← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الكتاب، وأبوه تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: كان محله الصدق قبل أن يختلط صالح مستقيم الحديث، ثم بآخره تغير حفظه، في حفظه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان، وشعبة، وفي حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، ورفعها إلى الصحابة، وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم إلا أنه تغير، ورواية حماد بن زيد وشعبة وسفيان عنه جيدة، وقال الحميدي عن ابن عيينة: كنت سمعت عطاء بن السائب قديمًا، ثم قد علينا قدمة فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعت، فخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته. وقال أبو النعمان، عن يحيى القطان: سمع منه حماد بن زيد قبل أن يتغير. قال ابن سعد وغيره: مات سنة [١٣٧]، ونحوها، روى له البخاري حديثًاواحدًا متابعة في ذكر الحوض. قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات فقال: قد قيل: إنه سمع من أنس، ولم يصح ذلك عندي، مات سنة -٣٦ - وكان اختلط بآخره، ولم يفحش حتى يستحق أن يعدل به عن مسلك العدول بعد تقدم صحة بيانه في الروايات، وقال القراب في وفاته اختلاف، قيل: سنة -٦ - وقيل سنة -٣ - وقيل سنة -٤ - وقال الدارقطني: دخل عطاء البصرة مرتين، فسماع أيوب، وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى صحيح. وقال الحاكم: تغير بآخره، وقال في السؤالات: تركوه، كذا قال، ولعله أراد بالترك ما يتعلق بحديثه في الاختلاط، وقال الساجي: صدوق ثقة، لم يتكلم الناس في حديثه القديم. وقال البخاري في تاريخه: قال علي: سماع خالد بن عبد الله، من عطاء بن السائب بآخره، وسماع حماد بن زيد منه صحيح. وقال العقيلي: تغير حفظه، وسماع حماد بن زيد منه قبل التغير. وقال العقيلي أيضا: وسماع حماد

стр. 2277

ابن سلمة بعد الاختلاط، كذا نقله عنه ابن القطان، ثم وقفت على ترجمته في العقيلي فنقل عن الحسن بن علي الحلواني، عن علي بن المديني، قال: قال وهيب: قدم علينا عطاء بن السائب، فقلت: كم حملت عن عَبيدَة -يعني السلماني- قال أربعين حديثا، قال علي: وليس عنده عن عبيدة حرف واحد، فقلت على مَ يحمل ذلك؟ قال على الاختلاط، وقال علي: وكان أبو عوانة حمل عنه قبل أن يختلط، ثم حمل عنه بعد فكان لا يعقل ذا من ذا، وكان حماد بن سلمة (١) انتهى. قال الحافظ: فاستفدنا من هذه القصة أن رواية وهيب، وحماد، وأبي عوانة عنه في جملة ما يدخل في الاختلاط، وقال عبد الحق: سماع ابن جريج منه بعد الاختلاط، وقال الحربي في العلل: بلغني أن شعبة قال: إذا حدث عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع بين اثنين فاتقه، وقال الطبراني: ثقة اختلط في آخر عمره فما رواه عنه المتقدمون فهو صحيح مثل سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال العجلي: جائز الحديث إلا أنه كان يلقن بآخره. وقال ابن سعد: كان ثقة، وقد روى عنه المتقدمون، وقد كان تغير حفظه بآخره واختلط. توفي سنة ٣٦. وقال ابن الجارود في الضعفاء: حديث سفيان، وشعبة، وحماد بن سلمة عنه جيد، وحديث جرير، وأشباه جرير ليس بذاك، وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة حجة، وما روى عنه سفيان وشعبة، وحماد بن سلمة سماع قديم، وكان عطاء تغير بآخره، ورواية جرير، وابن فضيل، وطبقتهم ضعيفة، وقال في موضع آخر: إذا حدث عنه سفيان وشعبة فإن حديثه مقام الحجة. وقال الدارقطني في العلل: اختلط ولم يحجوا به في الصحيح، ولا يحتج من حديثه إلا بما رواه أكابر، شعبة، والثوري، ووهيب، ونظراؤهم، وأما ابن علية، والمتأخرون ففي حديثهم عنه نظر.

стр. 2278

قال الحافظ: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري وشعبة وزهيرًا، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم، والظاهر أنه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يومئ إليه كلام الدارقطني، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه. والله أعلم. أخرج له البخاري حديثًا واحدًا متابعة، والباقون إلا مسلمًا. اهـ "تت" ج ٧ ص ٢٠٣ - ٢٠٧. ٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ثقة فقيه -٣ - تقدم في ١/ ١. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم لطائف هذا الإسناد منها أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات اتفقوا على التخريج لهم إلا شيخه فانفرد هو به، وعطاء فأخرج له (خ) متابعة حديثا واحدا في ذكر الحوض، ولم يخرج له (م) أصلا وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة من المكثرين السبعة، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال على الراجح على تفصيل تقدم. وفيه عطاء بن السائب من المختلطين إلا أن زائدة روى عنه قبل الاختلاط فحديثه صحيح. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال، كما تقدم نظيره غير مرة، من وقوع الفعل بعد إذا ماضيا ويراد القصد والإرادة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وحديث: "كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (من الجنابة) أي بسببها، فـ"من" سببية، وتقدم

стр. 2279

تفسير الجنابة والاغتسال (وضع له) بالبناء للمفعول (الإناء) بالرفع نائب فاعل "وُضع" أي الإناء الذي فيه ماء للاغتسال، فالمراد بوضع الإناء وضع إناء فيه ماء؛ لأن الغسل إنما يكون من الماء، وتقدم معنى الإناء (فيصب) بضم الصاد من باب نصر، أي يُفرغ (على يديه) من الماء (قبل أن يدخلهما) أي اليدين (الإناء) أي الإناء الموضوع له, لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى، كما قال السيوطي ﵀ في عُقُود الجُمَان: ثُمَّ منَ القَوَاعِدِ المُشْتَهرَهْ … إذَا أتَتْ نَكرَةٌ مُكَرَّرَهْ تَغَايَرَا وَإنْ يُعَرَّف ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا المُعَرَّفَانِ شَاهدُهَا الذي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … لَنْ يَغْلبَ اليُسْرَيْن عُسْرٌ أبَدَا وفيه مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وقد تقدم البحث فيه في ١/ ١. (حتى إذا غسل يديه) غاية للصب، وسيأتي في الباب التالي أنه غسلهما ثلاثا (أدخل يده اليمني في الإناء) أي الإناء الموضوع له، والكلام فيه كالكلام في سابقه، وإنما أدخل اليمنى ليغترف بها الماء (ثم صب) الماء (باليمنى فغسل فرجه باليسرى) أي اليد اليسرى، وفيه أن صب الماء يكون باليمنى، وغسل الفرج باليسرى تكريما لليمين، وفي الرواية الآتية "فيغسل ما على فخذيه"، وفي أخرى "فيغسل فرجه وما أصابه، والمراد أنه يغسل ذكره وما حوله وما على فخذيه من أثر المني مبالغة في التنظيف (حتى إذا فرغ) من غسل فرجه (صب) الماء (باليمنى على اليسرى فغسلهما) ثلاثا كما يأتي في الرواية الآتية (ثم تمضمض) أي أدخل الماء في فمه فحركه (واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه إليه بريح الأنف، وقد تقدم تحقيق معنى المضمضة، والاستنشاق مستوفى في باب المضمضة والاستنشاق ٦٨/ ٨٤ (ثم يصب على رأسه ملء كفيه) بكسر

