← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

البصري صدوق من صغار العاشرة مات سنة -٢٥٦ - (م ٤) وتقدم في ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي ثقة ثبت حجة -٨ - تقدم في ١/ ١. ٣ - (منصور بن صفية) هو ابن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري الحجبي المكي. روى عن أمه صفية بنت شيبة، ومسافع ابن شيبة الحجبي، وسعيد بن جبير، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأبي سعيد مولى ابن عباس. وروى عنه أخوه محمَّد، وزائدة، وابن جريج، ووهيب، وزهير بن معاوية، وزهير بن محمَّد، ومعروف بن مشكان، وداود بن عبد الرحمن العطار، وفضيل بن سليمان، والسفيانان، وآخرون. قال الأثرم: سئل عنه أحمد؟ فأحسن الثناء عليه. وقال ابن عيينة: يُثنى عليه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات: وقال الحميدي، عن ابن عيينة: كان يبكي في وقت كل صلاة. وقال هشام بن الكلبي: رأيته في زمن خالد بن عبد الله يحجب البيت، وهو شيخ كبير. قال: مات سنة -٧ - أو -١٣٨ - ، وقال ابن حبان: كان ثبتًا ثقة، وقال ابن حزم: ليس بالقوي. أخرج له الجماعة إلا الترمذي. اهـ "تت". قال الجامع: وقول ابن حزم هذا مما لا يلتفت إليه، لاتفاق الأئمة على توثيقه، والثناء عليه. ٤ - (صفية) بنت شيبة بن عثمان بن طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدرية. لها رؤية، وقال الدراقطني: لا تصح لها رؤية. روت

стр. 2312

عن النبي ﷺ ، وعن أم ولد لشيبة بن عثمان، وأم عثمان بنت أبي سفيان ابن حرب، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة أمهات المؤمنين، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وحبيبة بنت أبي نجران، وغيرهم. وروى عنها ابنها منصور بن عبد الرحمن الحجبي، وابن أخيها عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وابن أخيها الآخر مسافع بن عبد الله بن شيبة، وابن ابن أخيها الآخر مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة، وسبطها محمَّد بن عمران الحجبي، وإبراهيم بن مهاجر، والحسن بن مسلم، وقتادة، والمغيرة بن حكيم، وعبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، وأم صالح بنت صالح، وغيرهم. قال ابن معين: ولم يسمع ابن جريج منها، وقد أدركها، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين. قال الحافظ: ذكر المزي في الأطراف أن البخاري قال في صحيحه: قال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ ، ففي هذا رد على ابن حبان، وقد أوضحت حال هذا الحديث فيما كتبته على الأطراف (١). أخرج لها الجماعة. اهـ "تت" ج ١٢ ص ٤٣٠. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم اتفقوا عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له (خ) ومنصور فلم يخرج له (ت) وفيه رواية الابن عن أمه، ورواية صحابية عن صحابية.

стр. 2313

(تنبيه) قال الحافظ ﵀: نسب منصور إلى أمه صفية لشهرتها، واسم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وهو من وهي زوجته صفية، وشيبةُ له صحبة، ولها أيضا، وقتل الحارث بن طلحة بأحد، ولعبد الرحمن رؤية، ووقع التصريح بالسماع في جميع السند عند الحميدي في مسنده. اهـ فتح ج ١ ص ٤٩٤ بتصرف. شرح الحديث (عن عائشة ﵂: أن امرأة) قال الحافظ: زاد في رواية وهيب "من الأنصار" وسماها مسلم في رواية أبي الأحوص عن إبراهيم ابن مهاجر أسماء بنت شَكَل، بالشين المعجمة والكاف المفتوحتين، ثم اللام، ولم يسم أباها في رواية غندر، عن شعبة، عن إبراهيم. وروى الخطيب في المبهمات من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة هذا الحديث، فقال: أسماء بنت يزيد بن السكن، بالمهملة والنون، الأنصارية التي يقال لها: خطيبة النساء، وتبعه ابن الجوزي في التلقيح، والدمياطي، وزاد أن الذي في مسلم تصحيف، لأنه ليس في الأنصار من يقال له شكل، وهو رد للرواية الثابتة بغير دليل- وقد يحتمل أن يكون شكل لقبًا، لا اسمًا، والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل كما في مسلم، أو أسماء بغير نسب كما في أبي داود، وكذا في مستخرج أبي نعيم من الطريق التي أخرجه منها الخطيب، وحكى النووي في شرح مسلم الوجهين بغير ترجيح. اهـ فتح ج ١ ص ٤٩٤ - ٤٩٥. (سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض) مصدر ميمي أي من الحيض وعند أبي داود، فقالت: كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ (فأخبرها) ﷺ (كيف تغتسل) أي بيّن لها كيفية اغتسالها، وقد بين ذلك

стр. 2314

في رواية مسلم فقال: وتأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة .. " الحديث. ولأبي داود قال: "تأخذ سدرها وماءها، فتوضأ، ثم تغسل رأسها، وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ فرصتها .. " الحديث. (ثم) بعد بيان كيفية الغسل (قال) لها (خذي فرصة) بكسر الفاء، وحكى ابن سيده تثليثها، وبإسكان الراء وإهمال الصاد: قطعةٌ من صوف، أو قطن، أو جلدة عليها صوف حكاه أبو عبيد وغيره اهـ. فتح. وفي اللسان: الفِرصَةُ -بالكسر- والفَرصة -بالفتح- والفُرصة -بالضم- الأخيرتان عن كراع: قطعة من الصوف، أو القطن. وقيل: هي قطعة قطن، أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض. وقال ابن الأثير: الفرصة بكسر الفاء: قطعة من صوف أو قطن، أو خرقة، يقال: فَرَصْتُ الشيء إذا قطعته. اهـ بتصرف. وقال في الفتح: وحكى أبو داود أن في رواية أبي الأحوص "قرصة" بفتح القاف، ووجهه المنذري فقال: يعني شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين. انتهى. ووهم من عزا هذه الرواية للبخاري، وقال ابن قتيبة: هي قرضة بفتح القاف وبالضاد المعجمة. اهـ، أي قطعة. من القرض وهو القصع. اهـ لسان (من مسك) بكسر الميم وهو المشهور، والمراد الطيب المعلوم، أي مطيبة من مسك فعلى هذا فمتعلق الجار خاص بقرينة المقام، وأنكره بعضهم بأنهم ما كانوا أهل وسع يجدون المسك، فالوجه فتح الميم، أي كائنة من جلد عليه صوف، فمتعلق الجار عام، وما جاء في بعض الروايات "فرصة ممسكة" يحمل على الأول على أنها مطيبة بمسك، وعلى الثاني على أنها خَلَقٌ قد مسكت كثيرًا لا جديد، لكن الأحاديث تفيد المعنى الأول حتى قد جاء في

стр. 2315

الإحداد "ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نُبْذَة من قُسْط، أو أظفار" أفاده السندي. وقال ابن منظور ﵀: قال الليث: المسك معروف إلا أنه ليس بعربي محض، وقال ابن سيده: المسك ضرب من الطيب مذكر، وقد أنثه بعضهم على أنه جمع، واحدته مسكة، وقال ابن الأعرابي: وأصله مسك محركة، وقال الجوهري: وأما قول جرَان العَوْد (من الطويل): لقَدْ عَاجَلَتْني بالسِّبَابِ وَثَوْبُهَا … جَديدٌ ومَنْ أرْدَانهَا المسْكُ تَنْفَحُ فإنما أنثه لأنه ذهب به إلى ريح المسك. وثوب مُمَسَّك: مصبوغ به اهـ لسان. وفي المصباح وقال السِّجسْتَاني: من أنث المسك جعله جمعًا، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذَّهَب، والعَسَل، قال: وواحدته مسكة، مثل ذَهَب وذَهَبَة، قال ابن السكيت: وأصله مسك بكسرتين، قال رؤبة (من الرجز): إنْ تُشْفَ نَفْسي منْ ذُبَابَات الحَسَكْ … أَحْرِ بِهَا أطْيَبَ منْ ريح المِسِكْ وهكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري: قال السجستاني: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار لإقامة الوزن، وكان الأصمعي ينشد البيت بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكة، مثل خرقة وخرق، وقربة وقرب، ويؤيد قول السجستاني أنه لا يوجد فعل بكسرتين إلا إبل، وما ذكر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قال (من الرجز): عَلَّمَنَا إخْوَانُنَا بَنُو عِجلْ … شُرْبَ النَّبيذ وَاعتقَالًا بالرِّجلْ والأصل هنا السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركلة الكاف نقلت إلى السين لأجل الوقف، وذلك سائغ. اهـ المصباح. وقال الجوهري:

