← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

السكوني من أهل اليمن "رأى النبي ﷺ واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة" سكن الشام، وحديثه عند أهلها. مات في زمن مروان بن الحكم في فتنته، ومن قال: إنه الحارث بن غضيف فقد وهم، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: غضيف بن الحارث له صحبة نزل الشام، وهو بالضاد، فأما غطيف الكندي: فهو بالطاء تحتها نقطة (١) فهو غير هذا، يروي عنه ابنه عياض بن غطيف، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا شرب الرجل الخمر فاجلدوه" … الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: غطيف بن الحارث له صحبة تفرد عنه ابنه عياض، وممن فرق بينهما أيضا أبو القاسم عبد الصمد القاضي في تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص، وأبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير وغيرهما. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. اهـ "تت"ج ٨ ص ٢٤٨ - ٢٥٠. ٧ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين حرانيين، وهما شيخه، وشيخ شيخه، وكوفي، وهو سفيان، وشاميين، وهم الباقون إلا عائشة فمدنية، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، برد، وعبادة، وغضيف، وفيه رواية صحابي عن صحابية إن ثبتت صحبة غضيف، وفيه عائشة من المكثرين السبعة ﵂. شرح الحديث (عن غضيف بن الحارث) أبي أسماء السكوني الحمصي (أنه سأل عائشة) أم المؤمنين ﵂ أيّ الليل) برفع "أيّ" على أنها

стр. 2172

استفهامية مبتدأ، وإنما أضيفت إلى مفرد مُعَرَّف لقصد أجزائه، كما في قول الشاعر (من الطويل): ألا تَسْألونَ النَّاسَ أيِّي وَأيُّكُمْ … غَدَاةَ التَقَيْنَا كَانَ خَيْرًا وَأكْرَمَا قال ابن مالك ﵀: وَلا تُضفْ لمُفْرَد مُعَرَّفِ … أيًا فَإنْ كَرَّرْتَهَا فَأضفِ أوْ تَنْوِ اَلأجْزَا وَاخْصُصْنَ بالمَعْرفَهْ … مَوْصُولةً أيًا وَبالعَكْس الصِّفَهْ وتقدير الكلام هنا: أي أجزاء الليل، والخبر جملة قوله (كان يغتسل رسول الله ﷺ ) أي فيه، والعاملان تنازعا في "رسول الله"، قال ابن مالك: إنْ عَامِلانِ اقْتَضَيَا فِي اسْم عَمَلْ … قَبْلُ فَللوَاحد منْهُمَا العَمَلْ وَالثَّان أوْلَى عنْدَ أهْل البَصْرَهْ … وَاختَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أسْرَهْ ويحتمل كون "كان" زائدة، كما قال ابن مالك: وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِي حَشوٍ كَمَا … كَانَ أصَحَّ علْمَ مَنْ تَقَدَّمَا وقال الشنقيطي ﵀ في شرحه: إنه على التقديم والتأخير، أي كان رسول الله ﷺ يغتسل فيه. قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة لدعوى التقديم والتأخير، فقد عرفت أن الكلام مستقيم بدونه. فتنبه. والله أعلم. والرابط على كل حال مقدر، أي فيه، كما مر آنفا، ويحتمل كون "أي" استفهامية منصوبة على الظرفية متعلقة بما بعدها لإضافتها إلى الليل. وعند أبي داود: قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟ (قالت) عائشة (ربما اغتسل أول الليل) منصوب على الظرفية متعلق بما قبله، وعند أبي داود "في أول الليل" (وربما اغتسل آخره) فيه دليل على أن غسل الجنابة ليس

стр. 2173

واجبًا على الفور، بل يجوز تأخيره، وإن كان الأولى المبادرة إليه طلبا لدوام الطهارة، قال غضيف (قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر) أي في أمر الشريعة، أو أمر الجنابة (سعة) أي سهولة ويسرا، والسعة بفتح المهملتين، ويجوز كسر السين، قال في المصباح: وسع الإناء المتاع، يسعه، سَعة، بفتح السين، وقرأ به السبعة في قوله "ولم يؤت سعة من المال"، وكسرها لغة وقرأ بها بعض التابعين. اهـ والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٤١/ ٢٢٢ وفي الكبرى ١٣١/ ٢٢٧ عن عمرو بن هشام، عن مخلد، عن سفيان، عن أبي العلاء، عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث، عنها. وأخرجه أيضا في الباب التالي ١٤٢/ ٢٢٣، عن يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد بن زيد، عن أبي العلاء، عن عبادة. المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن مسدد، عن معتمر، وعن أحمد بن حنبل، عن إسماعيل بن علية، كلاهما عن أبي العلاء برد بن سنان عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث، قال: قلت لعائشة: أرأيت رسول الله ﷺ كان يغتسل من الجنابة في أول الليل أو في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أولى الليل، وربما اغتسل في آخره، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يوتر أول الليل، أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر في أول الليل، وربما أوتر في آخره، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم

стр. 2174

يخافت به؟ قالت: ربما جهر به وربما خَفَتَ، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة". وأخرجه (ق) في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية ببعضه: "أكان يجهر بالقرآن أو يخافت"؟. وأخرجه الحاكم، والبيهقي. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث ما كان عليه السلف من تتبع أفعال النبي ﷺ وأقواله، وأحواله، للاقتداء بها، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم دائمًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وكون الاغتسال من الجنابة على التراخي، رفعا للحرج كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وهذه نعمة عظمى ينبغي أن تقابل بالشكر كما فعل غضيف ﵀، حيث قال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أي حيث أباح لنا الأمرين، وبَيَّنَ ذلك لنا نبيه ﷺ بفعله. وقال السندي بعد ذكر نحو ما قلناه: ما نصه: لكن قد يقال: لا دلالة في الحديث على جواز التأخير الذي فيه سعة لجواز أنه كان يغتسل أول الليل إذا كانت الجنابة أول الليل، ويغتسل آخره إذا كانت الجنابة آخره، إلا أن يقال: يفهم التأخير بقرينة السؤال، وبقرينة تقرير عائشة السائل على قوله: الحمد لله الخ. فليتأمل. اهـ قال الجامع عفا الله عنه: أول كلامه في غاية البعد من سياق الكلام، بل ما أجاب به أخيرًا هو الصواب الذي يفهم من السؤال والجواب، فدلالة الحديث على التأخير واضحة، والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2175

١٤٢ - الاغْتِسالُ أوَّلَ اللَّيل وَآخرَهُ هكذا النسخ، ولو قال: الاغتسال آخر الليل لكان أولى لأن الاغتسال أول الليل تقدم في الترجمة السابقة، وفي النسخة الهندية ما يشير إلى أن هذه الترجمة توجد في بعض النسخ، دون بعض. ٢٢٣ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ بُرْدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَسَأَلْتُهَا، فَقُلْتُ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ؟ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ، رُبَّمَا اغْتَسَلَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ مِنْ آخِرِهِ. قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. رجال الإسناد: ستة كلهم تقدموا في السند السابق، إلا يحيى بن حبيب، فتقدم في ٦٠/ ٧٥. وحماد بن زيد، فتقدم في ٣/ ٣.

