وأنس، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، وأم هانئ، ﵃.
الثالث: منع تطهره بفضلها إذا كانت جنبًا أو حائضًا، وإلا فلا منع، ولا دليل على هذا التخصيص، وقد نُسب هذا القول لابن عمر، والشعبي، والأوزاعي. هكذا في المنهل ج ١ ص ٢٧٥ خص المنع عند هؤلاء بالرجل، والذي في الأوسط لابن المنذر ج ١ ص ٢٩٣ منع كل
واحد من الرجل والمرأة التطهر بفضل الآخر إذا كان الرجل جنبا أو المرأة جنبًا أو حائضًا.
الرابع: أنه لا يجوز تطهير كل بفضل طهور الآخر إلا أن يغترفا معا (١)، أخذا بظاهر الحديث السابق، لكنه معارض بحديث الباب، وبحديث ابن عباس ﵁، قال: "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال: "إن الماء لا يجنب": رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قاله المجد ابن تيمية في المنتقى.
وبحديث أم صُبَيَّة الجهنية ﵂، قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد". رواه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وهو حديث صحيح. وهذه الأحاديث أقوى من أحاديث المنع.
الخامس: منع تطهير كل بفضل الآخر، وإن شرعا معا، ونسب هذا إلى أبي هريرة ﵁، وأحمد، وحكاه ابن عبد البر عن قوم، وهو مردود بصريح الأحاديث السابقة الدالة على الجواز. ودعوى النووي الاتفاق على جواز ذلك للمرأة دون العكس يرده هذا القول، كما قاله الحافظ. وكذا دعوى الاتفاق على جوازه لهما إذا كانا جميعًا مردود به.
стр. 2242
السادس: جواز تطهير كل بفضل طهور الآخر مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وروي عن أحمد، وهو المختار، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من تطهره ﷺ بفضل بعض أزواجه، وتطهره معهن، وأجابوا عن أحاديث النهي بحملهما على ما تساقط من الأعضاء، أو أن النهي محمول على التنزيه، على أن الخطابي قال: إن أحاديث النهي إن ثبتت فهي منسوخة.
قال الجامع عفا الله عنه: دعوى النسخ غير صحيح، لعدم العلم بالتاريخ, ولأنه لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا ممكن يحمل النهي على التنزيه بنرينة الأحاديث الدالة على الجواز. كما قاله الحافظ في الفتح.
وقال العلامة الشوكاني ﵀: لا يقال: إن فعل النبي ﷺ لا يعارض قوله الخاص بالأمة (١) , لأنا نقول: إن تعليله الجواز بأن الماء لا يجنب مشعر بعدم اختصاص ذلك به. وأيضا النهي غير مختص بالأمة لأن صيغة الرجل تشمله ﷺ بطريق الظهور، وقد تقرر دخول المخاطب في خطاب نفسه، نعم لو لم يرد ذلك التعليل كان فعله ﷺ مخصصا له من عموم الحديثين السابقين -يعني حديث الحكم الغفاري، وحديث الرجل الذي صحب النبي ﷺ أربع سنين-.
قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن أقوى المذاهب مذهب من قال بالجواز مطلقًا لقوة دليله، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2243
١٤٩ - بَابُ ذكرِ الاغْتِساَلِ فِي القَصْعَةِ التِي يُعْجَنُ فِيهاَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الاغتسال من الماء الذي في القصعة التي يعجن فيها، وإن كان فيها أثر العجين، لكونه طاهرًا، لا يُخرج الماءَ عن الطهورية. والقصعة: بفتح فسكون: الصحفة الضخمة تشبع العشرة، والجمع قصاع وقصع. اهـ لسان.
وفي المصباح: والجمع قِصَع، مثل بَدْرَة وبِدر، وقصاع أيضًا مثل كَلبَة، وكلاب، وقَصَعَات، مثل سجدة وسَجَدات، وهي عربية، وقيل: معرّبة. اهـ.
وقوله: في القصعة أي من القصعة، ففي بمعنى "من".
ويُعجن: فعل مضارع مغير الصيغة، يقال: عجن الشيء، يعجنه عجنًا من باب ضرب، فهو معجون، وعَجين، واعتجنه: اعتمد عليه بجُمْعه يَغْمزه. أفاده في اللسان.
ومقصود المصنف من هذه الترجمة الاستدلال على أن الماء إذا خالطه شيء من الطاهرات لا يخرجه عن الطهورية، ما لم يغيره، وهذا بالإجماع، إلا ما حُكي عن أم هانئ، والزهري في كسرة بُلَّت في ماء غيَّرت لونه، أو لم تغيره، لا يجوز الوضوء به. وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك في المسائل. إن شاء الله تعالى.
٢٤٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اغْتَسَلَ هُوَ، وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ.
стр. 2244
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن بشار) أبو بكر بندار البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي، أبو سعيد البصري ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٣ - (إبراهيم بن نافع) المخزومي، أبو إسحاق المكي، يقال: أنه ابن أخت عطاء، الكيخاراني (١) روى عن الحسن بن مسلم بن يناق، وابن أبي نجيح، وكثير بن كثير، وعطاء بن أبي رباح، وعدة. وعنه ابن المبارك، وابن مهدي، وأبو عامر العقدي، وأبو نعيم، وخلاد بن يحيى، ويحيى بن أبي بكير، قال ابن عيينة: كان حافظا، وقال ابن مهدي: كان أوثق شيخ بمكة، وقال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وفي مسند يعقوب بن شيبة: قال وكيع: كان إبراهيم يقول بالقدر، وقال يعقوب: وكان أحمد يطريه، وذكره ابن حبان في الثقات.
٤ - (ابن أبي نجيح) عبد الله بن يسار، أبو يسار الثقفي مولاهم المكي، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة مات سنة ١٣١، أو بعدها. تقدم في ١١٢/ ١٥٥.
٥ - (مجاهد) بن جبر الإمام الثقة الحجة المكي -٣ - تقدم في ٢٧/ ٣١.
٦ - (أم هانئ) فاختة، وقيل: هند بنت أبي طالب ﵂. تقدمت في ١٤٣/ ٢٢٥. والله تعالى أعلم.
стр. 2245
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين، وهما ابن بشار، وعبد الرحمن، ومكيين: وهم الباقون، وأن شيخه أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، كما تقدم
غير مرة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أم هانئ) فاختة بنت أبي طالب أخت علي ﵄ (أن رسول الله ﷺ اغتسل هو) إنما أتى بالضمير المنفصل للقاعدة المشهورة التي ذكرها ابن مالك بقوله:
وَإنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير المُنْفَصلْ
(وميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦ (من إناء واحد) "من" ابتدائية، أي من ماء في إناء واحد (في قصعة) "في" بمعنى "من" والجار والمجرور بدل مما قبله، والقصعة بفتح فسكون: وعاء يؤكل فيه ويُثْرَدُ، وكان يتخذ من الخشب غالبًا، جمعه قصاع، وقصع، وقصعات. قاله في المعجم الوسيط. وتقدم في أول الباب نقلا عن اللسان والمصباح (فيها أثر العجين) جملة في محل جر صفة لقصعة، و"العجين" فعيل بمعنى مفعول، وهو الطحين المعجون
بالماء، أفاده في المعجم، وقال الشنقيطي في شرحه: هو الدقيق المبتل بالماء، والمراد هنا الشيء اليسير الباقي بعد الغسل، ولا يؤثر مثله في الماء غالبا، وهذا كثيرا ما يوجد في أواني البوادي لا سيما والغالب عليهم عدم استعمال المزيل كالصابون ونحوه. اهـ. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2246
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم هانئ ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٤٩/ ٢٤٠ - وفي الكبرى -١٣٧/ ٢٤٢ - عن بندار، عن ابن مهدي، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عنها.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ق) في الطهارة ٣٥/ ٣ عن أبي عامر عبد الله بن عامر الأشعري، عن يحيى بن أبي بكير، كلاهما عن إبراهيم بن نافع به.
وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وأشار له الترمذي.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث ما ترجم له المصنف، وهو جواز الاغتسال من ماء خالطه العجين، ويقاس عليه كل طاهر خالط الماء، وحسن عشرة النبي ﷺ لأهله، ويسر الشريعة حيث لم يضيق علينا بإيجاب انفراد كل أحد من الرجال والنساء في الطهارة.