стр. 2316

المسك من الطيب فارسي معرب، وكانت العرب تسمية المَشْمُوم، وقال ابن منظور: قال أبو العباس في حديث النبي ﷺ الحيض: "خذي فرصة فتمسكي بها"، وفي رواية: "خذي فرصة ممسكة فتطيبي بها" الفرصة: القطعة، يريد قطعة من المسك، وفي رواية أخرى "خذي فرصة من مسك فتطيبي بها" قال بعضهم: تمسكي: تطيبي من المسك، وقالت طائفة: هو من التمسك باليد، وقيل: مُمَسَّكَة أي مُتَحَمَّلَةً، يعني تحتملينها معك، وقال الزمخشري: الممسكة: الخَلَقُ التي أمْسكَت كثيرًا، قال: كأنه أراد أن لا يستعمل الجديد من القطن والصوف، للارتفاق به في الغَزْل وغيره، ولأن الخَلَقَ أصلح لذلك، وأوفق. قال ابن الأثير ﵀: وهذه الأقوال أكثرها متكلَّفة، والذي عليه الفقهاء أن الحائض عند الاغتسال من الحيض يستحب لها أن تأخذ شيئًا يسيرًا من المسك تتطيب به، أو فرصة مطيبة من المسك. اهـ لسان. وقال الحافظ: قال ابن قتيبة: "من مَسْك" بفتح الميم، والمراد قطعة جلد، وهي رواية من قاله بكسر الميم، واحتج بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، وتبعه ابن بطال. وفي المشارق أن أكثر الرويات بفتح الميم.، ورجح النووي الكسر، وقال: إن الرواية الأخرى، وهي قوله: "فرصة ممسكة" تدل عليه، وفيه نظر, لأن الخطابي قال: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "ممسكة" أي مأخوذة باليد، يقال: أمسكته ومسكته. لكن يبقى الكلام ظاهر الركاكة, لأنه يصير هكذا: خذي قطعة مأخوذة. قال الجامع عفا الله عنه: قد ظهر بهذا أن تعقب الحافظ على النووي بكلام الخطابي مما لا معنى له، فالصواب ما قاله النووي رحمه الله تعالى. والله أعلم. قال الحافظ: ويقوي رواية الكسر، وأن المراد التطيب ما في رواية

стр. 2317

عبد الرزاق حيث وقع عنده "من ذَريرَة"، وما استبعده ابن قتيبة من امتهان المسك ليس ببعيد، لما عرف من شأن أهل الحجاز من كثرة استعمال الطيب، وقد يكون المأمور به من يقدر عليه. قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن الصواب ما رجحه النووي أيضًا، وأن المراد بالمسك هو المسك المعروف. والله أعلم. قال النووي: والمقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الصحيح، وقيل، لكونه أسرع إلى الحبل، حكاه الماوردي، قال: فعلى الأول إن فقدت المسك استعملت ما يخلُفه في طيب الريح، وعلى الثاني ما يقوم مقامه في إسراع العُلُوق، وضعف النووي الثاني، وقال: لو كان صحيحا لاختصت به المزوجة، قال: وإطلاق الأحاديث يرده، والصواب أن ذلك مستحب لكل مغتسلة من حيض أو نفاس، ويكره تركه للقادرة، فإن لم تجد مسكًا فطيبًا، فإن لم تجد فمزيلًا، كالطين، وإلا فالماء كاف. اهـ فتح ج ١ ص ٤٩٥. (فتطهري بها) أي تنظفي بتلك الفرصة الممسكة، وفي الرواية الآتية ٢١/ ٤٢٧ "فتوضئي" والمعنى واحد، والمراد تنظيف المحل من أثر الرائحة الكريهة، فتمسح محل الدم بها. ولما قال لها تطهري ظنت أن المراد به التطهر الشرعي، فاستغربت ذلك واستفهمت و (قالت: كيف أتطهر بها) "كيف" في محل نصب حال، وجملة "أتطهر" مقول القول، ولا يجوز نصب "كيف" بـ"قال" لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، أي قالمت: على أي حالة أتطهر بتلك الفرصة (فاستتركذا) أي حياء من أن يواجهها بذكر محل الدم صريحًا؛ لأنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وقولها: "كذا" مفعول مطلق لـ "استتر" أي استتار كائنا مثل هذا

стр. 2318

الاستتار، ولعلها أرادت صفة مخصوصة للاستتار (ثم قال: سبحان الله) تعجبًا من عدم فهمها لكلامه، قال العيني: "سبحان" في مثل هذا الموضع يراد بها التعجب، ومعنى التعجب هنا كيف يخفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر. اهـ (قالت عائشة ﵂: فجذبت المرأة) من باب ضرب، مددتها إليَّ، وفي الرواية الآتية ٢١/ ٤٢٧. قالت: "ثم إن رسول الله ﷺ سبح وأعرض عنها، ففطنت عائشة لما يريد رسول الله ﷺ ، قالت: فأخذتها، وجذبتها إليَّ، فأخبرتها بما يريد رسول الله ﷺ وعند الإسماعيلي: "فلما رأيته يستحي علمتها". وزاد الدارمي: "وهو يسمع، ولا ينكر" (وقلت: تتبعين) مضارع اتَّبَعْت بوزن افتعَلْت، وهو إخبار، بمعنى الأمر، وعند البخاري "تتبعي" بصيغة الأمر وهي واضحة. (بها) أي بتلك الفرصة المسكة (أثر الدم) مفعول "تتبعين"، وأثرُ الشيء بفتحتين: بنيته، أي ما بقي من الدم، قال النووي: المراد به عند العلماء: الفرج، وقال المحاملي: يستحب لها أن تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها، قال: ولم أره لغيره، وظاهر الحديث حجة له، قال الحافظ: ويصرح به رواية الإسماعيلي: "تتبعي بها مواضع الدم". اهـ فتح ج ١ ص ٤٩٦. قال الجامع عفا الله عنه: قول المحاملي حسن جدّا. والله أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه. المسألة الئاثية: في بيان مواضعه عند المصنف: ذكره هنا -١٥٩/ ٢٥١ - وفي الكبرى -١٤١/ ٢٤٨ - عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، عن سفيان بن عيينة، وفي

стр. 2319

٢١/ ٤٢٧ عن الحسن بن محمَّد، عن عفان، عن وهيب، كلاهما عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة ﵂. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب، وفي الاعتصام عن محمَّد بن عقبة، عن فضيل بن سليمان، وفيهما جميعا عن يحيى، عن سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن منصور بن عبد الرحمن، به. وأخرجه (م) في الطهارة، عن عمرو الناقد وابن أبي عمر، كلاهما عن سفيان به، وعن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حَبَّان بن هلال، عن وهيب به. وأخرجه عن محمَّد بن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن غندر، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، كلاهما عن شعبة، وعن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي الأحوص، كلاهما عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفية بنت شيبة، عنها. وأخرجه (د) في الطهارة عن عبيد الله بن معاذ، به، وعن عثمان بن أبي شيبة عن أبي الأحوص به. وعن مسدد، عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن مهاجر به. وأخرجه (ق) فيه عن محمَّد بن بشار، به. المسألة الرابعة في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو العمل الذي تعمله المرأة في غسلها من الحيض، وقد بينه بقوله: "خذي فرصة" الخ. ومنها: التسبيح عند التعجب، ومعناه هنا: كيف يخفى هذا الظاهر الذي لا يحتاج في فهمه إلى كثير من التفكير. ومنها: استحباب الكنايات فيما يتعلق بالعورات. ومنها: سؤال المرأة العالمَ عن أحوالها التي يحتشم منها، ولهذا كانت عائشة تقول: "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في

