به، عن بقية الستة، وأن هذا الموضع أول محل ذكره، فلم يذكر قبل هذا.
وهذا الحديث مختصر مما قبله، وقولها: "وجعل يقول بالماء هكذا" أي شرع يفعل بالماء، بمعنى أنه نفض يديه ليخفف الماء، وفيه استعمال القول بمعنى الفعل. وقد تقدم البحث عنه مُستوفىً.
(تنبيهان) الأول: أن هذا الحديث من أفراد المصنف كما أشار إليه المزي، وأنه من مسند ابن عباس ﵄، قال أبو الحجاج المزي ﵀: والمحفوظ: حديث ابن عباس عن ميمونة رضي الله
عنها. يعني أن هذه الرواية شاذة. والله أعلم.
قال الجامع: حاصل ما أشار إليه المزي أن هذه الرواية شاذة، والمحفوظ ما تقدم من كونه من مسند ميمونة، والمخالف في هذا شيخ المصنف محمَّد بن يحيى، الراوي عن عبد الله بن إدريس، خالف أبا
بكر بن أبي شيبة، فقد رواه عنه كما تقدم، فجعله من مسند ميمونة، لكن محمَّد بن يحيى ثقة حافظ، فالظاهر كون الحديث محفوظًا من كلا الطريقين. والله أعلم.
الثاني: في مذاهب العلماء في حكم المنديل بعد الوضوء والغسل.
قال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في التمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل، فممن روينا عنه أخذ المنديل بعد الوضوء: عثمان بن عفان، والحسين بن علي، وأنس بن مالك، وبشير
ابن أبي مسعود. ورخص فيه الحسن، ومحمد بن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك بن مزاحم. وكان مالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي لا يرون به بأسًا.
وفيه قول ثان: روينا عن جابر بن عبد الله أنه قال: إذا توضأت فلا تمندل، وكره ذلك عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن المسيب، وأبو العالية.
واختلف فيه عن سعيد بن جبير، وروينا عن ابن عباس أنه كره أن يمسح بالمنديل من الوضوء، ولم يكرهه إذا اغتسل من الجنابة، وكان سفيان
стр. 2347
يرخص فيهما جميعا: الوضوء، والاغتسال.
قال أبو بكر: أعْلَى شيء روي في هذا الباب خبران، خبر يدل على إباحة أخذ الثوب ينشف به، والخبر الآخر يدل على ترك ذلك، ثم ذكر بسنده، عن قيس بن سعد قال: "أتانا النبي ﷺ فوضعنا له غسلا، فاغتسل، أتيناه بملحفة وَرْسيَّة فالتحف بها، فكأني انظر إلى أثر الوَرْس على
عُكَنه" (١).
قال الحافظ في التلخيص: رواه أبو داود من حديث قيس مطولًا، وكذا النسائي في عمل اليوم والليلة، ورواه ابن ماجه، واختلف في وصله وإرساله، ورجال أبي داود رجال الصحيح، وصرح فيه الوليد بالسماع. ومع ذلك فذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف. اهـ تلخيص. ثم ذكر الخبر الثاني، وهو حديث ميمونة ﵂، ثم قال: وهذا الخبر -يعني خبر ميمونة- لا يوجب حظر ذلك. ولا المنع منه، لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، مع أنه قد كان يدع الشيء المباح لئلا يشق على أمته، من ذلك قوله لبني عبد المطلب: "لولا أن تغلبوا على سقايتكم لنزعت معكم"، ودخل الكعبة، وقال بعد دخوله: "لوددت أني لم أكن دخلتها، أخشى أن أكون أتعبت أمتي" وحديث قيس بن سعد يدل على إباحة ذلك، فأخذ النديل مباح، بعد الوضوء والاغتسال. اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج ١ ص ٤١٥ - ٤١٩.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن استعمال المنديل مباح، فقد دل حديث الباب على أنه ﷺ نفض الماء، وأخرج ابن ماجه بسند حسن عن سلمان الفارسي ﵁: "أن رسول الله ﷺ توضأ، فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه". وأما أحاديث النهي فلا يثبت منها شيء وقد بينها الحافظ في التلخيص ج ١ ص ٤٤٦ - ٤٤٩ بنسخة المجموع.
وقد مضى في الباب الماضي سائر ما يتعلق بالحديث، فارجع إليه تزدد علمًا. والله ولي التوفيق.
стр. 2348
١٦٣ - بَابُ وُضُوءِ الجُنُب إذَا أرَادَ أنْ يَأكُلَ
أي هذا باب مشروعية الوضوء للجنب عثد إرادته أكل تخفيفًا للحديث.
٢٥٥ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، (ح) وَأَخْبَرَنَا (١) عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ . وَقَالَ عَمْرٌو: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ.
زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصري صدوق من العاشرة مات سنة ٢٤٤ تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (سفيان بن حبيب) البصري البزاز أبو محمَّد، وقيل غير ذلك ثقة من التاسعة مات سنة ٢ وقيل: ١٨٦ وله ٥٨، وتقدم في ٦٧/ ٨٣.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة ثبت حجة -٧ - تقدم في ٢٤/ ٣٦.
стр. 2349
٤ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٤/ ٤.
٥ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ثقة ثبت حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٦ - (عبد الرحمن) بن مهدي العنبري البصري أبو سعيد ثقة ثبت حجة -٩ - تقدم في ٤٢/ ٤٩.
٧ - (الحكم) بن عتيبة أبو محمَّد الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه ربما دلس -٥ - تقدم في ٨٦/ ١٠٤.
٨ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الإمام الفقيه الكوفي ثقة يرسل كثيرًا -٥ - تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٩ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي المخضرم الكوفي ثقة فقيه -٢ - تقدم في ٢٩/ ٣٣.
١٠ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم بصريون إلا الحكم، وإبراهيم، والأسود، فكوفيون، وعائشة فمدنية، وفيه ثلاثة من التابعين يروى بعضهم، عن بعض: الحكم، وإبراهيم، والأسود، وفيه كتابة (ح)، وهي للتحويل، وقد تقدم الكلام عليها. وفائدة التحويل الاختصار، وفيه عائشة ﵂ المكثرة من الرواية. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂ أنها (قالت: كان النبي ﷺ ، وقال عمرو) أي بن علي الفَلاس (كان رسول الله ﷺ ) يعني أن شيخيه اختلفا، فقال حميد: "كان النبي"، وقال عمرو بن علي "كان رسول الله"،
стр. 2350
وهذا من شدة عناية المصنف ﵀ وحرصه على أداء ما سمعه من شيوخه كما سمعه، احتياطا، لاختلاف العلماء في جواز إبدال النبي بالرسول وعكسه. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى (إذا أراد أن يأكل، أو ينام، وهو جنب) جملة حالية من الفاعل (توضأ) جواب "إذا" (زاد عمرو) يعني ابن علي الفلاس (في حديثه) على حديث حميد (وضوءه للصلاة) مفعول "زاد" لقصد لفظه، أي زاد هذا اللفظ، يعني أنه قال في روايته: "توضأ وضوءه للصلاة " وأما حميد فاقتصر على: "توضأ". وأفادت زيادة عمرو أن المراد بالوضوء ليس الوضوء اللغوي، بل هو الوضوء الشرعي، وفائدة الوضوء تخفيف الجنابة، ويحمل قولها في الحديث الآتي في الباب التالي: "وإذا أراد أن يأكل غسل يديه" على بعض الأحيان. والله أعلم بالصواب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا -١٦٣/ ٢٥٥ - وفي الكبرى -١٤٤/ ٢٥٢ - عن حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، وعن عمرو الفلاس، عن يحيى القطان، وابن مهدي، ثلاثتهم عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، وفي عشرة النساء في الكبرى عن عمران بن موسى، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، ووكيع، وغندر، وعن ابن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن غندر، وعن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه، كلهم عن شعبة، به. وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن يحيى، عن
стр. 2351
شعبة، به. وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، وغندر، ووكيع، عن شعبة به. وأخرجه البيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد الحديث ومثله الأحاديث الآتية في الأبواب التالية: مشروعية الوضوء للجنب عند إرادة النوم والأكل تخفيفًا.
