: والأول أشبه؛ لأنه جاء في حديث آخر مفسرا بالمد، وقد تقدم في ٤٩/ ٧٣ بأتم من هذا (ويغتسل بخمس مكاكي) جمع مكوك بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، وادغامها في ياء الجمع. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٤٤/ ٢٢٩ بهذا السند، وفي ٥٩/ ٧٣، عن عمرو بن علي، عن يحيى عن شعبة به، وفي ١٤/ ٣٤٥ من كتاب المياه عن عمرو بن علي به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي وقد تكلمنا على ذلك بالتفصيل في ٥٩/ ٧٣ فارجع إليه تزدد علمًا، والمطابقة للترجمة، واضحة من حيث إن الماء الذي استعمله للغسل، واكتفى به قُدِّر بهذا القدر والله أعلم.
٢٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: تَمَارَيْنَا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ جَابِرٌ: يَكْفِي مِنَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ صَاعٌ مِنْ مَاءٍ، قُلْنَا: مَا يَكْفِي صَاعٌ، وَلَا صَاعَانِ، قَالَ جَابِرٌ: قَدْ كَانَ يَكْفِي مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكُمْ، وَأَكْثَرَ شَعْرًا.
стр. 2207
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أبو إسحاق) السبيعي: عمرو بن عبد الله الكوفي ثقة ثبت اختلط أخيرًا -٣ - تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٤ - (أبو جعفر) محمَّد بن علي الباقر المدني ثقة فاضل -٤ - تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات اتفقوا على التخريج لهم، وهم ما بين بغلاني وهو شيخه، وكوفيين وهما أبو الأحوص، وأبو إسحاق، ومدنيين وهما أبو جعفر، وجابر، وأن جابرًا هو أحد المكثرين السبعة روى -١٥٤٠ - حديثا، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
شرح الحديث
(عن أبي جعفر) محمَّد بن علي المعروف بالباقر أنه (قال: تمارينا) أي اختلفنا وتنازعنا، والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه، يمتريه، كما يمتري الحالب اللبن من الضرع. قاله في اللسان، وقيل: (١) أصل التماري من المرية، وهو الشك, لأن كُلًا من المتنازعين يَشُكّ أو يشكك في كلام صاحبه، قال عباس بن مرداس ﵁ (من الطويل):
تَمَارَوا بنَا فِي الفَجْر حَتَّى تَبَيَّنُوا … مَعَ الفَجْر فُرْسَانًا وَقَابًا مُقَوَّمَا
стр. 2208
(في الغسل) أي في قدر الماء الذي يكفي لمن يريد الاغتسال كما دل عليه كلام جابر ﵁ (عند جابر بن عبد الله) أي في مجلسه وبحضرته (فقال جابر) جوابا عن سؤالهم في مشكلتهم، فعند البخاري من طريق زهير عن أبي إسحاق، "قال: حدثنا أبو جعفر أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم، فسألوه عن الغسل فقال" الحديث. والسائل هو أبو جعفر نفسه لما في مسند إسحاق بن راهويه من طريق جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال: "سألت جابرًا عن غسل الجنابة" قاله في
الفتح.
(يكفي من الغسل) أي في الغسل، فـ "من" بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] (من الجنابة) أي لأجله، فمن هنا تعليلية، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، وقول الفرزدق (من البسيط):
يُغْضي حَيَاءً وَيُغْضَى منَ مَهَابَته … فَلا يكُلَّمُ إلا حينَ يَبْتسمُ
و"من" الأولى متعلقة بـ "يكفي"، والثانية بـ "الغسل" لأنه مصدر، أو متعلقان بـ"يكفي"، لاختلاف معناهما (صاع) فاعل "يكفي"، أي قدر صاع، أو ملْءُ صاع (من ماء) "من" هنا بيانية.
(قلنا) أي قال القوم المتنازعون السائلون له في هذه المشكلة، وللبخاري: "فقال رجل"، وزاد الإسماعيلي: "منهم"، وإنما نسب القول إليهم في رواية النسائي مجازًا لقصدهم أن يقولوا له ذلك، ولكن تولى القول رجل منهم، ووافقوه على ذلك.
وهذا الرجل القائل هو الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفية، وهو ابن عم أبي محمَّد الباقر: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فمحمد بن الحنفية، وهو محمَّد بن علي بن أبي طالب، والحنفية أمه: خولة بنت جعفر من سبي بني حنيفة.
стр. 2209
(ما يكفي) في الغسل (صاع ولا صاعان) وذلك لكونهم متساهلين في استعمال الماء، بلا مبالاة (قال جابر) ﵁ (قد كان) الصاع (يكفي من كان خيرا منكم) وعند البخاري "خيرا منك" بالإفراد حيث أفرد السائل، يريد به النبي ﷺ (وأكثر شعرا) أي منكم، ومراد جابر بذلك إرشادهم إِلى هدي النبي ﷺ , لأن هديه خير الهدي في جميع الأمور، فلا ينبغي العدول عنه لوسوسة ولا غيرها زاد البخاري: "ثم أمنَّاَ في ثوب".
قال الحافظ: فاعل أمنا هو جابر، ولا التفات إلى من جعله من مقوله، والفاعل رسول الله ﷺ ، لما يأتي واضحًا من فعل جابر في كتاب الصلاة.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه البخاري في الصحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف. أخرجه هنا ١٤٤/ ٢٣٠ وفي الكبرى ١٣٣/ ٢٣٣ عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر محمَّد بن علي، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن عبد الله ابن محمَّد، عن يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي إسحاق به.
وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث ما ترجم له المصنف، وهو مقدار ما يكتفي به الرجل من الماء للغسل، وبيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي ﷺ ، والانقياد إلى ذلك، وجواز الرد بعنف على من يماري بغير علم إذا قصد الرادُّ إيضاح الحق، وتحذير السامعين من مثل ذلك، وكراهية التنطع والإسراف في الماء. أفاده في الفتح. وتقدمت بنية المسائل في ٥٩/ ٧٣. فارجع إليها تزدد علمًا.
стр. 2210
١٤٥ - بَابُ ذكرِ الدِّلالَةِ عَلَى أنَّهُ لا تَوْقيتَ فِي ذَلكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أنه لا تحديد في قدر الماء الذي يغتسل به.
فالدلالة بمعنى الدليل من إطلاق المصدر وارادة اسم الفاعل.
والتوقيت: التحديد، يقال: وقّت الله الصلاة توقيتا، وَقَتَها يَقتُها ثلاثيا من باب وَعَد: حدد لها وقتا، ثم قيل لكل شيء محدود موقوت، ومُوَقَّت. قاله في المصباح.
٢٣١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَأَخْبَرَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَدْرُ الْفَرَقِ.
رجال الإسناد: تسعة
١ - (سويد بن نصر) المروزي ثقة -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك ثقة حجة -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
стр. 2211
٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت -٧ - تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه ثقة حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (عبد الرزاق) بن هَمَّام بن نافع، أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ تغير بأخرة -٩ - تقدم في ٦١/ ٧٧.
٦ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز أبو خالد وأبو الوليد المكي ثقة فقيه فاضل يدلس -٦ - تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٧ - (الزهري) محمَّد بن مسلم حجة حافظ ثبت -٤ - تقدم في ١/ ١.