стр. 2176

ومن لطائفه أنه أعلى من السند السابن لأنه سداسي، وذاك سباعي. قوله: (من أول الليل) الخ: "من" بمعنى "في"، أي في أول الليل الخ، وقوله: (كلّ ذلك) قال السندي: مفعول لمقدر، أي يفعل كل ذلك، أو مبتدأ خبره مقدر، أي كل ذلك يفعله، وجملة ربما الخ، بيان له، ومعنى "كل ذلك"، أي كلا من الاغتسال أول الليل والاغتسال آخره. اهـ. وبنية الكلام على الحديث تقدم في الباب الماضي فارجع إليه تزدد علمًا. والله ولي التوفيق. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2177

١٤٣ - بَابُ ذكرِ الاسْتِتاَرِ عنْد الاغْتِساَلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الاستتار عند الاغتسال. والاستتار إن كان المغتسل وحده مستحب، وإن كان في الملأ فواجب، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. ٢٢٤ - أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ، قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ: "وَلِّنِي قَفَاكَ". فَأُوَلِّيهِ قَفَايَ، فَأَسْتُرُهُ بِهِ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (مجاهد بن موسى) الخوارزمي أبو علي نزيل بغداد ثقة -١٠ - تقدم في ٨٥/ ١٠٢. ٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان أبو سعيد البصري الإمام الثبت الحجة -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٣ - (يحيى بن الوليد) بن المُسَيَّر الطائي ثم السِّنبَسِي (١) أبو الزَّعْرَاء -بفتح الزاي المعجمة، وسكون العين المهملة- الكوفي، لا بأس

стр. 2178

به-٧ - . روى عن مُحلّ بن خليفة، وسعيد بن عَمْرو بن أشوع. وعنه ابن مهدي، وعصام بن عمرو، ويحيى بن المتوكل الباهلي، وزيد بن الحباب، وسويد بن عمرو الكلبي، وأبو عاصم. قال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. اهـ "تت" ج ١١ ص ٢٩٦. ٤ - (محل بن خليفة) مُحلّ -بصيغة اسم الفاعل المضعف- وخليفة -بفتح الخاء وكسر اللام الطائي الكوفي. روى عن جده عدي بن حاتم، وأبي السمح خادم رسول الله ﷺ ، وملحان بن زياد. وعنه سعد أبو مجاهد الطائي، وأبو الزعراء يحيى بن الوليد الطائي، وشعبة، والثوري. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. ووثقه ابن خزيمة، والدارقطني، وقال ابن عبد البر في التمهيد في الكلام على بول الصبي: إن مُحلّ بن خليفة ضعيف. ولم يُتَابَع ابنُ عبد البر على ذلك. اهـ "تت" ج ١٠ ص ٦٠. ٥ - (أبو السمح) بفتح فسكون مولى رسول الله ﷺ وخادمه، يقال اسمه إياد. روى عن النبي ﷺ . وعنه محل بن خليفة الطائي. قال أبوزرعة: لا أعرف اسمه، ولا أعرف له غير هذا الحديث -يعني: "كان إذا أراد أن يبول (١) قال: ولني ظهرك"، كذا قال، وقد روى له النسائي حديثا آخر في بول الغلام والجارية. قال الحافظ ﵀: هما حديث واحد قطَّعه النسائي، وروى أبو داود، وابن ماجه منه الجملة الأولى، وقد رواهما مجموعا ابن خزيمة في صحيحه، والبزار، وقال: لا نعلم حديث أبي السمح بغير هذا الحديث، ولا له إسناد إلا هذا. اهـ "تت" ج ١٢ ص ١٢٠.

стр. 2179

قال الجامع عفا الله عنه: قوله: روى له النسائي حديثا آخر في بول الغلام والجارية سيأتي في ١٩٠/ ٢٠٤ وقوله: روى أبو داود الجملة الأولى: الذي في أبي داود الجملتان معا، انظر شرح المنهل ج ٣ ص ٢٥١، وأما ابن ماجه ففرقهما، فروى الجملة الأولى فقط في ج ١ص ٢٠١، والجملة الثانية في ج ١ ص ١٧٥ بتحقيق محمَّد فؤاد، وقوله: وقد رواه مجموعًا ابن خزيمة الخ: الذي في صحيح ابن خزيمة الجملة الثانية فقط انظر صحيحه ج ١ص ١٤٣ بتحقيق الأعظمي، فليحرر. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته ثقات، وهم ما بين بغدادي، وهو شيخه، وبصري، وهو عبد الرحمن، وكوفيين، وهما يحيى، ومُحلّ، ومدني، وهو الصحابي، وفيه أن هذا الصحابي لا يعرف اسمه، وليس له غير هذا الحديث، وحديث بول الغلام، وقيل: اسمه إياد، كما مَرَّ آنفًا، وفيه قوله: حدثني بالإفراد في ثلاثة مواضع، وأخبرنا، وحدثنا بالجمع في موضع، وبيانه أن أخبرنا بالجمع لمن سمع قراءة القارئ، على الشيخ، وحدثنا لمن سمع من لفظ الشيخ مع غيره، وحدثني لمن سمع تحديث الشيخ وحده، وهذا أمر مستحسن عند المحدثين وليس بواجب، كما قال في الألفية السيوطية: واسْتَحْسَنُوا لمُفْرَد حَدَّثَني … وَقَارىء بنَفْسه أخْبَرَني وَإنْ يُحَدِّث جُمْلَةً حَدَّثَنَا … وَإنْ سَمعْتَ قَارئًا أخْبَرَنَا شرح الحديث (قال) أبو السمح ﵁ (كنت أخدم رسول الله ﷺ ) أي أقوم بحاجته يقال: خَدَمه يَخْدُمُه -من بابي نصر وضرب- خدْمَةً: قام بحاجته، فهو، وهي خادم، جمعه خَدَم -بفتحتين- وخُدَّام، وهي

стр. 2180

خادمة (١). قاله في المعجم الوسيط. وفيه استحباب خدمة الصالحين (فكان) ﷺ (إذا أراد أن يغتسل) قال في المنهل: ظاهره أن ذلك كان يتكرر منه (قال: ولني) فعل أمر من ولَّى مضعفًا: إذا انصرف عنه وأعرض، قال في اللسان: والتولي يكون بمعنى الإعراض، وبمعنى الاتباع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] أي إن تعرضوا عن الإسلام، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ﴾ [المائدة: ٥١]، معناه: من يتبعهم وينصرهم. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: والمناسب هنا: الإعراض. فالمعنى: انصرف عني بوجهك، واجعل قفاك إلى جهتي (قفاك) مفعول ثان لوَلّ؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين، قال الله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [آل عمران: ١١١]، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، والمفعول الأول هو الياء. والقفا مقصورًا: مؤخر العنق، ويذكر، ويؤنث، وجمعه على التذكير أقْفيَة، وعلى التأنيث أقْفَاء، مثل أرجاء، قاله ابن السَّراَّج، وقد يجمع على قُفِيٍّ -بضم القاف وكسر الفاء- والأصل مثل فلوس، وعن الأصمعي أنه سمع ثلاث أقف، وقال الزجاج: التذكير أغلب، وقال ابن السكيت: القفا مذكر، وقد يؤنث، وألفه واو، ولهذا يُثنى قفوين. قاله في المصباح. والمراد بالقفا هنا جهة الظهر (فأوليه قفاى) أي أجعل ظهري إلى جهته امتثالا لأمره (فأستره به) أي أحجبه ﷺ عن أعين الناس بقفاي. وظاهر هذه الرواية أن الستر كان بالقفا، وعند ابن ماجه، والدارقطني: "فأوليه قفاي، وأنشر الثوب فأستره به"، فيحتمل أن يكون في رواية المصنف اختصار، أي أستره بقفاي مع الثوب، ويحتمل