قال العلامة الشوكاني ﵀: وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز للجنب أن ينام، ويأكل قبل الاغتسال، وكذلك يجوز له معاودة الأهل كما سيأتي في حديث أبي سعيد ٢٦٢، وكذلك الشرب كما يأتي في حديث عائشة في ٢٥٧، وهو من حديث عمار عند أحمد والترمذي، وهذا كله مجمع عليه، قاله النووي، وحديث عمر الآتي في ٢٥٩ جاء بصيغة الشرط، وهو مُتَمَسَّك لمن قال بوجوب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام قبل الاغتسال، وهم الظاهرية وابن حبيب من المالكية، وذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه، وتمسكوا بحديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ ينام وهو جنب ولا يمس ماء". أخرجه أبو داود، والترمذي، ولأحمد نحوه. قال الشوكاني: وهو غير صالح للتمسك به من وجوه: أحدها أن فيه مقالا لا ينتهض معه للاستدلال به.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي الكلام عليه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى.
وثانيهما: أن قوله: "لا يمس ماء" نكرة في سياق النفي، فتعم ماء الغسل، وماء الوضوء، وغيرهما، وحديثها المذكور في الباب بلفظ: "كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة" خاص بماء الوضوء، فيبنى العام على الخاص، ويكون المراد بقوله: "لا يمس ماء" غير ماء الوضوء، وقد صرح ابن سُريج، والبيهقي بأن المراد بالماء ماء
стр. 2352
الغسل، وقد أخرج أحمد عن عائشة ﵂، قالت: "كان يجنب من الليل، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ولا يمس ماء".
وثالثها: أن تركه ﷺ لمس الماء لا يعارض قوله الخاص بنا (١) كما تقرر في الأصول، فيكون الترك على تسليم الشمول لماء الوضوء خاصًا به.
وتمسكوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعًا: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". أخرجه أصحاب السنن, وقد استدل به أيضًا على ذلك ابن خزيمة، وأبو عوانة في صحيحيهما، قال الحافظ: وقد قدح في هذا الاستدلال ابن رشد المالكي، وهو واضح.
قال الشوكاني: فيجب الجمع بين الأدلة يحمل الأمر على الاستحباب، ويؤيد ذلك أنه أخرج ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر: "أنه سئل النبي ﷺ : أينام أحدنا وهو جنحب؟ قال: نعم، ويتوضأ إن شاء".
ثم إن المراد بالوضوء هنا هو الوضوء الشرعي كما صرحت رواية عائشة ﵂ به هنا، حيث قالت: "وضوءه للصلاة"، فيرد به على الطحاوي، حيث جنح إلى أن المراد به التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي هذا الحديث وهو صاحب القصة: "كان يتوضأ وهو جنب، ولا يغسل رجليه"، كما رواه مالك في الموطأ عن نافع عنه، ويرد أيضًا بأن مخالفة الراوي لما روى لا تقدح في المروي، ولا تصلح لمعارضته، وأيضًا قد ورد تقييد الوضوء بوضوء الصلاة من روايته، ومن رواية عائشة ﵂ فيعتمد ذلك، ويحمل تركه لغسل رجليه على أن ذلك كان لعذر ويكون المراد هنا بالوضوء الوضوءَ الشرعيَّ كما قاله جمهور العلماء.
стр. 2353
والحكمة فيه، كما قال الحافظ: أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات، عن شداد بن أوس الصحابي ﵁، قال: "إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام، فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة".
وقيل الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه. وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة ﵂ أنه ﷺ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم"، ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل: الحكمة فيه أنه ينشط إلى العود، أو إلى الغسل.
وقال ابن دقيق العيد: نص الشافعي ﵀ على أن ذلك ليس على الحائض؛ لأنها لو اغتسلت لم يرتفع حدثها بخلاف الجنب، لكن إذا انقطع دمها استحب لها ذلك.
قال الجامع عفا الله عنها: وفيما نقل عن الشافعي عندي نظر, لأنه ليس في النص تعليل هذا الوضوء بارتفاع الحدث فتبصر. والله أعلم.
وفي الحديث أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يضيق عند القيام إلى الصلاة، واستحباب التنظف عند النوم، قال ابن الجوزي: والحكمة فيه أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك. والله أعلم.
أفاده في الفتح ج ١ ص ٤٦٩ - ٤٧٠، وقيل ج ١ ص ٣٢٤ - ٣٢٥.
المسألة الخامسة: حديث عائشة هذا قال الحافظ في التلخيص: متفق عليه بمعناه، ولفظ مسلم من طريق الأسود عنها: "كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبا وأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة"، ولهما من طريق أبي سلمة عنها: "كان إذا أراد أن ينام، وهو جنب غسل فرجه، وتوضأ
стр. 2354
للصلاة"، ورواه النسائي بلفظه إلى قوله: "توضأ"، وهو أيضا من رواية الأسود.
وروى بن أبي خيثمة، عن القطان قال: ترك شعبة حديث الحكم في الجنب إذا أراد أن يأكل. قال الحافظ: قلت: قد أخرجه مسلم من طريقه، فلعله تركه بعد أن كان يحدث به لتفرده بذكر الأكل، كما حكاه الخلال عن أحمد، وقد رُوي الوضوءُ عند الأكل للجنب من حديث جابر عند ابن ماجه، وابن خزيمة، ومن حديث أم سلمة، وأبي هريرة عند الطبراني في الأوسط. اهـ تلخيص ج ١ ص ١٤٠.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا ضعف ما نقل عن شعبة. والله أعلم.
المسألة السادسة: في الكلام علي حديث الأسود، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء".
قال الإمام أحمد ﵀: إنه ليس بصحيح، وقال أبو داود وهو وَهَم، وقال يزيد بن هارون: خطأ، وأخرجه مسلم دون قوله: "ولم يمس ماء"، قال الحافظ: وكأنه حذفها عمدًا, لأنه عللها في كتاب
التمييز، وقال مُهَنَّا عن أحمد بن صالح: لا يحل أن يروى هذا الحديث، وفي علل الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكفى، فكيف وقد وافقه عبد الرحمن بن الأسود؟ وكذلك روى عروة، وأبو سلمة، عن عائشة ﵂.
وقال ابن مفوز: أجمع المحدثون على أنه خطأ من أبي إسحاق، قال
الحافظ: كذا قال، وتساهل في نقل الإجماع، فقد صححه البيهقي وقال: إن أبا إسحاق بَيَّن سماعه من الأسود في رواية زهير بن معاوية عنه، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه، وكان ثقة فلا وجه لرده.
стр. 2355
قال: وقد جمع بين الروايتين أبو العباس بن سريج فأحسن الجمع، وذلك فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -يعني الحاكم- قال: سألت أبا الوليد الفقيه، فقلت: أيها الأستاذ قد صح عندنا حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء"، وكذلك صح حديث نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن عمر قال: يا رسول الله أينام أحدنا، وهو جنب؟ قال: "نعم إذا توضأ"، فقال لي أبو الوليد: سألت أبا العباس بن سريج عن الحديثين؟ فقال الحكم بهما جميعًا، أما حديث عائشة فإنما أرادت أن النبي ﷺ كان لا يمس ماء الغسل، وأما حديث عمر فمفسر ذكر فيه الوضوء، وبه نأخذ. اهـ السنن الكبرى ج ١ ص ٢٠٢.