المسألة الخامسة: ذكر أقوال العلماء في الماء المضاف إلى اسم شيء غيره أنه على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما لا تحصل به الطهارة، وهو على ثلاثة أنواع:
أحدها: ما اعتصر من الطاهرات، كماء الورد، وماء القرنفل، وما ينزل من عروق الشجر إذا قطعت رطبة.
الثاني: ما خالطه طاهر فغير اسمه وغلب على أجزائه حتى صار صبغًا، أو حبرًا، أو خلا، أو مرقًا، ونحو ذلك.
الثالث: ما طبخ فيه طاهر فتغير به كماء الباقلا المُغْلَى، فجميع هذه الأنواع لا يجوز بها الوضوء ولا الغسل، قال ابن قدامة ﵀ في
стр. 2247
المغني: لا نعلم فيه خلافا، إلا ماح كي عن ابن أبي ليلى والأصم في المياه المعتصرة أنها يرفع بها الحدث ويزال بها النجس, ولأصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلا المغلى، وسائر من بلغنا قوله من أهل العلم على خلافهم. قال أبو بكر بن المنذر: أجمع كل من نحفظ قوله من أهل العلم أن الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء.
النوع الثاني: ما خالطه طاهر يمكن التحرز منه فغير إحدى صفاته -طعمه، أو لونه، أو ريحه- كماء الباقلاء، وماء الحمص، وماء الزعفران، فقد اختلف أهل العلم في جواز الوضوء به، فقيل لا يجوز التطهر به، وإليه ذهب مالك، والشافعي وإسحاق، وهو رواية عن أحمد، وهي أصح الروايتين في مذهبه، وفيه رواية عنه: يجوز، وبه يقول أبو حنيفة، وأصحابه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وهذا عام في كل ماء؛ لأنه نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تعم، فلا يجوز التيمم مع وجود الماء، وأيضًا قول النبي ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: "التراب كافيك ما لم تجد الماء" وهذا واجد للماء، ولأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون، وغالب أسقيتهم الأدم، والغالب أنها تغير الماء، ولم ينقل تيمم مع وجود شيء من تلك المياه. ولأنه طهور خالطه طاهر لم يسلبه اسم الماء ولا رقته ولا جريانه فأشبه المتغير بالدهن. ووجه الأول أنه ماء تغير بمخالطة ما ليس بطهور يمكن الاحتراز منه، فلم يجز الوضوء به كماء الباقلا المغلى، ولأنه زال عن إطلاقه، فأشبه المغلى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال بالجواز هو الراجح عندي لأن حديث الباب نص فيه، وللأدلة التي ذكرها المجوزون. والله أعلم.
النوع الثالث: من المضاف ما يجوز به التطهر اتفاقا، وهو على أربعة أنواع.
стр. 2248
أحدها: ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر، وهذا لا اختلاف بين هل العلم فيه.
الثاني: ما لا يمكن التحرز منه كالطُّحْلُب، وسائر ما ينبت في الماء، وورق الشجر الذي يسقط في الماء، أو تحمله الريح فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان، والتبن، ونحو ذلك، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء كالكبريت، والقار، وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به أو كان في الأرض التي يقف الماء فيها، وهذا كله يعفى عنه لأنه يشق التحرز عنه.
الثالث: ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة والطهورية كالتراب إذا غير الماء لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء، فإن ثَخُنَ بحيث لا يجرى على الأعضاء لم تجز الطهارة به لأنه طين وليس بماء، ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد، وكذلك الملح الذي أصله الماء كالبحري والملح الذي ينعقد من الماء الذي يرسل على السبخة فيصير ملحا، فلا يسلب الطهورية, لأن أصله الماء فهو كالجليد (١) والثلج، وإن كان معدنيًا ليس أصله الماء فهو كالزعفران وغيره.
الرابع: ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة كالدهن على اختلاف أنواعه، والطاهرات الصلبة، كالعود، والكافور، والعنبر، إذا لم يهلك في الماء، ولم يَمُعْ فيه (٢) لا يخرج به عن إطلاقه, لأنه تغير مجاورة أشبه ما لو تروح الماء بريح شيء على جانبه، قال ابن قدامة ﵀: ولا نعلم في هذه الأنواع خلافًا، وفي معنى المتغير بالدهن ما تغير بالقطران والزفت والشمع, لأن في ذلك دهنية يتغير بها الماء تغير مجاورة فلا يمنع كالدهن. ذكر هذا البحث كله الموفق ﵀ في المغني ج ١ ص ١٠ - ١٣. والله تعالى أعلم.
стр. 2249
١٥٠ - بَابُ تَرْكِ المَرْأةِ نَقْضَ ضَفْرِ رأسِهاَ عِنْدَ اغْتِساَلِهاَ مِنَ الجَنَابَة
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك المرأة نقض شعرها المفتول عند اغتسالها من أجل الجنابة.
والترك: بفتح فسكون: وَدْعُكَ الشيءَ، يقال: تركه يَتْرُكُه تَرْكًا، واتَّركه. وتركتُ الشيء تركا خَلَّيته. أفاده في اللسان.
والنقض بفتح فسكون: مصدر، يقال: نقضت الحبل نقضا من باب قتل: حَلَلت برْمَهُ. ومنه يقال: نقضت ما أبرمه إذا أبطلته. قاله في المصباح.
والضَّفْر بفتح فسكون: نسج الشعر وغيره عَريضًا، والتضفير مثله، والضفيرة: العقيصة وقد ضَفَرَ الشعر، ونحوه يَضْفرُه ضَفْرا من باب ضرب: نسج بعضه على بعض، والضفر: الفَتْل، وانضفر الحَبْلان: إذا التَوَيَا معًا. ويقال للذؤابة: ضَفيرة، وكل خُصْلَة من خُصَل شعر المرأة تُضفَر على حدة: ضفيرة، وجمعها ضفائر. أفاده في اللسان.
والمراد بالضَّفْر هنا المضفور تسمية بالمصدر، ويحتمل أن يكون الضُّفُر بضمتين جمع ضَفيرة، وهي الخُصْلة، بضم فسكون، وهو الشعر المجتمع.
فالإضافة في قوله: "ترك المرأة" من إضافة المصدر إلى فاعله، و"نقض" مفعوله، وفي "نقض ضفر رأسها" من إضافة المصدر إلى مفعوله.
стр. 2250
٢٤١ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهَا عِنْدَ غَسْلِهَا مِنَ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَى جَسَدِكِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سليمان بن منصور) البلخي البزاز الدُّهْني الجَرْمي، لقبه زَزغَنْدَهْ ثقة لا بأس به -١٠ - تقدم في-٦٠/ ٧٥.
٢ - (سفيان) بن عيينة المكي ثقة حجة إمام -٨ - تقدم في ١/ ١.
٣ - (أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، أبو موسى المكي، ثقة -٦ - . روى عن نافع، ومكحول، وحميد بن نافع، وسعيد المقبري، والزهري، ومحمد بن كعب القرظي، وأبيه موسى، وجده سعيد بن العاص ولم يدركه، وجماعة. وعنه يحيى بن سعيد، وهو من أقرانه، وشعبة، والسفيانان، والليث، وابن جريج، وعمرو ابن الحارث. وغيرهم.
قال البخاري عن ابن المديني: له نحو أربعين حديثا، وقال أحمد، وابن معين، والنسائي، والعجلي، وابن سعد: ثقة، زاد أحمد: ليس
стр. 2251
به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطني: أيوب هو ابن عم إسماعيل بن أمية ثقتان، وقال ابن عيينة: كان أيوب أفقههما. ووثقه أبو داود، وابن عبد البر، وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع، وشذ الأزدي، فقال: لا يقوم إسناد حديثه، ولا عبرة بنول الأزدي. مات سنة -١٣٢ - وقيل غير ذلك، وقال ابن حبان في الثقات: مات في حبس داود بن علي مع إسماعيل بن أمية. أخرج له الجماعة.
٤ - (سعيد بن أبي سعيد) المقبري المدني ثقة -٣ - تقدم في ٩٥/ ١١٧.
٥ - (عبد الله بن رافع) المخزومي أبو رافع المدني مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ . روى عنها، وعن حجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه أفلح بن سعيد القُبَائي، وأيوب بن خالد بن صفوان، وبكير بن الأشج، وأبو صخر حميد بن زياد، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، والقاسم بن عباس الهاشمي، وموسى بن عُبَيدَة الرَّبذي وغيرهم، وهو من أقرانه، قال العجلي، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة، إلا البخاري.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين بلخي، وهو شيخه، ومكيين، وهما سفيان، وأيوب، ومدنيين، وهم الباقون، وأن شيخه ممن انفرد هو به عن بنية الستة، وأما الباقون فأخرجوا لهم، إلا عبد الله بن رافع، فلم يخرج له البخاري، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه الإخبار، والعنعنة، والقول، وهي من صيغ الاتصال على الأصح في "عن" إن كانت من غير المدلس.