стр. 2181

أن يكون الستر وقع بالثوب في وقت، وبالقفا في وقت آخر. وفيه دلالة على مشروعية التستر عند الغسل. وستأتي أقوال العلماء فيه في المسائل إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي السمح ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف بهذا المتن والسند في هذا المحل -١٤٣/ ٢٢٤ - وفي الكبرى -١٣٢/ ٢٢٨ - وأخرجه بلفظ: "يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام" في ١٩٠/ ٣٠٤. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة: عن مجاهد بن موسى، وعباس بن عبد العظيم، كلاهما عن ابن مهدي، عن يحيى بن الوليد، عن مُحلّ بن خليفة، عنه. وأخرجه (ق) فيه عن العباس بن عبد العظيم، وعمرو بن علي، ومجاهد بن موسى، كلهم عن ابن مهدي، به. وأخرجه ابن خزيمة بقصة البول فقط، والدارقطني، والبزار، والحاكم، وصححه. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث مشروعية خدمة أهل الفضل، والتستر عند الاغتسال، وهو الذي ترجم عليه المصنف، ويكون ذلك بأيّ ساتر، ولو بشخص إنسان، وعدم جواز النظر إلى عورة البالغ إلا أحد الزوجين للآخر، أو أمة يحل له وطؤها. المسألة الخامسة: في أقوال أهل العلم في ستر العورة: اتفقوا على وجوبه في الجلوة حيث يراه الناس، واختلفوا فيه في الخلوة، أو في الجلوة

стр. 2182

إذا لم يره أحد، فذهب ابن أبي ليلى إلى وجوبه مستدلا بحديث يعلى ابن منية أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله حليم حيي سَتير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر" أخرجه المصنف وغيره، وسيأتي في كتاب الغسل ٧/ ٤٠٦، وبحديث أبي السمح هذا، وبحديث أم هانئ الآتي، وبحديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا نبي الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك". قلت: يا رسول الله أحدنا إذا كان خاليا؟ قال: "الله أحق أن يستحى منه من الناس". أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وعلقه البخاري بصيغة الجزم، قاله في الفتح. وذهب جمهور العلماء إلى أن المغتسل وحده تستره أفضل، وليس بواجب عليه، وهو الذي اختاره البخاري، حيث قال: باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل. واحتجوا بما أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنوا إسرائيل إلى موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا" فقال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة، أو سبعة ضربًا بالحجر. رواه البخاري. وبحديث أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ قال: "بينا أيوب يغتسل عريانا

стр. 2183

فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك" رواه البخاري، ويأتي للمصنف في الغسل ٧/ ٤٠٦. ووجه الدلالة من هذين الحديثين من حيث إن النبي ﷺ قص القصتين ولم يتعقبهما بشيء، فدل على موافقتهما لشرعنا، وإلا لبينه. أفاده في الفتح. قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله الجمهور هو الرأي الحسن، جمعا بين الأدلة، فتحمل الأحاديث الدالة على التستر على الأفضلية، كما قال البخاري رحمه الله تعالى. والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان ٢٢٥ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂: أَنَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَتْ، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا". قُلْتُ: أُمُّ هَانِئٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ.

стр. 2184

رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدورقي البغدادي ثقة -١٠ - تقدم في ٢١/ ٢٢. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩ ٣ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله الإمام الحجة الثبت -٧ - المدني تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (سالم) بن أبي أمية أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله المدني ثقة ثبت -٥ - تقدم في ٩٦/ ١٢١. ٥ - (أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب) ويقال: مولى أم هانىء، اسمه يزيد (١) الهاشمي حجازي مشهور بكنيته. روى عن عَقيل، وأم هانئ، ابني أبي طالب، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن سعيد، وأبي واقد الليثي، ورأى الزبير بن العوام. وعنه سالم أبو النضر، وسعيد المقبري، وسعيد بن أبي هند، وأبو جعفر محمَّد بن علي بن الحسين، وإسحاق بن أبي طلحة، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، وأبو حازم بن دينار، ويزيد بن الهاد، وغيرهم. قال الواقدي: هو مولى أم هانئ، وكان يلزم عَقيلا فنسب إليه، وكان شيخًا قديمًا، روى عن عثمان، قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: روى عن عثمان. أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ١١ ص ٣٧٤. ٦ - (أم هانئ ﵂ بنت أبي طالب الهاشمية، اسمها فاختة، وقيل: هند. روت عن النبي ﷺ . وعنها مولاها أبو مرة، وأبو

стр. 2185

صالح باذام، وابن ابنها جعدة المخزومي، وابن ابنها يحيى بن جعفر، وابن ابنها أيضا هاورن، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وابنه عبد الله، والشعبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء، وكريب، ومجاهد، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عقبة بن أبي مالك، وهي شقيقة علي وإخوته، وكانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي، فولدت له عمرا، وبه يكنى، وهانئا، ويوسف، وجعدة، ذكره الزبير بن بكار، وغيره، وعاشت بعد علي مدة، حكى هذا الترمذي وغيره، وقد خطبها رسول الله ﷺ . اهـ "تت" وفي (ت) أسلمت يوم الفتح، وماتت في خلافة معاوية ﵁. أخرج لها الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سدسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفق الأئمة على التخريج لهم، وأنهم مدنيون إلا يعقوب فبغدادي، وعبد الرحمن، فبصري، وأن شيخه أحد الأئمة الذين اشترك الستة بالرواية عنهم من دون واسطة، وأن فيه روايين اشتهرا بالكنية أبو مرة، وأم هانىء، وفيه رواية تابعي، عن تابعي: سالم، عن أبي مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أم هانئ) فاختة، أو هند بنت أبي طالب ﵂ أنها ذهبت إلى النبي ﷺ (يوم الفتح) أي يوم فتح مكة، هو في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وسبب ذهابها إليه ﷺ : ما ذكرته هي، قالت: أتاني حموان لي فأجَرْتُهما، فجاء علي يريد قتلهما، فأتيت النبي ﷺ ، وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة .. الحديث، وفيه: فقال: "قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْت، وأمَّنَّا مَنْ أمَّنْت" ذكره في التمهيد. انظر عمدة القاري ج ٣ ص ٦٣، وقد وقع اختلاف كثير فيمن أجارتهُ، هل هو واحد أم أكثر؟