وجمع ابن التركماني في الجوهر النقي جمعًا آخر، وهو أن يحمل الأمر بالوضوء على الاستحباب، وفعله على بيان الجواز، فلا تعارض، قال: ويؤيد ذلك ما في صحيح ابن حبان عن عمر أنه سأل رسول الله ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: نعم، ويتوضأ إن شاء. اهـ
قال الحافظ: وقال الدراقطني في العلل: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، قاله بعض أهل العلم. اهـ تلخيص ج ١ ص ١٤١.
قال الجامع عفا الله عنه: الذين ضعفوا هذه الرواية منهم من عللها بالمخالفة كما تقدم، ومنهم من عللها بأن أبا إسحاق لما اختصر حديث عائشة الطويل أخطأ في اختصاره، وممن قال بهذا الطحاوي وابن العربي المالكي، فقد ذكرا الحديث بطوله، ثم بينا وجه خطئه، ودعواهما هذه غير مقبولة، فإن أبا إسحاق حافظ عارف بكيفية اختصار الحديث، وقد تَثَبَّتَ في روايته وصرح بالسماع، ويؤيده كما قال الحافظ في التلخيص ما رواه هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، عن عائشة، مثل روايته،
стр. 2356
وكذلك ما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وقد تقدم. وفيه "أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، ويتوضأ إن شاء".
وقد رد العلامة أحمد شاكر فيما كتبه على الترمذي دعوى خطأ أبي إسحاق في اختصار الحديث بابلغ رد، انظر ج ١ ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
والحاصل أن رواية أبي إسحاق صحيحة، صححها الأئمة البيهقي والدراقطني، وغيرهما، والجمع بينها وبين أحاديث تقديم الوضوء بأحد أمرين: إما بحمل الأمر على الاستحباب، والفعل على الجواز كما قال ابن قتيبة، وابن التركماني، وإما بحمل , "لا يمس ماء" على ماء الغسل، كما قال أبو العباس ابن سُريج وتبعه البيهقي، فزال الإشكال من دون دعوى تغليط حافظ ناقد راسخ جبل من الجبال. والحمد الله.
المسألة السابعة: في الكلام على قول النسائي: كان النبي ﷺ ، وقال عمرو: كان رسول الله ﷺ ، وقد تقدم أنه من احتياطاته وورعه حيث يراعي ألفاظ شيوخه في الأداء، فإن تبديل لفظ النبي بالرسول والعكس فيه خلاف بين أهل العلم:
قال النووي في التقريب: قال الشيخ ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز تغيير "قال النبي ﷺ " إلى "قال رسول الله ﷺ " ولا عكسه، وإن جازت الرواية بالمعنى، وكان أحمد إذا كان في الكتاب "عن النبي ﷺ " وقال المحدث "رسول الله ﷺ " ضرب، وكتب "رسول الله"، وعلل ابن الصلاح ذلك فقال: لاختلافه في المعنى, لأن الرسول من أوحي إليه للتبليغ، والنبي من أوحي إليه للعمل فقط.
قال النووي: والصواب جوازه , لأنه لا يختلف به هنا معنى، إذ المقصود نسبة القول لقائله، وهو حاصل بكل من اللفظين، وهو مذهب أحمد بن حنبل في رواية ابنه صالح عنه، وما تقدم عنه محمول على
стр. 2357
استحباب اتباع اللفظ دون اللزوم، وإليه ذهب حماد بن سلمة، والخطيب.
واستدل بعضهم للمنع بحديث البراء بن عازب في الدعاء عند النوم، وفيه "ونبيك الذي أرسلت"، فأعاده على النبي ﷺ ، فقال: "ورسولك الذي أرسلت" فقال: "لا، ونبيك الذي أرسلت".
قال الحافظ العراقي: ولا دليل فيه, لأن ألفاظ الأذكار توقيفية، وربما كان في اللفظ سرّ لا يحصل بغيره، ولعله أراد أن يجمع بين اللفظين في موضع واحد، وقال: والصواب ما قاله النووي، وكذا قال البلقيني. اهـ تدريب بتصرف ج ٢ ص ١٢١ - ١٢٢.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح الجواز، لكن الاحتياط الذي عليه عمل الشيخين، ولاسيما مسلم، وعمل جُلِّ أهل الحديث التنبيه على اختلاف ألفاظ الشيوخ، وإن كان لا يضر ذلك، وهو الطريق الأولى، فلذا سلكه المصنف ﵀ هنا. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2358
١٦٤ - بَابُ اقْتِصاَر الجُنُبِ عَلَى غَسْلِ يَدَيْه إذَا أرَاد أنْ يَأْكُلَ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على اكتفاء الجنب عند إرادة الأكل بغسل يديه فقط، ومحل الاستدلال واضح من قوله: "وإذا أراد أن يأكل غسل يديه"، والحديث صحيح، فيحمل على بعض الأوقات، وما تقدم على بعض الأوقات، فكان ﷺ يقتصر أحيانًا على غسل اليدين لبيان الجواز، ويتوضأ أحيانًا، لتكميل الحال، فكان في الأمر سعة، ولله الحمد.
٢٥٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَيْهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن عبيد بن محمَّد) بن واقد المحاربي الكوفي صدوق -١٠ - تقدم في ١٤٤/ ٢٢٦.
٢ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح المروزي ثقة ثبت حجة إمام -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (يونس بن يزيد) الأيلي ثقة إلا أن في حديثه عن الزهري، وهما قليلا، وفي غيره خطأ من كبارالسابعة مات ١٥٩ على الصحيح، تقدم في ٩/ ٩.
стр. 2359
٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الحجة الثبت الحافظ -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف أحد الفقهاء ثقة حجة -٣ - تقدم في ١/ ١.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂. تقدمت في ٥/ ٥.
(تنبيه) هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه عن محمَّد بن الصباح، عن ابن المبارك بإسناد المصنف، وقال: ورواه ابن وهب، عن يونس، فجعل قصة الأكل قول عائشة مقصورا، قال: وقد رواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، كما قال ابن المبارك، إلا أنه قال عن عروة، أو أبي سلمة، وأخرجه أحمد في مسنده عن وكيع عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، وأبي سلمة، كلاهما عنها بدون شك، ج ٦ ص ١٩٢، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم بسند أحمد بدون شك. وسيأتي في ١٦٦/ ٢٥٨، وأخرجه الدارقطني في السنن عن عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا طلحة بن يحيى عن يونس، عن الزهري، عن عروة، أو أبي سلمة عنها … فذكر الحديث، وفيه: "إذا أراد أن يأكل غسل كفيه" وصححه، ثم أخرجه عن أبي بكر النيسابوري، عن محمَّد بن إسماعيل الصائغ، عن إبراهيم بن المنذر، عن أبي ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، وأبي سلمة، بدون شك، بلفظ المصنف، وصححه أيضًا.
فظهر بهذا أن الحديث صحيح عند ابن شهاب بالطريقين، وأخرجه أيضا ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن المبارك، بسند المصنف، ولفظه. وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن أبي شيبة.
ومذاهب العلماء في حكم هذا الحديث تقدمت مفصلة في الباب الماضي، والحمد لله.
стр. 2360
١٦٥ - بَابُ اقتصِارِ الجُنُبِ على غَسلِ يَدَيْهِ إذَا أراَد أنْ يأكُلَ أو يَشْرَبَ
٢٥٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ. قَالَتْ: غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
وهم السابقون في السند الماضي إلا سويد بن نصر، أبا الفضل المروزي راوية ابن المبارك ثقة -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥.