٨ - (عروة) بن الزبير المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٩ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا على التخريج لهم غير شيخيه، فالأول لم يرو عنه إلا هو، والترمذي، والثاني لم يخرج له ابن ماجه، وفيه كتابة (ح) بعد الزهري إشارة إلى ذكر سند آخر إلى الزهري، وقد اختلفوا في أصلها كما قال في الألفية السيوطية:
وكَتَبُوا "ح" عنْدَ تَكْرير سَنَدْ … فَقيلَ منْ صَحَّ وَقيلَ ذَا انْفَرَدْ
منَ الحَديث أوْ لتَحْويل وَرَدْ … أوْ حَائل وَقَوْلُهَا لفْظًا أسَدْ
وقوله: "وقولها لفظا أسد": أي تلفظ القارئ بها كما كتبت لفظًا، فيقول: "ح" ويستمر على قراءته، أصوب من ترك التلفظ بها كما قال به بعضهم.
стр. 2212
(تنبيه) هذا الحديث مضى شرحه، وكذا ما يتعلق به من المسائل، وأورده هنا استدلالًا على عدم تحديد الماء الذي يستعمله المغتسل، حيث إنه لم يعلم مقدار ما استعمله النبي ﷺ ، ولا عائشة في هذه القصة، فدل على أنه لا توقيت فيه، بل يكون على حسب الأحوال والأشخاص.
قال أبو بكر بن المنذر ﵀ بعد ذكر حديث سفينة مولى أم سلمة، قال: "كان رسول الله ﷺ يغسله الصاع من الماء ويوضيه المد". أخرجه مسلم، وحديث أنس ﵁، قال: "حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار من المسجد إلى أهله فتوضأ، وبقي قوم، فأتي
النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فوضع كفه فيه، فصغر أن يبسط
كفه فيه، فضم أصابعه فوضعها في المخضب، فتوضأ القوم جميعا كلهم، قال: قلنا: كم كانوا؟ قال: ثمانين رجلا" رواه البخاري.
قال: في هذا الحديث، وفي "اغتسال النبي ﷺ وعائشة من إناء واحد، وفي قول ابن عمر: "كان الرجال والنساء في زمان رسول الله ﷺ يتوضئون في الإناء الواحد" دليل على إباحة الوضوء والاغتسال بأقل من الصالح والمد؛ لأن الأمر إذا كان هكذا، فأخذهم الماء يختلف، وإذا اختلف أخذهم الماء دل على أنه لا حدّ فيما يطهر المتوضئ والمغتسل من
الماء إلا الإتيان على ما يجب من الغسل والمسح، وقد يختلف أخذ الناس للماء.
وقد أجمع أهل العلم على أن المد من الماء في الوضوء، والصاع في الاغتسال غير لازم للناس، وكان الشافعي يقول: وقد يرفق بالماء القليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي، وصدّق الشافعي هذا النصُّ. اهـ كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى في الأوسط ج ١، ص ٣٦٠ - ٣٦١.
стр. 2213
١٤٦ - بَابُ ذِكْرِ اغْتساَلِ الرَّجُلِ واَلمرْأةِ مِنْ نِساَئِهِ مِنْ إناَء واَحِدٍ
٢٣٢ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ هِشَامِ (ح) وَأَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ وَأَنَا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سويد بن نصر) المروزي راوية ابن المبارك ثقة -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي الحجة الثبت -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (قتيبة بن سعيد) أبورجاء الثقفي ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني -٧ - تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (هشام بن عروة) المدني الثقة الفقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١.
٦ - (عروة) بن الزبير المدني الفقيه الثقة -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٧ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
وقد تقدم ما يتعلق بهذا الحديث شرحًا ومسائل في الأحاديث الماضية، فارجع إليها.
ودلالته على ما ترجم له المصنف واضحة، حيث إن النبي ﷺ كان يغتسل هو وعائشة ﵂ من إناء واحد.
وفي قولها: "وأنا": استعمال العطف على الضمير المتصل المرفوع من دون فاصل، وهو قليل. كما تقدم البحث عنه غير مرة والله أعلم.
стр. 2214
٢٣٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) القيسي أبو عبد الله الصنعاني ثم البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الحافظ -٧ - البصري تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمَّد، أبو محمَّد المدني ثقة جليل فاضل -٦ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (القاسم) بن محمَّد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني ثقة فقيه فاضل -٣ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات وأن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون مدنيون، وأن القاسم هو أحد الفقهاء السبعة
стр. 2215
المشهورين بالمدينة، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، عبد الرحمن، عن القاسم وفيه عائشة من المكثرين السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ ) تقدم البحث في قولها: "أنا" في ١٤٥/ ٢٣١ (من إناء واحد) هو الفرق كما تقدم هناك وعند البخاري: "من إناء واحد من قدح يقال له الفرق" (من الجنابة) من الأولى ابتدائية، والثانية تعليلية، أي لأجل الجنابة، وتقدم معنى الجنابة في ١٣٩/ ٢٢٠ وتقدم أيضا في الأحاديث السابقة ما يتعلق به من المسائل. والله تعالى أعلم.
٢٣٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُنَازِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ الإِنَاءَ أَغْتَسِلُ أَنَا وَهُوَ مِنْهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (عَبيدة بن حُميد) الأول بالتكبير، والثاني بالتصغير، الكوفي أبو عبد الرحمن المعروف بالحذّاء التيمي أو الليثي أو الضبي صدوق نحوي ربما أخطأ من الثامنة مات سنة ١٩٠، وقد جاوز ٨٠، وتقدم في ١٣/ ١٣.
стр. 2216
٣ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله أبو عَتَّاب السلمي الكوفي ثقة ثبت كان لا يدلس -٦ - تقدم في ٢/ ٢.
٤ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه إمام يدلس كثيرًا -٥ - تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٥ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة جليل فقيه -٢ - تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا قتيبة فبلخي، وعائشة فمدنية.
والحديث بمعنى الحديث السابق، قولها: "لقد رأيتني": أي رأيت نفسي، أنازع رسول الله ﷺ : أي أجاذبه، بمعنى أنا أجرّة إلى نفسي، وهو يجره إلى نفسه، وهذا من حسن عشرته ﷺ مع أهله. والله أعلم.
٢٣٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانُ (١)، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
стр. 2217
رجال الإسناد: سبعة
هم السابقون في السند الماضي إلا عمرو بن علي، هو الفلاس،
وتقدم في ٤/ ٤ ويحيى هو القطان، وتقدم أيضًا في ٤/ ٤، وسفيان هو الثوري تقدم في ٣٣/ ٣٧.
والحديث بمعنى الذي قبله.
٢٣٦ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (يحيى بن موسى) بن عبد ربه بن سالم الحُدَّاني (١) أبو زكرياء
البلخي السختياني المعروف بخَتّ (٢)، كوفي الأصل. روى عن ابن عيينة، وأبي معاوية الضرير، ووكيع، وغيرهم. وعنه البخاري، وأبو
داود، والترمذي، والنسائي، والدارمي، وموسي بن هارون، والفريابي والسراج، وغيرهم.
قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال محمَّد بن إسحاق الثقفي: ثقة مأمون، وقال في موضع آخر: كان من ثقات الناس. ووثقه الدراقطني،
стр. 2218
وابن حبان، مات سنة ٢٤٠، أو ٢٤١، وقيل: في رمضان ٢٣٩. اهـ "تت" بزيادة يسيرة.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمَّد الكوفي، ثم المكي ثقة حجة ثبت -٨ - تقدم في ١/ ١.
٣ - (عمرو) بن دينار أبو محمَّد الأثرم الجمحي مولاهم ثقة ثبت -٤ - تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٤ - (جابر بن زيد) الأزدي أبو الشعثاء اليحمدي الجَوْفي -بفتح فسكون نسبة إلى درب جوف محلة بالبصرة- البصري. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، والحكم بن عمرو الغفاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وعكرمة، وغيرهم. وعنه قتادة، وعمرو بن دينار، ويعلى ابن مسلم، وأيوب السختياني، وعمرو بن هرم، وجماعة.