стр. 2186

وفي تعيين اسمه، فانظر في الفتح ج ١ ص ٥٦٠، وفي عمدة القاري ج ٣ ص ٦٣ (فوجدته يغتسل) جملة في محل نصب على أنها مفعول ثان لوجدت، أو جملة حالية من المفعول به (وفاطمة) بنته ﵂ (تستره بثوب) عن أعين الناس، وجملة "فاطمة تستره" حالية أيضًا أي والحال أن فاطمة تستره بثوب، وهذا هو محل الترجمة، وهو الاستتار عند الاغتسال، وفيه جواز اغتسال الرجل بحضرة امرأة من محارمه إذا كان يحول بينهما ساتر من ثوب أو غيره. (فسَلَّمَتْ) بالإسناد إلى ضمير الغائبة كما في "ذهبت"، وفي "فوجدته"، وعند الشيخين: بالإسناد إلى ضمير المتكلم في كلها. أي سَلَّمْتُ على النبي ﷺ . وقول السندي: يحتمل أنها سلمت على فاطمة. غير صحيح، لأنها صرحت أنها سلمت عليه، كما عند البخاري. ج ١ ص ٥٦٠ نسخة الفتح، وفيه جواز السلام على من يغتسل، حيث قررها النبي ﷺ على سلامها (فقال: من هذا) ذكره على اعتبار الإشارة إلى الشخص الداخل، وفي نسخة كما أشار إليها في الهندية: "من هذه" وهو الذي عند البخاري، وهذا يدل كما قال الحافظ على أن الستر كان كثيفًا، وعرف أنها امرأة لكون ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال (قلت: أم هانئ) وعند البخاري "أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبا بأم هانئ" (فلما فرغ من غسله قام فصلى ثمانيَ ركعات) بإثبات الياء لا غير، وهو منصوب بفتحة ظاهرة على الياء، مفعول به لصلى وحكى الكرماني: ثمان ركعات بفتح النون (١)، قال الجوهري: هو في الأصل منسوب إلى الثُّمُن لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، ثم إنهم فتحوا أوله

стр. 2187

لأنهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسبة، وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن فثبتت ياؤه عند الإضافة كما ثبت ياء القاضي، تقول: ثماني نسوة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب, لأنه ليس بجمع. اهـ عمدة القاري ج ٣ ص ٦٢. وعند أبي داود: "ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين". (في ثوب ملتحفا به) حال من فاعل "صلى"، أو من ثوب وإن كان نكرة على قلة, لأن كون صاحب الحال معرفة ليس لازما، بل غالب، قال ابن مالك ﵀: وَلَمْ يُنكَّرْ غَالبًا ذُو الحَال إنْ … لَمْ يَتأخَّرْ أوْ يُخَصَّص أوْ يَبنْ منْ بَعْد نَفْي أوْ مُضَاهيه كَلا … يَبغْ امْرُوٌ عَلَى امْرئ مُسْتَسْهلا قال البخاري في صحيحه: قال الزهري: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على المنكبين، اهـ. وقال البدر العيني: الالتحاف لغةً التغطي، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، وقال الليث: اللحف: تغطيتك الشيء باللحاف، وقال غيره: لحفت الرجل ألحفه لحفا: إذا طرحت عليه اللحاف، أو غطيته بشيء وتلحفت: اتخذت لنفسي لحافا. اهـ عمدة القاري ج ٣ ص ٥٩. واللحاف: كل ثوب يتغطى به، والجمع لُحُف، مثل كتاب وكتب. اهـ المصباح. وفائدة الالتحاف: أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع. قاله ابن بطال. وأن لا يسقط، الثوب إذا ركع، وإذا سجد. قاله العيني. وهذه الصلاة هل هي صلاة الضحى، أم صلاة الفتح؟ يأتي تحقيقه في المسائل إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2188

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أم هانئ هذا عن طريق أبي مرة متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا بهذا السند، وفي السير -في الكبرى- عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد ابن الحارث، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة، عن أم هانئ ﵂. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة، وفي الأدب عن القعنبي، وفي الصلاة عن إسماعيل بن أبي أويس، وفي الجزية عن عبد الله بن يوسف- ثلاثتهم عن مالك، عن سالم أبي النضر، عن أبي مرة به. وأخرجه (م) في الطهارة، وفي الصلاة عن يحيى بن يحيى، عن مالك- به، وفي الطهارة أيضا عن محمَّد بن رمح، عن ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير- كلاهما عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة، عن أم هانئ، به مختصرا: "قام النبي ﷺ إلى غسله فسترت عليه فاطمة، ثم صلى ثماني ركعات- صلاة الضحى". وفي الصلاة أيضًا عن حجاج بن الشاعر، عن معلي بن أسد، عن وهيب بن خالد، عن جعفر ابن محمَّد، عن أبيه، عن أبي مرة، عنها مختصرًا أيضا: "إن النبي ﷺ صلى في بيتها عام الفتح ثماني ركعات في ثوب قد خالف بين طرفيه". وأخرجه (ت) في الاستئذان عن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك به مختصرًا، وقال صحيح. وفي السير عن أبي الوليد الدمشقي، وهو أحمد بن عبد الرحمن بن بكار البسري، عن الوليد بن مسلم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي مرة، عنها، ببعضه: "أجرت رجلًا من أحمائي"، وقال: صحيح.

стр. 2189

وأخرجه (ق) في الطهارة عن محمَّد بن رمح بإسناده: "لما كان يوم الفتح قام رسول الله ﷺ إلى غسله فسترت عليه فاطمة بثوب، ثم أخذ ثوبه فالتحف به". المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث: مشروعية التستر عند الاغتسال، وجواز اغتسال الرجل بحضرة امرأة من محارمه إذا حال بينهما ساتر، من ثوب أو نحوه، وجواز السلام على من يغتسل وجواز كلام المغتسل، وأن من سئل عن اسمه يجيب بصريح اسمه ولا يقول: أنا، وقد ورد الإنكار على من قال: أنا، ومشروعية الصلاة عقب الاغتسال، والتحاف المصلي بثوبه إذا كان واحدًا، وقد علمت معنى الالتحاف فيما مضى، ولا يحوز أن يشتمل به اشتمال الصماء للنهي عنه، ومشروعية صلاة الضحى. وأنها تكون ثماني ركعات، وأن المستحب فيها الفصل بين كل ركعتين بسلام، لما مر في رواية أبي داود: "يسلم من كل ركعتين". المسألة الخامسة: اختلفت الروايات في محل اغتساله، وصلاته، وفيمن ستره. وفي عدد صلاته هل هي ثمان، أو ركعتان؟. ففي رواية "اغتسل في بيتها" وهي عند أبي داود وغيره، وفي رواية: "أنها ذهبت إلى بيت النبي ﷺ -وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل"، وهي رواية الموطأ ومسلم، وفي رواية "أن فاطمة سترته" وهي رواية المصنف وغيره، وفي رواية: أن أبا ذر هو الذي ستره، وهي رواية عند ابن خزيمة. فالجواب عن المحل: أن يحمل بأنه نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر فجاءت فوجدته يغتسل، أو يحمل بأن ذلك تكرر منه ﷺ ، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة عنها أن أبا ذر ستره لما اغتسل. أفاده في المنهل ج ٧ ص ١٩٥.