стр. 2252
شرح الحديث
(عن أم سلمة) ﵂ (زوج النبي ﷺ ) بالجر بدل من أم سلمة أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع، والنصب بتقدير هو، وأعني.
والزوج بلا هاء هى اللغة الفصحى في المرأة، ويقال فيها زوجة أيضا، قال في اللسان: وزوج المرأة بعلها، وزوج الرجل: امرأته، وقال ابن سيده: والرجل زوج المرأة، وهي زوجه وزوجته، وأباها الأصمعي بالهاء، وزعم الكسائي عن القاسم بن معن أنه سمع من أزد شنوءة بغير هاء، والكلام بالهاء، ألا ترى أن القرآن جاء بالتذكير؟: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] هذا كله قول اللحياني، وقال بعض النحوين: أما الزوج، فأهل الحجاز يضعونه للمذكر والمؤنث وضعا واحدا، تقول المرأة: هذا زوجي، ويقول الرجل: هذه زوجي، قال الله : ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠]: أي امرأة مكان امرأة، ويقال أيضا: هي زوجته، قال الشاعر (من البسيط):
يَا صَاح بَلِّغْ ذَوي الزَّوْجَات كُلِّهِمِ … أنْ ليْسَ وَصْلٌ إذَا انْحَلَّتْ عُرَى الذَّنَبِ
وبنو تميم يقولون: هي زوجته. وأبا الأصمعي، فقال: زوج لا غير، ورُدَّ عليه لثبوته في أشعار العرب، كما في البيت السابق، وكما في قول الفرزدق (من الطويل):
وإنَّ الذي يَسْعَى يُحَرِّشُ زَوْجَتِي … كَسَاع إلَى أسْد الشَّرى يَسْتَبيلُهَا
اهـ لسان بتصرف.
стр. 2253
أنها (قالت) وهكذا عند مسلم أن السائلة هي أم سلمة، ومثله عند أبي داود من رواية زهير بن حرب، وعنده من رواية أحمد بن عمرو بن السرح "أن امرأة من المسلمين"، فأبهمها (يا رسول الله إني امرأة أشد) من بابي نصر، وضرب، أي أحْكمُ (ضفر رأسي) أي نسج شعر رأسي وإدخال بعضه في بعض. قال النووي ﵀: هو بفتح الضاد وإسكان الفاء، هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث، والمستفيض عند المحدثين، والفقهاء، أي أحكمُ فتل شعري، وقال الإمام ابن برّي في الجزء الذي صنفه في لحن الفقهاء: من ذلك: قولهم في حديث أم سلمة: "أشد ضَفْر رأسي"، يقولونه بفتح العشاء وإسكان الفاء، وصوابه ضم الضاد والفاء جمع ضفيرة، كسفينة وسُفُن، وهذا الذي أنكره رحمه الله تعالى ليس كما زعمه، بل الصواب جواز الأمرين، ولكل منهما مَعْنىً صحيح، ولكن يترجح ما قدمناه لكونه المروي المسموع في الروايات الثابتة المتصلة. اهـ كلام النووي. في شرح مسلم ج ٣ ص ١١.
وفي النسخة الهندية "إني امرأة شديدة ضفيرة رأسي"، والضفيرة: كل خُصْلة من خُصَل شعر المرأة تضفر على حدة، جمعها ضفائر، وقال الأصمعي: هي الضفائر، والجَمَائر، وهي غدائر المرأة، واحدتها ضَفيرة وجميرة، ولها ضفيرتان، وضَفْران أيضًا، أي عقيصتان، وقال أبو زيد: الضفيرتان للرجال دون النساء، والغدائر للنساء، وهي المضفورة. أفاده في اللسان.
وعلى هذه النسخة يكون "شديدة" صفة مشبهة نعتًا لامرأة، و"ضفيرة" مرفوع به، ويؤيد صحة هذه النسخة تأنيث الضمير في قوله: (أفأنقضها عند غسلها) وما وقع في النسخة المصرية من تأنيث الضميرين مع رواية "إني امرأة أشد ضفر رأسي" فأظنه من تخليط النساخ، فإن في هذه
стр. 2254
الرواية الضميران مذكران كما عند مسلم وغيره، وكذا أشار في هامش الهندية إلى أنه يوجد في نسخة عند النسائي كرواية الجماعة، "إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفانقضه عند غسله"، وهذه النسخة هي التي شرح عليها السندي.
والهمزة في قوله "أفأنقضها" داخلة على محذوف، أي لا يجزيني غسل الشعر مضفورًا، فأنقضه عند إرادة غسله من أجل الجنابة، أو هي مقدمة من تأخير، كما تقدم البحث عنه.
(من الجنابة) أي للجنابة، أو بسببها، وتقدم معنى الجنابة.
وهي إنما سألت عن الوجوب أي هل يجب عليَّ نقضه أم لا؟، بدليل قوله في الجواب (إنما يكفيك) أي يجزيك، والكاف مكسورة لأن الخطاب للمؤنث (أن تحثي) بكسر الثاء المثلثة، وسكون الياء، أصله
تحثيين، كتضربين، أو تحثوين كتنصرين فحذفت حركة حرف العلة للاستثقال (١)، ثم حرف العلة لالتقاء الساكنين، ثم النون للنصب، قال القاري: ولا يجوز فيه النصب يعني أنه لا يجوز فتح الياء من تحثي لأجل النصب لأن هذه الياء ليست جزء الكملة التي تفتح إذا دخل الناصب على الفعل، وإنما هى ضمير المؤنثة. والحثي: الرمي، والمراد به هنا الصبّ.
قال في المصباح: وحثا الرجل التراب يحثوه حثوا، ويحثيه حثيا من باب رمى لغة إذا هاله (٢) بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه، ومنه "فاحثوا التراب في وجهه" ولا يكون إلا بالقبض والرمي. اهـ (على رأسك ثلاث حثيات) أي ثلاث غرفات، واحدتها حثية، قال النووي
стр. 2255
رحمه الله: ثلاث حثيات هي بمعنى الحفنات في الرواية الأخرى، والحفنة ملء الكفين من أي شيءكان. اهـ
فقوله "أن تحثي" في تأويل المصدر فاعل يكفي، و"على رأسك" متعلق بـ"تحثي"، و"ثلاث" مفعول مطلق لـ"تحثي" على النيابة، وأصله حثيات ثلاثًا، وقوله (من ماء) بيان لثلاث حثيات (ثم تفيضين) بإثبات النون على أنه مرفوع مستأنف، وفي بعض النسخ ثم تفيضي بحذفها عطفا على "تحثي" فهو منصوب، وفي بعضها بإثبات النون في الفعلين، ويُؤَوَّل على إهمال "أن" حملا لها على "ما" المصدرية كما قال ابن مالك:
وَبَعْضُهُمْ أهْمَلَ أنْ حَمْلًا عَلَى … مَا أخْتهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلا
وهو لغة، لا ضرورة، قال الشاعر:
أَنْ تَقْرَآن عَلَى أسمَاءَ وَيْحكمَا … منِّي السَّلامَ وأَنْ لا تُشْعرَا أَحَدَا
و"تفيضين" مضارع "أفاض"، بمعنى "صب"، وحذف مفعوله للعلم به، أي الماءَ (على جسدك) أي جمسك، والمراد بنية جسدها , لا ما يشمل الرأس، لما في أبي داود والترمذي من قوله: "على سائر جسدك"، وعند مسلم وأبي داود، والترمذي زيادة "فتطهرين"، وهذا يدل على أن هذا الفعل من الحثيات الثلاث، والإفاضة يكفي في تمام الطهارة، ولا يحتاج إلى الدلك، وهو مذهب الجمهور، وقالت المالكية بوجوب الدلك. قلت: الراجح قول الجمهور لعدم نص يدل على وجوبه. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الباب
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم سلمة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٥٠/ ٢٤١
стр. 2256
وفي الكبرى ١٣٨/ ٢٤٣ عن سليمان بن منصور، عن ابن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن رافع، عنها.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة ٤٦/ ١ عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعَمْرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عُمر، أربعتهم عن سفيان بن عيينة، به. و ٤٦/ ٢ عن عمرو الناقد، عن يزيد بن هارون، و ٤٦/ ٢ عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، كلاهما عن سفيان الثوري، و ٤٦/ ٣ عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن زكريا بن عدي، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم كلاهما عن أيوب بن موسى نحوه.
