في أمر الشريعة، أو أمر الجنابة (سعة) أي سهولة ويسرا، والسعة بفتح المهملتين، ويجوز كسر السين، قال في المصباح: وسع الإناء المتاع، يسعه، سَعة، بفتح السين، وقرأ به السبعة في قوله "ولم يؤت سعة من المال"، وكسرها لغة وقرأ بها بعض التابعين. اهـ والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٤١/ ٢٢٢ وفي الكبرى ١٣١/ ٢٢٧ عن عمرو بن هشام، عن مخلد، عن سفيان، عن أبي العلاء، عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث، عنها. وأخرجه أيضا في الباب التالي ١٤٢/ ٢٢٣، عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن أبي العلاء، عن عبادة.
المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن مسدد، عن معتمر، وعن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن علية، كلاهما عن أبي العلاء برد بن سنان عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث، قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أولى الليل، وربما اغتسل في آخره، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يوتر أول الليل، أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم
стр. 2174
يخافت به؟ قالت: ربما جهر به وربما خَفَتَ، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة".
وأخرجه (ق) في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية ببعضه: "أكان يجهر بالقرآن أو يخافت"؟.
وأخرجه الحاكم، والبيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث ما كان عليه السلف من تتبع أفعال النبي ﷺ وأقواله، وأحواله، للاقتداء بها، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم دائمًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وكون الاغتسال من الجنابة على التراخي، رفعا للحرج كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذه نعمة عظمى ينبغي أن تقابل بالشكر كما فعل غضيف ﵀، حيث قال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أي حيث أباح لنا الأمرين، وبَيَّنَ ذلك لنا نبيه ﷺ بفعله.
وقال السندي بعد ذكر نحو ما قلناه: ما نصه: لكن قد يقال: لا دلالة في الحديث على جواز التأخير الذي فيه سعة لجواز أنه كان يغتسل أول الليل إذا كانت الجنابة أول الليل، ويغتسل آخره إذا كانت الجنابة آخره، إلا أن يقال: يفهم التأخير بقرينة السؤال، وبقرينة تقرير عائشة السائل على قوله: الحمد لله الخ. فليتأمل. اهـ
قال الجامع عفا الله عنه: أول كلامه في غاية البعد من سياق الكلام، بل ما أجاب به أخيرًا هو الصواب الذي يفهم من السؤال والجواب، فدلالة الحديث على التأخير واضحة، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2175
١٤٢ - الاغْتِسالُ أوَّلَ اللَّيل وَآخرَهُ
هكذا النسخ، ولو قال: الاغتسال آخر الليل لكان أولى لأن الاغتسال أول الليل تقدم في الترجمة السابقة، وفي النسخة الهندية ما يشير إلى أن هذه الترجمة توجد في بعض النسخ، دون بعض.
٢٢٣ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ بُرْدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَسَأَلْتُهَا، فَقُلْتُ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ؟ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ مِنْ آخِرِهِ.
قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً.
رجال الإسناد: ستة
كلهم تقدموا في السند السابق، إلا يحيى بن حبيب، فتقدم في ٦٠/ ٧٥. وحماد بن زيد، فتقدم في ٣/ ٣.