стр. 2280

فسكون، أي ما يملؤهما من الماء، قال في المصباح: وملؤه بالكسر: ما يملؤه، وجمعه أملاء، مثل حمل وأحمال اهـ. والمعنى أنه يصب على رأسه من الماء ما يملء كفيه (ثلاث مرات) مفعول مطلق لـ"يصب"، أي صبا ثلاث مرات، وفيه استحباب غسل الرأس ثلاث مرات، ولم يذكر في هذه الرواية أنه توضأ قبل الغسل، وقد صح عنها في الروايات الآتية ذكرها، فيحمل هذا على اختصار بعض الرواه، ويحتمل أن الاختصار منها، فذكرت هنا بعض أفعال الغسل دون البعض لعلمها بأن السائل يعلم ذلك (ثم يفيض على جسده) أي يصب الماء على سائر جسده، فالمراد ما عدا الرأس، لما في الرواية الآتية، "ثم يفيض على سائر جسده". وفيه أن غسل سائر الجسد لا يشرع فيه التثليث. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٥٢/ ٢٤٣، وفي ١٥٣/ ٢٤٤، وفي ١٥٤/ ٢٤٥، وفي ١٥٥/ ٢٤٦، وفي الكبرى -١٣٩/ ٢٤٤ - بالسند والمتن الآتي -١٥٤/ ٢٤٥ - . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: هذا الحديث عن طريق أبي سلمة من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في تحفته، وأخرجه (خ) عن طريق عروة عنها، كما يأتي للمصنف في ١٥٦/ ٢٤٧. المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وكونه ثلاث مرات، ومشروعية الاستنجاء باليد اليسرى، وصب الماء باليمنى، ومشروعية المضمضة والاستنشاق ثلاثًا، وقد تقدم حكمهما في ٦٨/ ٨٤، واستحباب صب الماء على الرأس ثلاثًا، وتعميم سائر البدن بالغسل مرة واحدة. والله تعالى أعلم.

стр. 2281

١٥٣ - بَابُ ذِكْرِ عَدَدِ غَسْلِ اليَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالهِمِاَ الإنَاءَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كمية غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء لأجل الاغتراف. ٢٤٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا (١) شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ غُسْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْرِغُ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ، ثُمَّ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. رجال هذا الإسناد: ستة كلهم تقدموا في السند الماضي إلا اثنين: ١ - (يزيد) بن هارون بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، قيل: أصله من بخارى. روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي مالك الأشجعي، ويحيى بن

стр. 2282

سعيد الأنصاري، وحريز بن عثمان، وابن عون، وداود بن أبي هند، وحسين المعلم، ومحمد بن إسحاق، وشعبة، والثوري، وخلق. وعنه بقية بن الوليد، ومات قبله، وآدم بن أبي اياس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأحمد بن سليمان، وآخرون. قال أحمد: كان حافظًا للحديث صحيح الحديث عن حجاج بن أرطاة، قاهرًا لها حافظًا. وقال ابن المديني: هو من الثقات، وقال في موضع آخر: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدًا حسن الصلاة جدّا، وكان يصلي الضحى ستة عشرة ركعة بها من الجودة غير قليل، وكان قد عَميَ، وقال أبو زرعة عن أبي بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظًا من يزيد. قال أبوزرعة: والإتقان أكثر من حفظ السرد، وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق لا يسأل عن مثله. وقال عمرو بن عون، عن هشيم: ما بالبصريين مثل يزيد، وقال أحمد بن سنان، عن عفان: أخذ يزيد عن حماد حفظًا، وهي صحاح، بها من الاستواء غير قليل ومَدَحَهَا وقال أيضا: ما رأيت عالمًا، قط أحسن صلاة منه كأنه أسطوانة لم يكن يفتر عن صلاة الليل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصلاة، وقال يحيى بن يحيى: كان بالعراق أربعة من الحفاظ، فذكره فيهم، وأشار إلى أنه أحفظ من وكيع، وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد يقول: ما دلست قط إلا حديثًا واحدًا عن عوف، فما بورك لي فيه، وقال محمَّد بن قدامة الجوهري: سمعته يقول: أحفظ خمسة وعشرين ألف إسناد، ولا فخر. وقال علي بن شعيب: سمعته يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسناده ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث لا أسْألُ عنها،

стр. 2283

وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقال: إن في مجلسه سبعين ألف رجل، وقال يعقوب بن سفيان عن محمَّد بن فضيل البزار: ولد يزيد سنة ١١٧، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولد سنة ١٨، وكان يقول: طلبت العلم، وحصين حي، وقد نسي، وربما ابتدأني الجريري بالحديث، وكان قد أنكر. مات في خلافة المأمون في غرة ربيع الآخر سنة ٢٠٦، وفيها أرخه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من خيار عباد الله تعالى ممن يحفظ حديثه، وكان قد كف في آخر عمره، وقال زكريا بن يحيى: كنا نسمع أن يؤيد من أحسن أصحابنا صلاة، وأعلمهم بالسنة، وذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه أنه كاتب أبي شيبة القاضي جد أبي بكر بن أبي شيبة، قال وسمعت أبي -يعني أبا خيثمة زهير بن حرب- يقول: كان يعاب على يزيد حين ذهب بصره ربما إذا سئل عن حديث لا يعرفه، فيأمر جاريته فتحفظه من كتابه. قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: يزيد ليس من أصحاب الحديث, لأنه لا يميز ولا يبالي عمن روى، وقال الفضل بن زياد: قيل لأحمد: يزيد بن هارون له فقه؟ قال: نعم ما كان أفطنه، وأذكاه، وأفهمه، قيل له: فابن علية؟ قال: كان له فقه، لا أعلم، إني لم أخبره خبري يؤيد، ما كان أجمع أمر يزيد صاحب صلاة حافظ متقن للحديث صوانه، وحسن مذهب، وقال الزعفراني: ما رأيت خيرا من يزيد، وقال زياد بن أيوب: ما رأيت له كتابًا قط ولا حديثًا إلا حفظًا، وقال أحمد بن الطيب: سمعت يؤيد يقول: في هارون -يعني مستمليه- بلغني أنك تريد أن تُدخل عليَّ في حديثي فاجهد جهدك لا أرعى الله تعالى عليك إن رعيت أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث. وقال الحسن ابن عرفة: قلت ليزيد بن هارون: ما فعلت تلك العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وكان يعد من

стр. 2284

الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وقال ابن قانع: ثقة مأمون. أخرج له الجماعة. اهـ. "تت" ج ١١ ص ٣٦٦ - ٣٦٩. ٢ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري ثقة ثبت حجة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦. قال الجامع عفا الله عنه: لطائف الإسناد، وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به تقدمت في الباب السابق فلا نطيل الكتاب بإعادتها. وقوله (يفرغ) وهو من الإفراغ رباعيًا ومعناه يصب، وقوله (يفيض) هو من الإفاضة رباعيًا أيضًا، ومعناه يصب أيضًا. ومحل الترجمة قولها: "ثلاثًا". إذ يستفاد منه أن عدد غسل اليدين ثلاث مرات. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2285

١٥٤ - إزَالةُ الجُنُبِ الأذَى عَنْ جَسَدِه بَعْدَ غَسْلِ اليَدَيْنِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية إزالة الجنب عند اغتساله من الجنابة ما على جسده من الأذى، أثر المني، أو غيره، مبالغةً في التنظيف، إذا لو تركه لتلطخ به سائر جسده، فيستحسن إزالته قبل شروعه في غسل سائر جسده. وموضع الترجمة من الحديث قولها: (فيغسل ما على فخذيه) فقد استنبط المصنف حكمًا أعمّ، إذ المذكور في الحديث ما على الفخذين، لكن يؤخذ منه كل ما كان على الجسد من الأذى في أيّ موضع كان، لعموم العلة. والله أعلم. ٢٤٥ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا (١) النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا (٢) شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَقَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤْتَى بِالإِنَاءِ فَيَصُبُّ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَيَغْسِلُهُمَا ثُمَّ يَصُبُّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ مَا عَلَى فَخِذَيْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ، وَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ، وَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ.