стр. 2320

الدين" كما أخرجه مسلم في بعض طرق هذا الحديث، وذكره البخاري معلقًا. ومنها: الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المُسْتَهْجَنَة، وتكرير الجواب لإفهام السائل حيث وقع في الرواية الآتية أنه أعاد عليها "توضئي بها"، وإنما كرره مع كونها لم تفهمه أولا؛ لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله: "تطهري" أي في المحل الذي يستحيا من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة ﵂ ذلك عنه فتولت تعليمها تخفيفًا عليه، وقد بوب عليه البخاري في كتاب الاعتصام بنوله: "الأحكام التي تعرف بالدلائل". ومنها: تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه. ومنها: أن فيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل. ومنها: صحة العرض على المحدِّث إذا أقره، ولو لم يقل عقبه: نعم، وأنه لا يشترط في صحة التحمل فهم السامع لجميع ما يسمعه. ومنها: الرفق بالمتعلم وإقامة العذر لمن لم يفهم. ومنها: أن المرأ مطلوب بستر عيوبه، وإن كانت مما جبل عليها من جهة أمر المرأة بالتطيب لإزالة الرائحة الكريهة. ومنها: حسن خلقه ﷺ ، وعظيم حلمه، وحيائه، زاده الله شرفًا. ذكر أكثر هذه الفوائد الحافظ ﵀. انظر الفتح جـ ١ ص ٥٥٣. والله أعلم "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2321

١٦٠ - بَابُ تركِ الوُضُوءِ مِنْ بَعْدِ الغُسْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك الشخص الوضوء بعد اغتساله، إما لكونه توضأ أوّلا، أو لدخول الصغرى في الكبرى. ٢٥٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ -وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ-، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأودي أبو عبد الله الكوفي. روى عن أبيه، وعمه علي بن حكيم، وشريح بن مسلمة، وعبيد الله بن موسى، وخالد بن مخلد، وأبي نعيم، وغيرهم. وعنه (خ م س ق) وأبو حاتم، وقال: صدوق، وأبو عوانة، ويعقوب الفسوي (١)، والحسين، والقاسم ابنا المحاملي، ومحمد بن مخلد -وهو آخر من روى عنه - وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: كان ثقة عدلا، وقال مُطيَّن،

стр. 2322

وغيره: مات في المحرم سنة -٢٦١ - زاد غيره يوم عاشوراء، وقال العقيلي والبزار: ثقة، وأرخ ابن قانع وفاته قبل الستين، وروى عنه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ "تت" ج ١ ص ٦١. ٢ - (عثمان) بن حكيم بن دينار (١) الأودي، أبو عمرو الكوفي. روى عن الحسن بن صالح بن حي، وحبان بن علي، وشريك بن عبد الله النخعي. وعنه ابنه أحمد، ومحمد بن الحسين بن أبي الحنين. قال الحضرمي: مات سنة -٢١٩ - انفرد به المصنف، له عنده حديثان أحدهما هذا. اهـ تت ج ٧ ص ١١١. ٣ - (الحسن بن صالح) بن صالح بن حي، وهو حيان بن شُفَيّ بن هُنَيّ (٢) بن رافع، الهمداني الثوري، أبو عبد الله الكوفي العابد الفقيه أحد الأعلام. قال البخاري: يقال: حي لقب. روى عن أبيه، وأبي إسحاق، وعمرو بن دينار، وعا صم الأحول، وغيرهم. وعنه ابن المبارك، وحميد بن عبد الرحمن الرواسي، والأسود بن عامر شاذان، ووكيع، وأبوه الجَرَّاح، ويحيى بن آدم، وغيرهم. قال يحيى القطان: كان الثوري سيء الرأي فيه. وقال أبو نعيم: دخل الثوري يوم الجمعة فإذا الحسن بن صالح يصلي، فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق وأخذ نعليه فتحول، وقال أيضا عن الثوري: ذاك رجل يرى السيف على الأمة، وقال خلاد بن زيد الجعفي: جاءني الثوري إلى ها هنا، فقال: الحسن بن صالح مع ما سمع من العلم وفقه يترك الجمعة، وقال ابن إدريس: ما أنا وابن حَيًّ، لا يرى جمعة ولا جهادًا، وقال بشر بن الحارث: كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وأصحابه.

стр. 2323

قال: وكانوا يرون السيف. وقال أبو أسامة عن زائدة: إن ابن حي استصلب منذ زمان وما نجد أحدا يصلبه، وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب (١) من أتى الحسن بن حي، وقال علي بن الجعد: حدثت زائدة بحديث عن الحسن فغضب، وقال: لا حدثتك أبدا، وقال أبو معمر الهذلي: كنا عند وكيع فكان إذا حدث عن الحسن بن صالح لم نكتب، فقال: ما لكم؟ فقال له أخي بيده هكذا -يعني أنه يرى السيف- فسكت. وقال أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئا من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه -يعني الحسن بن حي- فقال: فقلت ليوسف أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لم يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا، فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضَرَّ عليهم. وقال الأشج ذكر لابن إدريس صعق الحسن بن صالح، فقال: تبسم سفيان أحبُّ إلينا من صَعَق الحسن. وقال أحمد بن يونس: جالسته عشرين سنة ما رأيته رفع رأسه إلى السماء ولا ذكر الدنيا، ولو لم يولد كان خيرا له. يترك الجمعة، ويرى السيف، وقال أبو موسى: ما رأيت يحيى ولا عبد الرحمن حدثا عن الحسن بن صالح بشيء، وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن يحدث عنه ثلاثة أحاديث، ثم تركه، وذكره يحيى بن سعيد، فقال: لم يكن بالسِّكَّة، وقال ابن عيينة: حدثنا صالح بن حي وكان خيرا من ابنيه، وكان علي خيرهما، وقال أحمد: حسن ثقة، وأخوه ثقة، ولكنه قَدُم موته، وقال علي بن الحسن الهسنجاني عن أحمد: الحسن بن صالح صحيح الرواية متفقه صائن لنفسه في الحديث والورع، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: الحسن أثبت في الحديث من شريك، وقال

стр. 2324

إبراهيم بن الجنيد عن يحيى بن معين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة، وكذا قال ابن أبي مريم عنه مستقيم الحديث، وقال الدوري عن يحيى: يكُتب رَأيُ مالك، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وهؤلاء ثقات، وقال عثمان الدارمي، عن يحيى: الحسن، وعلي ابنا صالح ثقتان مأمونان. وقال أبو زرعة: اجتمع فيه إتقان وفقه وعبادة وزهد، وقال أبو حاتم: ثقة، حافظ، متقن. وقال النسائي: ثقة، وقال عبيد الله بن موسى: كنت أقرأ على علي بن صالح، فلما بلغت إلى قوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٨٤] سقط الحسن بن صالح يخور كما يخور الثور، فقام إليه علي فرفعه، ورش على وجهه الماء. وقال وكيع: ثنا الحسن، قيل: من الحسن؟ قال: الحسن بن صالح الذي لو رأيته ذكرت سعيد بن جبير، وقال وكيع أيضًا: لا يبالي من رأى الحسن أن لا يرى الربيع بن خُثَيم، وقال يحيى بن بكير: قلنا للحسن بن صالح: صف لنا غسل الميت، فما قدر عليه من البكاء، وقال ابن الأصبهاني: سمعت عبدة بن سليمان يقول: إني أرى الله يستحي أن يعذبه، قال أبو نعيم: حدثنا الحسن بن صالح، ما كان دون الثوري في الورع والفقه، وقال ابن أبي الحسين: سمعت أبا غسان يقول: الحسن بن صالح خير من شريك من هنا إلى خراسان، وقال ابن نمير: كان أبو نعيم يقول: ما رأيت أحدا إلا وقد غلط في شيء غير الحسن بن صالح، وقال أبو نعيم أيضا: كتبت عن ثمانمائة محدث، فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح، وقال ابن عدي: والحسن بن صالح قوم يحدثون عنه بنسخ، وقد رووا عنه أحاديث مستقيمة، ولم أجد له حديثًا منكرًا مجاوزًا المقدار, وهو عندي من أهل الصدق، وقال وكيع: ولد سنة -١٠٠ - وقال أبو نعيم: مات سنة ١٦٩ - ذكره البخاري في كتاب الشهادات من الجامع.