قال عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علمًا من كتاب الله، وقال تميم بن حُدير عن الرباب: سألت ابن عباس عن شيء؟ فقال: تسألوني وفيكم جابر بن زيد؟، وقال داود بن أبي هند، عن عزرة: دخلت على جابر بن زيد فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك -يعني الإباضية- قال: أبرأ إلى الله من ذلك، ووثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلي، وفي تاريخ البخاري، عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: يا جابر إنك من فقهاء أهل البصرة، وقال ابن حبان في الثقات: كان فقيها، ودفن هو وأنس بن مالك في جمعة واحدة، وكان من أعلم الناس بكتاب الله، وفي كتاب الزهد لأحمد: لما مات جابر بن زيد، قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق، وقال إياس بن معاوية: أدركت الناس وما لهم مُفْت غير جابر ابن زيد، وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: كان الحسن البصري إذا غزا أفتى
стр. 2219
الناسَ جابرُ بن زيد، وفي الضعفاء للساجي عن يحيى بن معين: كان جابر إباضيّا، وعكرمة صُفْريا (١).
قال الجامع: تقدم أن جابر تبرأ منها. والله أعلم.
وأغرب الأصيلي فقال: هو رجل من أهل البصرة لا يعرف، انفرد عن ابن عباس بحديث "من لم يجد إزارا فليلبس السروايل" ولا يعرف هذا الحديث بالمدينة. مات سنة ٩٣، وقيل: ١٠٣، وقيل: ١٠٤.
أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن عباس) عبد الله ﵁ الحبر البحر تقدم في ٢٧/ ٣١.
٦ - (ميمونة) بنت الحارث العامرية الهلالية زوج النبي ﷺ تزوجها سنة سبع، روت عن النبي ﷺ ، وعنها ابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أختها الأخرى عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن أخيها عبد الرحمن بن السائب الهلالي، وابن أختها الأخرى يزيد بن الأصم، وربيبها عبيد الله الخولاني، ومولاتها ندبة، ومولاها عطاء بن يسار، ومولاها سليمان بن
يسار، وآخرون، وقيل: كان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة،
وتوفيت بسرف حيث بنى بها رسول الله ﷺ , وهو ما بين مكة والمدينة
وذلك سنة [٥١]، وقيل: ٦٣ وصلى عليها ابن عباس، قال الحافظ: القول الأول هو الصحيح، وأما الأخير فغلط بلا ريب، فقد صح من حديث يزيد بن الأصم قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا، وقال يعقوب بن سفيان: توفيت سنة -٤٩ - . أخرج لها الجماعة.
стр. 2220
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، أخرج لهم الجماعة إلا شيخه فأخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي فقط، وأنهم ما بين كوفي، وهو شيخه، ومكيين، وهما سفيان، وعمرو، وبصري، وهو جابر، ومدنيين وهما الصحابيان، وابن عباس مدني، بصري، مكي، طائفي ﵄. وفيه رواية صحابي، عن صحابية، وتابعي، عن تابعي. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن) عبد الله (بن عباس) ﵄ أنه (قال: أخبرتني خالتي ميمونة) بنت الحارث أخت أمه لبابة بنت الحارث ﵄، هكذا في رواية المصنف أنه صرح بأنها أخبرته، وأخرج البخاري بسنده عن ابن عباس "أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان" الحديث، ثم قال البخاري بعده: كان ابن عيينة يقول أخيرًا عن ابن عباس، عن ميمونة، والصحيح ما روى أبو نعيم. يعني الرواية الأولى.
قال الحافظ ﵀: كذا رواه عنه أكثر الرواة، وإنما رواه عنه كما قال أبو نعيم من سمع منه قديما، وإنما رجح البخاري رواية أبي نعيم -يعني كونه من مسند ابن عباس لا من مسند ميمونة- جريا على قاعدة المحدثين؛ لأن من جملة المرجحات عندهم قدم السماع لأنه مظنة قوة حفظ الشيخ، ولرواية الآخرين جهة أخرى من وجوه الترجيح، وهي كونهم أكثر عددا وملازمة لسفيان، ورجحها الإسماعيلي من جهة أخرى من حيث المعنى وهو كون ابن عباس لا يطلع على النبي ﷺ في حالة اغتساله مع ميمونة، فيدل على أنه أخذه عنها، وقد أخرج الرواية المذكورة الشافعي، والحميدي، وابن أبي عمر، وابن أبي شيبة، وغيرهم في مسانيدهم عن سفيان، ومسلم، والنسائي، وغيرهما من طريقه.
стр. 2221
ويستفاد من هذا البحث أن البخاري لا يرى التسوية بين "عن فلان"، وبين "أن فلانا"، وفي ذلك بحث يطول ذكره، وقد حققته فيما كتبته على كتاب ابن الصلاح (١) اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٦ - ٤٣٧.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح كون هذا الحديث من مسند ميمونة ﵂ لا من مسند ابن عباس ﵄ كما صرح به المصنف، لكثرة من رواه كذلك، وإن رجح البخاري خلافه لقدم السماع. فتنبه.
(أنها كانت تغتسل ورسول الله ﷺ ) فيه العطف على الضمير المتصل المرفوع بلا فاصل، وهو جائز بقلة كما مر (من إناء واحد) فيه جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وهو محل الترجمة. والله أعلم
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤٦/ ٢٣٦ - وفي الكبرى -٢٣٤/ ٢٣٨ - عن يحيى بن موسى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵃.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن أبي نعيم عن سفيان بن عيينة، ولم يقل عن ميمونة، وقال: كان ابن عيينة يقول أخيرا عن ابن عباس عن ميمونة والصحيح ما رواه أبو نعيم. وقد تقدم البحث عن هذا قريبًا.
وأخرجه (م) فيه عن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان به،
стр. 2222
وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان به. وأخرجه الشافعي، والحميدي، وابن أبي عمر، وابن أبي شيبة في مسانيدهم. كما تقدم عن الحافظ. والله تعالى أعلم.
٢٣٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي نَاعِمٌ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ سُئِلَتْ: أَتَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِذَا كَانَتْ كَيِّسَةً، رَأَيْتُنِي وَرَسُولَ اللهِ ﷺ نَغْتَسِلُ مِنْ مِرْكَنٍ وَاحِدٍ، نُفِيضُ عَلَى أَيْدِينَا حَتَّى نُنْقِيَهُمَا، ثُمَّ نُفِيضَ عَلَيْهَا الْمَاءَ.
قَالَ الأَعْرَجُ: لَا تَذْكُرُ فَرْجًا وَلَا تَبَالَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) المروزي ثقة -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك ثقة حجة ثبت -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (سعيد بن يزيد) الحمْيَري القِتْبَاني -بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة- أبو شجاع الإسكندراني. روى عن خالد بن أبي عمران، والحارث بن يزيد، ودَرَّاج أبي السَّمْح، والأعرج، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. وعنه الليث، وابن المبارك، وأبو غسان المدني، وأبو زرارة القتباني.