والحديث هو الماضي، إلا أن فيه زيادة: "أو يشرب". والحكم واضح.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2361
١٦٦ - بَابُ وُضُوءِ الجُنُبِ إذَا أرَادَ أنْ يَنَامَ
٢٥٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
تقدموا في الذي قبله إلا قتيبة بن سعيد، تقدم في ١/ ١ وغيره، والليث تقدم في ٣١/ ٣٥ وغيره. والحديث تقدم الكلام عليه قريبا.
(تنبيه) أخرج المصنف هذا الحديث هنا ١٦٦/ ٢٥٨ بهذا السند، وقد تقدم في ١٦٤/ ٢٦٦ عن محمَّد بن عبيد، ومثله في الكبرى في الوليمة، وتقدم في ١٦٥/ ٢٥٧ عن سويد بن نصر ومثله في الكبرى في الوليمة كلاهما عن ابن المبارك، عن يونس، وليس في حديث الليث ذكر الأكل، وفي الكبرى في عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، وعن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن الليث، ويونس، وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يونس، كلاهما عن الزهري به. وفي رواية ابن المبارك زيادة "وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه".
وعن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة، وعروة، كلاهما عن عائشة، قالت: "كان
стр. 2362
رسول الله ﷺ إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه".
وأخرجه (م د ق) فأخرجه (م) في الطهارة عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، ومحمد بن رمح، ثلاثتهم عن الليث، عن الزهري به، بلفظ: "إن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة" وأخرجه (د) فيه عن مسدد، وقتيبة، كلاهما عن سفيان، عن الزهري به. وعن محمَّد بن الصباح البزاز، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، به. وزيادة غسل اليدين عند إرادة الأكل، وقد تقدم تمام كلام أبي داود في الباب السابق، وأخرجه (ق) فيه عن محمَّد بن رمح، عن الليث، عن الزهري، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن المبارك به.
٢٥٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامة اليشكري السرخسي نزيل نيسابور ثقة مأمون سنين -١٠ - تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ثقة ثبت حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عبيد الله) بن عمر العمري المدني ثقة ثبت -٥ - تقدم في ١٥/ ١٥.
стр. 2363
٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني ثقة ثبت فقيه -٣ - تقدم في ١٢/ ١٢.
٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ تقدم في ١٢/ ١٢.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم مدنيون، إلا شيخه، فنيسابوري، ويحيى فبصري، وفيه عبد الله بن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة.
(تنبيه) ظاهر هذا السياق أن ابن عمر حضر هذا السؤال، فيكون من مسنده, قال الحافظ: وهو المشهور من رواية نافع، وروي عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، أنه قال: يا رسول الله .. أخرجه المصنف في عشرة النساء رقم -١٧٧ - ، وعلى هذا فهو من مسند عمر، وكذا رواه مسلم من طريق يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال الحافظ: لكن ليس في هذا الاختلاف ما يقدح في صحة الحديث. اهـ فتح ج ١ ص ٤٥٧.
والكلام على الحديث تقدم قريبًا.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2364
١٦٧ - بَابُ وُضُوءِ الجُنُبِ وَغَسْلِ ذَكَرِهِ إذَا أرَادَ أنْ يَنَامَ
٢٦٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ".
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيية) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام العلم ثقة حجة -٧ - تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (عبد الله بن دينار) العدوي أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر. روى عن ابن عمر، وأنس، وسليمان بن يسار، ونافع القرشي مولى ابن عمر، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الرحمن، ومالك، وسليمان بن بلال، وشعبة، وصفوان بن سليم، وعبد العزيز بن الماجشون، وعبد العزيز بن مسلم القسملي، والسفيانان، وجماعة. ووثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي، وزاد أحمد: مستقيم الحديث، وزاد ابن سعد: كثير الحديث، ومات سنة ١٢٧، وكذا قال عمرو بن علي في تاريخ وفاته، ووثقه العجلي، وقال ابن عيينة: لم يكن بذاك، ثم صار، وقال الليث، عن ربيعة: حدثني عبد الله ابن دينار، وكان من صالحي التابعين صدوقًا دينًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الساجي: سئل عنه أحمد؟ فقال: نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافع أقوى منه،
стр. 2365
وقال العقيلي: في رواية المشايخ عنه اضطراب، وفي العلل للخلال أن أحمد سئل عن عبد الله بن دينار الذي روى عنه موسى بن عُبَيْدة: النهيَ عن بيع الكالئ بالكالئ؟ فقال: ما هو الذي روى عنه الثوري، قيل: فمن هو؟ قال: لا أدري. وجزم العقيلي بأنه هو، فقال في ترجتمه: روى عنه موسى بن عبيدة، ونظراؤه أحاديث مناكير الحمل فيها عليهم، وروى عنه الأثبات حديثه عن ابن عمر في النهي عن بيع الولاء، وعن هبته، ومما انفرد به حديث شعب الإيمان، رواه عنه ابنه، وسهيل، وابن عجلان، وابن الهاد، ولم يروه شعبة، ولا الثوري، ولا غيرهما من الأثبات، وفي رجال الموطأ لابن الحذاء: قيل: لا نعلم له رواية عن أحد إلا عن ابن عمر. انتهى، قال الحافظ: وهذا قصور شديد ممن قاله.
أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ٥ ص ٢٠١ - ٢٠٣.
٤ - (ابن عمر) عبد الله ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعياته، وقد تقدم أنه أعلى ما وقع له من الأسانيد وهو -١١ - من الرباعيات، وتقدمت في ٦، ١٤، ١٩، ٣٥، ٥٣، ٥٤ , ٥٥، ٧٦، ١٣٨، ١٨٩. وأن رواته كلهم ثقات مدنيون إلا قتيبة فبغلاني، واتفق الأئمة بالتخريج لهم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن دينار) قال الحافظ ﵀: هكذا رواه مالك في الموطأ باتفاق من رواة الموطأ، ورواه خارج الموطأ عن نافع بدل عبد الله ابن دينار، وذكر أبو علي الجياني أنه وقع في روايات ابن السكن عن نافع بدل عبد الله بن دينار، وكان كذلك عند الأصيلي إلا أنه ضرب على نافع، وكتب فوقه: عبد الله بن دينار، قال أبو علي: والحديث محفوظ لمالك عنهما جميعًا. انتهى كلامه. قال ابن عبد البر: الحديث لمالك عنهما جميعًا، لكن الحفوظ عن عبد الله بن دينار، وحديث نافع
стр. 2366
غريب. انتهى. وقد رواه عنه جماعة كذلك عن نافع خمسة أو ستة فلا غرابة، وإن ساقه الدارقطني في غرائب مالك فمراده ما رواه خارج الموطأ، فهي غرابة خاصة بالنسبة للموطأ، نعم رواية الموطأ أشهر. اهـ الفتح ج ١ ص ٤٦٨ (عن ابن عمر) ابن الخطاب ﵄ أنه (قال: ذكر عمر) يعني أباه، ومقتضاه كما تقدم أنه من مسند ابن عمر، كما هو عند أكثر الرواة، ورواه نوح عن مالك، فزاد فيه عن عمر، قاله في الفتح. وقال السيوطي: قال الدارقطني في العلل: والصحيح قول من قال عن ابن عمر أن عمر سأل. اهـ (لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل) أي في الليل، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] , ويحتمل أنه لابتداء الغاية في الزمان أي ابتداءُ إصابة الجنابة الليل. قاله ولي الدين العراقي ﵀. اهـ زهر. والظاهر أن الضمير في "أنه" وفي "تصيبه" يعود إلى عمر. لكن وقع عند المصنف في عشرة النساء، وهي من الكبرى، عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن ابن عون، عن نافع، قال: أصاب ابن عمر جنابة، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فأتى عمرُ النبيَّ ﷺ فاستأمره؟ فقال: "يتوضأ، ويرقد" اهـ. ص ١٥٨ بتحقيق عمرو علي عمر.