стр. 2325

قال الحافظ: الذي في تاريخ أبي نعيم وتواريخ البخاري وكتاب الساجي وتاريخ ابن قانع -سبع- بتقديم السين على الباء، وكذا حكاه القراب في تاريخه عن أبي زرعة، وعثمان بن أبي شيبة، وابن منيع وغيرهم، وقولهم: كان يرى السيف -يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك، لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه، ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث، وغيرهما عظة لمن تدبر، وبمثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته واشتهر بالحفظ والإتقان والورع التام، والحسن مع ذلك لم يخرج على أحد، وأما ترك الجمعة ففي جملة رأيه ذلك أن لا يصلي خلف فاسق، ولا يصح ولاية الفاسق، فهذا ما يعتذر به عن الحسن، وإن كان الصواب خلافه، فهو إمام مجتهد. قال وكيع: كان الحسن وعلي ابنا صالح وأمهما قد جَزَّؤوا الليل ثلاثة أجزاء فكان كل واحد يقوم ثلثا، فماتت أمهما، فاقتسما الليل بينهما، ثم مات علي، فقام الحسن الليل كله. وقال أبو سليمان الداراني: ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه من الحسن قام ليلة بعم يتساءلون، فغشي عليه، فلم يختمها إلى الفجر. وقال العجلي: كان حسن الفقه من أسنان الثوري (١)، ثقة ثبتا متعبدًا، وكان يتشيع، إلا أن ابن المبارك كان يحمل عليه بعض الحمل لمحال التشيع، وقال ابن حبان: كان الحسن بن صالح فقيها ورعا من المتقشفة الخشن، وممن تجرد للعبادة ورفض الرياسة، على تشيع فيه، مات وهو مُختَف من القوم، وقال ابن سعد: كان ناسكًا عابدًا فقيهًا حجة صحيح الحديث كثيره، وكان متشيعًا، وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيت أبا نعيم لا يعجبه ما قال ابن المبارك في ابن حي، قال: وتكلم في حسن، وقد

стр. 2326

روى عن عمرو بن عبيد، وإسماعيل بن مسلم. قال: وسمعت أبا نعيم يقول: قال ابن المبارك: كان ابن صالح لا يشهد الجمعة، وأنا رأيته شهد الجمعة في إثر جمعة اختفى منها، وقال الساجي: الحسن بن صالح صدوق، وكان يتشيع، وكان وكيع يحدث عنه ويقدمه، وكان يحيى بن سعيد يقول: ليس في السكة مثله، إلى أن قال: حكي عن يحيى بن معين أنه قال: هو ثقة ثقة، قال الساجي: وقد حدث أحمد بن يونس عنه، عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر في شرب الفضيخ، وهذا حديث منكر. قال الحافظ: الآفة من جابر، وهو الجعفي. قال الساجي: وكان عبد الله ابن داود الخُرَيبي يحدث عنه، ويطريه، ثم كان يتكلم فيه ويدعو عليه، ويقول: كنت أؤم في مسجد بالكوفة، فأطريت أبا حنيفة، فأخذ الحسن بيدي، ونحاني عن الإمامة، قال الساجي: فكان ذلك سبب غضب الخريبي عليه، وقال الدارقطني: ثقة عابد، وقال أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي: عجبت لأقوام قدموا سفيان الثوري على الحسن. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والباقون. اهـ "تت"ج ٢ ص ٢٨٥. قال الجامع عفا الله عنه: ومجمل الكلام عنه أنه لا يؤثر في عدالته وثقته كلام من تكلم عنه، لما تبين أنه مبني على اجتهاد سبق له سلف من الأئمة وإن كان مخطئًا فيه، فلا يلتفت إلى كلامهم لاتفاق معظمهم على إمامته، وعدالته، ولذا أطلت في كتابة ترجمته ليتبين من خلالها ما نستند إليه، ونعتمد عليه. والله أعلم. ٤ - (أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي ثقة ثبت اختلط بأخرة -٣ - تقدم في ٣٨/ ٣٢. ٥ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٤/ ٤.

стр. 2327

٦ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري الإمام ثقة ثبت -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٧ - (شريك بن عبد الله) القاضي النخعي الكوفي صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء وكان عابدًا فاضلًا عادلًا شديدًا على أهل البدع -٨ - تقدم في ٢٥/ ٢٩. ٨ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي ثقة ثبت -٢ - تقدم في ٢٩/ ٣٣. ٩ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته في الطريقين، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا الفلاس، وابن مهدي فبصريان، وعائشة فمدنية، وفيه كتابة (ح)، وقد تقدم البحث عنها مستوفىً غير مرة، وهي حاء التحويل، فقد حول الإسناد عن أحمد بن عثمان إلى عمرو بن علي، وكلاهما مستويان في العدد، ومثل هذا يراد به التقوية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل) أي يصلي بعد الاغتسال وقبل الحدث بلا وضوء جديد اكتفاء بالوضوء الأول الذي كان قبل الاغتسال، أو بما كان في ضمن الاغتسال. والأول أولى. وفي الباب عن ابن عمر مرفوعًا، وعنه موقوفًا: "أنه لما سئل عن الوضوء بعد الغسل: وأيّ وضوء أعم من الغسل؟ " رواه ابن أبي شيبة. وروي عنه أنه قال لرجل قال له: "إني أتوضأ بعد الغسل، فقال: لقد

стр. 2328

تعمقت". وروي عن حذيفة أنه قال: "أما يكفي أحدكم أن يغتسل من قرنه إلى قدمه حتى يتوضأ"، وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم، حتى قال أبو بكر بن العربي: إنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخلٌ تحت الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث، وتقضي عليها؛ لأن موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث، فدخل الأقل في نية الأكثر، وأجزأت نية الأكبر عنه. اهـ نيل ج ١ ص ٢٧٠. قال الجامع: دعوى عدم اختلاف العلماء في دخول الوضوء تحت الغسل غير مسلمة، لما تقدم أن مذهب داود، وأبي ثور، وطائفة أن الغسل لا ينوب عن الوضوء. فالخلاف موجود، وإن كان الراجح خلافه. وكذا في الفتح أطلق أنهم يقولون: إن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث في ج ١ ص ٤٢٩، والذي في المجموع للنووي ج ٢ ص ١٨٦ بعد أن حكى عن أبي ثور، وداود، أنهما شرطا الوضوء في الغسل: ما نصه كذا حكاه أصحابنا عنهما، ونقل ابن جرير الإجماع على أنه لا يجب. اهـ. ففي ثبوت ذلك عنهم توقف، وقد تقدم ترجيح قول الجمهور بدليله في ١٥٦/ ٢٤٧. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٦٠/ ٢٥٢ - والكبرى -١٤٢/ ٢٤٩ - عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن أبيه، عن حسن بن صالح بن صالح بن حي، عن أبي إسحاق، وعمرو بن علي الفلاس، عن ابن مهدي، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂.

стр. 2329

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) في الطهارة عن إسماعيل بن موسى، عن شريك، به، وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن عامر بن زرارة، , وإسماعيل بن موسى، كلهم عن شريك، به. ومن فوائد الحديث ما ترجم له المصنف، وهو عدم مشروعية الوضوء بعد الاغتسال، وهذا مقيدٌ بما إذا لم يوجد ناقض، فأما إذا وجد، كأن مس ذكره، فلابد من إعادة الوضوء، فتنبه والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2330

١٦١ - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي غَيْرِ المَكاَنِ الذِي يَغْتَسِلُ فِيهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل الرجلين في مكان غير المكان الذي يغتسل فيه الجنب. وتقدم التوفيق بين حديث الباب، وبين حديث عائشة المتقدم في ١٥٦/ ٢٤٧. فقدله: "يغتسل" يحتمل بناؤه للفاعل، ويكون فاعله ضمير يعود إلى المغتسل المفهوم منه، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول ونائب فاعله الجار والمجرور. ومحل الاستدلال قولها: "ثم تنحى عن مقامه فغسل رجليه". والله أعلم. ٢٥٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ، قَالَتْ: أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ بِيَمِينِهِ فِي الإِنَاءِ، فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى فَرْجِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ.