стр. 2190

قال الجامع: الاحتمال الثاني فيه بعد لا يخفى. وأما الاختلاف فيمن ستره، فيجاب عنه بأن أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر ستره في أثنائه. أفاده الحافظ في الفتح. قاله في المنهل. وأما الاختلاف في عدد الصلاة ففي رواية أم هانئ ثماني ركعات، وفي حديث ابن أبي أوفى أنه صلى ركعتين. فقد أخرج الطبراني من حديثه أنه صلى الضحى ركعتين فسألته امرأته؟ فقال: "أن النبي ﷺ صلى يوم الفتح ركعتين". والجواب عن هذا أن يحمل بأن ابن أبي أوفى رأى من صلاته ﷺ كعتين، ورأت أم هانئ الثمانية كلها، فأخبر كل ما رآه. أفاده في المنهل ج ٧ ص ١٩٥. المسألة السادسة: اختلف العلماء في هذه الصلاة هل هي صلاة الشكر للفتح أم هي صلاة الضحى؟ فمنهم من قال: إنها صلاة الفتح لا صلاة الضحى، ومنهم من قال: إنها صلاة الضحى. والصحيح أنها صلاة الضحى لما في رواية أبي داود بإسناد صحيح عن أم هانئ ﵂ "أن رسول الله ﷺ يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثماني ركعات". وروى ابن عبد البر في التمهيد كما قال الحافظ: من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ: قالت: قدم النبي ﷺ مكة فصلى ثماني ركعات، فقلت: ما هذه؟ قال: صلاة الضحى. فهذا صريح في أن تلك الصلاة كانت صلاة الضحى. قال النووي في شرح مسلم: استدَلَّ به -أي بحديث أم هانئ- أصحابنا وجماهير العلماء على استحباب جعل الضحى ثماني ركعات، وتوقف فيه القاضي وغيره، ومنعوا دلالته، قالوا: لأنها إنما أخبرت عن

стр. 2191

وقت صلاته لاعن نيتها، فلعلها كانت شكر لله تعالى على الفتح. قال النووي ﵀: وهذا الذي قالوه فاسد بل الصواب صحة الاستدلال به، فقد ثبت عن أم هانئ أن النبي ﷺ يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، رواه أبو داود في سننه بهذا اللفظ بإسناد صحيح على شرط البخاري. اهـ شرح مسلم ج ٥ ص ٢٣٣. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النووي ﵀ هو الحق. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2192

١٤٤ - بابُ ذكرِ القَدْرِ الذي يَكْتَفيِ به الرَّجُلُ منَ الماَء للغُسْلِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان مقدار الماء الذي يكتفي به الرجل عند الاغتسال، ومثل الرجل في ذلك المرأة. ٢٢٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، قَالَ: أُتِيَ مُجَاهِدٌ بِقَدَحٍ حَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ، فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمَّد بن عبيد) بن محمَّد بن واقد المحاربي الكندي أبو جعفر الكوفي، صدوق -١٠ - روى عن أبيه، وأبي معاوية الضرير، وأبي بكر ابن عياش، وأبي الأحوص، وعبد السلام بن حرب، ويحيى بن زكرياء، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه (د ت س) ويعقوب بن سفيان، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم. قال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وكناه هو والسراج أبا جعفر، ووقع عند الترمذي تكنيته بأبي يعلى، مات سنة ٢٤٥ وقيل: ٢٥١، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، اهـ "تت" ج ٩ ص ٣٣٣.

стр. 2193

٢ - (يحيى بن زكريا) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون بن مهران الهمداني الوادعي مولاهم الكوفي ثقة متقن من كبار -٩ - تقدم في ٩٣/ ١١٥. ٣ - (موسى) بن عبد الله، ويقال: ابن عبد الرحمن (الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة (١) أبو سلمة ويقال: أبو عبد الله الكوفي. روى عن زيد بن وهب، وأبي بردة بن أبي موسى، ومصعب بن سعد، وفاطمة بنت علي، ومجاهد، وغيرهم. وعنه شعبة والثوري، والحسن بن صالح، وابن أبي زائدة، وغيرهم. قال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد القطان: كان ثقة، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، وعن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال العجلي: ثقة في عداد الشيوخ، وقال أبو زرعة: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ١٤٤، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وعن يعلى بن عبيد قال: بالكوفة أربعة من رؤساء الناس ونبلائهم، وذكره منهم، وعن مسعر قال: ما رأيت موسى الجهني إلا وهو في اليوم خير منه في اليوم الماضي. أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه اهـ تت ج ١٠ ص ٣٥٤. وفي "ت" ثقة عابد، لم يصح أن القطان طعن فيه -٦ - . ٤ - (مجاهد) بن جبر أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي الإمام الثقة -٣ - تقدم في ٢٧/ ٣١. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا مجاهدًا فمكي، وعائشة فمدينة، وأن فيه الإخبار والتحديث، والعنعنة

стр. 2194

شرح الحديث (عن موسى) بن عبد الله، أو ابن عبد الرحمن (الجهني) بضم ففتح أنه (قال: أتي) بالبناء للمفعول (مجاهد) نائب فاعل "أتي" بن جبر المذكور (بقدح) بفتحتين إناء يشرب به الماء ونحوه (حزرته) أي قدرت ذلك القدح يقال: حزرت الشيء حزرًا من بأبي ضرب وقتل: قدرته. قاله في المصباح. والقائل: حزرته هو موسى الجهني (ثمانية أرطال) بالنصب على الظرفية، أي مقدار ثمانية أرطال. والأرطال: جمع رطل، بكسر فسكون، وحكي فتح الراء، هو معيار يوزن به، وهو كما قال الفيومي: بالبغدادي اثنتا عشرة أوقية، والأوقية: إستار، والإستار: أربعة مثاقيل ونصف مثقال، والمثقال: درهم وثلاثة أسباع، والدرهم ستة دوانق، والدانق: بفتح النون وكسرها -ثماني حبات وخُمُسا حبَّة (١)، وعلى هذا فالرطل: تسعون مثقالا، وهي مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. قال الفقهاء: وإذا أطلق الرطل في الفروع فالمراد به رطل بغداد، والرطل: مكيال أيضا، وهو بالكسر، وبعضهم يحكي فيه الفتح. اهـ المصباح. قال الجامع: هذا المعنى الثاني هو المراد هنا. والله أعلم. (فقال) مجاهد (حدثتني عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بمثل هذا) القدح، وهذا ليس على سبيل التحديد للماء الذي يغتسل به بحيث لا ينقص منه ولا يزيد عليه، وإنما هو إخبار بما وقع له ﷺ في بعض الأوقات، فقد وردت عنه أحاديث تدل على غير هذا كما ستأتي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.