стр. 2286

رجال هذا الإسناد: ستة كلهم تقدموا قريبًا، إلا اثنين: ١ - (محمود بن غيلان) المروزي نزيل بغداد، ثقة -١٠ - تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٢ - (النضر) بن شميل أبو الحسن اللغوي البصري نزيل مرو، ثقة ثبت من كبار -٩ - تقدم في ٤١/ ٤٥. وشرح الحديث وما يتعلق به تقدم في الماضي، فلا نحتاج إلى الإعادة وقولها (على فخديه) وهو تثنية فخذ، وفيه لغات: فخذ بفتح فكسر ككتف، وفَخْذ بفتح، فسكون كفلس، وفخذ بكسر فسكون، كجبت، وفخذ بكسرتين، كإبل، وهكذا كل كلمة جاءت على وزن فَعل بكسر العين، أو فَعلة بكسرها أيضًا وكان عينها حرف حلق يجوز فيها أربع لغات كما مر، سواء كان اسما كفخذ، أو فعلا كشهد، وأما ما لم يكن عينه حرف حلق فيجوز فيه ثلاث لغات وذلك ككتف وكلمة: فيجوز فيه فعل بكسر العين وفعل بسكونها تخفيفًا، وفعل بنقل حركتها إلى الفاء بعد سلب حركتها. وهذه كلها في لغة بني تميم، وأما أهل الحجاز فلا يغيرون، ففخذ عندهم بفتح الفاء وكسر الخاء، وكذا كل ما كان على وزنه سواءكان حلقي العين أم لا؟. قولها (سائر) اسم فاعل من سئر الشيءُ سؤرًا بالهمز، من باب شرب: إذا بقي، قاله الأزهري، واتفق أهل اللغة أن سائر الشيء باقيه قليلًا كان أو كثيرًا، قال الصَّغَاني: سائر الناس باقيهم، وليس معناه جميعهم، كما زعم من قصر في اللغة باعه، وجَعْلُهُ بمعنى الجميع من لحن العوام، ولا يجوز أن يكون مشتقًا من سُور البلد لاختلاف المادتين. اهـ المصباح. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2287

١٥٥ - بَابُ إعَادَة الجُنُبِ غَسْلَ يَدَيْه بَعْدَ إزَالَة الأذَى عَنْ جَسَدِهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل اليدين للجنب مرة ثانية بعد إزالة ما على جسده من الأذى مبالغةً في النظافة. وأخذ المصنف هذا الحكم من قولها: "يفيض بيده اليمنى على اليسرى ثلاث مرات" فأشار بهذه الترجمة إلى أنه ليس المراد أنَّه يغسل اليسرى فقط ثلاث مرات، بل المراد أنه يغسلهما جميعا بدليل ما تقدم من قولها: "صب باليمنى على اليسرى فغسلهما"، وقولها: "ثم يغسل يديه" فإن ذلك مبين للمعنى المراد هنا، فتفطن. والحديث هو الحديث السابق وإنما أعاده لتغاير سنده، ولاستنباط الأحكام التي ترجم عليها. فلله دَرّه محدِّثًا مكثرًا، وفقيهًا محررًا، رحمه الله تعالى. ٢٤٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: وَصَفَتْ عَائِشَةُ غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ، قَالَتْ: كَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُفِيضُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ. قَالَ عُمَرُ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: يُفِيضُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ.

стр. 2288

رجال هذا الإسناد: خمسة كلهم تقدموا إلا اثنين: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي نزيل نيسابور الحافظ الحجة -١٠ - تقدأ في ٢/ ٢. ٢ - (عمر بن عُبيد) بن أبي أمية الطنافسي (١) الحنفي الإيادي مولاهم، أبو حفص الكوفي. روى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك ابن عمير، وسعيد بن مسروق، وسماك بن حرب، والأعمش، ومنصور، وأشعث بن سليم، وعمر بن المثنى الأشجعي، وغيرهم. وعنه أخواه يعلى، وإبراهيم، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعمرو الناقد، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو كريب، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: لم ندرك بالكوفة أحدًا أكبر منه، ومن المطلب بن زياد، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: محله الصدق، قال ابن سعد وغيره مات سنة ١٨٥ وزاد ابن سعد: وكان شيخًا قديمًا ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة -٨٧ - وكذا أرخه خليفة، وهارون بن حاتم، وغير واحد، وقيل: مات سنة -٨ - وذكر ابن زبر أنه ولد سنة -١٠٤ - وقال الدارقطني: عمرو، ويعلى، ومحمد أولاد عبيد، كلهم ثقات، وأبوهم ثقة، وكذا قال الإمام أحمد قبله، وقال عثمان الدارمي: سألته -يعني ابن معين- عن يعلى ومحمد؟ فقال: ثقتان، قلت: فعمر؟ قال: ثقة، قلت: كأنه دونهما؟ قال: نعم. وقال العجلي: عمر أخو يعلى ومحمد وهو أسن منهما، وهو دونهما في الحديث، وكان صدوقًا. أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ٧ ص ٤٨٠ - ٤٨١.

стр. 2289

وشرح الحديث وما يتعلق به سندًا ومتنًا تقدم جله قريبًا. وقولها (فيغسل فرجه) تريد به الاستنجاء، وقولها (وما أصابه) "ما" موصولة عطف على فرجه، أي يغسل ما أصابه من الأذى (قال عمر) بن عبيد (ولا أعلمه) أي لا أعلم عطاء (إلا قال يفيض بيده اليسرى الخ) يريد بهذا أنه حصل له شك في صيغة ما تلفظ به عطاء في هذه الجملة، هل هي يفيض، أو يصب، أو نحو ذلك؟ لكنه ترجح له "يفيض" فقال: لا أعلمه الخ، واستفيد من هذه الرواية أن غسل اليدين بعد الاستنجاء، وإزالة الأذى يكون ثلاثًا، وكذلك المضمضة، والاستنشاق، وغسل الوجه، وغسل الرأس، وأما سائر الجسد فمرة واحدة. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2290

١٥٦ - ذِكرُ وُضُوءِ الجُنُبِ قَبْلَ الغُسْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الوضوء للجنب قبل اغتساله. وهذا الحكم وإن كان معلوما من الأحاديث السابقة، إلا أنه أراد أن يفرده بباب لأهميته. ٢٤٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ الْمَاءَ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه الحافظ -٧ - تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء السبعة المدني ثقة -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدم في ٥/ ٥.