стр. 2331

رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار -٩ - تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٨/ ٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة ثبت فاضل -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (سالم) بن أبي الجعد، رافع، الكوفي ثقة يرسل كثيرًا -٣ - تقدم في ٦١/ ٧٧. ٥ - (كريب) بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم أبو رشدين. أدرك عثمان. وروى عن مولاه ابن عباس، وأمه أم الفضل، وأختها ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ بنت أبي طالب، وغيرهم. وأرسل عن الفضل بن عباس. وروى عنه ابناه محمَّد ورشدين، وسليمان ابن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهما من أقرانه، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة حسن الحديث، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: كريب أحب إليك عن ابن عباس، أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب حمل بعير من كتب ابن عباس. قال الواقدي، وآخرون: مات بالمدينة سنة -٩٨ - في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك، وذكره ابن حبان في الثقات، أخرج له الجماعة. ٦ - (ابن عباس) الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١. ٧ - (ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦. والله أعلم.

стр. 2332

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي، وهو علي، وكوفيين وهم عيسى، والأعمش، وسالم، ومدنيين وهم الباقون، وفيه رواية الراوي عن خالته، ورواية صحابي عن صحابية، وفيه ابن عباس أحد المكثرين السبعة روى -١٦٩٦ - وأحد العبادلة الأربعة. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش عن سالم، عن كريب. والله أعلم. شرح الحديث (عن) عبد الله (ابن عباس) حبر الأمة وبحرها ﵁، أنه (قال: حدثتني خالتي) أي أخت أمه لبابة الكبرى ﵂ (ميمونة) بالرفع بدل من خالتي، وهي ميمونة بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير الهلالية، أم المؤمنين، تزوجها النبي ﷺ سنة ست من الهجرة، وقد تقدمت ترجمتها في ١٤٦/ ٢٣٦ (قالت) هذه الجملة تفسير لـ"حدثتني" (أدنيت لرسول الله ﷺ ) أي قربت إليه، وهكذا في مسلم، وعند الترمذي، وابن ماجه، ورواية للبخاري "وضعت لرسول الله ﷺ "، وفي أخرى للبخاري "صببت للنبي ﷺ غسلا" (غسله) بضم فسكون: اسم من الاغتسال، فهو على حذف مضاف، أي ماء غسله، وقيل الغسل بالضم الماء الذي يتطهر به، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مضاف. قال ابن الأثير: الغسل بالضم: الماء القليل الذي يغتسل به، كالأكل لما يؤكل، وهو الاسم أيضا من غَسَلْتُهُ، والغسل بالفتح: المصدر، وبالكسر: ما يغسل به من خطمي وغيره، اهـ لسان. (من الجنابة) متعلق بـ "غسل"، أما على كونه اسم مصدر فواضح، وأما على كونه اسما للماء فيتعلق على مضاف مقدر بعد "غسل"، أي غُسْل

стр. 2333

اغتساله، أي ماء اغتساله، وعند أبي داود: "غُسلا يغتسل به من الجنابة" (فغسل كفيه) وعند أبي داود "فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها" بالإفراد لكن أكثر الروايات تدل على أنه غسل الكفين (مرتين أو ثلاثا) بالشك من الأعمش كما صرح به البخاري من طريق أبي عوانة عن، وفيه "فصب على يده فغسلها مرة أو مرتين، قال سليمان (١). لا أدري أذكر (٢) الثالثة أم لا؟ وفي رواية له من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، وفيه "فأفرغ على يديه وغسلهما مرتين أو ثلاثا" ولابن فضيل عن الأعمش، وفيه "فصب على يديه ثلاثا" ولم يشك، أخرجه أبو عوانة في صحيحه، قال الحافظ ﵀: فكأن الأعمش كان يشك فيه، ثم تذكر فجزم؛ لأن سماع ابن فضيل منه متأخر. اهـ فتح ج ١ ص ٤٤٨. (ثم أدخل يمينه) هكذا في النسخة الهندية وفي المصرية "بيمينه" بزيادة الباء (في الإناء) الذي أدنته ميمونة إليه للاغتسال منه (فأفرغ بها) أي بيمينه، وأنث الضمير؛ لأن اليمين مؤنثة، أي صب الماء (على فرجه ثم غسله بشماله) بكسر الشين خلاف اليمين، هي مؤنثة أيضًا جمعها أشمل وشَمَائل. قاله في المصباح. أي غسل فرجه بيده اليسرى، وفيه استحباب صب الماء باليمين، وغسل الفرج بالشمال. قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه البداءة بغسل الفرج، لإزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن يغسل في الابتداء عن الجنابة، لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء، فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصرعلى غسلة واحدة لإزالة النجاسة، وللغسل عن الجنابة فهل يكتفي بذلك أم لابد من غسلتين: مرة للنجاسة، ومرة للطهارة عن الحدث؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعي. (٢)

стр. 2334

ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، فقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة من حيث إن الأصل عدم غسله ثانيا. اهـ إحكام ج ١ ص ٣٨٠ - ٣٨١. قال الجامع عفا الله عنه: الاكتفاء هو الذي لا يتجه غيره وهو الذي صححه النووي ﵀. (ثم ضرب بشماله) التي غسل بها فرجه (الأرض فدلكها) أي الشمال، (دلكا شديدا) مصدر مبين للنوع، والدلك مصدر دلك الشيء يدلكه من باب نصر، إذا مَرَسَه وعَركَه، قال الشاعر (من الرجز): أبيتُ أسْري وَتَبيتي تَدْلُكي … شَعْرك بالعَنْبَر وَالمسْك الذَّكي أي حكَّ شماله على الأرض بقوة، مبالغة في التنظيف. وفيه استحباب مسح اليد بالأرض، أو الحائط عقب الاستنجاء بالماء، لكمال الإنقاء. قال ابن دقيق العيد ﵀: وضربه ﷺ بالأرض أو الحائط لإزالة ما لعله علق باليد من الرائحة، زيادةً في التنظيف. ثم قال: إذا بنيت رائحة النجاسة بعد الاستقصاء في الإزالة لم يضر على مذهب بعض الفقهاء، وفي مذهب الشافعي خلاف، وقد يؤخذ العفو عنه من هذا الحديث، ووجهه: أن ضربه ﷺ بالأرض أو الحائط لابد وأن يكون لفائدة، ولا جائز أن يكون لإزالة العين؛ لأنه لا تحصل الطهارة مع بقاء العين اتفاقا، وإذا كانت اليد نجسة ببقاء العين فيها فعند انفصالها ينجس المحل بها، وكذلك لا يكون للطعم؛ لأن بناء الطعم دليل على بناء العين، ولا يكون لإزالة اللون, لأن الجنابة بالإنزال، أو بالمجامعة لا تقتضي لونا يلصق باليد، وإن اتفق فنادر جدّا، فبني أن يكون لإزالة الرائحة، ولا يجوز أن يكون لإزالة رائحة تجب إزالتها؛ لأن اليد قد انفصلت عن المحل على أنه

стр. 2335

قد طهر، ولو بقي ما تتعين إزالته من الرائحة لم يكن المحل طاهرا لأنه عند الانفصال تكون اليد نجسة، وقد لابست المحل مبتلا فيلزم من ذلك أن يكون بعض الرائحة معفوًا عنه، ويكون الضرب على الأرض لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته، ويحتمل أن يقال: فصل اليد عن المحل بناء على ظن طهارته بزوال رائحته، والضرب على الأرض لإزالة احتمال في بقاء الرائحة مع الاكتفاء بالظن في زوالها، والذي يقوي الاحتمال الأول ما ورد في الحديث الصحيح من كونه ﷺ "دلكها دلكا شديدًا"، والدلك الشديد لا يناسبه هذا الاحتمال الضعيف اهـ إحكام ج ١ ص ٣٨١ - ٣٨٣. قال الجامع عفا الله عنه: كلامه كله مبني على كون المني ورطوبة الفرج نجسين، وفيه أقوال للعلماء، وسيأتي تحقيق المسألة في محلها إن شاء الله تعالى. (ثم توضأ وضوءَه للصلاة) أي مثل وضوئه لها، قال ابن دقيق العيد: يقتضي استحباب تقديم الغسل لأعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، ولا شك في ذلك، نعم يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو وضوء حقيقة، فيكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إنَّ غسلها إنما هو عن الجنابة، وإنما قدمت على بنية الجسد تكريمًا لها وتشريفًا، ويسقط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى. فقد يقول قائل: قولها: "وضوءه للصلاة" مصدر مشبه به تقديره وضوءا مثل وضوئه للصلاة، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة لكان قد توضأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصح التشبيه، لأنه يقتضي تغاير المشبه والمشبه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صح