стр. 2223
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن يونس، وابن المديني، وابن حبان، وحمزة الكناني، وقال أبو داود: كان له شأن، له في مسلم حديث واحد في القلادة، وقال حمزة الكناني: ثقة مأمون لا نعلم روى عنه غير الليث، وابن المبارك، ولم يرو عنه ابن وهب، مع أنه قدم بعد طلب ابن وهب للحديث انتهى. قال الحافظ: ولعل ابن وهب ما شعر به أو تشاغل بما هو أهم منه. مات بالإسكندرية سنة ١٥٤، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، النسائي.
٤ - (عبد الرحمن بن هرمز الأعرج) المدني المشهور بلقبه ثقة -٣ - تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (ناعم مولى أم سلمة ﵂ بن أَجْيَل الهمداني، أبو عبد الله المصري، روى عن أم سلمة، وعثمان، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وغيرهم. وعنه يزيد بن أبي حبيب، والأعرج، وكعب بن علقمة، والحارث بن يزيد. وعبيد الله بن المغيرة. وثقه النسائي، وقال ابن يونس: كان أحد الفقهاء الذين أدركهم يزيد، ووثقه ابن سعد، وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات أهل مصر، وابن حبان في الثقات. قيل: مات سنة -٨٠ - أخرج له مسلم، والأربعة.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂ تقدم في ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزين، وهما سويد، وعبد الله، ومصريين وهما سعيد، وناعم، ومدنيين هما الأعرج، وأم سلمة، وفيه الإخبار، والتحديث بلفظ الجمع، والإفراد. والعنعنة، وتقدم البحث عن هذا كله غير مرة.
стр. 2224
شرح الحديث
عن ناعم بن أجْيَل المصري مولى أم سلمة ﵂ (أن أم سلمة) هند ﵂ (سئلت أتغتسل المرأة مع الرجل) جملة الاستفهام تفسير للسؤال، أي سألها سائل قائلا أتغتسل الخ، والمراد بالرجل هو الزوج أو السيد؛ لأنه الذي يتأتى له ذلك (قالت: نعم) بفتحتين وبفتح فسكون، حرف يجاب بها الاستفهام، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وتكون عدَةً بعد "افعل" أو لا تفعل، وتقدم البحث عنها مستوفى في ٥٤/ ٦٨، وغيره. أي قالت أم سلمة: لها الاغتسال معه (إذا كانت المرأة كيّسة) أي عاقلة لبيبة، وفي اللسان: أراد به حسن الأدب في استعمال الماء مع الرجل. اهـ
وكيسة مؤنث كيّس مشدد الياء، من الكَيْس وزان فَلْس، وهو الظَّرْف (١) والفطنة، وقال ابن الأعرابي: العقل، ويقال: إنه مخفف من كيس مثل هَيْن وهَيِّن، والأول أصح، لأنه مصدر من كاس يكيس، كَيْسا من باب باع، وأما المثقل فاسم فاعل، والجمع أكياس مثل جيّد، وأجياد، قاله في المصباح. ثم استدلت على ما قالته بفعلها مع النبي ﷺ بقولها (رأيتني) فيه وقوع الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وهذا خاص بأفعال القلوب، كظننتني قائمًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧]، وألحقت بها في ذلك رأى الحلمية، والبصرية بكثرة نحو: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله (من الكامل):
ولقَدْ أرَاني للرِّمَاح دَريئَةً … منْ عَنْ يَميني تَارَةً وَشمَالي
وكذا "عدم" و"فَقَد" و"وَجَد" بمعنى "لقي"، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني اتفاقا لئلا يكون الفاعل مفعولا، بل يقال: ضربت نفسي، وظلمت نفسي ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهم ذلك قدر فيه
стр. 2225
النفس نحو ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]،
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة لا المنصوب بها فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل، ولا
توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلا جاز في كل فعل نحو ما ضربت إلا إياي. انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ج ١ ص ١٥١ (ورسول الله ﷺ ) بالنصب عطفا على الياء الواقعة مفعولا لرأيت، ورأى هنا بصرية، ولذا تكون جملة قوله (نغتسل)
في محل نصب على الحال (من مركن) بكسر الميم وسكون الراء بوزن منبر: آلة تتخذ لغسل الثياب ونحوها، ويوضع فيها الماء للغسل ونحوه، و"من" هنا ابتدائية (واحد) صفة لمركن (نفيض على أيدينا) جملة تفسيرية لقولها: نغتسل، من الإفاضة وهو الصب والإسالة، والمراد أنهما يبدءان بغسل اليدين (حتى ننقيها) بضمير المؤنثة كما في الهندية وهو راجع إلى الأيدي، وفي النسخة المصرية "حتى ننقيهما" بضمير التثنية، وهو راجع إلى اليدين أيضًا، لكون الأيدي بمعنى اليدين، لأن الجمع يطلق على المثنى، كما في قوله تعالى في حق داود وابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
وننقي من الإنقاء أو التنقية، يقال: نقي الشيء، ينقى، من باب تعب نَقَاء بالفتح والمد، ونقاوة بالفتح: نَظُفَ، فهو نقيّ على فعيل، ويعدى بالهمزة والتضعيف، قاله في المصباح، أي حتى ننظفهما (ثم نفيض عليها الماء) هكذا في النسخة المصرية بثم ومثله في مسند أحمد، وفي الهندية: حتى نفيض، بحتى بدل "ثم"، والضمير المجرور راجع إلى الأبدان، وإن لم يجر لها ذكر، لكونها معلومة، أفاده السندي، أي
стр. 2226
نفيض على أبداننا الماء، ووقع في إحدى النسخ النظامية، كما قاله بعضهم "نفيض علينا" بضمير المتكلم، ومثله في مسند أحمد ج ٦ ص ٣٢٣ وهي ظاهرة.
(قال الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (لا تذكر) أي أم سلمة ﵁ في حديثها هذا (فرجا، ولا تباليه) أي لم تهتم بذكره، وإنما قال الأعرج هذا لأن غالب الروايات في صفة غسل النبي ﷺ فيها ذكر الفرج كما في حديث عائشة ﵂ الآتي ١٥٢/ ٢٤٣، و ١٥٣/ ٢٤٤، وحديث ميمونة ﵂ عند الشيخين وغير ذلك، مما فيه ذكر غسل الفرج.
وحاصل كلام الأعرج أنه يقول: إن أم سلمة ﵂ لم تذكر في حديثها هذا غسل الفرج، بل اقتصرت على إفاضة الماء على أيديهما وأبدانهما.
وقوله (تباليه) مضارع بَالَى, يقال: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أكترث له، ولم أبال، ولم أبَلْ للتخفيف كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصل باليَةً مثل عافاه، معافاة، وعافية، قالوا: ولا يستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل فاستَقَوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر، إهْمَالًا له، وقال أبو زيد: ما باليت به مُبَالاة، والاسم البلاء وزان كتاب، وهو الهم الذي تحدث به نفسك. قاله في المصباح.
ومعنى قول الأعرج هنا لا تباليه: لا تهتم ولا تكترث بذكر غسل الفرج كما اهتم به غيرها ممن وصف غسله ﷺ من الجنابة.
"وتباليه" هكذا النسخة الهندية، بالياء، وكذا في "الكبرى" فلا نافية والفعل مرفوع. ووقع في النسخة المصرية "ولا تباله" بحذف الياء ولعله من تحريف النساخ، وأما كونه مجزوما بلا فلا يصح لأن "لا" النافية لا تجزم، ومن أجاز الجزم بها، وهم الكوفيون، يشترطون أن يصلح قبلها
стр. 2227
"كي" نحو ربطت الفرس لا ينفلتُ بالرفع والجزم حكاه الفراء، وهنا لا يصلح هذا، وخَرَّجه غيرهم على أن الجزم على توهم الجزم قبله، أي إن لم أربطه ينفلت. انظر حواشي الصبان، والخضري على ألفية ابن مالك في باب عوامل الجزم.