стр. 2195

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث مجاهد عن عائشة ﵂ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: هذا الحديث بهذا السند ذكره النسائي هنا ١٤٤/ ٢٢٦ وفي الكبرى ١٣٣/ ١٢٣٠ وهو من أفراده ﵀. المسألة الثالثة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث: أن قدر ثمانية أرطال من الماء يكفي في الغسل، وهو محل الترجمة، ولكن هذا ليس تحديدا بحيث لا يكفي أقل منها, ولا يجوز أكثر منها، بل ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، كما تدل عليه الروايات عنه ﷺ ، فقد ورد أنه كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد، وأنه كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع، وأنه توضأ بإناء فيه قدر ثلثي المد. إلى غير ذلك مما قدمناه في شرح ٥٩/ ٧٣، ٧٤. فدلت الرويات المختلفة على أنه لاحد للماء الذي يغتسل به أو يتوضأ به، ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد الإسراف فيمنع، أو في النقص إلى حد لا يسمى غسلا بل مسحًا فيكون باطلا. وقد تقدم تمام البحث في هذه المسألة في ٥٩/ ٧٣، ٧٤ فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2196

٢٢٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرَ صَاعٍ، فَسَتَرَتْ سِتْرًا، فَاغْتَسَلَتْ فَأَفْرَغَتْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) القيسي أبو عبد الله الصنعاني، ثم البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي، أبو عثمان البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج ثقة ثبت حجة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (أبو بكر بن حفص) عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري، مشهور بكنيته ثقة -٥ - روى عن أبيه، وجدته، وابن عمر، وسالم بن عبد الله، وأنس، وعبد الله بن حنين، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم. وعنه ابن جريج، وزيد بن أبي أنيسة، وآخرون. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان راويًا لعروة، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن عبد البر: قيل اسمه كنيته، وكان من أهل العلم والثقة أجمعوا على ذلك. أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ٥ ص ١٨٨ - ١٨٩.

стр. 2197

٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة، فقيه، مكثر، تقدم في ١/ ١. ٦ - (عائشة) تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، والثلاثة الأولون بصريون، والباقون مدنيون، وفيه راويان اشتهرا بالكنية، وأن أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة المكثرة من الرواية، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وفيه قوله: عن أبي بكر: سمعت فيقدر قبل سمعت "أنه قال"، وقد تقدم غير مرة، فيقول القارئ عن أبي بكر بن حفص أنه قال: سمعت أبا سلمة الخ. شرح الحديث (عن أبي بكر بن حفص) اسمه عبد الله، وقيل: اسمه كنيته، أنه قال (سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني (يقول) جملة حالية، على الصحيح، وقيل: مفعول ثان لسمعت على أنها تتعدى إلى اثنين إذا كان ثانيهما مما يُسمع، وقد تقدم البحث عنه غير مرة (دخلت على عائشة ﵂، وأخوها) عطف على الضمير الفاعل، لوجود الفصل بالجار والمجرور، وجملة الدعاء، كما قال ابن مالك ﵀: وإنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير المُنْفَصلْ أوْ فَاصل مَّا وَبلا فَصْل يَردْ … في النَّظْم فَاشيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقدْ وعند البخاري وغيره "دخلت أنا وأخو عائشة" (من الرضاعة) بفتح الراء وكسرها والفتح أجود، حال من أخيها، وكذا وقع عند مسلم التصريح بأنه أخوها من الرضاعة، وهو يرد قول الداودي أنه أخوها

стр. 2198

عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقول غيره: إنه أخوها لأمها الطفيلُ ابن عبد الله. قال الحافظ ﵀: زعم الداودي أنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وقال غيره هو أخوها لأمها الطفيل بن عبد الله، ولا يصح واحد منهما، لما روى مسلم من طريق معاذ، والنسائي من طريق خالد ابن الحارث، وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون كلهم عن شعبة في هذا الحديث أنه أخوها من الرضاعة. وقال النووي وجماعة: إنه عبد الله بن يزيد، مُعْتَمدينَ على ما وقع في صحيح مسلم في الجنائز عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، رضيع عائشة ﵂، فذكر حديثًا غير هذا. قال الحافظ: ولم يتعين عندي أنه المراد هنا لأن لها أخا آخر من الرضاعة، هو كثير بن عبيد رضيع عائشة، رَوَى عنها أيضا، وحديثه في الأدب المفرد للبخاري، وسنن أبي داود من طريق ابنه سعيد بن كثير عنه، وعبد الله بن يزيد بصري، وكثير بن عبيد كوفي، فيحتمل أن يكون المبهم هنا أحدهما، ويحتمل أن يكون غيرهما. والله أعلم. اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٥. (فسألها) أي أخوها (عن غسل النبي ﷺ ) أي عن كيفية غسله، وعن قدر الماء الذي يغتسل به (فدعت بإناء فيه ماء قدر صاع) وعند البخاري: "فدعت بإناء نحو من صاع". قال الحافظ ﵀: وفي فعل عائشة دلالة على استحباب التعليم بالفعل, لأنه أوقع في النفس، ولما كان السؤال محتملا للكيفية والكمية ثبت لهما ما يدل على الأمرين معا: أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع. اهـ. واعترضه العيني بما لا وجه له،

стр. 2199

ولذا تركت ذكره. (فَسَتَرَتْ ستْرا) أي جعلت بيننا وبينها ساترا. والستر: بالكسر ما يستر به، جمعه سُتُور، والسَّتْر بالفتح مصدر سَتَر، يقال: سترت الشىء سترا من باب قتل. ويقال لما ينصبه المصلي قدامه علامةَ لمُصَلاه من عصا وتَسنيم تراب وغيره: سُتْرة بالضم لأنه يستر المارّ من المرور، أي يحجبه. أفاده في المصباح. والمناسب هنا المعنى المصدري ولا يبعد الكسر أيضا أي اتخذَتْ ساترًا. (فاغتسلت) وقوله: (فأفرغت) أي صبت الماء تفسير لقوله "فاغتسلت" (على رأسها ثلاثا) قال القاضي عياض ﵀: ظاهره أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل نظره للمَحْرَم؛ لأنها خالة أبي سلمة من الرضاع أرضعته أختها أم كلثوم، وإنما سترت أسافل بدنها مما لا يحل للمحرم النظر إليه، ولولا أنهما شاهدا ذلك لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنىً، إذ لو فعلت ذلك كله في ستر عنهما لرجع الحال إلى وصفها لهما. نقله في الفتح والعمدة. والله أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له. ذكره هنا ١٤٤/ ٢٢٧ وفي الكبرى ١٣٣/ ٢٣٢ عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد الهجيمي، عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن عبد الله ابن محمَّد، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة به. وأخرجه (م) فيه عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وأخرجه أبو عوانة.

стр. 2200

المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث ما ترجم له المصنف، وهو قدر الماء الذي يُغتَسَل به، وهو صاع، كما مر في الحديث السابق أنه قدر ثمانية أرطال، وسؤالُ أهل العلم رجلا كان أو امرأة عما يجهله الإنسان من أمر دنيه ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والتعليمُ بالفعل لكونه أبلغ، واحتجاب المرأة عن أعين المحارم فيما لا يجوز النظر لهم من جسدها، ومشروعية التثليث في غسل الرأس. والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان. ٢٢٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ فِي الْقَدَحِ، وَهُوَ الْفَرَقُ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيية بن سعيد) أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد إمام أهل مصر ثقة ثبت فقيه -٧ - تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن شهاب) الزهري الإمام الحجة الثبت المدني -٤ - تقدم في ١/ ١. ٤ - (عروة) بن الزبير المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.