стр. 2336

التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. وجوابه بعد تسليم كونه مصدرا مشبها به من وجهين: أحدهما: أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة مغاير للوضوء بقيد كونه خارجا عن غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقة. الثاني: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية شبه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة. اهـ احكام ج ١ ص ٣٧٢ - ٣٧٤. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل كلامه أنه يرجح الوجه الأول، وهو كونه وضوءًا حقيقة، وهو الموافق لظاهر الحديث. والله أعلم. ثم إن رواية المصنف هكذا "ثم توضأ وضوءه للصلاة" وقد وقعت مفصلة في رواية عند البخاري وغيره: حيث قالت: "ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه" الحديث (ثم أفرغ على رأسه) أي صب عليها (ثلاث حثيات) أي ثلاث غرفات، وتقدم معنى الحثيات. (ملء كفيه) بالتثنية في الهندية، وبالإفراد في المصرية، والمراد به الكفان؛ لأن المفرد المضاف يعم، فلا تخالف بين النسختين (ثم غسل سائر جسده) أي بنيته، فإنها ذكرت الرأس أوَّلًا. والأصل في "سائر" أن تستعمل بمعنى البنية، وقالوا: هو مأخوذ من السؤر. قال الشنفري (من الطويل): إذَا احْتَمَلُوا رَأسي وَفي الرَّأس أكْثَري … وَغُودرَ عنْدَ المُلْتَقَى ثُمَّ سَائري أي بقيتي، وقد أنكر في "أوهام الخواص" جعلها بمعنى الجميع، وفي

стр. 2337

كتاب الصحاح ما يقتضى تجويزه. اهـ إحكام ج ١ ص ٣٧٧، وقد تقدم الكلام فيه في ١٥٤/ ٢٤٥. ثم ظاهر قولها: "ثم أفرغ على رأسه" الخ كما قال ابن دقيق العيد ﵀ يقتضي أنه لم يمسح رأسه، كما يفعل في الوضوء. وقال الحافظ ﵀: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء (ثم تَنَحَّى) أي ابتعد (عن مقامه) بفتح الميم اسم موضع من "قام" ثلاثيًا، أو بضمها من "أقام" رباعيًا. أي من محلة (فغسل رجليه) وفيه تأخير غسل الرجلين عن إكمال الوضوء، وهو الذي ترجم عليه المصنف، وفيه جواز تفريق غسل الأعضاء، حيث أخر غسل الرجلين إلى آخر غسل الجسد، وقد بوب البخاري لجواز التفريق، وهو قول الشافعي في الجديد، واحتج له بأن الله تعالى أوجب غسل أعضائه، فمن غسلها فقد أتى بما وجب عليه فَرَّقَهَا أو نَسَقَها، وعن ابن عمر ﵄ أنه توضأ في السوق دون رجليه، ثم رجع إلى المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى، رواه الشافعي في الأم بسند صحيح. وبه يقول ابن المسيب، وعطاء، وجماعة، وقال ربيعة، ومالك: من تعمد ذلك فعليه الإعادة، ومن نسي فلا، وعن مالك إن قرب التفريق بني، وإن طال أعاد، وقال قتادة، والأوزاعي: لا يعيد إلا إن جف، وأجازه النخعي مطلقا في الغسل دون الوضوء ذكر جميع ذلك ابن المنذر، وقال: ليس مع من جعل الجفاف حدًا لذلك حجة. وقال الطحاوي ﵀: الجفاف ليس بحدث، فينقض كما لو جف جميع أعضاء الوضوء لم تبطل الطهارة. أفاده في الفتح ج ١ ص ٤٤٦ - ٤٤٧. قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال بجواز التفريق هو الراجح لإطلاق الأدلة. والله أعلم.

стр. 2338

(ثم أتيته بالمنديل) قال في اللسان: المنديل -يعني بكسر الميم، وسكون النون، وكسر الدال- والمنديل -يعني بفِتح الميم- نادر، والمنْدَل -يعني بكسر الميم، وفتح الدال- كله: الذي يُتَمَسَّح به، قيل: هو من النَّدْل الذي هو الوسخ، وقيل: إنما اشتقاقه من النَّدْل الذي هو التَّنَاول، قال الليث: النَّدْل كأنه الوسخ من غير استعمال في العربية، وقد تَنَدَّلَ به وتَمَنْدَلَ، قال أبو عبيد: وأنكر الكسائي تمندل، وتَنَدَّلت بالمنديل، وتمندلت، أي تمسحت به من أثر الوضوء أو الطهور، قال: والمنديل على تقدير مفعيل، اسم لما يمسح به، قال: ويقال أيضا تمندلتُ. اهـ. وفي المصباح: المنديل مذكر، قاله ابن الأنباري، وجماعة، ولا يجوز التأنيث لعدم العلامة في التصغير والجمع، فإنه لا يقال: مُنَيدلة، ولا مُنَيْدلات، ولا يوصف بالمؤنث، فلا يقال: منديل حسنة، فإن ذلك كله يدل على تأنيث الاسم، فإذا فقدت علامة التأنيث مع كونها طارئة على الاسم تعين التذكير الذي هو الأصل، ويقال: هو مشتق من نَدلَتُ الشيء نَدْلا من باب قتل: إذا جذبته، أو أخرجته، ونقلته. اهـ. (فرده) أي المنديل، وكذا عند مسلم، وفي الرواية الآتية للمصنف "فلم يمسه"، وعنده في ٤٠٨ "ثم أتيته بخرقة فلم يُردْها"، بضم الياء من الإرادة، وعند أبي داود "فلم يأخذه" وعند البخاري في رواية: "فناولته الخرقة، فقال بيده هكذا، ولم يردها. وفيه عدم استعمال المنديل في التنشيف، وفيه أقوال للعلماء سيأتي الكلام عليه في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٦١/ ٢٥٣ - والكبرى -١٤٣/ ٢٥١ - عن علي بن حجر، عن عيسى

стр. 2339

ابن يونس، وفي ٤١٩ عن محمَّد بن العلاء، عن أبي معاوية، وفي ٤١٨ عن محمَّد بن علي بن ميمون، عن محمَّد بن يوسف، عن سفيان، وفي ٤٢٨ عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، وفي ٤٠٨، عن قتيبة، عن عَبيدة بن حُميد، كلهم عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن محمَّد ابن يوسف، وعن عبدان، عن ابن المبارك، كلاهما عن سفيان الثوري. وعن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، وعن موسى بن إسماعيل، ومحمد بن محبوب، كلاهما عن عبد الواحد. وعن موسى، عن أبي عوانة. وعن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، وعن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، وعن عبدان، عن أبي حمزة- سبعتهم عن الأعمش، به. وفي حديث الفضل بن موسى "أتيته بخرقة، فلم يردها"، ونحوه في حديث أبي عوانة، وأبي حمزة، وفي حديث ابن المبارك عن سفيان "سترت النبي ﷺ وهو يغتسل من الجنابة"، وقال عقبه: تابعه أبو عوانة، وابن فضيل -يعني عن الأعمش- في الستر. وأخرجه (م) فيه عن محمَّد بن الصباح، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وأبي سعيد الأشج، خمستهم عن وكيع، وعن يحيى بن يحيى، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، وعن علي بن حجر، عن عيسى بن يونس، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن موسى القارئ، عن زائدة، خمستهم عن الأعمش به. وفي حديث ابن إدريس: "أتي بمنديل فلم يمسه": وفي حديث زائدة: "وضعت للنبي ﷺ ماء وسترته فاغتسل". وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن الأعمش به. وأخرجه (ت) فيه عن هناد، عن وكيع، به. وقال: حسن صحيح.