(تنبيه) من الغريب ما وقع في شرح السندي لهذا المحل حيث جعل قول الأعرج هذا تفسيرا لقولها: إذا كانت كيسة، وجعل قوله: "ولا تباله" مضارع تَبَالهَ، فقال: ولا تَبَالهُ بفتح التاء، أصله تتباله بتاءين حذفت إحداهما، من تَبَالَهَ الرجل إذا رأى من نفسه ذلك، وليس به، أي ولا تأتي بأفعال المرأة البَلطَء، والأبْلَهُ خلاف الكيّس، والمرأة بلهاء كحمراء. اهـ كلامه. وهذا التفسير غير سديد، ويرد قوله مضارع تباله كون النسخة الهندية والكبرى بإثبات الياء لأنه نص على أنه مضارع بالى، وليس مضارع تباله فالتفسير الواضح هو ما ذكرناه والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف أخرجه هنا ١٤٦/ ٢٣٧ وفي الكبرى ١٣٤/ ٢٣٩ عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سعيد ابن يزيد، عن الأعرج، عن ناعم، عنها. ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد ج ٦ ص ٣٢٣ ولم يذكر قول الأعرج.
المسألة الثالثة: في فوائده: في هذا الحديث ما ترجم له المصنف وهو جواز اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد، ومثله الوضوء وهذا بالإجماع، وأما حكم تطهر الرجل بفضل المرأة وعكسه فسيأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وفيه جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه. وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق حيث يلاطف أزواجه، فيغتسل معهن من إناء واحد. والله تعالى أعلم.
стр. 2228
١٤٧ - بَابُ ذكْر النَّهْي عَنْ الاغْتساَل بفَضْلِ الجُنُبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على منع الشخص عن أن يغتسل بما أبقاه الجنب في الإناء، لكن الاستدلال بالحديث الآتي على الترجمة فيه بُعْدٌ, لأن الترجمة عامة من جهة أنها تعم الرجل والمرأة، وخاصة من جهة أنها تخص الجنب فقط، والحديث عام من جهة أنه يعم الجنب وغيره، وخاص من جهة أن النهي فيه خاص باغتسال الرجل بفضل المرأة، وعكسه، اللهم إلا إذا قلنا إن المراد في الحديث بالفضل فضل الجنب خاصة، فيتم الاستدلال، لكن هذا التخصيص يحتاج إلى دليل فتأمل.
والفضل: مصدر فَضَل من باب قتل، يقال: فَضَل، يفضُل فضلا: إذا بقي، وفي لغة: فضِل يَفضَل من باب تَعبَ، وفضل بالكسر يفضُلُ بالضم لغة ليست بالأصل، ولكنها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم نَعمَ يَنْعُم، ونكل يَنكُل، وفي المعتل دمتَ تَدُوم ومِتَّ تموت. قاله في المصباح، وتقدم معنى الجنب.
٢٣٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ دَاوُدَ الأَوْدِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلاً صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَرْبَعَ سِنِينَ، قَالَ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا.
стр. 2229
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز مشهور بكنيته ثقة ثبت من السابعة مات سنة ٥ أو ١٧٦ تقدم في ٤١/ ٤٦.
٣ - (داود) بن عبد الله الأودي الزعافري (١) أبو العلاء الكوفي. روى عن الشعبي، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، ووبرة أبي كرز الحارثي، وعبد الرحمن المسلي.
وعنه زهير بن معاوية، وأبو حمزة السُكَّري، وأبو عوانة، ووكيع، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. قال أحمد: شيخ ثقة قديم وهو غير عم إدريس، وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال الدوري، عن ابن معين: ليس بشيء. واعترض الحافظ على هذا، فقال: يحرر هذا، فإنه عن الدوري، عن ابن معين في داود بن يزيد.
وقال أبو داود: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن شاهين في الثقات، عن أحمد بن حنبل: هو ثقة من الثقات. ولما ذكر ابن حزم الأندلسي حديثه في الوضوء بفضل المرأة، قال: إن كان داود عم ابن إدريس فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول، وقد ردّ ذلك ابن مفوز على ابن حزم، وكذلك ابن القطان الفاسي، قال ابن القطان: وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الحديث، وبين له أمر هذا الرجل بالثقة، قال: فلا أدري أرجع عن قوله أم لا؟ اهـ. "تت" ج ٣ ص ١٩١.
стр. 2230
٤ - (حميد بن عبد الرحمن) الحميري البصري. روى عن أبي بكرة، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، وثلاثة من ولد سعد، وغيرهم. وعنه ابنه عبيد الله، ومحمد بن المنتشر، وعبد الله بن بريدة، ومحمد بن سيرين، وأبو بشر، وعزرة بن عبد الرحمن وأبو التياح، وداود بن أبي هند، وغيرهم. قال العجلي: بصري ثقة، وقال هو، ومنصور بن زاذان: وكان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل البصرة، زاد منصور: قبل أن يموت بعشر سنين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان فقيها عالما. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وذكر أنه روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ٣ ص ٤٦.
٥ - (رجل صحب النبي ﷺ ) لم يعرف اسمه، وقيل: هو الحكم بن عمرو الغفاري، وقيل: عبد الله بن سَرْجس، وقيل: عبد الله بن مُغَفَّل، قاله في المنهل ج ١ ص ١١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بلخي، وواسطي، وكوفي، وبصري، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وفيه إبهام الصحابي، ولكن لا يضر ذلك؛ لأن الصحابة كلهم ثقات عدول فلا تضر جمالتهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حميد بن عبد الرحمن) الحميري أنه (قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ ) الجملة في محل النصب صفة لـ "رجالًا" (كما صحبه أبو هريرة ﵁ الكاف بمعنى "مثل" صفة لمصدر محذوف، وما مصدرية، أي صحبةً مثل صحبة أبي هريرة (أربع سنين) بالنصب على أنه ظرف لقوله: صحبه أبو هريرة، فصحبته ﵁ كانت أربع سنين لأنه
стр. 2231
أسلم في المحرم سنة -٧ - من الهجرة في الشهر الذي فتحت فيه خيبر، فقدم، والشعبي ﷺ بخيبر فأقام معه إلى أن توفي في ربيع الأول سنة -١١ - وذلك أربع سنين (قال) ذلك الرجل (نهى رسول الله ﷺ ) يقال: نهيته عن الشيء، أنهاه، نَهْيا، فانتهى عنه، ونهوته، نَهْوًا لغة، ونهى الله تعالى: أي حرّم. قاله في المصباح. وفي المنهل: النهي ضد الأمر، وهو الكف، وفي العرف: اقتضاء كف عن فعل لا بقول كُفَّ، والأداة الموضوعة له "لا" الجازمة، والنهي في هذا الحديث محمول على الكراهة عند العلماء. اهـ ج ١ ص ١١٢.
قال الجامع عفا الله عنه: الصارف له عن التحريم الأحاديث الدالة على الجواز. كما ستأتي.
(أن يمتشط أحدنا) أي معشر الرجال. والفعل في تأويل المصدر مجرور بعن محذوفة قياسا كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وَعَدِّ لازماً بحَرْف جَرِّ … وإَنْ حُذفْ فَالنَّصْبُ للمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي أنَّ وَأنْ يَطَّردُ … مَعْ أمْن لَبْس كَعَجبْتُ أنْ يَدُوا
أي نهى عن امتشاط أحدنا. والامتشاط: تسريح الشعر بالمشط لتحسينه، يقال: مشطت الشعر مَشْطا من بابي قتل، وضرب: سَرَّحته، والتثقيل مبالغة، وامتشطت المرأة: مشطت شعرها، والمشْط الذي يمتشط به بضم الميم، وتميم تكسر، وهو القياس لأنه آلة، والجمع أمشاط، والمُشَاطة بالضم: ما يسقط من الشعر عند مَشْطه. قاله في المصباح (كل يوم) بالنصب ظرف لـ "يمتشط".