стр. 2291

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفقوا بالتخريج لهم، وكلهم مدنيون، إلا قتيبة فبغلاني -قرية ببلخ-، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة روت -٢٢١٠ - . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵁: أن النبي ﷺ كان) هذه اللفظة تدل على الملازمة والتكرار (إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال، أو شرع في الاغتسال (من الجنابة) "من" سببية أي بسبب حصول الجنابة له (بدأ، فغسل يديه، ثم توضأ) فإن قلت: لم ذكر في ثلاث مواضع بلفظ الماضي، وهي "بدأ" "فغسل"، "توضأ" وذكر البواقي بلفظ المضارع، وهي قوله: "يدخل"، و"يخلل"، و"يصب"، و"يفيض". أجيب: بأن النكتة في ذلك أن "إذا" إن كانت شرطية فالماضي بمعنى المستقبل، والكل مستقبل معنى، وأما الاختلاف في اللفظ فللإشعار بالفرق بما هو خارج من الغسل، وما ليس كذلك، وإن كانت ظرفية فما جاء ماضيا فهو على أصله، وعدل عن الأصل إلى المضارع لاستحضار صورته للسامعين. قاله البدر العيني في عمدته ج ٣ ص ١٩٢. (فغسل يديه) يحتمل أن يكون هذا الغسل للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. قال الحافظ: ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام "قبل أن يدخلهما الإناء" رواه الشافعي، والترمذي، وزاد أيضا "ثم يغسل فرجه"، وكذا لمسلم من رواية أبي معاوية، ولأبي داود من رواية حماد بن زيد، كلاهما عن هشام، وهي زيادة جليلة, لأن بتقديم غسله يحصل الأمن من مسه في أثناء الغسل. اهـ فتح ج ١ ص ٤٢٩.

стр. 2292

قال الجامع عفا الله عنه: رواية عائشة المتقدمة في ١٥٢/ ٢٤٣ واضحة في الاحتمال الثاني، وفي تقديم الاستنجاء قبل الوضوء والغسل. (ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة) فيه احتراز عن الوضوء اللغوي، وفيه أنه يمسح رأسه، وأنه لا يؤخر غسل رجليه، وسيأتي أن الأولى حمله على أكثر عمل الوضوء، فيكون غسل الرجل مؤخرًا لتصريح بعض رواياتها بذلك، فيكون حديثها موافقًا لحديث ميمونة ﵄. قال الحافظ ﵀: ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بنية الجسد في الغسل، ويحتمل أن يكتفى بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها, ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى, وإلى هذا جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية، فقال: يقدم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء، لكن بنية غسل الجنابة. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الدوادي هو الظاهر. ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. اهـ فتح ج ١ ص ٤٢٩. قال الجامع عفا الله عه: سيأتي في المسائل تحقيق الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. (ثم يدخل أصابعه الماء، فيخلل بها) أي بأصابعه التي أدخلها في الماء (أصول شعره) ولمسلم: "ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر"، وللمصنف والترمذي من طريق ابن عيينة: "ثم يُشَرِّب شعره الماء".

стр. 2293

والمراد بأصول الشعر شعر الرأس بدليل الرواية الآتية: "ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره" قال الحافظ: ويدل عليه رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عند البيهقي "يخلل بها شِقَّ رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشقّ رأسه الأيسر كذلك". قال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر الجسد في الغسل، إما لعموم قوله: "أصول الشعر" وإما بالقياس على شعر الرأس. قال الجامع عفا الله عنه: القول بعموم أصول الشعر غير صحيح، لأن الرواية الأخرى بينت أنه شعر الرأس. وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء، وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به، ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقًا، إلا إذا كان الشعر مُلَبَّدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله. قاله في الفتح ج ١ ص ٤٣٠. قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الاتفاق في عدم الوجوب غير صحيح، فقد قال العيني إنه مذهب الحنفية في غسل الجنابة، وذكر أقوال العلماء الآخرين أيضا. انظر عمدة ج ٣ ص ١٩٢. ثم إن هذا التخليل يكون بأصابع اليدين العشر، لظاهر قولها "أصابعه" وفي رواية "ثم يخلل بيديه شعره". وقال ابن دقيق العيد ﵀: التخليل هنا إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر. ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل هل يكون بنقل الماء أو بإدخال الأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ وأشار إلى ترجيح نقل الماء لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في مسلم "ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر"، فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر هو رد على من يقول: يخلل بأصابعه مبلولة بغير نقل الماء، قال:

стр. 2294

وذكر النسائي في السنن ما يبين هذا، فقال: باب تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة هذا فيه، قالت: "كان رسول الله ﷺ يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثا" قال فهذا بين في التخليل بالماء. انتهى كلامه. اهـ إحكام الأحكام ج ١ ص ٣٧٥ (ثم يصب على رأسه ثلاث غرف) بضم، ففتح، جمع غُرْفة، بضم، فسكون، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، قال الحافظ: وللكشميهني "ثلاث غرفات" وهو المشهور. وقال البدر العيني: وهذا هو الأصح, لأن مميز الثلاث ينبغي أن يكون من جموع القلة، ولكن وجه ذكر الغرف أن جمع الكثرة يقوم مقام جمع القلة، وبالعكس، وعند الكوفيين: فعل بضم الفاء وكسرها من جموع القلة، لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣]، وقوله تعالى ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].اهـ عمدة ج ٣ ص ١٩٢ قال الجامع عفا الله عنه: القاعدة أنه إذا كان المعدود بثلاثة إلى عشرة له جمع قلة وكثرة، فالأكثر إضافتها إلى جمع القلة كعندي ثلاثة أفلس، ويقل إضافتها إلى جمع الكثرة، كعندي ثلاثة فلوس، وإن لم يكن له إلا جمع الكثرة، فإنه يضاف إليه نحو ثلاثة رجال، وإلى أصل القاعدة أشار ابن مالك بقوله: ثَلاثَةً بالتَّاء قُلْ للْعَشَرَهْ … في عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ في الضِّدِّ جَرِّدْ وَالمُمَيّزَ اجْرُر … جَمْعًا بلَفْظ قلَّة في الأكْثَر قال في الفتح: وفيه استحباب التثليث في الغسل، قال النووي: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما تفرد به الماوردي، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل. قال الحافظ: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح الفروع، وكذا قال القرطبي، وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم

стр. 2295

عن عائشة -يعني حديثها: "كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على وسط رأسه" رواه البخاري- فإن مقتضاها أن كل غرفة كان في جهة من جهات الرأس. اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٠ قال الجامع عفا الله عنه: الأولى ما قاله الأولون، ويحمل حديث القاسم على بعض الأحيان، والله أعلم. (ثم يفيض الماء) من الإفاضة رباعيًا أي يُسيل الماء. واستدل به من لم يشترط الدلك، وهو ظاهر، وقال المازري: لا حجة فيه؛ لأن أفاض بمعنى غسل، والخلاف في الغسل قائم قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. والله أعلم. وقال القاضي عياض: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار. ورُدَّ عليه بما تقدم في رواية أبي سلمة، عن عائشة ﵂ في ١٥٥/ ٢٤٦، ورواها البيهقي، أيضا، في صفة غسل النبي ﷺ ، وفيه ذكر المضمضة ثلاثا، والاستنشاق ثلاثا، وغسل الوجه ثلاثا، ويديه ثلاثًا (١)، والإفاضة على رأسه ثلاثًا. قاله الحافظ في الفتح ج ١ ص ٤٣٠ (على جسده كله) هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل بعدما تقدم من الوضوء وغيره. قال الحافظ: وهو يؤيد الاحتمال الأول: أن الوضوء سنة مستقلة قبل الغسل، وعلى هذا فينوي المغتسل الوضوء إن كان محدثا. وإلا فسنة الغسل. قال الجامع عفا الله عنه: الأولى كون "كله" تأكيدًا لجسده على حذف مضاف (٢)، بدليل الرواية الأخرى، أي سائر جسده، فيكون مؤكدًا