стр. 2340

وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمَّد، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع- بقصة نفض الماء، وترك التنشيف. أفاده أبو الحجاج المزي في تحفته ج ١٢ ص ٤٨٨ - ٤٨٩. وأخرجه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والطيالسي، والبيهقي. المسألة الرابعة: في فوائده: ومما يستفاد منه ما ترجم له المصنف، وهو غسل الرجلين في محل آخر غير محل الاغتسال، وتأخير غسلهما، وفيه أقوال للعلماء سيأتي بيانها في المسألة التالية. ومنها: ما ذكره الحافظ في الفتح: قال: وقد استدل البخاري بحديث ميمونة هذا على جواز تفريق الوضوء، وعلى استحباب الإفراغ باليمنى على الشمال للمغترف من الماء، لقوله في رواية أبي عوانة، وحفص، وغيرهما "ثم أفرغ بيمينه على شماله"، وعلى مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة لقوله فيها "ثم تمضمض واستنشق"، وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما، وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانًا لمجمل تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. قاله ابن دقيق العيد. قال الجامع عفا الله عنه: قد اعترض بعض من كتب على هامش الفتح على كلام ابن دقيق هذا بأن فعله بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦٠] وقد قدمنا التحقيق في هذا الموضوع في ١٥٦/ ٢٤٧، وأن الراجح أنه ليس بيانًا للآية، للأدلة المذكورة هناك. فتبصر. ومنها: استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط، أو الأرض، لقوله في الروايات المذكورة "ثم دلك يده بالأرض أو الحائط"، قال ابن دقيق العيد:

стр. 2341

وقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة لإزالة النجاسة والغسل من الجنابة، لأن الأصل عدم التكرار وفيه خلاف. انتهى. وصحح النووي وغيره أنه يجزئ، لكن لم يتعين في هذا الحديث أن ذلك كان لإزالة النجاسة، بل يحتمل أن يكون للتنظيف فلا يدل على الاكتفاء، وأما دلك اليد بالأرض، فللمبالغة فيه، ليكون أنقى. قال الحافظ: وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على نجاسة رطوبة الفرج؛ لأن الغسل ليس مقصورًا على إزالة النجاسة. وقوله في الحديث "وما أصابه من أذى" ليس بظاهر في النجاسة أيضًا. ومنها: أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة، وأن من توضأ بنية الغسل وأكمل باقي أعضاء بدنه لا يشرع له تجديد الوضوء من غير حدث. ومنها: جواز نفض اليدين من ماء الغسل لقوله: "وجعل يقول بالماء هكذا" ومثله الوضوء، قال الحافط: وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: "لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مرواح الشيطان" قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي، وقد أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وابن أبي حاتم في العلل، من حديث أبي هريرة، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحًا أن يحتج به. ومنها: استحباب التستر في الاغتسال ولو كان في البيت كما يأتي قولها "فسترته". ومنها: جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل والوضوء. ومنها: خدمة الزوجات لأزواجهن. ومنها: الصب باليمين على الشمال لغسل الفرج بها. ومنها: تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف لئلا يدخلهما في الماء، وفيهما ما لعله يستقذر. قال الحافظ: أما إذا كان الماء في الإبريق مثلا، فالأولى تقديم غسل الفرج، لتوالي أعضاء الوضوء.

стр. 2342

قال الجامع عفا الله عنه: وفيما قاله نظر، بل الصواب العمل بمقتضى الحديث فيقدم غسل اليدين. قال الحافظ: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى عنه بغسله. قال الجامع عفا الله عنه: وهو الراجح الذي عليه مذهب النسائي حيث ترجم عليه في ٤٢٢ "باب ترك مسح الرأس في الوضوء من الجنابة" ثم أخرج بسند صحيح حديث عائشة، وابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ سأل رسول الله ﷺ عن الغسل من الجنابة؟ فذكر له صفة الغسل، وفيه "حتى إذا بلغ رأسه لم يمسح، وأفرغ عليه الماء". واستدل بعضهم بقولها: "ثم أتيته بالمنديل فرده" على كراهة التنشيف بعد الغسل. قال الحافظ: ولا حجة فيه لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال. اهـ وسيأتي تحقيق المسألة في الباب التالي إن شاء الله. ومنها: أنه يدل على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء الوضوء خلافا لمن غلا من الحنفية فقال بنجاسته. وقد عقد المصنف ﵀ لبعض هذه الفوائد أبوابًا، فترجم هنا لغسل الرجلين في غير مكان الاغتسال، وفي الباب التالي لترك المنديل بعد الغسل، وفي ٤٠٨ للاستتار عنوإلاغتسال، وفي ٤١٨ لإزالة الجنب الأذى عنه قبل إفاضة الماء عليه، وفي ٤١٩ لمسح اليد بالأرض بعد غسل الفرج، وفي ٤٢٨ للغسل مرة واحدة. وقد أخرج هذا الحديث في هذه الأبواب بمغايرة الطرق، كما فعل البخاري في الصحيح، ومدارها على الأعمش، وعند بعض الرواة عنه ما ليس عند الآخر، وقد صرح الأعمش بالتحديث في رواية حفص بن غياث عنه عند البخاري فأمن تدليسه. والله أعلم.

стр. 2343

المسألة الخامسة: في البحث عن تأخير غسل الرجلين عن غسل الجسد كله، وأقوال أهل العلم في ذلك: أحاديث ميمونة ﵂ صريحة في تأخير غسل الرجلين إلى نهاية الاغتسال. وظاهر أحاديث عائشة ﵂ يخالفها، ففي الأحاديث المتقدمة، وهي أيضا في الصحيحين وغيرهما "توضأ وضوءه للصلاة" فظاهرها أنه قدم غسل الرجلين لكن وقع في رواية لمسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عنها "ثم يتوضأ وضوءه للصلاة" الحديث وفي آخره "ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه" فصرح بالتأخير. فيجمع بين هذه الروايات، بأن روايات عائشة ﵂ تحمل على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، وهو ما سوى الرجلين، فتوافق روايات ميمونة ﵂، أو تحمل على ظاهرها من إتمام الوضوء قبل الغسل في حالة، ويكون قولها في رواية أبي معاوية "ثم غسل رجليه" أي أعاد غسلهما لاحتمال أن يكون المُغْتَسَل غير نظيف، وتحمل روايات تأخير غسل القدمين على أنه ﷺ كان يغتسل في مكان يجتمع فيه الماء، أو على أن ذلك كان لإزالة طين ونحوه، ويحتمل أنه أحيانًا كان يتوضأ وضوءًا كاملًا. وأحيانًا يؤخر غسل رجليه. قال الجامع: أولى الاحتمالات عندي الأول، فيكون معنى قوله: "وضوء للصلاة" ما عدا الرجلين, لأن رواية أبي معاوية صريحة في ذلك، وله شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة عند أبي داود الطيالسي، وفيه: "فإذا فرغ غسل رجليه" فهذا بعد قوله: "وتوضأ وضوءه للصلاة" صريح في الحمل على أكثر، وقد تقدم البحث عنه في ١٥٦/ ٢٤٧.

стр. 2344

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب بعضهم إلى استحباب التأخير، وذهبت الحنفية إلى أن الأفضل إكمال الوضوء أولا إن كان يغتسل في محل لا يجتمع فيه الماء، وتأخير غسل القدمين إن كان يغتسل في نحو طست. وعن مالك إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخير غسلهما، وإلا فالتقديم وعند الشافعي في الأفضل قولان: أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه لأن أكثر الروايات عن عائشة، وميمونة كذلك قاله النووي. قال الحافظ في الفتح: وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة كرواية "توضأ وضوءه للصلاة"، أو ظاهرة في تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة، ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب أي حديث البخاري وراويه مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش -يعني سفيان الثوري- وروايته تأتي عند المصنف في ٤١٨. قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن قول النووي: لأن أكثر الروايات كذلك، غير صحيح. قال الحافظ: وقول من قال: إنما فعل ذلك لبيان الجوار: متعقب، فإن في رواية أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش ما يدل على المواظبة، ولفظه: "كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه" فذكر الحديث، وفي آخره "ثم يتنحى فيغسل رجليه". قال القرطبي: الحكمة في تأخير غسل الرجلين ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء. اهـ فتح ج ١ ص ٤٣١. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن أرجح الأقوال قولُ من قال بالتأخير مطلقًا، لوضوح أدلته، والله أعلم.