قال في المنهل: وإنما نهى ﷺ عن الامتشاط كل يوم لما يترتب عليه من تساقط شعر اللحية المأمور بإعفائها ولما فيه من التَّرَفُّه المنافي لشهامة الرجال.
стр. 2232
قال الجامع: التعليل الأول فيه نظر لا يخفى، بل الثاني هو الصحيح فتأمل (١).
وقال ابن حجر في شرح الشمائل: إنما نهي عن الترجل إلا غبًا, لأن
إدمانه يشعر بمزيد الإمعان في الزينة والترفه، وذلك إنما يليق بالنساء، وهو ينافي شهامة الرجال اهـ. وقال ابن العربي: موالاته تصنّع، وتركه تدليس، وإغْبَابُهُ سنة. اهـ
وإغبابه أن يفعله يوما ويتركه يوما، ويؤيده ما روى عبد الله بن مغفل، قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الترجل إلا غبًا" رواه أحمد والنسائي، والترمذي، وصححه، وابن حبان. والترجل تسريح الشعر، وفي ترك الترجل أياما نوع من البذاذة التي هي من الإيمان، كما جاء عند أبي داود، وابن ماجه من حديث أبي أمامة ﵁ قال: ذكر أصحاب رسول الله ﷺ يوما عنده الدنيا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإيمان" (٢)، والبذاذة رثاثة الحال.
ولا يعارض حديث الباب ما رواه النسائي بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي قتادة ﵁ "أنه كانت له جُمَّة ضخمة، فسأل النبي ﷺ ؟ فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم". لإمكان الجمع بينهما بأن النهي مخصوص بمن لا يحتاج شعره إلى الترجل كل يوم، أما من يحتاج إلى ذلك كل يوم كأبي قتادة فلا يشمله النهي، وكذا لا يعارضه حديث أنس ﵁ الذي أورده الترمذي في الشمائل: "كان ﷺ يكثر تسريح لحيته"؛ لأن إكثار التسريح لا يستلزم الفعل كل يوم. بل لو فعله يوما وتركه يوما يعد مكثرًا.
стр. 2233
وأما ما ذكره الغزالي في الإحياء من أنه ﷺ كان يسرح لحيته في اليوم مرتين، فلم يرد بهذا اللفظ، كما قاله شارحه المرتضى الزبيدي. اهـ المنهل ج ١ ص ١١٢ - ١١٣ بنوع تصرف (أو يبول في مغتسله) أي ونهى أيضا أن يبول أحدنا في مغتسله، فـ"أو" فيه بمعنى الواو، والمغتسل: بضم الميم وفتح السين المهملة: موضع الاغتسال. أفاده في المنهل. وقد تقدم حديث عبد الله بن مغفل ﵁ عند المصنف في ٣٢/ ٣٦ بلفظ: "لا يبولن أحدكم في مُسْتَحَمِّه، فإن عامة الواسوس منه" والمستحمّ بصيغة اسم المفعول محل الاغتسال بالماء الحميم أي الحار، والمراد مطلق محل الاغتسال، وتقدم البحث على الحديث مُستوفى هناك، فارجع إليه تزدد علمًا.
(أو) بمعنى الواو أيضا (أن يغتسل الرجل بفضل المرأة) أي بالماء الذي بقي في الإناء بعد اغتسال المرأة منه، أو بعد شروعها فيه وقال السندي: قيل: المراد بالفضل المستعمل في الأعضاء لا الباقي في الإناء ويرده قوله: "وليغترفا جميعا"، وقيل: بل النهي محمول على التنزيه، وقد رأى بعضهم أن معارض هذا الحديث أقوى. اهـ ج ١ ص ١٣٠ قلت: سيأتي تحقيقه في الباب التالي إن شاء الله (و) تغتسل (المرأة بفضل الرجل) كذلك، والنهي هنا للتنزيه كالسابق، جمعا بين حديثي النهي، وأحاديث الإباحة، كما سيأتي قريبا، فيكره للرجل أن يغتسل بفضل المرأة، ويكره للمرأة أن تغتسل بفضله.
(وليغترفا جميعًا) أي ليأخذ الرجل والمرأة مجتمعين، والواو عاطفة على قوله "نهى"، والمعطوف محذوف، أي وقال: "ليغترفا" واللام لام الأمر، وهي مبنية على الكسر حمْلًا على لام الجر، وبنو سليم يفتحونها كلام الابتداء، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر، وتحريكها بعد "ثم" أجود، والاغتراف: أخذ الماء باليد، يقال: غَرَفَ الماء يغرفه من
стр. 2234
بابي ضرب، ونصر: أخذه بيده، كاغترفه، وفي رواية ابن ماجه "ولكن يشرعان جميعًا" أفاده في المنهل. ج ١ ص ٢٧٣. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب صحيح، قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده صحيح، وقال في الفتح: رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في مَعْنَى المرسل مردودة، لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي، وهو ضعيف، مردودة فإنه ابن عبد الله الأودي، وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود. اهـ فتح ج ١ ص ٣٥٩ - ٣٦٠.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤٧/ ٢٣٨ - وفي الكبري -١٣٥/ ٢٤٠ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن داود الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل صحب النبي ﷺ . وفي كتاب الزينة -٦/ ٥٠٥٤ - ببعضه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في الطهارة ١٥/ ٢ عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن داود بن عبد الله، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ الحديث.
وأخرجه أحمد، والبيهقي، كما قاله في المنهل.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث ما ترجم له المصنف وهو النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، لكن الحديث عام في الجنب وغيره، فالأولى تعميم الحكم. وسيأتي حكم النهي وأقوال العلماء في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وفيه كراهية امتشاط الرجل
стр. 2235
كل يوم لما فيه من المبالغة في الترفه والزينة، وكل منهما مناف لشهامة الرجال بخلاف النساء، فإنه لا يكره ذلك في حقهن لأنهن محل الزينة والترفه، وفيه أنه يطلب من الشخص المحافظة على وقته من الضياع، فلا يصرفه في غير مطلوب، وأنه يطلب الابتعاد عن تنجيس محل الطهارة، وقد تقدم علة المنع أنه يتولد منه الوسواس، حيث قال: "فإن عامة الوسواس منه" وتقدم البحث فيه مُستوفى في ٣٢/ ٣٦ فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2236
١٤٨ - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على تسهيل الاغتسال بفضل الجنب.
والرخصة وزان غرفة: التسهيل في الأمر، والتيسير فيه، وقد تضم خاؤها للاتباع، وجمعها رُخَص كغُرَف، ورُخُصَات كغُرُفات. وقد تقدم تحقيق البحث فيها في ٧/ ٧.
والظاهر أن المصنف يرى نسخ حديث الباب المتقدم الدالّ على النهي بحديث الباب، ولكن هذا إنما يتم بعد معرفة التاريخ, ولا سبيل إلى ذلك، فالأولى حمل النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة؛ لأنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع، ولا سيما مع عدم العلم بالتاريخ, والله أعلم.