وأخرجه (د) فيه ١٠٠/ ١ عن زهير بن حرب، وابن السرح- كلاهما عن سفيان بن عيينة به. وأخرجه (ت) فيه ٧٧ عن ابن أبي عمر به، وقال حسن صحيح. وأخرجه (ق) فيه ١٥٠ عن أبي بكر بن أبي شيبة به. ورواه البيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد الحديث ما ترجم له المصنف، وهو عدم وجوب نقض المرأة شعرها في حالة غسلها من الجنابة، وأنه ينبغي للإنسان أن يسأل ما يجهله من أمر دنيه، وأن المرأة يجب عليها أن تحثي ثلاث حثيات من الماء على رأسها، وتعمم جسدها بالماء.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في نقض الشعر عند الاغتسال: ذهب الجمهور إلى أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة أو الحيض يكفيها أن تحثي على رأسها ثلاث حثيات، ولا يجب عليها نقض شعرها.
وذهب النخعي إلى وجوبه للجنابة والحيض.
وذهب الحسن البصري، وطاوس إلى وجوبه في الحيض دون الجنابة، وبه يقول أحمد، ورجح جماعة من أصحابه أنه للاستحباب فيهما.
стр. 2257
وروى عن مالك أنه لا يجب النقض لا على الرجال، ولا على النساء.
قال الشوكاني ﵀: ووجه ما ذهب إليه عموم نهيه ﷺ عن نقض الشعر ولم يخص رجلا من امرأة، ولا يلزم من كون السائل عن ذلك من النساء أن يكون الحكم مختصًا بهن اعتبارًا بعموم النهي، كذا قال ابن سيد الناس. ووجه من ذهب إلى التفرقة حديث ثوبان ﵁: أنهم استفتوا النبي ﷺ ؟ فقال: "أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن تنقضه".
أخرجه أبو داود، وأكثر ما علل به أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من مروياته عن الشاميين، وهو قوي فيهم فيقبل، وصححه الشيخ الألباني.
ووجه ما روي عن النخعي أن عموم الغسل يجب في جميع الأجزاء من شعر وبشر، وقد يمنع ضفر الشعر من ذلك. ولعله لم تبلغه الرخصة في ذلك للنساء.
ووجه ما ذهب إليه الحسن، وطاوس، وأحمد من التفرقة بين الحيض والجنابة حديث عائشة ﵂ حيث قال لها النبي ﷺ وكانت حائضا: "انقضي شعرك واغتسلي" رواه ابن ماجه، وهو عند الجماعة إلا الترمذي، ولكن ليس فيه ذكر الغسل. ورُدَّ عليهم بأن هذا الغسل للتنظيف للإحرام بالحج لا للطهارة من الحيض بدليل أنها كانت وقت ذاك حائضًا لم تطهير.
قال في المنهل: نعم في المسألة حديث واضح أخرجه الدارقطني في الأفراد، والطبراني، والخطيب في التلخيص، والضياء المقدسي من حديث أنس مرفوعًا: "إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضًا، وغسلته بخطمي وأشنان، وإن اغتسلت من جنابة صبت الماء على
стр. 2258
رأسها صبا وعصرته". فهذا الحديث، وقد أخرجه الضياء وهو يشترط الصحة فيما يخرجه يثمر الظن في العمل به، ولكن يحمل هذا على الندب لذكر الخطمي والأشنان، إذ لا قائل بوجوبهما، فهو قرينة على الندب، وحديث أم سلمة محمول على الإيجاب كما قال: "إنما يكفيك" فإذا زادت نقض الشعر كان ندبا. اهـ المنهل ج ٣ ص ٢٧.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي قول الجمهور من أن المرأة يكفيها أن تحثي على رأسها ثلاثا، لما في رواية مسلم من حديث أم سلمة ﵂ بزيادة الحيضة من رواية عبد الرزاق، عن الثوري، وهي زيادة ثقة غير منافية لرواية غيره. وأما دعوى ابن القيم شذوذها فغير صحيح. هذا في حق المرأة، وأما الرجل فيجب عليه النقض إذا لم يصل إلى أجزائه، لما تقدم من حديث ثوبان ﵁، وحديث علي مرفوعا "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فَعَل الله به كذا وكذا من النار"، قال علي: ومن ثَمَّ عاديت شعري، رواه أحمد، وأبو داود، وزاد: وكان يجُرُّ شعره ﵁.
قال الحافظ: وإسناده صحيح، لكن قيل: إن الصواب وقفه. اهـ
قلت: وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه كما هو ظاهر، لا سيما ويشهد له حديث ثوبان. فتأمل. وأما حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر"، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي، فلا يصلح للاستشهاد به للاتفاق على تضعيف الحارث ابن وجيه الراوي عن مالك بن دينار.
والحاصل أن الرخصة في عدم النقض خاص بالنساء في الحيض والجنابة. وأما الرجال فهم على أصل وجوب تعميم أجزاء الشعر، والبشر. والله أعلم.
стр. 2259
١٥١ - بَابُ ذكْرِ الأمْرِ بِذَلِكَ للحاَئِضِ عِنْدَ الاغْتِساَلِ لِلإحْرَامِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الأمر بنقض ضفر الرأس للمرأة الحائض، عند اغتسالها لأجل إرادة الإحرام بالحج أو العمرة.
وأراد المصنف بهذه الترجمة أن محمل حديث عائشة ﵂ الذي فيه الأمر ينقض ضفرها على حالة الإحرام لأجل النظافة لا للطهارة من الحيض بدليل أن عائشة ﵂ كانت وقت اغتسالها حائضا، فلا يدل على أمر الحائض إذا طهرت من حيضها وهذا الذي أشار إليه المصنف هو الراجح. والله أعلم.
٢٤٢ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، حَدَّثَاهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْتُ بِالْعُمْرَةِ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
стр. 2260
بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إِلاَّ أَشْهَبُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن موسى بن ميسرة بن حفص بن خباب، الصدفي أبو موسى المصري. روى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأبي ضمرة، والشافعي، وأشهب، وغيرهم. وعنه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابنه أحمد بن يونس، وبقي بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وآخرون. قال أبو حاتم: سمعت أبا الطاهر بن السرح يحث عليه، ويعظم شأنه، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يوثقه ويرفع من شأنه، وقال النسائي: ثقة، وقال علي بن الحسن بن بريد: كان يحفظ الحديث، وقال الطحاوي: كان ذا عقل، حدثني علي بن عمرو بن خالد الحراني، سمعت أبي يقول: قال لي الشافعي: يا أبا الحسن انظر إلى هذا الباب فنظرت إليه، فقال: ما يدخل منه أحد أعقل من يونس بن عبد الأعلى، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أن دعوتهم في الصدف، وليسوا من أنفسهم، ولا من مواليهم. توفي غداة الاثنين ليومين مضيا من ربيع الآخر سنة ٢٦٤، وكان مولده في ذي الحجة سنة ١٧٠.
وقال الحافظ: وكان إمامًا في القراءات، قرأ على ورش، وغيره، وقرأ عليه ابن جرير الطبري، وجماعة، وقال أبو عمر الكندي: كان فقيرًا شديد التقشف مقبولا عند القضاة، قال يحيى بن حسان: يونسكم هذا
стр. 2261
من أركان الإسلام، قال أبو عمر: كان يستسقى بدعائه، وقال مسلمة ابن قاسم: كان حافظًا، وقد أنكروا عليه تفرده بروايته عن الشافعي حديث "لا مهدي إلا عيسى" أخرجه ابن ماجه عنه، وكذا الذهبي يَدَّعي أن يونس دلسه، ويستند في ذلك أن أبا الطاهر رواه عن يونس فقال: حُدِّثتُ عن الشافعي، لكن رواه ابن منده في فوائده من طريق الحسن بن يوسف الطرائفي وأبي الطاهر المذكور، كلاهما عن يونس، أنا الشافعي، ورواه يوسف الميانجي عن ابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وزكريا الساجي، وغير واحد، عن يونس، ثنا الشافعي، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
٢ - (أشهب) بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي، أبو عمرو الفقيه المصري، قيل اسمه مسكين، وأشهب لقبه. روى عن مالك، والليث، وسليمان بن بلال، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وعنه الحارث بن مسكين، وأبو الطاهر بن السرح، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن إبراهيم المواز المالكي، وغيرهم.