стр. 2345

١٦٢ - بَابُ تَرْكِ الِمنْديلِ بَعْدَ الغُسْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك استعمال المنديل في تنشيف الأعضاء بعد الفراغ من الاغتسال. وقد تقدم في الباب الماضي ضبط المنديل ومعناه، وموضع الاستدلال واضح من قوله: "فلم يمسه". ٢٥٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ فَأُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَمَسَّهُ وَجَعَلَ يَقُولُ بِالْمَاءِ هَكَذَا. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم) الثقفي، أبو يحيى القصري، المروزي المعلم، ولقب جده عبدويه. روى عن ابن عم أبيه هاشم بن مخلد بن إبراهيم، وحفص بن غياث، وعبد الله بن إدريس، وعبد الوهاب الثقفي، وغيرهم. وروى عنه (ت س) وإبراهيم بن يعقوب الجُوزَجَاني، وأحمد بن سياه، وأبو سعيد يحيى بن منصور الهروي، وغيرهم. قال النسائي: ثقة كان يحفظ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة: ثقة حافظ. اهـ "تت". ٢ - (عبد الله بن إدريس) الأودي الكوفي ثقة فقيه عابد -٨ - تقدم في ٨٥/ ١٠٢. والباقون تقدم الكلام عليهم قريبًا. (فائدة) ومن لطائف هذا الإسناد أن شيخه ممن انفرد به هو، والترمذي

стр. 2346

به، عن بقية الستة، وأن هذا الموضع أول محل ذكره، فلم يذكر قبل هذا. وهذا الحديث مختصر مما قبله، وقولها: "وجعل يقول بالماء هكذا" أي شرع يفعل بالماء، بمعنى أنه نفض يديه ليخفف الماء، وفيه استعمال القول بمعنى الفعل. وقد تقدم البحث عنه مُستوفىً. (تنبيهان) الأول: أن هذا الحديث من أفراد المصنف كما أشار إليه المزي، وأنه من مسند ابن عباس ﵄، قال أبو الحجاج المزي ﵀: والمحفوظ: حديث ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنها. يعني أن هذه الرواية شاذة. والله أعلم. قال الجامع: حاصل ما أشار إليه المزي أن هذه الرواية شاذة، والمحفوظ ما تقدم من كونه من مسند ميمونة، والمخالف في هذا شيخ المصنف محمَّد بن يحيى، الراوي عن عبد الله بن إدريس، خالف أبا بكر بن أبي شيبة، فقد رواه عنه كما تقدم، فجعله من مسند ميمونة، لكن محمَّد بن يحيى ثقة حافظ، فالظاهر كون الحديث محفوظًا من كلا الطريقين. والله أعلم. الثاني: في مذاهب العلماء في حكم المنديل بعد الوضوء والغسل. قال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في التمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل، فممن روينا عنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان بن عفان، والحسين بن علي، وأنس بن مالك، وبشير ابن أبي مسعود. ورخص فيه الحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك بن مزاحم. وكان مالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا. وفيه قول ثان: روينا عن جابر بن عبد الله أنه قال: إذا توضأت فلا تمندل، وكره ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن المسيب، وأبو العالية. واختلف فيه عن سعيد بن جبير، وروينا عن ابن عباس أنه كره أن يمسح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه إذا اغتسل من الجنابة، وكان سفيان

стр. 2347

يرخص فيهما جميعا: الوضوء، والاغتسال. قال أبو بكر: أعْلَى شيء روي في هذا الباب خبران، خبر يدل على إباحة أخذ الثوب ينشف به، والخبر الآخر يدل على ترك ذلك، ثم ذكر بسنده، عن قيس بن سعد قال: "أتانا النبي ﷺ فوضعنا له غسلا، فاغتسل، أتيناه بملحفة وَرْسيَّة فالتحف بها، فكأني انظر إلى أثر الوَرْس على عُكَنه" (١). قال الحافظ في التلخيص: رواه أبو داود من حديث قيس مطولًا، وكذا النسائي في عمل اليوم والليلة، ورواه ابن ماجه، واختلف في وصله وإرساله، ورجال أبي داود رجال الصحيح، وصرح فيه الوليد بالسماع. ومع ذلك فذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف. اهـ تلخيص. ثم ذكر الخبر الثاني، وهو حديث ميمونة ﵂، ثم قال: وهذا الخبر -يعني خبر ميمونة- لا يوجب حظر ذلك. ولا المنع منه، لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، مع أنه قد كان يدع الشيء المباح لئلا يشق على أمته، من ذلك قوله لبني عبد المطلب: "لولا أن تغلبوا على سقايتكم لنزعت معكم"، ودخل الكعبة، وقال بعد دخوله: "لوددت أني لم أكن دخلتها، أخشى أن أكون أتعبت أمتي" وحديث قيس بن سعد يدل على إباحة ذلك، فأخذ النديل مباح، بعد الوضوء والاغتسال. اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج ١ ص ٤١٥ - ٤١٩. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن استعمال المنديل مباح، فقد دل حديث الباب على أنه ﷺ نفض الماء، وأخرج ابن ماجه بسند حسن عن سلمان الفارسي ﵁: "أن رسول الله ﷺ توضأ، فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه". وأما أحاديث النهي فلا يثبت منها شيء وقد بينها الحافظ في التلخيص ج ١ ص ٤٤٦ - ٤٤٩ بنسخة المجموع. وقد مضى في الباب الماضي سائر ما يتعلق بالحديث، فارجع إليه تزدد علمًا. والله ولي التوفيق.

стр. 2348

١٦٣ - بَابُ وُضُوءِ الجُنُب إذَا أرَادَ أنْ يَأكُلَ أي هذا باب مشروعية الوضوء للجنب عثد إرادته أكل تخفيفًا للحديث. ٢٥٥ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، (ح) وَأَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ عَمْرٌو: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ. زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. رجال هذا الإسناد: عشرة ١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصري صدوق من العاشرة مات سنة ٢٤٤ تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (سفيان بن حبيب) البصري البزاز أبو محمَّد، وقيل غير ذلك ثقة من التاسعة مات سنة ٢ وقيل: ١٨٦ وله ٥٨، وتقدم في ٦٧/ ٨٣. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة ثبت حجة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٣٦.

стр. 2349

٤ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٤/ ٤. ٥ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ثقة ثبت حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤. ٦ - (عبد الرحمن) بن مهدي العنبري البصري أبو سعيد ثقة ثبت حجة -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٧ - (الحكم) بن عتيبة أبو محمَّد الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه ربما دلس -٥ - تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٨ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الإمام الفقيه الكوفي ثقة يرسل كثيرًا -٥ - تقدم في ٢٩/ ٣٣. ٩ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي المخضرم الكوفي ثقة فقيه -٢ - تقدم في ٢٩/ ٣٣. ١٠ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم بصريون إلا الحكم، وإبراهيم، والأسود، فكوفيون، وعائشة فمدنية، وفيه ثلاثة من التابعين يروى بعضهم، عن بعض: الحكم، وإبراهيم، والأسود، وفيه كتابة (ح)، وهي للتحويل، وقد تقدم الكلام عليها. وفائدة التحويل الاختصار، وفيه عائشة ﵂ المكثرة من الرواية. والله أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂ أنها (قالت: كان النبي ﷺ ، وقال عمرو) أي بن علي الفَلاس (كان رسول الله ﷺ ) يعني أن شيخيه اختلفا، فقال حميد: "كان النبي"، وقال عمرو بن علي "كان رسول الله"،

стр. 2350

وهذا من شدة عناية المصنف ﵀ وحرصه على أداء ما سمعه من شيوخه كما سمعه، احتياطا، لاختلاف العلماء في جواز إبدال النبي بالرسول وعكسه. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى (إذا أراد أن يأكل، أو ينام، وهو جنب) جملة حالية من الفاعل (توضأ) جواب "إذا" (زاد عمرو) يعني ابن علي الفلاس (في حديثه) على حديث حميد (وضوءه للصلاة) مفعول "زاد" لقصد لفظه، أي زاد هذا اللفظ، يعني أنه قال في روايته: "توضأ وضوءه للصلاة " وأما حميد فاقتصر على: "توضأ". وأفادت زيادة عمرو أن المراد بالوضوء ليس الوضوء اللغوي، بل هو الوضوء الشرعي، وفائدة الوضوء تخفيف الجنابة، ويحمل قولها في الحديث الآتي في الباب التالي: "وإذا أراد أن يأكل غسل يديه" على بعض الأحيان. والله أعلم بالصواب. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا -١٦٣/ ٢٥٥ - وفي الكبرى -١٤٤/ ٢٥٢ - عن حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، وعن عمرو الفلاس، عن يحيى القطان، وابن مهدي، ثلاثتهم عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، وفي عشرة النساء في الكبرى عن عمران بن موسى، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، ووكيع، وغندر، وعن ابن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن غندر، وعن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه، كلهم عن شعبة، به. وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن يحيى، عن
следующие страницы →