٢٣٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ (ح) وَأَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، يُبَادِرُنِي وَأُبَادِرُهُ حَتَّى يَقُولَ: "دَعِي لِي". وَأَقُولُ أَنَا: دَعْ لِي. قَالَ سُوَيْدٌ: يُبَادِرُنِي، وَأُبَادِرُهُ فَأَقُولُ: دَعْ لِي دَعْ لِي.
стр. 2237
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (محمَّد بن بشار) بندار أبو بكر البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمَّد بن جعفر) غندر البصري ثقة حافظ -٩ - تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حجة ثبت -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (سويد بن نصر) المروزي ثقة -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٥ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الحجة المروزي -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٦ - (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري مولى بني تميم، ويقال: مولى عثمان، ويقال: مولي ابن زياد. روى عن أنس، وعبد الله ابن سَرْجس، وعمرو بن سلمة الجرمي، وأبي مجْلز لاحق بن حميد، وبكر بن عبد الله المزني، وأبي حاجب سوادة بن عاصم، ومعاذة العدوية، وغيرهم. وعنه قتادة. وسليمان التيمي، وشعبة، والسفيانان، وغيرهم.
قال علي بن المديني عن القطان: لم يكن بالحافظ، وقال حجاج بن محمَّد، عن شعبة: عاصم أحب إليَّ في أبي عثمان النهدي من قتادة، وقال سفيان الثوري: أدركت حفاظ الناس أربعة، وفي رواية ثلاثة، فَيُثَنِّي به. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من حفاظ أصحابه، وقال أحمد: شيخ ثقة، وقال أيضا: من الحفاظ للحديث ثقة، وقال المرُّوذيّ: قلت لأحمد: إن يحيى تكلم فيه، فعجب، وقال: ثقة، وقال إسحاق بن منصور، وعثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني، وأبو زرعة، والعجلي، وابن عمار، وذكره ابن عمار في موازين أصحاب الحديث، وقال ابن المديني مرة: ثبت، وقال ابن سعد: كان من أهل البصرة، وكان يتولى الولايات، فكان بالكوفة على الحسبة في
стр. 2238
المكاييل، والأوزان، وكان قاضيًا بالمدائن لأبي جعفر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يحيى بن سعيد قليل الميل إليه، وقال ابن إدريس: رأيته أتى السوق، فقال: اضربوا هذا، أقيموا هذا، فلا أروي عنه شيئًا، وتركه وهيب لأنه أنكر بعض سيرته، وقال الدارقطني: هو أثبت من عاصم بن أبي النجود، وقال البزار: ثقة، وقال أبو الشيخ: سمعت عبدان يقول: ليس في العواصم أثبت من عاصم الأحول، وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: عاصم، عن عبد الله بن شقيق، عن عمر "بادروا الصبح بالوتر" فقال: عاصم لم يرو عن عبد الله بن شقيق شيئا. مات سنة -١ - أو -١٤٢ - وقيل: سنة ١٤٣. أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ٥ ص ٤٣. وفي "ت": ثقة -٤ - لم يتكلم فيه إلا القطان، وكأنه بسبب دخوله الولاية.
٧ - (معاذة) بنت عبد الله أم الصهباء العدوية البصرية ثقة -٣ - تقدمت في ٤١/ ٦٤.
٨ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه اشتمل على إسنادين بالتحويل، الأول سداسي، نازل، والثاني خماسي عال، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم بصريون إلا سويدًا، وشيخه فمروزيان، وعائشة فمدنية ﵂، وفيه كتابة (ح) وقد تقدم أقوال العلماء فيها غير مرة، وفيه الإخبار، والتحديث، والإنباء، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂ أنها قالت (كنت أغتسل أنا) ذكرت الضمير المنفصل توكيدًا للمتصل لتعطف عليه قولها (ورسول الله ﷺ ) لأن العطف بدونه، أو فاصل ما ضعيف كما مر (من إناء واحد) أي من ماء في إناء واحد (يبادرني وأبادره) أي يسابقني إلى الاغتراف منه،
стр. 2239
وأسابقه إليه، وفيه دليل على أن لكل منهما استعمال فضل الآخر؛ لأنه لو لم يجز ذلك لما سابق أحدهما الآخر، لاستلزامه إفساد الماء عليه (حتى يقول دعي لي) أي اتركي لي الماء (وأقول أنا) ضمير منفصل مؤكد للمتصل (دع ليّ) و"حتى" غاية للمبادرة، أي تكون غاية المبادرة حتى يخاف علي أن أفني الماء قبل إكماله الطهارة، فيقول "دعي لي" وأخاف عليه ذلك فأقول "دع لي".
(قال سويد) بن نصر في روايته لهذا الحديث (ييادرني وأبادره فأقول: دع لي دع لي) يعني أنه جعل قول "دع لي" لعائشة فقط.
(تنبيه) "دعْ" فعل أمر من ودعه يدعه: إذا تركه، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم حذفت الواو ثم فتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي يدع، ومصدره واسم فاعله، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَةَ، ويزيد النحوي: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث "لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجمعات" أي عن تركهم، فقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونقلت من طريق القراء فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله فيجوز القول بقلة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. اهـ المصباح المنير.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٤٨/ ٢٣٩ - وفي الكبرى -١٣٦/ ٢٤١ - عن بندار، عن غندر، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عنها.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة ٤٤/ ٧ عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن عاصم الأحول، به.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث ما ترجم له المصنف، وهو جواز الاغتسال بفضل الجنب، وذلك أنه إن كان مراد عائشة رضي
стр. 2240
الله عنها بقولها "من إناء واحد، يبادرني" الخ، أن كل واحد منهما يغتسل مبادرًا فيغتسل بعده الآخر، فالاستدلال به واضح، وإن كان مرادها أنهما يتسابقان في آن واحد في الاغتراف كما هو الظاهر من السياق، فوجه الاستدلال به أنه إذا اغترف أحدهما قبل الآخر، وهو جنب، واغترف الآخر بعده، فقد استعمل فضل الجنب.
وفيه جواز اشتراك الرجل مع امرأته في الغسل، وأن الاغتراف لا يصير به الماء مستعملا، وإن لم ينو الاغتراف، كما يقول به بعض العلماء، وفيه جواز كلام المغتسل أثناء الاغتسال، وليس كحالة الغائط. وفيه ما كان النبي ﷺ ليه من مكارم الأخلاق حيث أنه يلاطف زوجاته، ويعاشرهن عشرة حسنة، فكان خير الناس في ذلك، كما قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". أخرجه الترمذي، وقال صحيح حسن غريب من هذا الوجه. والله أعلم.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في تطهير كل واحد من الرجل والمرأة بفضل الآخر:
اختلف أهل العلم في هذا الباب على مذاهب:
أحدها: المنع من تطهير الرجل بفضلها، مطلقا سواء أشَرَعا معًا في الطهارة أم لا، خلت به أم لا، حائضا كانت، أم لا، جنبا كانت أم لا، وهو قول عمر بن الخطاب، وعبد الله بن سرجس، والحكم بن عمرو الغفاري، وسعيد بن المسيب، وابن حزم، واحتجوا بالحديث السابق في الباب الماضي. وأجيب عنه بما سيأتي قريبًا.
الثاني: المنع فيما إذا خلت به، والجواز إذا تطهرا معًا وإليه ذهب داود، إسحاق، وأحمد في رواية عنه قائلا: إن الأحاديث في جواز ذلك ومنعه مضطربة، لكن صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به، وأجيب بأن اضطراب الأحاديث إنما يضر عند تعذر الجمع، وهو هنا ممكن يحمل أحاديث النهي على التنزيه، وبأن الجواز مطلقًا روى عن جمع من الصحابة منهم علي، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة،
стр. 2241
وأنس، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، وأم هانئ، ﵃.