стр. 2201

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الأئمة بتخريج أحاديثهم، وأنهم مدنيون إلا قتيبة فبغلاني، والليث فمصري، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، وتقدم غير مرة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂ (أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل في القدح) هكذا في صحيح مسلم "في القَدَح" بـ"في"، قال النووي ﵀: هكذا هو في الأصل، وهو صحيح، ومعناه من القدح. اهـ شرح مسلم ج ٤ ص ٣، أي من الماء الذي في القدح. وعند البخاري "من إناء واحد من قدح" فـ"من" الأولى ابتدائية، والثانية بيانية. و"القدح" بالتحريك واحد الأقداح التي للشرب، معروف، قال أبو عبيد: يُروي الرجلين، وليس لذلك وقت (١)، وقيل: هو اسم يجمع صغارها وكبارها، والجمع أقداح، ومُتَّخذُها قَدَّاح، وصناعته: قدَاحَة. اهـ لسان، وفسرته عائشة ﵂ هنا بنولها (وهو الفَرَق) وعند البخاري من رواية ابن أبي ذئب: "يقال له: الفرق"، ولأبي داود الطيالسي من روايته: "وذلك القدح يومئذ يُدعى الفَرَق"، قال ابن التين: الفرْق بتسكين الراء، ورويناه بفتحها، وجوز بعضهم الأمرين، وقال القتبي وغيره: هو بالفتح، وقال النووي: الفتح أفصح وأشهر، وزعم أبو الوليد الباجي أنه الصواب، قال: وليس كما قال، بل هما لغتان، قال الحافظ: لعل مستند الباجي ما حكاه الأزهري عن ثعلب وغيره: الفرق بالفتح، والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح. انتهى.

стр. 2202

وقد حكى الإسكان أبو زيد، وابنُ دريد، وغيرهما من أهل اللغة، والذي في روايتنا هو الفتح والله أعلم. اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٣. وفي اللسان: والفَرْق -بفتح فسكون-، والفرق -بفتحتين-: مكيال ضخم لأهل المدينة معروف، وقيل هو أربعة أرباع، وقيل: هو ستة عشر رطلا، والجمع فُرقان -بضم فسكون- وهذا الجمع قد يكون للساكن والمتحرك جميعا، مثل بَطْن وبُطْنَان، وحَمَل وحُمْلان، وقال أبو منصور: الفرق: المحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح، قال ذلك أحمد بن يحيى، وخالد بن يزيد، وهو إناء يأخذ ستة عشر مُدًا (١)، وذلك ثلاثة أصْوعُ. وقال ابن الأثير: الفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مُدًا، وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الفرق خمسة أقْسَاط، والقسْط -بكسر فسكون- نصف صاع، فأما الفرْق بالسكون: فمائة وعشرون رطلا. اهـ لسان ببعض تصرف. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأما مقداره: فعند مسلم في آخر رواية ابن عيينة عن الزهري في هذا لحديث، قال سفيان يعني ابن عيينة: الفرق ثلاثة آصع، قال النووي: وكذا قال الجماهير، وقيل الفرق صاعان، لكن نقل أبو عبيد الاتفاق على أن الفرق ثلاثة آصع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلا، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، وإلا فقد قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم: إن الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بما روى مجاهد في الحديث السابق عن عائشة ﵂ أنه حزر الإناء ثمانية أرطال، والصحيح الأول؛ لأن الحزر لا يُعَارضُ به التحديد، وأيضا لم يصرح مجاهد بأن الإناء المذكور صاع فيحمل على اختلاف الأواني مع تقاربها، ويؤيد كون الفرق ثلاثة آصع: ما رواه ابن حبان من

стр. 2203

طريق عطاء عن عائشة بلفظ: "قَدْرُ ستَّة أقساط" والقسط بكسر القاف، هو باتفاق أهل اللغة نصف صاع، والاختلاف بينهم أن الفرق ستة عشر رطلا فصح أن الصالح خمسة أرطال وثلث، وتوسط بعض الشافعية، فقال: الصاع الذي لماء الغسل ثمانية أرطال، والذي لزكاة الفطر وغيرها خمسة أرطال وثلث، وهو ضعيف. اهـ كلام الحافظ ج ١ ص ٤٣٣ - ٤٣٤. (وكنت أغتسل أنا، وهو) أي النبي ﷺ ، إنما أبرز الضمير لأجل العطف على الضمير المتصل، كما قال ابن مالك: وإنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير المُنْفَصلْ أوْ فَاصل مَّا وَبلا فَصْل يَردْ … في النَّظم فَاشيًا وَضُعْفُهُ اعْتَقدْ (في إناء واحد) أي من إناء، فـ"في" بمعنى "من" كما تقدم قريبًا، وهذا الإناء هو القدح المذكور أوَّلًا، ويوضحه رواية البخاري: "قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح، يقال له الفرق". وقال ابن التين: كان هذا الإناء من شَبَه. اهـ. والشبه بفتحتين نوع من النحاس. قال الحافظ: وكأن مستند ابن التين في هذا ما رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ولفظه: "تور من شبه" اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٣. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرج حديث عائشة هذا هنا ١٤٤، وفي ١٤٥، وفي ١٤٦، وفي الباب -٩ - من كتاب

стр. 2204

الغسل. وأخرج في الكبرى ١٣٣/ ٢٣١ الجزء الأول فقط، وفي ١٣٤/ ٢٣٥ الجزء الثاني. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والدارمي، وأحمد، والطيالسي، وابن الجارود، وغيرهم. المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث ما ترجم له المؤلف، وهو القدر الذي يكتفي به الرجل من ماء الغسل، لكنه ليس نصا في التحديد؛ لأنه لا يعرف قدر ما اغترفه هو مما اغترفته هي، فكان الأولى له عدم ذكره في هذا الباب، بل هو من الباب التالي كما يأتي له هناك. ومنها: جواز اشتراك الرجل مع امرأته في الغسل من إناء واحد، وكذا الوضوء، وهذا بالإجماع، وتطهر المرأة بفضل الرجل، وعكسه، وسيأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله. وفيه طهارة فضل الجنب. وقد استدل به الداودي على جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، قال الحافظ: ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى: أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته؟ فقال: سألت عطاء؟ فقال: سألت عائشة؟ فذكر هذا الحديث بمعناه، وهو نص في المسألة. اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٤. والله تعالى أعلم، والمستعان، وعليه التكلان. ٢٢٩ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ، وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ مَكَاكِيَّ.

