← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

من قال: إن الكلب غير نجس العين ينضح موضعه على الاحتياط؛ لأن النضح مشروع لتطهير المشكوك فيه، ولقائل أن يقول: إن امتناع الملائكة من الدخول في البيت الذي فيه الكلب أمر غير معقول لنا، إذ كل التعليلات التي ذكرت غير مسلمة إذ الخنزير أولى بالامتناع بوجوده (١)، وكذلك النجاسات الأخَرُ، مع أنه لم يرد نص عن الشارع ما يدل على امتناع دخولها بشيء من ذلك. أفاده في المنهل. قال الجامع مفا الله عنه: هذا القول هو الأولى. والله أعلم. (ولا جنب) ظاهره أيضا العموم، فيشمل من أصابته الجنابة أول الليل وأخَّر الغسل إلى آخره، لكن هذا العموم ليس مرادًا، بل المراد به من يتعود ترك الغسل، ويتهاون فيه إلى أن يخرج وقت الصلاة. قال الخطابي: لم يرد بالجنب ها هنا من أصابته جنابة، فأخر الاغتسال إلى حضور الصلاة، ولكن يجنب، فلا يغتسل، ويتهاون به، ويتخذ تركه عادة، فإن النبي ﷺ يطوف على نسائه في غسل واحد، وفي هذا تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوده. اهـ وأما الجنب الذي لا يتخذ ذلك عادة له ولا يترك الاغتسال إلى أن يخرج وقت الصلاة فلا يمنع دخول الملائكة البيت الذي هو فيه، لما تقدم من أنه ﷺ كان يغتسل تارة أول الليل، وتارة آخره، ومن أنه رخص للجنب أن ينام قبل أن يغتسل، أو يتوضأ، ومن أنه كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء. قال الجامع عفا الله عنه: هذا كله على تقدير صحة زيادة "ولا جنب"، وإلا فالحديث بزيادتها ضعيف كما يأتي. ثم إنهم قالوا في حكمة امتناعها من الدخول: كون الجنب بعيدًا عن العبادة ممتنع التلاوة.

стр. 2382

قال ولي الدين العراقي ﵀: وأما امتناعهم من دخول البيت الذي فيه جنب إن صحت الرواية فيه، فيحمل أن ذلك لامتناعه من قراءة القرآن وتقصيره بترك المبادرة إلى امتثال الأمر، قال السيوطي: في هذا نظر, لأنه صح أنه ﷺ كان يؤخر الاغتسال، وانعقد الإجماع على أنه لا يجب على الفور، فالوجه ما قاله الخطابي، وكذا صاحب النهاية: أراد بالجنب في هذا الحديث الذي يترك الاغتسال من الجنابة عادة فيكون أكثر أوقاته جنبًا، وهذا يدل على قلة دينه وخبث باطنه. اهـ زهر ج ١ ص ١٤٢. وحمل المصنف وجماعة ذلك على الجنب الذي لا يتوضأ، فلذا بوب عليه هنا "باب في الجنب إذا لم يتوضأ"، وكذا بوب البيهقي: "باب كراهة نوم الجنب من غير وضوء". قال الجامع عفا الله عنه: وهذا أيضا فيه ما تقدم، فقد تقدم ما رواه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما عن عمر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ ، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم ويتوضأ إن شاء". فما دام أبيح له النوم من غير وضوء فكيف يمنع دخول الملائكة، مع أنه صح عن عائشة: أنه ﷺ كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء. كما تقدم. فالأولى حمل الجنب هنا إن صح الحديث على المتهاون الذي يكون أكثر أوقاته جنبا لقلة مبالاته وخفة دينه، والله أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث في سنده عبد الله بن نُجَيّ، وثقه النسائي، وضعفه غيره، وذكره ابن حبان في الثقات. وفيه أبوه نجي، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد. وهذا الحديث مما انفرد هو به، وقال في "ت"

стр. 2383

مقبول , وإذا أطلق الحافظ مقبولا فمراده أنه يقبل حديثه إذا وجد متابعًا، وإلا فهو لين الحديث، فتببن بهذا ضعف هذا الحديث. لكن له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه في المسند ج ٢ ص ٣٢٠ عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة، أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، أن عمارًا قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فلم يردّ علي، ولم يرحب بي، فقال: "اغسل هذا"، قال: فذهبت فغسلته، ثم جئت وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي، وقال: "اغسل هذا عنك"، فذهبت فغسلته، ثم جئت فسلمت عليه، فرد علي، ورحب بي، وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المتضمخ بزعفران، ولا الجنب، ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ". لكن في سنده عطاء الخراساني صدوق يهم كثيرًا، ويرسل، ويدلس، وقال أبو داود: بَيْنَ يحيى بن يعمر، وعمار رجل. يعني أن في إسناده مجهولًا. وله شاهد آخر أخرجه أبو داود بسنده عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب، إلا أن يتوضأ". ورجال هذا الحديث ثقات، لكنه منقطع بين الحسن البصري، وعمار، فإنه لم يسمع منه، كما قال المنذري ﵀. والحاصل أن الحديثين ضعيفان، فلا يعتضد بهما حديث الباب، وقد حكم الشيخ الألباني على حديث الباب بأن سنده ضعيف، فيه اضطراب، وجهالة. انظر تحقيقه على المشكاة ج ١ ص ١٤٤. والله أعلم.