الثالث: منع تطهره بفضلها إذا كانت جنبًا أو حائضًا، وإلا فلا منع، ولا دليل على هذا التخصيص، وقد نُسب هذا القول لابن عمر، والشعبي، والأوزاعي. هكذا في المنهل ج ١ ص ٢٧٥ خص المنع عند هؤلاء بالرجل، والذي في الأوسط لابن المنذر ج ١ ص ٢٩٣ منع كل
واحد من الرجل والمرأة التطهر بفضل الآخر إذا كان الرجل جنبا أو المرأة جنبًا أو حائضًا.
الرابع: أنه لا يجوز تطهير كل بفضل طهور الآخر إلا أن يغترفا معا (١)، أخذا بظاهر الحديث السابق، لكنه معارض بحديث الباب، وبحديث ابن عباس ﵁، قال: "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يجنب": رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قاله المجد ابن تيمية في المنتقى.
وبحديث أم صُبَيَّة الجهنية ﵂، قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد". رواه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وهو حديث صحيح. وهذه الأحاديث أقوى من أحاديث المنع.
الخامس: منع تطهير كل بفضل الآخر، وإن شرعا معا، ونسب هذا إلى أبي هريرة ﵁، وأحمد، وحكاه ابن عبد البر عن قوم، وهو مردود بصريح الأحاديث السابقة الدالة على الجواز. ودعوى النووي الاتفاق على جواز ذلك للمرأة دون العكس يرده هذا القول، كما قاله الحافظ. وكذا دعوى الاتفاق على جوازه لهما إذا كانا جميعًا مردود به.
стр. 2242
السادس: جواز تطهير كل بفضل طهور الآخر مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وروي عن أحمد، وهو المختار، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من تطهره ﷺ بفضل بعض أزواجه، وتطهره معهن، وأجابوا عن أحاديث النهي بحملهما على ما تساقط من الأعضاء، أو أن النهي محمول على التنزيه، على أن الخطابي قال: إن أحاديث النهي إن ثبتت فهي منسوخة.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى النسخ غير صحيح، لعدم العلم بالتاريخ, ولأنه لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا ممكن يحمل النهي على التنزيه بنرينة الأحاديث الدالة على الجواز. كما قاله الحافظ في الفتح.
وقال العلامة الشوكاني ﵀: لا يقال: إن فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله الخاص بالأمة (١) , لأنا نقول: إن تعليله الجواز بأن الماء لا يجنب مشعر بعدم اختصاص ذلك به. وأيضا النهي غير مختص بالأمة لأن صيغة الرجل تشمله ﷺ بطريق الظهور، وقد تقرر دخول المخاطب في خطاب نفسه، نعم لو لم يرد ذلك التعليل كان فعله ﷺ مخصصا له من عموم الحديثين السابقين -يعني حديث الحكم الغفاري، وحديث الرجل الذي صحب النبي ﷺ أربع سنين-.
قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن أقوى المذاهب مذهب من قال بالجواز مطلقًا لقوة دليله، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2243
١٤٩ - بَابُ ذكرِ الاغْتِساَلِ فِي القَصْعَةِ التِي يُعْجَنُ فِيهاَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الاغتسال من الماء الذي في القصعة التي يعجن فيها، وإن كان فيها أثر العجين، لكونه طاهرًا، لا يُخرج الماءَ عن الطهورية. والقصعة: بفتح فسكون: الصحفة الضخمة تشبع العشرة، والجمع قصاع وقصع. اهـ لسان.
وفي المصباح: والجمع قِصَع، مثل بَدْرَة وبِدر، وقصاع أيضًا مثل كَلبَة، وكلاب، وقَصَعَات، مثل سجدة وسَجَدات، وهي عربية، وقيل: معرّبة. اهـ.
وقوله: في القصعة أي من القصعة، ففي بمعنى "من".
ويُعجن: فعل مضارع مغير الصيغة، يقال: عجن الشيء، يعجنه عجنًا من باب ضرب، فهو معجون، وعَجين، واعتجنه: اعتمد عليه بجُمْعه يَغْمزه. أفاده في اللسان.
ومقصود المصنف من هذه الترجمة الاستدلال على أن الماء إذا خالطه شيء من الطاهرات لا يخرجه عن الطهورية، ما لم يغيره، وهذا بالإجماع، إلا ما حُكي عن أم هانئ، والزهري في كسرة بُلَّت في ماء غيَّرت لونه، أو لم تغيره، لا يجوز الوضوء به. وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في المسائل. إن شاء الله تعالى.
٢٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اغْتَسَلَ هُوَ، وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ.
стр. 2244
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن بشار) أبو بكر بندار البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي، أبو سعيد البصري ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٣ - (إبراهيم بن نافع) المخزومي، أبو إسحاق المكي، يقال: أنه ابن أخت عطاء، الكيخاراني (١) روى عن الحسن بن مسلم بن يناق، وابن أبي نجيح، وكثير بن كثير، وعطاء بن أبي رباح، وعدة. وعنه ابن المبارك، وابن مهدي، وأبو عامر العقدي، وأبو نعيم، وخلاد بن يحيى، ويحيى بن أبي بكير، قال ابن عيينة: كان حافظا، وقال ابن مهدي: كان أوثق شيخ بمكة، وقال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وفي مسند يعقوب بن شيبة: قال وكيع: كان إبراهيم يقول بالقدر، وقال يعقوب: وكان أحمد يطريه، وذكره ابن حبان في الثقات.
٤ - (ابن أبي نجيح) عبد الله بن يسار، أبو يسار الثقفي مولاهم المكي، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة مات سنة ١٣١، أو بعدها. تقدم في ١١٢/ ١٥٥.
٥ - (مجاهد) بن جبر الإمام الثقة الحجة المكي -٣ - تقدم في ٢٧/ ٣١.
٦ - (أم هانئ) فاختة، وقيل: هند بنت أبي طالب ﵂. تقدمت في ١٤٣/ ٢٢٥. والله تعالى أعلم.
стр. 2245
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين، وهما ابن بشار، وعبد الرحمن، ومكيين: وهم الباقون، وأن شيخه أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، كما تقدم
غير مرة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أم هانئ) فاختة بنت أبي طالب أخت علي ﵄ (أن رسول الله ﷺ اغتسل هو) إنما أتى بالضمير المنفصل للقاعدة المشهورة التي ذكرها ابن مالك بقوله:
وَإنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير المُنْفَصلْ
(وميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦ (من إناء واحد) "من" ابتدائية، أي من ماء في إناء واحد (في قصعة) "في" بمعنى "من" والجار والمجرور بدل مما قبله، والقصعة بفتح فسكون: وعاء يؤكل فيه ويُثْرَدُ، وكان يتخذ من الخشب غالبًا، جمعه قصاع، وقصع، وقصعات. قاله في المعجم الوسيط. وتقدم في أول الباب نقلا عن اللسان والمصباح (فيها أثر العجين) جملة في محل جر صفة لقصعة، و"العجين" فعيل بمعنى مفعول، وهو الطحين المعجون
بالماء، أفاده في المعجم، وقال الشنقيطي في شرحه: هو الدقيق المبتل بالماء، والمراد هنا الشيء اليسير الباقي بعد الغسل، ولا يؤثر مثله في الماء غالبا، وهذا كثيرا ما يوجد في أواني البوادي لا سيما والغالب عليهم عدم استعمال المزيل كالصابون ونحوه. اهـ. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.