فقال الحافظ: وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب: "أنه تصيبه" يعود على ابن عمر، لا على عمر، وقوله في الجواب: "توضأ" يحتمل أن يكون ابن عمر كان حاضرًا، فوجه الخطاب إليه. اهـ فتح ج ١ ص ٤٦٩، ومثله للعيني ج ٢ ص ٢٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه: وعندي هذا كله تكلف بعيد عن حل مَعْنَى الحديث بحيث يخرج عن فصاحة التركيب. بل الحق إبقاء الضمير على ما يقتضيه الظاهر، وهو أنه لعمر ﵁، ولا يرجع إلى ابن عمر، ولا ينافيه ما رواه المصنف من طريق ابن عون، إذ يحتمل أنه سأل
стр. 2367
النبي ﷺ مرتين مرة له، ومرة لابن عمر، أو تحمل إحدى الروايتين على الرواية بالمعنى، بدليل رواية نافع المتقدمة عن ابن عمر: أن عمر قال: يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب، الحديث. فهذا السؤال وقع عامًا، فلابد من أن يحمل على أحد المحملين، فتأمل (فقال رسول الله ﷺ : توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم) المراد الأمر بالجمع بين غسل الذكر والوضوء, لأن الواو لا تدل على الترتيب، ومن المعلوم تقديم غسل الذكر على الوضوء، ويدل على هذا رواية أبي نوح عن مالك "اغسل ذكرك ثم توضأ ثم نم"، وهي على الأصل، وفيه رد على من حمل الرواية الأولى على ظاهرها، وأجاز تقديم الوضوء على غسل الذكر، لأنه ليس بوضوء ينقضه الحدث، وإنما هو للتعبد، أفاده العيني.
قال السيوطي: وقال الداودي، وابن عبد البر: فيه تقديم وتأخير، أراد اغسل ذكرك، وتوضأ، والواو لا ترتب، وقد أخرجه المصنف في "الكبرى" وابن حبان بلفظ: "اغسل ذكرك، وتوضأ، ثم ارقد". وروى الطبراني عن ميمونة بنت سعد، قالت: يا رسول الله هل يرقد الجنب؟ قال: ما أحب أن يرقد حتى يتوضأ، فإني أخشى أنه يتوفى فلا يحضره جبريل"، وهو تصريح بالحكمة فيه.
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الحديث رواه الطبراني في الكبير، ج ٢٥ ص ٣٦ - ٣٧، وفي سنده من لا يعرف. وروى ابن أبي شيبة، عن عائشة ﵂، قالت: إذا أراد أحدكم أن يرقد وهو جنب
فليتوضأ، فإنه لا يدري لعله تصاب نفسه في منامه.
قال الجامع عفا الله عنه: أخرجه في المصنف ج ١ ص ٦٠ ورجاله رجال الصحيح.
وقد تقدم أثر شداد بن أوس الصحابي بأنه نصف غسل الجنابة، وتقدم أيضا بيان مذاهب العلماء في حكم هذا الوضوء في ١٦٣/ ٢٥٥ فارجع إليه تزدد علمًا.
стр. 2368
١٦٨ - بَابُ الجُنُبِ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الشؤم الحاصل للجنب إذا ترك الوضوء.
٢٦١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ (ح) وَأَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ".
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (إسحاق بن ابرهيم) الحنظلي المروزي ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (هشام بن عبد الملك) الطيالسي البصري ثقة حافظ -٩ - تقدم في ١٣٠/ ١٩٤.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت -٧ - البصري تقدم في ٢٤/ ٢٦.
стр. 2369
٤ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري، أبو قدامة السرخسي نزيل نيسابور ثقة مأمون سنين -١٠ - تقدم في ١٥/ ١٥.
٥ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ثقة ثبت حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٦ - (علي) بن مُدرك بصيغة اسم الفاعل النخعي الوَهْبيلي (١) أبو مدرك الكوفي. روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وإبراهيم النخعي، وهلال بن يساف، وتميم بن طرفة، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وأبي صالح. وعنه الأعمش، والمسعودي، وحَنَش بن الحارث، وأشعث بن سوّار، وشعبة. قال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح صدوق، ثم قال: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحضرمي: مات سنة -١٢٠ - . له في كتاب مسلم: حديثان: أحدهما: من روايته عن أبي زرعة، عن جده جرير، في استنصات الناس في حجة الوداع. والثاني: من روايته عن أبي زرعة، عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ، عن أبي ذر، وقد ذكر ابن حبان أنه سمع من أبي مسعود البدري، ولأجل ذلك ذكره في التابعين، وقال العجلي: تابعي كوفي ثقة. أخرج له الجماعة.
٧ - (أبو زرعة) البجلي اسمه هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله على الصحيح كوفي ثقة -٣ - تقدم في ٤٣/ ٥٠.
٨ - (عبد الله بن نُجَيّ) -بنون وجيم مصغرا- بن سَلَمة بن جُشَم بن أسد بن خليبة الكوفي الحضرمي. روى عن أبيه -وكان على مطهرة عليًّ- وعمار، وحذيفة، والحسين بن علي، وغيرهم. وعنه أبوزرعة بن عمرو بن جرير، والحارث العكلي، وشرحبيل بن مدرك، وجابر الجعفي. قال البخاري، وأبو أحمد بن عدي: فيه نظر، وقال النسائي:
стр. 2370
ثقة. وقال ابن معين: لم يسمع من علي، بينه وبينه أبوه، وقال الدارقطني: يقال: إنه لم يسمع من علي -يعني حديث "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب"- قال: وليس بقوي في الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي عن علي، ويروي أيضًا عن أبيه، عن علي، وقال البزار: سمع هو، وأبوه من علي، وكناه النسائي أبا لقمان وقال الشافعي في مناظرته مع محمَّد بن الحسن في الشاهد واليمين: عبد الله بن نجي مجهول: أخرج له النسائي، وأبو داود، وابن ماجه. اهـ "تت" ج ٦ ص ٥٥.
٩ - (نجي) الحضرمي الكوفي. روى عن علي. وعنه ابنه عبد الله، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد. قال الحافظ: وأفاد ابن حبان أن أبا زرعة بن عمرو بن جرير روى عنه أيضا، وإنما جاءت الرواية عن أبي زرعة عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال ابن ماكولا: كان على مطهرة علي، وكان له عشرة أولاد قتل منهم سبعة مع علي ﵁. أخرج له النسائي، وأبو داود، وابن ماجه. اهـ "تت" ج ١٠ ص ٤٢٢ - ٤٢٣.