стр. 2296

لسائر، لئلا يتوهم أن المراد به معظم سائر الجسد، فبهذا تتفق الروايات على معنى واحد، ولا حاجة إلى أن نقول: إنه أعاد الغسل على مواضع الوضوء. والله أعلم. قال الحافظ: واستدل بهذا الحديث على استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل، ولا يؤخر غسل الرجلين إلى فراغه، وهو ظاهر من قولها: "كما يتوضأ للصلاة"، وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه، لكن رواه مسلم من رواية أبي معاوية، عن هشام، فقال في آخره "ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه"، وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية، دون أصحاب هشام، قال البيهقي: هي غريبة صحيحة، قال الحافظ: لكن في رواية أبي معاوية، عن هشام، مقال، نعم له شاهد من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أخرجه أبو داود الطيالسي، فذكر حديث الغسل كما تقدم عند النسائي، وزاد في آخره "فإذا فرغ غسل رجليه"، فإما أن تحمل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها: "وضوءه للصلاة" أي أكثره، وهو ما سوى الرجلين، أو يحمل على ظاهره، ويستدل برواية أبى معاوية على جواز تفريق الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله في رواية أبي معاوية: "ثم غسل رجليه"، أي أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن غسلهما في الوضوء، فيوافق قوله في حديث الباب: "ثم يفيض على جلده كله". اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٠ - ٤٣١. قال الجامع عفا الله عنه: أولى هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأول، لأن غيره فيه نوع تكلف، فيكون المراد أكثر وضوء الصلاة. فتكون روايات عائشة ﵂ موافقة لروايات ميمونة ﵂. والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2297

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: هذا الحديث بهذا السند والمتن أخرجه هنا ١٥٦/ ٢٤٧ وفي الكبرى ١٤٠/ ٢٤٦ عن قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، ويأتي في الباب التالي بنحوه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بسند المصنف، ومتنه في الطهارة-٨٠/ ١، وأخرجه مسلم من حديث أبي معاوية، عن هشام، فذكره، وفي آخره "ثم غسل رجليه"، ثم ذكره عن جماعة عن هشام، وبَيَّن أنه ليس في حديثهم غسل الرجلين. المسألة الرابعة: في فوائده: منها أن قولها "كان" يدل على الملازمة والتكرار، قال ابن دقيق العيد ﵀: يقال: كان يفعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه فعله، وكان عادته، كما يقال: كان يقري الضيف، "وكان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة"، وقد تستعمل "كان" لإفادة مجرد الفعل، ووقوع الفعل، دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل الحديث. ومنها أن قولها: "كان إذا اغتسل" يحتمل أن يكون من باب التعبير بالفعل عن إرداة الفعل، كما في قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ويحتمل أن يكون قولها: "اغتسل" بمعنى شرع في الغسل، فإنه يقال: فعل إذا شرع، وفعل إذا فرغ، فإذا حملنا "اغتسل" على شرع صح ذلك؛ لأنه يمكن أن يكون

стр. 2298

الشروع وقتا للبدأة بغسل اليدين، وهذا بخلاف ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقتًا للاستعاذة. قاله ابن دقيق العيد. في إحكامه ج ١ ص ٣٦٨. ومنها: مشروعية غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل، وقد تقدم حكمه في ١/ ١. ومنها: تقديم الوضوء على الغسل، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية. ومنها: أن ظاهر قولها "كما يتوضأ للصلاة" يفيد أنه لا يؤخر غسل الرجلين، وقد تقدم الكلام عليه قريبا، وهو الأصح من قولي الشافعي، كما قال العيني، والقول الثاني أنه يؤخِّر عملا بظاهر حديث ميمونة ﵂, وله قول ثالث إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا، أو الماء قليلا أخّر جمعَا بين الأحاديث، وعند الحنفية إن كان في مُستَنْقَع الماء يؤخر وإلا فلا، وهو مذهب مالك. ومنها: التخليل في شعر الرأس. ومنها: صب الماء على الرأس ثلاث مرات. المسألة الخامسة: اختلف العلماء في حكم الوضوء قبل الغسل: فذهب الجمهور إلى سنيته، واحتجوا بأن الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر الوضوء، وبما رواه أحمد عن جبير بن مطعم قال: تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال: "أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي الماء ثلاثا، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي" حديث صحيح كما قال النووي في المجموع وسيأتي للمصنف مختصرا في ١٥٨/ ٢٥٠. وقوله ﷺ لأم سلمة "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على جسدك"، وقد تقدم في ١٥٠/ ٢٤١، وقوله ﷺ للذي

стр. 2299

تأخر عن الصلاة معه في السفر في قضية المزادتين، واعتذر بأنه جنب فأعطاه إناء، وقال: "اذهب فأفرغه عليك" وحديث أبي ذر ﵁: "فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك" وكل هذه الأحاديث صحيحة معروفة، وغير ذلك من الأحاديث، وأما وضوء النبي ﷺ في غسله فمحمول على الاستحباب، جمعا بين الأدلة. قاله النووي في المجموع ج ٢ ص ١٨٦. وذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود، وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، قال الشوكاني: وهو قول أكثر العترة، قال ولا شك في مشروعية الوضوء مقدّما على الغسل كما ثبتت بذلك الأحاديث "الصحيحة" وأما الوجوب فلم يدل عليه دليل، والفعل المجرد لا ينتهض للوجوب. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قول الجمهور هو الراجح، للأدلة التي مرت في قول النووي، وهي الصارفة عن كون فعله ﷺ بيانًا لمجمل آية الغسل، ولولا هذه الأدلة لقلنا بقول من قال بالوجوب حيث إن فعله صدر بيانًا للمجمل. فتأمل. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2300

١٥٧ - بَابُ تَخْليِلِ الجُنُبِ رَأْسَهُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية تخليل الجنب شعر رأسه ليصل الماء داخله. والتخليل: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر. وأراد المصنف بهذه الترجمة إلى أن المراد في الحديث السابق في قوله: "ثم يدخل أصابعه الماء فيخلل بها أصول شعره": شعر الرأس لا جميع الشعر النابت على الجسد بدليل قولها هنا: "ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره". وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ٢٤٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ: أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُخَلِّلُ رَأْسَهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى شَعْرِهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. رجال الإسناد: خمسة كلهم تقدموا قريبا إلا اثنين: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.