قال ابن يونس: أحد فقهاء مصر، وذوي رأيها، وقال ابن عبد البر: كان فقيها حسن الرأي والنظر، وقد فضله ابن عبد الحكم على ابن القاسم في الرأي، قال ابن عبد الحكم: سمعته يدعو في السجود على الشافعي بالموت، فمات الشافعي، ومات بعده أشهب بثمانية عشر يومًا، وقال ابن يونس: ولد سنة -١٤٥ - ومات يوم السبت لثمان بنين من شعبان سنة -٢٠٤ - وحكى عمرو بن سَوَّاد عن الشافعي أنه سمعه يقول: ما أخرجت مصر مثل أشهب لولا طيش فيه، وقال ابن حبان في الثقات:
كان فقيهًا على مذهب مالك، ذابّا عنه، وقال أحمد بن خالد: كان سحنون يقول: حدثني المتحري في سماعه -يعني أشهب. أخرج له أبو داود، والنسائي.
стр. 2262
٣ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني -٧ - تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري الحجة الثبت -٤ - تقدم في١/ ١.
٥ - (هشام بن عروة) المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١.
٦ - (عروة) بن الزبير أحد الفقهاء الأعلام ثقة -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء فقهاء، وأنهم مدنيون إلا يونس، وأشهب، فمصريان.
وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه: الإخبار، والتحديث، والعنعنة. وكلها من صيغ الاتصال على الراجح مع تفصيل في ذلك. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ أنها (قالت: خرجنا) أي من المدينة (مع رسول الله ﷺ ) الظرف في محل نصب على الحال من الفاعل (عام حجة الوداع) قال في المصباح: والعام: الحول، والنسبة إليه على لفظه، فيقال: نبت عامي إذا أتى عليه حول، فهو يابس، والعام في تقدير فَعَل بفتحتين، ولهذا يجمع على أعوام، مثل سَبَب وأسباب، قال ابن الجواليقي: ولا تفرق عوام الناس بين العام والسنة ويجعلونهما بمعنى، فيقولون لمن سافر في وقت من السنة أيّ وقت كان إلى مثله: عام، وهو غلط، والصواب ما أخبرتُ به عن أحمد بن يحيى أنه قال: السنة من أي يوم عددته إلى مثله، والعام لا يكون
стр. 2263
إلا شتاء وصيفا، وفي التهذيب أيضا العام حول يأتي على شَتْوة وصَيْفة، وعلى هذا فالعام أخص من السنة، فكل عام سنة، وليس كل سنة عاما، وإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف، ونصف الشتاء، والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء متواليين. اهـ المصباح ج ٢ ص ٤٣٨.
والحِجّة بالكسر المرة الواحدة من الحج، وهو من الشواذ؛ لأن القياس في المرة الفتح كما أن القياس في النوع الكسر، قال ابن مالك في الخلاصة:
وَفَعْلَةٌ لمَرَّة كَجَلسَه … وَفِعْلَةٌ لهَيْئَة كَجِلْسَهْ
وفي اللسان: ما حاصله: روي عن الأثرم وغيره: ما سمعنا من العرب حججت حَجة، ولا رأيت رَءية -يعني بالفتح- وإنما يقولون: حججت حجَّة، يعني بالكسر، ورأيت رُؤية -يعني بالضم-، وقال
الكسائي: كلام العرب كله على فعلت فَعلة إلا قولهم: حججت حجة ورأيت رُؤية.
لكن نقل قبل ذلك ما نصه: قال سيبويه: وقالوا: حَجة واحدة -يعني بالفتح- يريدون عمل سنة واحدة، وقال الأزهري: الحج: قضاء نسك سنة واحدة، وبعضٌ يكسر الحاء فيقول: الحِجّ والحِجَّة،
وقرىء: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، والفتح أكثر. فدل على أن سيبويه، والأزهري أثبتا الحَجة بالفتح أيضًا.
والحاصل أن الحجة بالكسر والفتح، والكسر أشهر.
والوداع: بفتح الواو، ويروى بكسرها من ودَّعه توديعًا، وهو مروي في صحيح البخاري بالوجهين، وأصله عند أهل اللغة توديع الناس بعضهم بعضا في المسير، وتوديع المسافر أهله إذا أراد سفرًا: تخليفه إياهم
стр. 2264
خافضين وادعين، وهم يودعونه إذا سافر تفاؤلا بالدَّعَة التي يصير إليها إذا قفل. قاله في اللسان.
وحجة الوداع: هى حجة النبي ﷺ ، وهي في السنة العاشرة من الهجرة، ولم يحج غيرها بعد الهجرة، قيل لها ذلك لأنه ودعّ الناس في خطبته فيها، ويقال لها حجة البلاغ لأنه سألهم فيها هل بلغهم، فقالوا: اللهم نعم، فقال: "اللهم اشهد".
قولها: وعام حجة الوداع منصوب على الظرفية بـ"خرجنا" (فأهللت بالعمرة) أي أحرمت ورفعت صوتي بالتلبية. وأصل الإهلال رفع الصوت، ومنه استهلال الصبي، وقيل للدخول في النسك إهلال لأن عادتهم يرفعون أصواتهم بالتلبية، قال كُثَيِّر (من الطويل):
فَقَدْ حَلَفَتْ جُهْدًا بمَا نَحَرَتْ لهُ … قُرَيْشٌ غَدَاةَ المأزِمَيْن وَصَلَّتِ
أنَاديكَ مَا حَجَّ الحَجِيجُ وَكَبَّرَتْ … بفَيْفَا غَزَال رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ
ولهذا قيل للشهر: هلال لأنهم يرفعون أصواتهم عند رؤيته. أفاده بعضهم.
وقولها فأهللتُ بالعمرة، اختلفت الرويات عنها فيما أحرمت به اختلافا كثيرا كما ذكره القاضي عياض، ففي رواية عروة عنها: "فأهللنا بعمرة"، وفي رواية أخرى "ولم أهل إلا بعمرة" وفي رواية "لا نذكر إلا الحج"، وفي أخرى "لا نَرَى إلا الحج"، وفي رواية القاسم عنها: "لبينا بالحج مهلين بالحج".
واختلف العلماء في هذا، فمنهم من رجح روايات الحج، وغلّط روايات العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، ومنهم من جمع لثقة رواتها بأنها أحرمت أولا بالحج، ولم تسق الهدي فلما أمر النبي ﷺ من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء فسخت هي فيمن
стр. 2265
فسخ، وجعلته عمرة، وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت فتعذر عليها إتمامها، والتحلل منها فأمرها أن تحرم بالحج، فأحرمت، فصارت قارنة، ووقفت، وهي حائض، ثم طهرت يوم النحر، فأفاضت، وذكر ابن حزم أنه ﷺ خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة، والتمادي عليه، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل إلا من صحب معه الهدي، والصحيح أنها حاضت بسرف أو قريب منها، فلما قدم مكة قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها عمرة".
وقال أبو عمر: الاضطراب عن عائشة في حديثها في الحج عظيم، وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه ودفع بعضهم بعضا فيه، ولم يستطيعوا الجمع بينها، ورام قوم الجمع في بعض معانيها. روى محمَّد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: ألا تعجب من اختلاف عروة والقاسم، قال القاسم: أهلت عائشة بالحج، وقال عروة: أهلت بالعمرة. وذكر الحارث بن مسكين، عن يوسف بن عمرو، عن ابن وهب، عن مالك، أنه قال: ليس العمل في رفض العمرة لأن العمل عليه عنده في أشياء كثيرة، منها أنه جائز للإنسان أن يهل بعمرة، ومنها أن القارن يطواف طوافًا واحدًا وغير ذلك.
وقال ابن حزم في "المحلى": حديث عروة، عن عائشة منكر وخطأ عند أهل العلم بالحديث، ثم روى بإسناده إلى أحمد بن حنبل، فذكر حديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: "خرجنا مع
رسول الله ﷺ عام حجة الوداع" الحديث ..
فقال أحمد: أشعر في هذا الحديث من العجب خطأ، قال الأثرم: فقلت له: الزهري، عن عروة، عن عائشة بخلافه؟ قال: نعم، وهشام ابن عروة.