١٠ - (علي) بن أبي طالب، أبو الحسن الهاشمي المدني، ثم الكوفي ﵁. تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانياته، وأن رواته ثقات، إلا عبد الله بن نجي، فصدوق، وأباه، فمقبول، وأنهم ما بين بصريين، وهم هشام، وشعبة، ويحيى، ونيسابورين، وهما إسحاق، وعبيد الله، وكوفيين وهم الباقون، وأن علي بن مدرك، وعبد الله بن نجي، وأباه هذا البابُ أولُ
стр. 2371
موضع ذكروا فيه، وأن هؤلاء الرواة اتفقوا عليهم إلا عبيد الله بن سعيد فأخرج له البخاري، ومسلم، والمصنف، فقط، وعبد الله بن نجي، وأباه فأخرج لهما المصنف، وأبو داود، وابن ماجه، فقط. وفيه كتابة (ح)، وهي حاء التحويل، وتقدم البحث عنها في ٥٧/ ٧١. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن علي) بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ ) أنه (قال لا تدخل) بالرفع لأن "لا" نافية (الملائكة) جمع ملك، وأصله ملأك، على وزن مَفْعَل، نقلت حركة الهمزة إلى اللام، وحذفت الهمزة، فصار ملكا على وزن مَفَل، فلما جمع رد إلى الأصل، وقيل: أصله مَألَك فقلب قلبا مكانيًا، فصار ملأكا على وزن معفل، فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، وحذفت فوزنه مَعَل، فلما جمع رد إلى أصله، وهو مأخوذ من الألوكة، وهي الرسالة، وقيل: من المَلْك بفتح الميم وسكون اللام، وهو الأخذ بقوة، والتاء إما للمبالغة، أو لتأنيث الجمع، فإذا حذفت امتنع من الصرف لصيغة منتهى المجموع. قاله في المنهل ج ٢ ص ٢٩٥. وهم مخلوقون من النور، ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"، وهم بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام: فمنهم حملة العرش، ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش، وهم أشراف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون، ومنهم جبريل، وميكائيل، ومنهم سكان السموات السبع يعمرونها عبادة ليلًا ونهارًا، فمنهم الراكع دائمًا، والقائم دائمًا، والساجد دائمًا، ومنهم المتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم، ومنهم الموكلون بالجنان، ومنهم الموكلون بالنار، ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم، ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد.
стр. 2372
وقد ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية الآيات والأحاديث التي تدل على هؤلاء الأصناف، وبينها أتم تبيين، فارجع إليه في ج ١ ص ٣٥ - ٤٩.
قال ﵀: وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال:
فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم، وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلسا لعمر بن عبد العزيز، وعنده جماعة، فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] ووافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد، فقال عراك بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته هم خَدَمَةُ داريه ورسلُهُ إلى أنبيائه، واستدل بقوله تعالى: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي: ما تقول أنت يا أبا حمزة؟ فقال: قد أكرم الله آدم فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، وجعل من ذريته الأنبياء والرسل، ومن يزوره الملائكة، فوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم واستدل بغير دليله، وأضعف دلالة ما صرح به من الآية وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مضمونه أنها ليست خاصة بالبشر، فإن الله تعالى قد وصف الملائكة بالإيمان في قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وكذلك الجن ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٣ - ١٤].
قال ابن كثير ﵀: وأحسن ما يستدل به في هذه المسألة ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا وهو أصح (١)،
стр. 2373
قال: "لما خلق الله الجنة قالت الملائكة: يا ربنا اجعل لنا هذه نأكل منها ونشرب فإنك خلقت الدنيا لبني آدم، فقال الله تعالى: لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان"، اهـ كلام ابن كثير في البداية ج ١ ص ٤٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحافظ ابن كثير حسن جدّا، إلا أن الأولى والأحسن عندي أن لا نخوض في هذه المسألة وأمثالها التي ما كلفنا الله بمعرفتها، فما أنزل بها آية، ولا فصلها النبي ﷺ تفصيلا، فالخوض والمناقشة في مثل هذا من فضول الكلام الذي لا يعني الإنسان،
وقد ثبت عنه ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فلا ينبغي للإنسان أن يشتغل بمثل هذه المسائل، فيضيع وقته الذي هو رأس ماله، فيخسر. والله الهادي إلى سواء السبيل.
ثم إن المراد بالملائكة في حديث الباب غير الحفظة والكتبة، وهم الذين يطوفون بالرحمة، والتبريك، والاستغفار. وأما الحفظة، والكتبة، فيدخلون كل بيت، وكذا الموكلون بقبض الأرواح، وقيل: المراد عموم الملائكة لظاهر الحديث، لكن الأول أولى للأدلة الأخرى.
(بيتا) أي مسكنا يستقر فيه الشخص سواء كان بناء، أم خيمة، أم غيرهما (فيه صورة) جملة من مبتدإ وخبر، صفة لبيت، قال في المصباح: الصورة: التِّمْثَال، وجمعها صُوَر، مثل غرفة وغرف، اهـ فيكون معنى الصورة أعم من أن يكون شاخصًا أو نقشًا أو دهانًا أو نسجًا في ثوب، والمراد ما كان على صورة الحيوان، ثم ظاهر الحديث يدل على أن الصورة مطلقا تمنع دخول الملائكة أعم من أن يكون لها ظل أم لا ممتهنة أم لا؟ وقيل: إن الممتهنة التي لا ظل لها لا تمنع دخول الملائكة.
قال الإمام النووي ﵀ في شرح مسلم: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من
стр. 2374
الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، يعني حديث: "إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون"، وحديث: "الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم". وحديث: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم". وحديث "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ". والحديث القدسي "قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة". وكلها في صحيح مسلم. قال: وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب، أو بساط، أو درهم، أو
دينار، أو فلس، أو إناء، أو حائط، أو غيرها. وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ الصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط، أو ثوبًا ملبوسًا، أو عمامة، ونحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس، ومخدة، ووسادة، ونحوها مما يمتهن فليس بحرام. ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت، فقال الخطابي: لا يمنع. وأشار القاضي عياض إلى نحو ما قاله الخطابي. والأظهر أنه عام في كل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع (١) لإطلاق الأحاديث، ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وغيرهم. وقال بعض السلف: إنما يُنهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل (٢)، فإن الستر الذي أنكر
стр. 2375
النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة، وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هى فيه، سواء كانت رقما في ثوب أو غير رقم. وسواء كانت في حائط، أو ثوب، أو بساط ممتهن، أو غير ممتهن، عملا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النُّمرُقَة، وهذا مذهب قوي (١).
قال الجامع عفا الله عنه: وحديث النمرقة هو ما أخرجه مسلم في الصحيح عن عائشة ﵂: أنها اشترت نمرقة (٢) فيها تصاوير فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فَعَرَفْتُ، أو فَعُرفَت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال: لهم أحيوا ما خلقتم، ثم قال: "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة".
وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقما في ثوب سواء امتهن أم لا، سواء علق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل، أو كان مصورًا في الحيطان وشبهها سواء كان رقمًا أو غيره، واحتجوا بقوله في بعض أحاديث الباب: "إلا ما كان رقما في ثوب"، وهذا مذهب القاسم بن محمَّد، وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره. قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات، والرخصة في ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته. وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي بعد التأمل في الأحاديث
стр. 2376
الواردة في هذا الباب أن الصور محرمة بجميع أنواعها إلا ما كان رقما في ثوب، أو كان ممتهنا يوطأ، أو على وسادة ونحوها، أو كان مقطوع الرأس حتى خرج من شكل الحيوان إلى شكل آخر، فأما أدلة تحريم الصور ما عدا المستثنيات فكثيرة واضحة، في الصحيحين وغيرهما وتقدم بعضها. فلنذكر هنا أدلة الصور المستثنيات لشدة الحاجة إليها حيث إن بعضهم أهمل العمل بها، وحاول تأويلها على وجه بعيد، مع أن الحق إعطاء كل ذي حق حقه، فلا يهمل بعض النصوص من دون توجيه، فيجب علينا أن نعمل بكل نص على ما يقتضيه، فإذا أخرجنا الصور المستثنيات فقد جمعنا بين تلك النصوص على وجه لا إهمال فيه لبعضها، وبهذا تجتمع النصوص.