стр. 2205

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي راوية ابن المبارك، ثقة من -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي ثقة ثبت حجة -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحافظ الحجة الثبت -٧ - البصري تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عبد الله بن جبر) هو عبد الله بن عبد الله بن جبر، وقيل: جابر ابن عتيك، الأنصاري، المدني، اختلف في اسم جده، وقد حقق الحافظ الاختلاف في "تت" ج ٥ ص ٢٨٢ - ٢٨٤، وهو ثقة -٤ - تقدم في ٥٩/ ٧٣. ٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري أبو حمزة ﵁ تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا على التخريج لهم إلا شيخه فانفرد به هو، والترمذي، وفيه أنس بن مالك ﵁ أحد المكثرين السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث (عن عبد الله بن جبر) منسوب إلى جده، وإلا فهو عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك، كما تقدم قريبا (قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ (يقول: كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكلوك) بفتح الميم وتشديد الكاف، كتَنُّور، قيل أراد به المد، وقيل الصاع، قال ابن الأثير

стр. 2206

: والأول أشبه؛ لأنه جاء في حديث آخر مفسرا بالمد، وقد تقدم في ٤٩/ ٧٣ بأتم من هذا (ويغتسل بخمس مكاكي) جمع مكوك بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، وادغامها في ياء الجمع. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٤٤/ ٢٢٩ بهذا السند، وفي ٥٩/ ٧٣، عن عمرو بن علي، عن يحيى عن شعبة به، وفي ١٤/ ٣٤٥ من كتاب المياه عن عمرو بن علي به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي وقد تكلمنا على ذلك بالتفصيل في ٥٩/ ٧٣ فارجع إليه تزدد علمًا، والمطابقة للترجمة، واضحة من حيث إن الماء الذي استعمله للغسل، واكتفى به قُدِّر بهذا القدر والله أعلم. ٢٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: تَمَارَيْنَا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ جَابِرٌ: يَكْفِي مِنَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ صَاعٌ مِنْ مَاءٍ، قُلْنَا: مَا يَكْفِي صَاعٌ، وَلَا صَاعَانِ، قَالَ جَابِرٌ: قَدْ كَانَ يَكْفِي مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكُمْ، وَأَكْثَرَ شَعْرًا.

стр. 2207

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٧٩/ ٩٦. ٣ - (أبو إسحاق) السبيعي: عمرو بن عبد الله الكوفي ثقة ثبت اختلط أخيرًا -٣ - تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٤ - (أبو جعفر) محمَّد بن علي الباقر المدني ثقة فاضل -٤ - تقدم في ٧٨/ ٩٥. ٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات اتفقوا على التخريج لهم، وهم ما بين بغلاني وهو شيخه، وكوفيين وهما أبو الأحوص، وأبو إسحاق، ومدنيين وهما أبو جعفر، وجابر، وأن جابرًا هو أحد المكثرين السبعة روى -١٥٤٠ - حديثا، وفيه رواية تابعي عن تابعي. شرح الحديث (عن أبي جعفر) محمَّد بن علي المعروف بالباقر أنه (قال: تمارينا) أي اختلفنا وتنازعنا، والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه، يمتريه، كما يمتري الحالب اللبن من الضرع. قاله في اللسان، وقيل: (١) أصل التماري من المرية، وهو الشك, لأن كُلًا من المتنازعين يَشُكّ أو يشكك في كلام صاحبه، قال عباس بن مرداس ﵁ (من الطويل): تَمَارَوا بنَا فِي الفَجْر حَتَّى تَبَيَّنُوا … مَعَ الفَجْر فُرْسَانًا وَقَابًا مُقَوَّمَا

стр. 2208

(في الغسل) أي في قدر الماء الذي يكفي لمن يريد الاغتسال كما دل عليه كلام جابر ﵁ (عند جابر بن عبد الله) أي في مجلسه وبحضرته (فقال جابر) جوابا عن سؤالهم في مشكلتهم، فعند البخاري من طريق زهير عن أبي إسحاق، "قال: حدثنا أبو جعفر أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم، فسألوه عن الغسل فقال" الحديث. والسائل هو أبو جعفر نفسه لما في مسند إسحاق بن راهويه من طريق جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال: "سألت جابرًا عن غسل الجنابة" قاله في الفتح. (يكفي من الغسل) أي في الغسل، فـ "من" بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] (من الجنابة) أي لأجله، فمن هنا تعليلية، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، وقول الفرزدق (من البسيط): يُغْضي حَيَاءً وَيُغْضَى منَ مَهَابَته … فَلا يكُلَّمُ إلا حينَ يَبْتسمُ و"من" الأولى متعلقة بـ "يكفي"، والثانية بـ "الغسل" لأنه مصدر، أو متعلقان بـ"يكفي"، لاختلاف معناهما (صاع) فاعل "يكفي"، أي قدر صاع، أو ملْءُ صاع (من ماء) "من" هنا بيانية. (قلنا) أي قال القوم المتنازعون السائلون له في هذه المشكلة، وللبخاري: "فقال رجل"، وزاد الإسماعيلي: "منهم"، وإنما نسب القول إليهم في رواية النسائي مجازًا لقصدهم أن يقولوا له ذلك، ولكن تولى القول رجل منهم، ووافقوه على ذلك. وهذا الرجل القائل هو الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفية، وهو ابن عم أبي محمَّد الباقر: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فمحمد بن الحنفية، وهو محمَّد بن علي بن أبي طالب، والحنفية أمه: خولة بنت جعفر من سبي بني حنيفة.

стр. 2209

(ما يكفي) في الغسل (صاع ولا صاعان) وذلك لكونهم متساهلين في استعمال الماء، بلا مبالاة (قال جابر) ﵁ (قد كان) الصاع (يكفي من كان خيرا منكم) وعند البخاري "خيرا منك" بالإفراد حيث أفرد السائل، يريد به النبي ﷺ (وأكثر شعرا) أي منكم، ومراد جابر بذلك إرشادهم إِلى هدي النبي ﷺ , لأن هديه خير الهدي في جميع الأمور، فلا ينبغي العدول عنه لوسوسة ولا غيرها زاد البخاري: "ثم أمنَّاَ في ثوب". قال الحافظ: فاعل أمنا هو جابر، ولا التفات إلى من جعله من مقوله، والفاعل رسول الله ﷺ ، لما يأتي واضحًا من فعل جابر في كتاب الصلاة. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه البخاري في الصحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف. أخرجه هنا ١٤٤/ ٢٣٠ وفي الكبرى ١٣٣/ ٢٣٣ عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر محمَّد بن علي، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن عبد الله ابن محمَّد، عن يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي إسحاق به. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده. المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث ما ترجم له المصنف، وهو مقدار ما يكتفي به الرجل من الماء للغسل، وبيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي ﷺ ، والانقياد إلى ذلك، وجواز الرد بعنف على من يماري بغير علم إذا قصد الرادُّ إيضاح الحق، وتحذير السامعين من مثل ذلك، وكراهية التنطع والإسراف في الماء. أفاده في الفتح. وتقدمت بنية المسائل في ٥٩/ ٧٣. فارجع إليها تزدد علمًا.

стр. 2210

١٤٥ - بَابُ ذكرِ الدِّلالَةِ عَلَى أنَّهُ لا تَوْقيتَ فِي ذَلكَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أنه لا تحديد في قدر الماء الذي يغتسل به. فالدلالة بمعنى الدليل من إطلاق المصدر وارادة اسم الفاعل. والتوقيت: التحديد، يقال: وقّت الله الصلاة توقيتا، وَقَتَها يَقتُها ثلاثيا من باب وَعَد: حدد لها وقتا، ثم قيل لكل شيء محدود موقوت، ومُوَقَّت. قاله في المصباح. ٢٣١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَأَخْبَرَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَدْرُ الْفَرَقِ. رجال الإسناد: تسعة ١ - (سويد بن نصر) المروزي ثقة -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك ثقة حجة -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
следующие страницы →