стр. 2301

وكلاهما بصريان، وعمرو بن علي ممن اتفق الستة بالرواية عنه من دون واسطة. وشرح الحديث واضح مما تقدم، واستنبط منه المصنف أن المراد في تخليل الشعر حيث أطلق تخليل شعر الرأس، وهذا هو الظاهر، وعممه بعض العلماء، في جميع الشعر. قال القاضي عياض ﵀: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل إما لعموم قوله: "أصول الشعر"، وإذا بالقياس على شعر الرأس. اهـ. وقال العيني ﵀: وهو واجب عند أصحابنا هنا، وسنة في الوضوء، وعند الشافعية واجب في قول، وسنة في قول، وقيل: واجب في الرأس، وفي اللحية قولان للمالكية، فروى ابن القاسم عدم الوجوب، وروى أشهب الوجوبَ، ونقل ابن بطال في باب تخليل الشعر الإجماع على تخليل شعر الرأس، وقاسوا اللحية عليها. اهـ عمدة ج ٣ ص ١٩٢. وقولها: "حتى يصل إلى شعره" كلمة "حتى" بمعنى"كي"، أي ليصل الماء إلى شعره ويستوعبه. أفاده السندي ﵀. والله أعلم. ٢٤٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُشَرِّبُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثًا.

стр. 2302

رجال هذا الإسناد: خمسة كلهم تقدموا قريبًا إلا اثنين: ١ - (محمَّد بن عبد الله بن يزيد) المقرئ القرشي العدوي المكي ثقة -١٠ - تقدم في ١١/ ١١. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمَّد الكوفي ثم المكي ثقة ثبت حجة -٨ - تقدم في ١/ ١. ومن لطالف هذا السند أن محمدًا ممن انفرد به (س ق)، وسفيان ممن اتفقوا عليه. والله أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يشرب رأسه) من التشريب، أو الإشراب، أي يسقيه الماء، والمراد به ما سبق من التخليل. كما قال السندي. واستنباط المصنف منه مشروعية التخليل واضح. (ثم) بعد أن يشرب (يحثي) تقدم ضبطه، ومعناه (عليه) أي على رأسه (ثلاثا) فيه التثليث في غسل الرأس، وأنه يكون بعد أن يشربه ليصل الماء إليه بسهولة، والله أعلم. وهذا الحديث، والذي قبله من أفراد المصنف كما أشار إليه المزي في التحفة. أخرجه هنا -١٥٧/ ٢٤٩ - بهذا السند. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2303

١٥٨ - بَابُ ذِكْرِ ماَ يَكْفِي الجُنُبَ مِنْ إفَاضَةِ اِلمَاءِ عَلَى رَأسِهِ أي هذا باب ذ كر الحديث الدال على بيان القدر الكافي للجنب من إفاضة الماء على رأسه. وموضع الاستدلال واضح من قوله: "فأفيض على رأسي ثلاث أكف". وأراد المصنف بهذا أن هذا القدر الذي هو الثلاث كاف لأي مغتسل، فلا ينبغي الزيادة عليه بسبب وسوسة أو غيرها، فإنه من التنطع والغلو، وليس المراد أن الثلاث متعين بحيث لا يكفي أقل منه؛ لأن الغسل الواجب هو التعميم، وإيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن. والله أعلم. ٢٥٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، يُحَدِّثُ (١) عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: تَمَارَوْا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِنِّي لأَغْسِلُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ أَكُفٍّ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي ثقة متقن -٧ - تقدم في ٧٩/ ٩٦.

стр. 2304

٣ - (أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله ثقة ثبت اختلط آخرا -٣ - تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٤ - (سليمان بن صُرَد) -بضم المهلمة وفتح الراء- بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن حرام، الخزاعي أبو مطرف الكوفي، له صحبة، روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بن كعب وعلي بن أبي طالب، والحسن بن علي، وجبير بن مطعم. وعنه أبو إسحاق السبيعي، ويحيى بن يعمر، وعدي بن ثابت، وعبد الله بن يسار الجهني، وأبو الضحى، وغيرهم. قال ابن عبد البر: كان خيرًا فاضلا، وكان اسمه في الجاهلية يسارًا فسماه النبي ﷺ سليمان، سكن الكوفة، وكان له سن عالية وشرف في قومه وشهد مع علي صفِّين، وكان فيمن كتب إلى الحسين يسأله القدوم إلى الكوفة، فلما قدمها ترك القتال معه، فلما قتل قدم سليمان هو والمسيب بن نجبة الفزاري وجميع من خذله، وقالوا: ما لنا توبة إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنخيلة، وولَّوا سليمان أمرَهُم، ثم ساروا فالتقوا بعبيد الله بن زياد بموضع يقال له: عين الوردة فقتل سليمان، والمسيب، ومن معهم في ربيع الآخر سنة -٦٥ - ، وقيل: رماه يزيد بن الحصين بن نمير بسهم فقتله، وحمل رأسه إلى مروان، وكان سليمان يوم قتل ابن -٩٣ - سنة، وذكر ابن حبان أن قتله كان سنة -٦٧ - قال الحافظ ﵀: والأول أصح وأكثر. أخرج له الجماعة اهـ "تت". ٥ - (جُبَيْر بن مُطعم) (١) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، قدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك عام خيبر، وقيل: يوم الفتح. روى عن النبي ﷺ . وعنه سليمان ورد وأبو سرْوَعَة، وابناه محمَّد، ونافع، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم بن

стр. 2305

عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن باباه، وغيرهم. قال الزبير: كان يؤخذ عنه النسب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر، وسَلَّحَ عمر بن الخطاب جبيرًا سيف النعمان بن المنذر. وقال ابن البرقي، وخليفة: توفي سنة ٥٩ بالمدينة. وقال المدائني: سنة ٥٨. قال الحافظ: حكى ابن عبد البر أنه أول من لبس الطيلسان بالمدينة، وقال العسكري: كان جبير بن مطعم أحد من يتحاكم إليه، وقد تحاكم إليه عثمان، وطلحة في قضية، ومات سنة -٥٦ - أخرج له الجماعة اهـ"تت". والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم أجلاء اتفق الأئمة بالرواية لهم، وأنهم كوفيون إلا قتيبة فبغلاني، وجبيرا فمدني، وفيه رواية صحابي، عن صحابي، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله أعلم. شرح الحديث (عن جبير بن مطعم) القرشي النوفلي ﵁، أنه (قال: تماروا) أي تنازعوا وتقدم معنى التماري في ١٤٤/ ٢٣٠ (في الغسل) أي في كميته (فقال بعض القوم إني لأغسل كذا وكذا) والمراد غسل رأسه، لما في مسلم: "فقال بعض القوم أما أنا فأغسل رأسي كذا وكذا" والمراد بهذا الغسل غسل الجنابة لما عند مسلم أيضا في هذ الحديث عن طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن جبير بن مطعم، عن النبي ﷺ : أنه ذكر عنده الغسل عن الجنابة .. الحديث. (فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض) بضم الهمزة من الإفاضة، أي فأصبّ (على رأسي ثلاث أكف) جمع كف، وتجمع على كفوف، مثل فَلْس وأفلس وفلوس، وهي مؤنثة، وهي الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن. قاله في المصباح، وقد تقدم البحث عنها في ٦٦/ ٨٢. أي