فمن أدلة جواز ما كان رقما في ثوب ما أخرجه مسلم في صحيحه عن بكير بن الأشج، أن بسر بن سعيد حدثه أن زيد بن خالد الجهني حدثه، ومع بسر عبيد الله الخولاني أن أبا طلحة حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة" قال بسر: فمرض زيد بن خالد فعدناه، فإذا نحن في بيته بستر فيه تصاوير، فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ قال: إنه قال: "إلا رقما في ثوب"، ألم تسمعه؟ قلت: لا، قال: بلى قد ذكر ذلك.
فهذا الحديث قال الشوكاني: إن صح رفعه كان مخصصا لما رقم في الأثواب من التماثيل. اهـ نيل ج ٢ ص ١٩٦.
قال الجامع عفا الله عنه: قلت ثبت كونه مرفوعًا، فقد أخرج المصنف في كتاب الزينة رقم ٥٣٤٩ بسنده عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته، فقال سهل: لم تنزع؟ قال: لأن فيه تصاوير،
стр. 2377
وقد قال فيها رسول الله ﷺ ما قد علمت، قال: ألم يقل: "إلا ما كان رقما في ثوب"؟ قال: بلى، ولكنها أطيب لنفسي.
فتبين بهذا أن هذا الاستثناء مرفوع.
قال الجامع: فهذا الحديث يدل على جواز الصور الرقمية، وتأويل النووي له بأنه محمول على رقم على صورة الشجرة وغيره مما ليس بحيوان غير صحيح, لأن تصوير الشجر ونحوه مما ليس بحيوان ليس محرما كيفما كان شكله ثم إن هذا الرقم في الثوب مقيد بما إذا لم يكن معلقًا على جدار أو سترا، بدليل حديث عائشة ﵂ أنها نصبت سترا، وفيه تصاوير، فدخل رسول ﷺ فنزعه، قالت: فقطعته وسادتين فكان يرتفق عليهما. متفق عليه. وفي لفظ أحمد: فقطعته مرفقتين، فلقد رأيته متكئا على إحداهما، وفيها صورة.
فدل هذا على أن ما كان رقمًا في ثوب إذا كان معلقًا على الحيطان ونحوها فإنه ممنوع، ودل لفظ أحمد أيضا على أن تلك الصورة التي كانت على الستر ما تغيرت إنما غير الستر فجعل وسادة مع بناء الصورة، فكونها ممتهنة توطأ هو الذي أباحها.
وأما حديث النمرقة المتقدم الذي استدل به النووي على تحريم الصورة مطلقًا، فلا يخالف هذا، فقد بين مسلم بعد أن ساقه على اللفظ المتقدم، فقال: وزاد في حديث ابن أخي الماجشون: "قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين فكان يرتفق بهما في البيت".
فبان بهذا الزيادة أنه على معنى حديث نصب الستر، فقد أنكر عليها النمرقة فلما غيرتها وجعلتها مرفقتين أقرها عليه، وأن النمرقة يخالف معنى المرفقة. فإنها قد تفسر بغير المرفقة، قال في اللسان: النُّمْرُق، والنُّمْرُقة: الوسادة، وقيل: وسادة صغيرة وربما سموا الطِّنفسَهُ التي
стр. 2378
فوق الرَّحْل نمرقة. اهـ. فتبين بهذا أن النمرقة هنا غير المرفقة، ويدل على هذا أيضا قول عائشة في الحديث: اشتريتها لك تقعد عليها وتوسدها.
ومن أدلة جواز ما كان ممتهنا يوطأ، أو مقطوع الرأس، ما أخرجه أحمد بسند صحيح ج ٢ ص ٣٠٥ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه، إلا أنه كان فيه تمثال رجل، وكان في
البيت قرامٌ سترٌ فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمُرْ برأس التمثال الذي في باب البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومُرْ بالستر يقطع، فيجعل منه وسادتان توطآن، ومُرْ بالكلب فيخرج" ففعل رسول الله ﷺ ، وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضد (١) لهما، والحديث رواه أبو داود، والترمذي وصححه. وأخرج الطحاوي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "استأذن جبريل على رسول الله ﷺ فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تماثيل خيل ورجال، فإما أن تقطع رؤوسها، وإما أن تجعلها بساطًا، فإنا معاشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تماثيل".
فقد دل هذا الحديث على أن الصورة إذا قطعت رأسها فخرجت عن شكل الحيوان، أو كانت ممتهنة بأن كانت بساطًا، أو وسادة، لا تحرم، ولا تمنع دخول الملائكة في البيت الذي هي فيه.
والحاصل أنه إذا كانت الصورة ثابتة الهيئة، قائمة الشكل، غير ممتهنة، حرمت، وإن كانت مقطوعة الرأس أو مفرقة الأجزاء مغيرة الشكل، أو ممتهنة جازت، لصراحة هذه الأحاديث فيها، وبهذا تجتمع الأحاديث. والله أعلم.
стр. 2379
وأما اتخاذ الصورة ذات الجسم فحرام، قال الزرقاني: وهذا بالإجماع في غير لعب البنات. اهـ.
قال في المنهل: والاحتياط ترك اتخاذ الصور كلها. اهـ ج ٢ ص ٢٩٧.
هذا كله في تصوير الحيوانات، وأما تصوير غير الحيوانات من الشجر وغيرها فجائز، لا فرق بين الشجر المثمر وغيره، لما رواه مسلم، وغيره عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور فأفتني، فقال له: ادن مني فدنا منه، ثم قال: ادن مني فدنا حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا، فتعذبه في جهنم"، وقال: إن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له.
ولما تقدم في حديث جبريل من قوله: "فمر برأس التمثال الذي في باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة" الحديث.
وهذا مذهب العلماء كافة، وخالف في ذلك مجاهد فقال بكراهة الشجر المثمر، واحتج بما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذَرَّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة".
وأجاب الجمهور عن هذا بأن هذا محمول على خلق الحيوان، أو على من فعل الصورة لتعبد، وهو صانع الأصنام، جمعًا بينه وبين الأحاديث التي تدل على جواز تصوير الشجر كما مَرَّ قريبًا.
وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي أمامة: "أن امرأة أتت النبي ﷺ فاستأذنته أن تصور في بيتها نخلة فمنعها، أو نهاها" فضعيف. لأن في إسناده عُفَير ابن مَعْدان، قال أبو حاتم: يكثر عن سليم، عن أبي أمامة، بما لا أصل له.
стр. 2380
وقال أحمد: منكر الحديث ضعيف، أفاده في المنهل ج ٢ ص ٢٩٧.
والحاصل أن الراجح هو ما قاله الجمهور من جواز تصوير الشجر وغيره مما لا روح له مطلقًا، للأدلة المذكورة، والله أعلم.
(ولا كلب) ظاهره العموم في كل كلب، سواء أذن في اتخاذه أم لا؟ لأنه نكرة في سياق النفي، فيعم، وإلى العموم جنح القرطبي، والنووي لعموم الحديث، ولامتناع جبريل ﵇ من دخول البيت الذي كان فيه الكلب مع كونه ﷺ لم يعلم به.
قال النووي ﵀: فلو كان العذر لا يمنعهم من الدخول لم يمتنع جبريل من الدخول. اهـ. أي إذا كان وجود الكلب مع عدم العلم به مانعًا من الدخول فبالأولى وجوده عن عمد لنحو الحراسة.
وذهب الخطابي وجماعة إلى استثناء الكلب الذي أذن في اتخاذه للحراسة.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر ما قاله الأولون من العموم لظهور دليله. والله أعلم.