стр. 2266
وفي التمهيد: دفع الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وابن علية، حديث عروة هذا، وقالوا: هو غلط لم يُتَابع عروةَ على ذلك أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء -يعني القاسم، والأسود، وعمرة- على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية عن عروة غلط. أفاده البدر العيني في عمدته ج ٣ ص ٢٨٩، وسيأتي تحقيق المسألة وترجيح القول الراجح بدليله في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
(فقدمت مكة) بفتح القاف وكسر الدال، يقال قدم الرجل البلد يقدَمه، من باب تعب، قُدُومًا ومَقدمًا بفتح الميم والدال: إذا دخله (وأنا حائض) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وكانت حاضت بسرف، وهو على وزن تَعب وجَهْل، موضع قريب من التنعيم، وبه تزوج رسول الله ﷺ ميمونة الهلالية، وبه توفيت، ودفنت. قاله في المصباح (فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة) أي لكونها حائضا لا تدخل المسجد (فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ) أي عدم تمكنها من الطواف بسبب الحيض، يقال: شكا همه يشكو شكْوًا، وشكوى، وشكاةً: أبداه متوجعا، وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. أفاده في المعجم الوسيط (فقال) ﷺ (انقضي رأسك) أي حُلِّي شعره، فهو على حذف مضاف. وهذا هو موضع استدلال المصنف على ما ترجم له، حيث أمرها ﷺ بنقض شعرها المضفور، وأشار بالترجمة إلى أن ذلك الاغتسال هو الاغتسال للنظافة للإحرام، لا للحيض، حيث قال: "باب ذكر الأمر بذلك -أي نقض الضفر- للحائض عند الاغتسال للإحرام"، فهي وقت الاغتسال حائض، فلا يتم الاستدلال بهذا الحديث على وجوب نقض الضفر عند الاغتسال للطهارة من الحيض، كما استدل به بعضهم، وقد تقدم تحقيق ذلك في الباب
стр. 2267
الماضي, فارجع إليه تزدد علمًا.
(وامتشطي) أي سرحي شعرك بالمُشْط، وتقدم معنى الامتشاط في ١٤٧/ ٢٣٨ (وأهلي بالحج) أي أحرمي به، وتقدم معنى الإهلال آنفا فلا تغفل (ودعي العُمْرَة) أي اتركي أفعالها، وهذا يدل على أنها كانت معتمرة أوّلا.
قال النووي ﵀: فإن قلت: أصح الرويات عن عائشة أنها قالت: "لا نرى إلا الحج، ولا نذكر إلا الحج، خرجنا مهلين بالحج، فكيف الجمع بينها وبين قولها: تمتعت بعمرة؟
قلت: الحاصل أنها أحرمت بالحج ثم فسخته إلى العمرة حيث أمر الناس بالفسخ، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة أمرها النبي ﷺ بالإحرام بالحج فأحرمت به فصارت مدخلة الحج على العمرة وقارنة، لما ثبت من قوله ﷺ : "يكفيك طوافك لحجك وعمرتك". اهـ عمدة القاري ج ٣ ص ٢٨٩.
وقوله: "ودعي العمرة" قال النووي ﵀: ليس معنى هذا إبطالها بالكلية، والخروج منها، فإن العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منهما بالتحلل بعد الفراغ، بل معناه ارفضي العمل فيها وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس، فأمرها ﷺ بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تحرم بالحج فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فتؤخره حتى تطهر، وكذلك فعلت، قال العلماء: ومما يؤيد هذا التأويل قوله ﷺ في رواية عبد بن حميد: "وأمسكي عن العمرة"، ومما
يصرح بهذا التأويل رواية مسلم بعد هذا في آخر روايات عائشة: عن محمَّد بن حاتم، عن بهز، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم
стр. 2268
النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت، فبعث بها عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج" هذا لفظه، فقوله ﷺ : "يسعك طوافك لحجك وعمرتك " تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزئة، وأنها لم تلغها، وتَخْرُجْ منها، فيتعين تأويل "ارفضي عمرتك، ودعي عمرتك، على ما ذكرناه من رفض العمل فيها وإتمام أفعالها. والله أعلم. اهـ كلام النووي في شرح مسلم ج ٨ ص ١٣٩ ولا يلزم من قوله ﷺ : "انقضي رأسك وامتشطي" إبطال العمرة, لأن نقض شعر الرأس جائز في الإحرام بحيث لا ينتف شعرًا، وبعض العلماء يرى كراهة الامتشاط إلا لعذر، وتأول فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة بأن كان في رأسها أذى فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى، وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل للإحرام بالحجة، لاسيما إن لَبَّدَت رأسها كما هو السنة، وكما فعله النبي ﷺ فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه. أفاده النووي.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بكراهة الامتشاط مما لا دليل عليه، بل مخالف لنص هذا الحديث، وكذا التأويل بأن عائشة كانت معذورة بسبب الأذى غير صحيح، ومثله تأويل الامتشاط بأنه بالأصابع غير واضح. فتأمل باعتدال، ولا يهولنك كثرة القيل والقال.
قالت عائشة ﵂ (ففعلت) أي ما أمرني به النبي ﷺ من ترك أفعال العمرة، وإدخال الحج عليها (فلما قضينا الحج) أي أتممنا وفرغنا من أفعاله، قال الفيومي ﵀: قضيتُ وَطَري: بلغته، ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج والدَّين: أديته، قال الله تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي أديتموها فالقضاء هنا بمعنى الأداء كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أي
стр. 2269
أديتموها، واستعمل العلماء القضاء في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداء إذا فعلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضح اللغوي، لكنه اصطلاح للتمييز بين الوقتين. اهـ المصباح (أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر) هو شقيقها (إلى التنعيم) بلفظ مصدر نَعَّمَ المضعف، موضع قريب من مكة وهو أقرب أطراف الحل إلى مكة، ويقال بينه وبين مكة أربعة أميال، ويعرف بمسجد عائشة. اهـ المصباح (فاعتمرت) أي فعلت أفعال العمرة، والعمرة في اللغة الزيارة، وفي الاصطلاح زيارة البيت بأفعال مخصوصة.
(فقال) النبي ﷺ (هذه) العمرة التي أديتها من التنعيم (مكان عمرتك) التي أردت أداءها منفردة، ثم منعك الحيض، فأدخلت عليها الحج، قال النووي ﵀: معناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة، وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في
حجة بالقران، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي وقد تَمَّا، وحُسبَا لك جميعًا، فأبت، وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي ﷺ : "هذه مكان عمرتك" أي التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة، فمنعك الحيضُ من ذلك، وهكذا يقال في قولها: يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج، أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة، وإنما حرصت على ذلك لتكثر أفعالها، وفي هذا تصريح بالرد على من يقول: القرآن أفضل. والله أعلم. اهـ شرح مسلم ج ٨ ص ١٤٠ وسيأتي تمام البحث في المسألة في
стр. 2270
محله من كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
وقوله: "مكان عمرتك" منصوب على الظرفية خبر لاسم الإشارة، أي هذه العمرة كائنة مكان العمرة التي تركتها بإدخال الحج عليها وإتمام عملهما معًا.
قال ابن منظور ﵀: قال أبو منصور: المكان والمكانة واحد، وفي التهذيب: قال الليث: مكان في أصل تقدير الفعل مفعَلٌ, لأنه موضع لكينونة الشيء فيه، غير أنه لما كثر أجرَوْه في التصريف مجرى
فَعَال، فقالوا: مكَّنَّا له، وقد تمكَّن، والدليل على أن المكان مفعل أن العرب لا تقول في معنى هو مني مكان كذا وكذا إلا مَفْعَلَ كذا وكذا، بالنصب. وقال ابن سيده: والمكان: الموضع، والجمع أمكنة كقَذَال، وأقْذلة، وأماكن جمع الجمع، وقال ثعلب: يبطل أن يكون مكان فَعَالا, لأن العرب تقول: كن مَكانَك، وقم مَقامَك، واقعد مَقعدَك، فقد دل هذا أنه مصدر من كان أو موضع منه، قال: وإنما جمع على أمكنة فعاملوا الميم الزائدة معاملة الأصلية؛ لأن العرب تُشَبِّه الحرفَ بالحرف، كما قالوا: مَنَارة ومَنَائر، فشبهوها بفَعالة، وهي مَفعَلة من النُّور، وكان حكمه مَنَاور. اهـ لسان باختصار.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (هذا حديث غريب من حديث مالك , عن هشام بن عروة، لم يروه أحد إلا أشهب) بن عبد العزيز، يريد المصنف بهذا أن هذا الحديث معروف برواية مالك له عن
ابن شهاب فقط، وأما روايته له عن هشام بن عروة فتفرد بها أشهب.