стр. 2306

ثلاث حفنات كل واحدة منهن بملء الكفين جميعًا، ويدل عليه ما رواه أحمد في مسنده: "فآخذ ملء كفي ثلاثًا، فأصبّ على رأسي"، أفاده العيني، ودل قوله: "ثلاث أكف" على أن المراد بكذا وكذا أكثر من ذلك، ودل أيضا على أنه ﷺ لا يفيض أكثر من ثلاث. (تنبيه) "أمَّا" في قوله: "أما أنا فأفيض" الخ حرف شرط، وتوكيد دائمًا، وتفصيل غالبًا. وهي بفتح الهمزة، وتشديد الميم، وقد تبدل ميمها الأولى ياء تخفيفا كقوله (من الطويل): رَأتْ رَجُلًا أيْمَا إذَا الشَّمْسُ عَرَّضتْ … فَيَضْحَى وَأيْمَا بالعَشيِّ فَيَخْصَرُ أما كونها حرف شرط فبدليل لزومها الفاء بعدها نحو ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ. .﴾ [البقرة: ٢٦]. وأماكونها للتوكيد، فقد بينه الزمخشري، فقال: فائدة "أما" في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنه لا محالة ذاهب، وأنه بصدد الذهاب، وأنه منه عزيمة، قلت: أمَّا زيد فذاهب. وأما كونها للتفصيل فهو غالب أحوالها كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ .. وَأَمَّا الْغُلَامُ .. وَأَمَّا الْجِدَارُ ..﴾ [الكهف: ٧٩ - ٨٢]. وقد يترك تكرارها استغناء بذكر أحد القسمين عن الآخر، أو بكلام يذكر بعدها في موضع ذلك القسم، والأول نحو ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥] أي وأما الذين كفروا بالله فلهم كذا وكذا. والثاني: نحو ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغ

стр. 2307

فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] أي وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون معناه إلى ربهم، ويدل على ذلك ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي كل من المتشابه، والمحكم من عند الله، والإيمان بهما واجب، وكأنه قيل: وأما الراسخون في العلم فيقولون .. الخ. وقد تأتي "أما" لغير تفصيل أصلا، نحو أما زيد فمنطلق. انظر تفصيل الكلام في مغني اللبيب ج ١ ص ٥٣ - ٥٤ فإنه حَبَّر المسألة أحسن تحبير، وقررها أجمل تقرير، على عادته المستمرة. فلله دره عالمًا ﵀. إذا تقرر هذا، فأما في هذا الحديث يحتمل أن تكون للتفصيل حذف قسيمها لدلالة الكلام عليه، فكأنه قال: أما أنا فأفيض الخ، وأما أنتم فتعملون خلافه، أو نحو ذلك، فقول بعض القوم: إني لأغسل كذا وكذا يدل عليه، ويحتمل أن تكون لمجرد التوكيد، فلا تفصيل فيها, ولا تحتاج إلى تكرارها، كما تقدم في أما زيد فمنطلق. والحاصل أنها محتملة للوجهين فلا معنى لاعتراض العيني علي الكرماني، والحافظ في هذا التقدير، ولا سيما والكرماني صرح بأن هذا القدير ليس لازما، فقال ما نصه: "أما" للتفصيل فأين قسيمه؟ قلت: اقتضاء القسيم غير واجب، ولئن سلمنا فهو محذوف يدل عليه السياق إلى آخر كلامه. فكلامه موافق لما ذكرناه من القاعدة فلا يعترض عليه. فتأمل. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جبير بن مطعم ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه المصنف هنا ١٥٨/ ٢٥٠ وفي الكبرى ١٤٠/ ٢٤٧ عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن

стр. 2308

أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عنه، وفي كتاب الغسل والتيمم ٢٠/ ٤٢٥ عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن شعبة، عن أبي إسحاق، وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن شعبة. به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه: أخرجه (خ م د ق) فأخرجه (خ) في الطهارة ٨٣/ ١ عن أبي نعيم، عن زهير، و (م) فيه-٤٥/ ١ عن أبي بكر ابن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، ثلاثتهم عن أبي الأحوص، به. وفي ٤٥/ ٢ عن أبي موسى (١) وبندار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، ثلاثتهم عن أبي إسحاق به. و (د) فيه عن النفيلي عن زهير به. و (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به. أفاده في تحفة. ج ٢ ص ٤١٠. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: جواز التنازع عند النبي ﷺ من غير رفع صوت، وأما ما روى ابن عباس من قوله ﷺ : "ولا ينبغي عندي التنازع" فمحمول على التنازع الذي يؤدي إلى الخصام ورفع الصوت؛ لأن سياق الحديث يدل على هذا، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه، قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، فقال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع .. " الحديث. فهذا صريح في كون ذلك التنازع أدى إلى رفع الصوت، والإخلال بالتعظيم الذي أوجبه الله تعالى بقوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]. ومنها: كون الإفاضة على الرأس ثلاث غرفات وهو القدر الكافي فيه، فلا ينبغي تجاوزه، وهذا محل الترجمة للمصنف.

стр. 2309

ومنها: التلطف في التعليم حيث إنه لم يقل لهم: هذا حرام، أو نحو ذلك، بل أرشدهم إلى ما هو عليه من الهدي ليهتدوا به ﷺ ما أكرمه من معلم، وما أحسنه من مرشد. وقد يستفاد منه أن الوضوء غير واجب حيث لم يذكر هنا، لكن يجاب عنه بأنه إنما ذكر محل النزاع، حيث قال بعضهم: أغسل رأسي كذا وكذا مرة. وقد قدمنا عدم وجوب الوضوء بدليله في ١٥٧/ ٢٤٧ فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2310

١٥٩ - بَابُ ذكْرِ العَمَلِ فِي الغَسْلِ مِنَ الحَيْضِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على العمل الذي تعمله المغتسلة في حالة تطهرها من حيضها. وموضع الاستدلال قوله: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها". لكن ذكر هذا الباب بين هذه الأبواب غير مُتَّجه. فتأمل. ٢٥١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ -وَهُوَ ابْنُ صَفِيَّةَ-، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَخْبَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا". قَالَتْ: وَكَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَتْ: فَاسْتَتَرَ كَذَا، ثُمَّ قَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ تَطَهَّرِي بِهَا". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَجَذَبْتُ الْمَرْأَةَ، وَقُلْتُ: تَتَّبِعِينَ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهري

стр. 2311

البصري صدوق من صغار العاشرة مات سنة -٢٥٦ - (م ٤) وتقدم في ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي ثقة ثبت حجة -٨ - تقدم في ١/ ١. ٣ - (منصور بن صفية) هو ابن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري الحجبي المكي. روى عن أمه صفية بنت شيبة، ومسافع ابن شيبة الحجبي، وسعيد بن جبير، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأبي سعيد مولى ابن عباس. وروى عنه أخوه محمَّد، وزائدة، وابن جريج، ووهيب، وزهير بن معاوية، وزهير بن محمَّد، ومعروف بن مشكان، وداود بن عبد الرحمن العطار، وفضيل بن سليمان، والسفيانان، وآخرون. قال الأثرم: سئل عنه أحمد؟ فأحسن الثناء عليه. وقال ابن عيينة: يُثنى عليه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات: وقال الحميدي، عن ابن عيينة: كان يبكي في وقت كل صلاة. وقال هشام بن الكلبي: رأيته في زمن خالد بن عبد الله يحجب البيت، وهو شيخ كبير. قال: مات سنة -٧ - أو -١٣٨ - ، وقال ابن حبان: كان ثبتًا ثقة، وقال ابن حزم: ليس بالقوي. أخرج له الجماعة إلا الترمذي. اهـ "تت". قال الجامع: وقول ابن حزم هذا مما لا يلتفت إليه، لاتفاق الأئمة على توثيقه، والثناء عليه. ٤ - (صفية) بنت شيبة بن عثمان بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدرية. لها رؤية، وقال الدراقطني: لا تصح لها رؤية. روت