واختلف في سبب امتناع الملائكة من الدخول، فقيل: لكون الكلب نجس العين، ويؤيده ما جاء في بعض طرق الحديث عن عائشة عند مسلم "أنه ﷺ أمر بنضح موضع الكلب". قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول فيه نظر لأن النضح لا يكون مطهرًا للنجاسة العينية ولا سيما نجاسة الكلب إن قيل بنجاسة عينها، مع أن هذا القول غير صحيح.
وقيل: لكونها من الشياطين والملائكة ضد الشياطين. وقيل: لأنها تأكل النجاسة، وتتلطخ بها فينجس ما تعلقت به، وعلى هذا يحمل قول
стр. 2381
من قال: إن الكلب غير نجس العين ينضح موضعه على الاحتياط؛ لأن النضح مشروع لتطهير المشكوك فيه، ولقائل أن يقول: إن امتناع الملائكة من الدخول في البيت الذي فيه الكلب أمر غير معقول لنا، إذ كل التعليلات التي ذكرت غير مسلمة إذ الخنزير أولى بالامتناع بوجوده (١)، وكذلك النجاسات الأخَرُ، مع أنه لم يرد نص عن الشارع ما يدل على امتناع دخولها بشيء من ذلك. أفاده في المنهل.
قال الجامع مفا الله عنه: هذا القول هو الأولى. والله أعلم.
(ولا جنب) ظاهره أيضا العموم، فيشمل من أصابته الجنابة أول الليل وأخَّر الغسل إلى آخره، لكن هذا العموم ليس مرادًا، بل المراد به من يتعود ترك الغسل، ويتهاون فيه إلى أن يخرج وقت الصلاة.
قال الخطابي: لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة، فأخر الاغتسال إلى حضور الصلاة، ولكن يجنب، فلا يغتسل، ويتهاون به، ويتخذ تركه عادة، فإن النبي ﷺ يطوف على نسائه في غسل واحد، وفي هذا تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوده. اهـ وأما الجنب الذي لا يتخذ
ذلك عادة له ولا يترك الاغتسال إلى أن يخرج وقت الصلاة فلا يمنع دخول الملائكة البيت الذي هو فيه، لما تقدم من أنه ﷺ كان يغتسل تارة أول الليل، وتارة آخره، ومن أنه رخص للجنب أن ينام قبل أن يغتسل، أو يتوضأ، ومن أنه كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا كله على تقدير صحة زيادة "ولا جنب"، وإلا فالحديث بزيادتها ضعيف كما يأتي. ثم إنهم قالوا في حكمة امتناعها من الدخول: كون الجنب بعيدًا عن العبادة ممتنع التلاوة.
стр. 2382
قال ولي الدين العراقي ﵀: وأما امتناعهم من دخول البيت الذي فيه جنب إن صحت الرواية فيه، فيحمل أن ذلك لامتناعه من قراءة القرآن وتقصيره بترك المبادرة إلى امتثال الأمر، قال السيوطي: في هذا نظر, لأنه صح أنه ﷺ كان يؤخر الاغتسال، وانعقد الإجماع على أنه لا يجب على الفور، فالوجه ما قاله الخطابي، وكذا صاحب النهاية: أراد بالجنب في هذا الحديث الذي يترك الاغتسال من الجنابة عادة فيكون أكثر أوقاته جنبًا، وهذا يدل على قلة دينه وخبث باطنه. اهـ زهر ج ١ ص ١٤٢.
وحمل المصنف وجماعة ذلك على الجنب الذي لا يتوضأ، فلذا بوب عليه هنا "باب في الجنب إذا لم يتوضأ"، وكذا بوب البيهقي: "باب كراهة نوم الجنب من غير وضوء".
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا أيضا فيه ما تقدم، فقد تقدم ما رواه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما عن عمر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ ، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم ويتوضأ إن شاء". فما دام أبيح له النوم من غير وضوء فكيف يمنع دخول الملائكة، مع أنه صح عن عائشة: أنه ﷺ كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء. كما تقدم.
فالأولى حمل الجنب هنا إن صح الحديث على المتهاون الذي يكون أكثر أوقاته جنبا لقلة مبالاته وخفة دينه، والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث في سنده عبد الله بن نُجَيّ، وثقه النسائي، وضعفه غيره، وذكره ابن حبان في الثقات. وفيه أبوه نجي، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد. وهذا الحديث مما انفرد هو به، وقال في "ت"
стр. 2383
مقبول , وإذا أطلق الحافظ مقبولا فمراده أنه يقبل حديثه إذا وجد متابعًا، وإلا فهو لين الحديث، فتببن بهذا ضعف هذا الحديث.
لكن له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه في المسند ج ٢ ص ٣٢٠ عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة، أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، أن عمارًا قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فلم يردّ علي، ولم يرحب بي، فقال: "اغسل هذا"، قال: فذهبت فغسلته، ثم جئت وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي، وقال: "اغسل هذا عنك"، فذهبت فغسلته، ثم جئت فسلمت عليه، فرد علي، ورحب بي، وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المتضمخ بزعفران، ولا الجنب، ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ".
لكن في سنده عطاء الخراساني صدوق يهم كثيرًا، ويرسل، ويدلس، وقال أبو داود: بَيْنَ يحيى بن يعمر، وعمار رجل. يعني أن في إسناده مجهولًا.
وله شاهد آخر أخرجه أبو داود بسنده عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب، إلا أن يتوضأ". ورجال هذا الحديث ثقات، لكنه منقطع بين الحسن البصري، وعمار، فإنه لم يسمع منه، كما قال المنذري ﵀.
والحاصل أن الحديثين ضعيفان، فلا يعتضد بهما حديث الباب، وقد حكم الشيخ الألباني على حديث الباب بأن سنده ضعيف، فيه اضطراب، وجهالة. انظر تحقيقه على المشكاة ج ١ ص ١٤٤. والله أعلم.
стр. 2384
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند الصنف: أخرجه في هذا الباب ١٦٨/ ٢٦١ وفي الكبرى ١٤٧/ ٢٥٧ بالسند المذكور، وفي الصيد والذبائح ١١/ ١ عن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر غندر، ويحيى بن سعيد، عن شعبة به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة، وفي اللباس عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن بني، عن أبيه، عنه. وأخرجه (ق) في اللباس عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، به، ولم يقل: "ولا جنب". وأخرجه أحمد، والحاكم، والبيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث أنه ينبغي للإنسان عدم اتخاذ الكلب، والتصاوير، وعدم التهاون في الاغتسال من الجنابة، لأن هذه الأشياء تمنع من الخير الكثير والبركة بدخول الملائكة في بيته، وأن الملائكة تمتنع من الدخول في المكان الذي توجد فيه هذه الأشياء، وقد تقدم ما قاله العلماء في حكمة امتناعها من الدخول فيه. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2385
١٦٩ - بَابٌ في الجُنُبِ إذَا أرَدَ أنْ يَعُودَ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على ما يفعله الجنب وقت إرادته العود إلى أهله للجماع مرة أخرى.
٢٦٢ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعُودَ تَوَضَّأَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (الحسين بن حريث) الخزاعي مولاهم أبو عمار المروزي ثقة من العاشرة تقدم في ٤٤/ ٥٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمَّد المكي ثقة حجة ثبت -٨ - تقدم في ١/ ١.
٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول البصري ثقة -٤ - تقدم في ١٤٨/ ٢٣٩.
٤ - (أبو المتوكل) علي بن داود، ويقال: دؤاد -بضم الدال بعدها واو، بهمزة- الناجي السامي البصري، روى عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وأم سلمة، وربيعة الجرشي. وعنه ثابت البناني، وقتادة، وبكر بن عبد الله المزني، وعاصم الأحول، وغيرهم. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وابن المديني، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ١٠٨، وقال ابن قانع: مات سنة ١٠٢. ووثقه