وقال الحافظ ﵀ في النكت الظراف: تبع أبو بكر النيسابوري أبا عبد الرحمن النسائي، فقال: حديث مالك، عن هشام لا أعلم أحدًا رواه إلا أشهب، ثم بَيَّنَ أن الذي انفرد أشهب به زيادة في الحديث، لا أنه تفرد به من أصله، فقال: وحديث هشام. معروف -يعني من غير رواية مالك عنه إلى قوله: "إلى التنعيم فأهلت بعمرة" وأما ما بعده
стр. 2271
فليس في حديث هشام- انتهى.
قال الحافظ: والذي بعده لم يذكره النسائي في الطهارة، وليس هو في الحج في رواية ابن السني.، وقد تعقب الدارقطني قول شيخه النيسابوري، فقال: (١) عنه في غرائب مالك قد رواه إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن هشام نحوه. ورواه عبد الرزاق، وأبو قرة، عن مالك، عن هشام مختصرا، ثم ساقه من طريق محمَّد بن حماد الظهراني، عن إسماعيل بطوله وسنده بعينه إلى مالك، عن ابن شهاب، قال: فذكر نحوه. وأخرج من طريق أبي قرة قال: ذكر مالك عن هشام فذكر منه قوله: "أمرنا النبي ﷺ فقال: من شاء فليهل بالحج، ومن شاء فليهل بالعمرة". ومن طريق الذهلي عن أحمد بن يوسف كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، ومالك، عن هشام بلفظ: "من شاء منكم أن يهل بعمرة، فلولا أني سقت الهدي لأهللت بعمرة"- مختصر. ومن طريق حفص بن عمر المهرقاني، عن عبد الرزاق أخصر منه بلفظ: "من شاء أفرد، ومن شاء قرنه". اهـ كلام الحافظ في النكت ج ١٢ ص ١٩٧ - ١٩٨.
قال الجامع عفا الله عنه: قد ظهر بهذا أن قول الحافظ تبع أبو بكر النيسابوري النسائيَّ في قوله تفرد أشهب به عن مالك، عن هشام، فيه نظر؛ لأن الظاهر أن النسائي يريد رواية مالك، عن هشام، والنيسابوري يريد زيادة في الحديث، فلم يتفق محل دعواهما، لقول الحافظ أن تلك الزيادة التي ادعى النيسابوري تَفَرُّدَ أشهب بها لم يذكرها النسائي. ثم إن دعوى المصنف والنيسابوري تفرد أشهب عن مالك غير صحيح لرواية إسماعيل، وعبد الرزاق، وأبي قرة، كلهم عن مالك، عن هشام، نحوه. كما حققه الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀. في كلامه السابق. فتفطن، والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 2272
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٥١/ ٢٤٢ عن يونس بن عبد الأعلى، وفي الحج في الكبرى عن محمَّد بن عبد الأعلى- كلاهما عن أشهب، عن مالك، عن ابن شهاب، وهشام بن عروة، عنها ﵂.
وقال عقب حديث يونس: غريب من حديث مالك، عن هشام، لم يروه إلا أشهب، وقال عقب حديث ابن عبد الحكم: لم يقل أحد عن مالك، عن هشام غيرُ أشهب.
قاله الحافظ المزي ﵀ في تحفته ج ١٢ ص ١٩٨/ ١٩٧ - فهو من هذا الطريق من أفراده. وقد رواه الشيخان وغيرهما عن غير طريق المصنف وسيأتي الكلام عليه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أمر الحائض بنقض الضفر عند اغتسالها للإحرام، وهو للنظافة، كما تقدم وقد تقدم أقوال العلماء فيه وترجيح الراجح منها في الباب السابق.
ومنها: منع الحائض من الطواف بالبيت.
ومنها: سؤال الشخص عن حكم ما يجهله من أمر دينه، وأن نقض الرأس والامتشاط لا ينافيان الإحرام لأن الأصح أن عائشة لم تبطل عمرتها وإنما أدخلت عليها الحج.
ومنها: إدخال الحج على العمرة، فيكون قارنا به.
ومنها: حرص عائشة على تكثير أفعال الخير، وستأتي بقية الفوائد في محلها إن شاء الله تعالى.
رجال الإسناد: ستة
١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرهاوي ثقة حافظ من -١١ - مات سنة -٢٦١ - انفرد المصنف بالرواية عنه. وتقدم في ٣٨/ ٤٢.
٢ - (حسين) بن علي بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ ثقة عابد -٩ - تقدم في ٧٤/ ٩١.
٣ - (زائدة) بن قُدَامَة الثقفي أبو الصَّلْت الكوفي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٧٤/ ٩١.
٤ - (عطاء بن السائب) بن مالك، ويقال زيد، ويقال: يزيد، الثقفي، أبو السائب، ويقال: أبو زيد، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو محمَّد، الكوفي. رَوَى عن أبيه، وأنس، وربما أدخل بينهما يزيد بن أبان، وعبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث المخزومي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي ظبيان حصين بن جندب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسالم البَرَّاد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيرهم.
وعنه إسماعيل بن أبي خالد من أقرانه، وسليمان التيمي، والأعمش، وابن جريج، والحمادان، والسفيانان، وشعبة، وزائدة، ومسعر، وابن علية، وآخرون.
قال علي، عن سفيان، عن بعض أصحابه: كان أبو إسحاق يسأل عن عطاء بن السائب؟ فيقول: إنه من البقايا، وقال حماد بن زيد: أتينا أيوب، فقال: اذهبوا إلى عطاء بن السائب قدم من الكوفة، وهو ثقة. وقال ابن علية: قال لي شعبة: ما حدثك عطاء بن السائب، عن رجال زاذان، وميسرة، وأبي البختري؛ فلا تكتبه، وما حدثك عن رجل بعينه فأكتبه، وقال علي، عن يحيى بن سعيد: ما سمعت أحدًا من الناس
стр. 2275
يقول في حديثه القديم شيئًا، وما حدث سفيان وشعبة عنه فصحيح إلا حديثين كان شعبة يقول سمعتهما منه بآخره، عن زاذان، وقال أبو قطن عن شعبة: ثلاثة في القلب منهم هاجس عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ورجل آخر. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد: ليث أحسنهم حالا عندي. وقال عثمان بن أبي شيبة، عن جرير: كان يزيد أحسنهم استقامة في الحديث، ثم عطاء. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة رجل صالح. وقال أبوطالب، عن أحمد: من سمع منه قديمًا فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، سمع منه قديمًا سفيان، وشعبة، وسمع منه حديثًا جرير، وخالد، وإسماعيل، وعلي بن عاصم، وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن يرفعها. قال: وقال وهيب: لما قدم عطاء البصرة قال كتبت عن عبيدة ثلاثين حديثًا، ولم يسمع من عبيدة شيئًا، وهذا اختلاط شديد. وقال أبو داود: وقال شعبة: حدثنا عطاء بن السائب وكان نسيًا، وقال ابن معين: لم يسمع عطاء بن السائب من يعلى بن مرة. وقال ابن معين: عطاء بن السائب اختلط، وما سمع منه جرير، وذووه ليس من صحيح حديثه، وقد سمع منه أبو عوانة في الصحيح والاختلاط جميعا، ولا يحتج بحديثه، وقال أحمد بن أبي نجيح عن ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء، وجميعُ من سمع من عطاء سمع منه في الاختلاط إلا
شعبة، والثوري، وقال ابن عدي: من سمع منه بعد الاختلاط في أحاديثه بعض النكرة، وقال العجلي: كان شيخا ثقة قديمًا، روى عن ابن أبي أوفى، ومن سمع منه قديمًا فهو صحيح الحديث: منهم الثوري، فأما من سمع منه بآخره فهو مضطرب الحديث: منهم هشيم، وخالد الواسطي إلا أن عطاء بآخره كان يلقن إذا لقنوه في الحديث؛ لأنه كان غير صالح
стр. 2276
الكتاب، وأبوه تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: كان محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم الحديث، ثم بآخره تغير حفظه، في حفظه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان، وشعبة، وفي حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، ورفعها إلى الصحابة، وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم إلا أنه تغير، ورواية حماد بن زيد وشعبة وسفيان عنه جيدة، وقال الحميدي عن ابن عيينة: كنت سمعت عطاء بن السائب قديمًا، ثم قد علينا قدمة فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعت، فخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته. وقال أبو النعمان، عن يحيى القطان: سمع منه حماد بن زيد قبل أن يتغير. قال ابن سعد وغيره: مات سنة [١٣٧]، ونحوها، روى له البخاري حديثًاواحدًا متابعة في ذكر الحوض.
قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات فقال: قد قيل: إنه سمع من أنس، ولم يصح ذلك عندي، مات سنة -٣٦ - وكان اختلط بآخره، ولم يفحش حتى يستحق أن يعدل به عن مسلك العدول بعد تقدم صحة بيانه في الروايات، وقال القراب في وفاته اختلاف، قيل: سنة -٦ - وقيل سنة -٣ - وقيل سنة -٤ - وقال الدارقطني: دخل عطاء البصرة مرتين، فسماع أيوب، وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح.
وقال الحاكم: تغير بآخره، وقال في السؤالات: تركوه، كذا قال، ولعله أراد بالترك ما يتعلق بحديثه في الاختلاط، وقال الساجي: صدوق ثقة، لم يتكلم الناس في حديثه القديم. وقال البخاري في تاريخه: قال علي: سماع خالد بن عبد الله، من عطاء بن السائب بآخره، وسماع حماد بن زيد منه صحيح. وقال العقيلي: تغير حفظه، وسماع حماد بن زيد منه قبل التغير. وقال العقيلي أيضا: وسماع حماد
стр. 2277
ابن سلمة بعد الاختلاط، كذا نقله عنه ابن القطان، ثم وقفت على ترجمته في العقيلي فنقل عن الحسن بن علي الحلواني، عن علي بن المديني، قال: قال وهيب: قدم علينا عطاء بن السائب، فقلت: كم حملت عن عَبيدَة -يعني السلماني- قال أربعين حديثا، قال علي: وليس عنده عن عبيدة حرف واحد، فقلت على مَ يحمل ذلك؟ قال على الاختلاط، وقال علي: وكان أبو عوانة حمل عنه قبل أن يختلط، ثم حمل عنه بعد فكان لا يعقل ذا من ذا، وكان حماد بن سلمة (١) انتهى. قال الحافظ: فاستفدنا من هذه القصة أن رواية وهيب، وحماد، وأبي عوانة عنه في جملة ما يدخل في الاختلاط، وقال عبد الحق: سماع ابن جريج منه بعد الاختلاط، وقال الحربي في العلل: بلغني أن شعبة قال: إذا حدث عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع بين اثنين فاتقه، وقال الطبراني: ثقة اختلط في آخر عمره فما رواه عنه المتقدمون فهو صحيح مثل سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال العجلي: جائز الحديث إلا أنه كان يلقن بآخره. وقال ابن سعد: كان ثقة، وقد روى عنه المتقدمون، وقد كان تغير حفظه بآخره واختلط. توفي سنة ٣٦.
وقال ابن الجارود في الضعفاء: حديث سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة عنه جيد، وحديث جرير، وأشباه جرير ليس بذاك، وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة حجة، وما روى عنه سفيان وشعبة، وحماد بن سلمة سماع قديم، وكان عطاء تغير بآخره، ورواية جرير، وابن فضيل، وطبقتهم ضعيفة، وقال في موضع آخر: إذا حدث عنه سفيان وشعبة فإن حديثه مقام الحجة. وقال الدارقطني في العلل: اختلط ولم يحجوا به في الصحيح، ولا يحتج من حديثه إلا بما رواه أكابر، شعبة، والثوري، ووهيب، ونظراؤهم، وأما ابن علية، والمتأخرون ففي حديثهم عنه نظر.
стр. 2278
قال الحافظ: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهيرًا، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم، والظاهر أنه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يومئ إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه. والله أعلم. أخرج له البخاري حديثًا واحدًا متابعة، والباقون إلا مسلمًا. اهـ "تت" ج ٧ ص ٢٠٣ - ٢٠٧.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ١/ ١.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات اتفقوا على التخريج لهم إلا شيخه فانفرد هو به، وعطاء فأخرج له (خ) متابعة حديثا واحدا في ذكر الحوض، ولم يخرج له (م) أصلا وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الراجح على تفصيل تقدم. وفيه عطاء بن السائب من المختلطين إلا أن زائدة روى عنه قبل الاختلاط فحديثه صحيح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال، كما تقدم نظيره غير مرة، من وقوع الفعل بعد إذا ماضيا ويراد القصد والإرادة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وحديث: "كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (من الجنابة) أي بسببها، فـ"من" سببية، وتقدم
стр. 2279
تفسير الجنابة والاغتسال (وضع له) بالبناء للمفعول (الإناء) بالرفع نائب فاعل "وُضع" أي الإناء الذي فيه ماء للاغتسال، فالمراد بوضع الإناء وضع إناء فيه ماء؛ لأن الغسل إنما يكون من الماء، وتقدم معنى الإناء (فيصب) بضم الصاد من باب نصر، أي يُفرغ (على يديه) من الماء (قبل أن يدخلهما) أي اليدين (الإناء) أي الإناء الموضوع له, لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى، كما قال السيوطي ﵀ في عُقُود الجُمَان:
ثُمَّ منَ القَوَاعِدِ المُشْتَهرَهْ … إذَا أتَتْ نَكرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإنْ يُعَرَّف ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا المُعَرَّفَانِ
شَاهدُهَا الذي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … لَنْ يَغْلبَ اليُسْرَيْن عُسْرٌ أبَدَا
وفيه مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وقد تقدم البحث فيه في ١/ ١.
(حتى إذا غسل يديه) غاية للصب، وسيأتي في الباب التالي أنه غسلهما ثلاثا (أدخل يده اليمني في الإناء) أي الإناء الموضوع له، والكلام فيه كالكلام في سابقه، وإنما أدخل اليمنى ليغترف بها الماء (ثم
صب) الماء (باليمنى فغسل فرجه باليسرى) أي اليد اليسرى، وفيه أن صب الماء يكون باليمنى، وغسل الفرج باليسرى تكريما لليمين، وفي الرواية الآتية "فيغسل ما على فخذيه"، وفي أخرى "فيغسل فرجه وما أصابه، والمراد أنه يغسل ذكره وما حوله وما على فخذيه من أثر المني مبالغة في التنظيف (حتى إذا فرغ) من غسل فرجه (صب) الماء (باليمنى على اليسرى فغسلهما) ثلاثا كما يأتي في الرواية الآتية (ثم تمضمض) أي أدخل الماء في فمه فحركه (واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه إليه بريح
الأنف، وقد تقدم تحقيق معنى المضمضة، والاستنشاق مستوفى في باب المضمضة والاستنشاق ٦٨/ ٨٤ (ثم يصب على رأسه ملء كفيه) بكسر
стр. 2280
فسكون، أي ما يملؤهما من الماء، قال في المصباح: وملؤه بالكسر: ما يملؤه، وجمعه أملاء، مثل حمل وأحمال اهـ. والمعنى أنه يصب على رأسه من الماء ما يملء كفيه (ثلاث مرات) مفعول مطلق لـ"يصب"، أي صبا ثلاث مرات، وفيه استحباب غسل الرأس ثلاث مرات، ولم يذكر في هذه الرواية أنه توضأ قبل الغسل، وقد صح عنها في الروايات الآتية ذكرها، فيحمل هذا على اختصار بعض الرواه، ويحتمل أن الاختصار منها، فذكرت هنا بعض أفعال الغسل دون البعض لعلمها بأن السائل يعلم ذلك (ثم يفيض على جسده) أي يصب الماء على سائر جسده، فالمراد ما عدا الرأس، لما في الرواية الآتية، "ثم يفيض على سائر جسده". وفيه أن غسل سائر الجسد لا يشرع فيه التثليث. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٥٢/ ٢٤٣، وفي ١٥٣/ ٢٤٤، وفي ١٥٤/ ٢٤٥، وفي ١٥٥/ ٢٤٦، وفي الكبرى -١٣٩/ ٢٤٤ - بالسند والمتن الآتي -١٥٤/ ٢٤٥ - .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: هذا الحديث عن طريق أبي سلمة من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في تحفته، وأخرجه (خ) عن طريق عروة عنها، كما يأتي للمصنف في ١٥٦/ ٢٤٧.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وكونه ثلاث مرات، ومشروعية الاستنجاء باليد اليسرى، وصب الماء باليمنى، ومشروعية المضمضة والاستنشاق ثلاثًا، وقد تقدم حكمهما في ٦٨/ ٨٤، واستحباب صب الماء على الرأس ثلاثًا، وتعميم سائر البدن بالغسل مرة واحدة. والله تعالى أعلم.