стр. 2312

عن النبي ﷺ ، وعن أم ولد لشيبة بن عثمان، وأم عثمان بنت أبي سفيان ابن حرب، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة أمهات المؤمنين، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وحبيبة بنت أبي نجران، وغيرهم. وروى عنها ابنها منصور بن عبد الرحمن الحجبي، وابن أخيها عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وابن أخيها الآخر مسافع بن عبد الله بن شيبة، وابن ابن أخيها الآخر مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة، وسبطها محمَّد بن عمران الحجبي، وإبراهيم بن مهاجر، والحسن بن مسلم، وقتادة، والمغيرة بن حكيم، وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وأم صالح بنت صالح، وغيرهم. قال ابن معين: ولم يسمع ابن جريج منها، وقد أدركها، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين. قال الحافظ: ذكر المزي في الأطراف أن البخاري قال في صحيحه: قال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ ، ففي هذا رد على ابن حبان، وقد أوضحت حال هذا الحديث فيما كتبته على الأطراف (١). أخرج لها الجماعة. اهـ "تت" ج ١٢ ص ٤٣٠. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم اتفقوا عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له (خ) ومنصور فلم يخرج له (ت) وفيه رواية الابن عن أمه، ورواية صحابية عن صحابية.

стр. 2313

(تنبيه) قال الحافظ ﵀: نسب منصور إلى أمه صفية لشهرتها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وهو من وهي زوجته صفية، وشيبةُ له صحبة، ولها أيضا، وقتل الحارث بن طلحة بأحد، ولعبد الرحمن رؤية، ووقع التصريح بالسماع في جميع السند عند الحميدي في مسنده. اهـ فتح ج ١ ص ٤٩٤ بتصرف. شرح الحديث (عن عائشة ﵂: أن امرأة) قال الحافظ: زاد في رواية وهيب "من الأنصار" وسماها مسلم في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم ابن مهاجر أسماء بنت شَكَل، بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين، ثم اللام، ولم يسم أباها في رواية غندر، عن شعبة، عن إبراهيم. وروى الخطيب في المبهمات من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة هذا الحديث، فقال: أسماء بنت يزيد بن السكن، بالمهملة والنون، الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في التلقيح، والدمياطي، وزاد أن الذي في مسلم تصحيف، لأنه ليس في الأنصار من يقال له شكل، وهو رد للرواية الثابتة بغير دليل- وقد يحتمل أن يكون شكل لقبًا، لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل كما في مسلم، أو أسماء بغير نسب كما في أبي داود، وكذا في مستخرج أبي نعيم من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحكى النووي في شرح مسلم الوجهين بغير ترجيح. اهـ فتح ج ١ ص ٤٩٤ - ٤٩٥. (سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض) مصدر ميمي أي من الحيض وعند أبي داود، فقالت: كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ (فأخبرها) ﷺ (كيف تغتسل) أي بيّن لها كيفية اغتسالها، وقد بين ذلك

стр. 2314

في رواية مسلم فقال: وتأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة .. " الحديث. ولأبي داود قال: "تأخذ سدرها وماءها، فتوضأ، ثم تغسل رأسها، وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ فرصتها .. " الحديث. (ثم) بعد بيان كيفية الغسل (قال) لها (خذي فرصة) بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها، وبإسكان الراء وإهمال الصاد: قطعةٌ من صوف، أو قطن، أو جلدة عليها صوف حكاه أبو عبيد وغيره اهـ. فتح. وفي اللسان: الفِرصَةُ -بالكسر- والفَرصة -بالفتح- والفُرصة -بالضم- الأخيرتان عن كراع: قطعة من الصوف، أو القطن. وقيل: هي قطعة قطن، أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض. وقال ابن الأثير: الفرصة بكسر الفاء: قطعة من صوف أو قطن، أو خرقة، يقال: فَرَصْتُ الشيء إذا قطعته. اهـ بتصرف. وقال في الفتح: وحكى أبو داود أن في رواية أبي الأحوص "قرصة" بفتح القاف، ووجهه المنذري فقال: يعني شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين. انتهى. ووهم من عزا هذه الرواية للبخاري، وقال ابن قتيبة: هي قرضة بفتح القاف وبالضاد المعجمة. اهـ، أي قطعة. من القرض وهو القصع. اهـ لسان (من مسك) بكسر الميم وهو المشهور، والمراد الطيب المعلوم، أي مطيبة من مسك فعلى هذا فمتعلق الجار خاص بقرينة المقام، وأنكره بعضهم بأنهم ما كانوا أهل وسع يجدون المسك، فالوجه فتح الميم، أي كائنة من جلد عليه صوف، فمتعلق الجار عام، وما جاء في بعض الروايات "فرصة ممسكة" يحمل على الأول على أنها مطيبة بمسك، وعلى الثاني على أنها خَلَقٌ قد مسكت كثيرًا لا جديد، لكن الأحاديث تفيد المعنى الأول حتى قد جاء في

стр. 2315

الإحداد "ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نُبْذَة من قُسْط، أو أظفار" أفاده السندي. وقال ابن منظور ﵀: قال الليث: المسك معروف إلا أنه ليس بعربي محض، وقال ابن سيده: المسك ضرب من الطيب مذكر، وقد أنثه بعضهم على أنه جمع، واحدته مسكة، وقال ابن الأعرابي: وأصله مسك محركة، وقال الجوهري: وأما قول جرَان العَوْد (من الطويل): لقَدْ عَاجَلَتْني بالسِّبَابِ وَثَوْبُهَا … جَديدٌ ومَنْ أرْدَانهَا المسْكُ تَنْفَحُ فإنما أنثه لأنه ذهب به إلى ريح المسك. وثوب مُمَسَّك: مصبوغ به اهـ لسان. وفي المصباح وقال السِّجسْتَاني: من أنث المسك جعله جمعًا، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذَّهَب، والعَسَل، قال: وواحدته مسكة، مثل ذَهَب وذَهَبَة، قال ابن السكيت: وأصله مسك بكسرتين، قال رؤبة (من الرجز): إنْ تُشْفَ نَفْسي منْ ذُبَابَات الحَسَكْ … أَحْرِ بِهَا أطْيَبَ منْ ريح المِسِكْ وهكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري: قال السجستاني: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار لإقامة الوزن، وكان الأصمعي ينشد البيت بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكة، مثل خرقة وخرق، وقربة وقرب، ويؤيد قول السجستاني أنه لا يوجد فعل بكسرتين إلا إبل، وما ذكر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قال (من الرجز): عَلَّمَنَا إخْوَانُنَا بَنُو عِجلْ … شُرْبَ النَّبيذ وَاعتقَالًا بالرِّجلْ والأصل هنا السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركلة الكاف نقلت إلى السين لأجل الوقف، وذلك سائغ. اهـ المصباح. وقال الجوهري:
следующие страницы →