стр. 2384

المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند الصنف: أخرجه في هذا الباب ١٦٨/ ٢٦١ وفي الكبرى ١٤٧/ ٢٥٧ بالسند المذكور، وفي الصيد والذبائح ١١/ ١ عن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر غندر، ويحيى بن سعيد، عن شعبة به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة، وفي اللباس عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عبد الله بن بني، عن أبيه، عنه. وأخرجه (ق) في اللباس عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، به، ولم يقل: "ولا جنب". وأخرجه أحمد، والحاكم، والبيهقي. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث أنه ينبغي للإنسان عدم اتخاذ الكلب، والتصاوير، وعدم التهاون في الاغتسال من الجنابة، لأن هذه الأشياء تمنع من الخير الكثير والبركة بدخول الملائكة في بيته، وأن الملائكة تمتنع من الدخول في المكان الذي توجد فيه هذه الأشياء، وقد تقدم ما قاله العلماء في حكمة امتناعها من الدخول فيه. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2385

١٦٩ - بَابٌ في الجُنُبِ إذَا أرَدَ أنْ يَعُودَ أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على ما يفعله الجنب وقت إرادته العود إلى أهله للجماع مرة أخرى. ٢٦٢ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعُودَ تَوَضَّأَ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (الحسين بن حريث) الخزاعي مولاهم أبو عمار المروزي ثقة من العاشرة تقدم في ٤٤/ ٥٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمَّد المكي ثقة حجة ثبت -٨ - تقدم في ١/ ١. ٣ - (عاصم) بن سليمان الأحول البصري ثقة -٤ - تقدم في ١٤٨/ ٢٣٩. ٤ - (أبو المتوكل) علي بن داود، ويقال: دؤاد -بضم الدال بعدها واو، بهمزة- الناجي السامي البصري، روى عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وأم سلمة، وربيعة الجرشي. وعنه ثابت البناني، وقتادة، وبكر بن عبد الله المزني، وعاصم الأحول، وغيرهم. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا، وقال ابن معين، وأبو زرعة، وابن المديني، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ١٠٨، وقال ابن قانع: مات سنة ١٠٢. ووثقه

стр. 2386

العجلي، والبزار. أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ٧ ص ٣١٨. ٥ - (أبو سعيد) الخدري، سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، استصغر يوم أحد، وغزا بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة. روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وأخيه لأمه قتادة بن النعمان، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي قتادة الأنصاري، وعبد الله بن سلام، وأسيد بن حضير، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، ومعاوية، وجابر بن عبد الله. وعنه ابنه عبد الرحمن، وزوجته زينب بنت كعب بن عجرة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وزيد بن ثابت، وأبو أمامة بن سهل، ومحمود بن لبيد، وابن المسيب، وطارق بن شهاب، وأبو الطفيل، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعطاء بن يزيد، وعياض بن عبد الله بن أبي السرح، والأغر بن مسلم، وبشر بن سعيد، وأبو الوَدَّاك، وحفص بن عاصم، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وأخوه أبو سلمة، وأبو المتوكل الناجي، وغيرهم. قال حنظلة بن أبي سفيان، عن أشياخه: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أفقه من أبي سعيد. مات سنة -٧٤ - وقيل: -٦٤ - وهو ابن -٧٤ - ، وقيل مات سنة -٦٣ - وقيل: -٦٥ - أخرج له الجماعة. اهـ "تت"ج ٣ ص ٤٧٩ - ٤٨١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا على التخريج لهم، إلا شيخه، فما أخرج له (ق) وفيه أبو المتوكل، وأبو سعيد، هذا الباب أول محل ذكرهما في هذا الكتاب، وأبو سعيد هو أحد المكثرين السبعة روى ١١٧٠ حديثًا، اتفق الشيخان على ٤٣ وانفرد (خ) ٢٦ و (م) ٥٢. والله تعالى أعلم.

стр. 2387

شرح الحديث (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵄ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: إذا أراد أحدكم أن يعود) إلى أهله بعد الجماع، وعند مسلم "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود" (توضأ) بصيغة الماضي، ومعناه الأمر وهو جواب "إذا"، وعند مسلم "فليتوضأ" زاد في رواية "بينهما وضوءًا"، وعند ابن خزيمة: "فليتوضأ وضوءه للصلاة"، وزاد ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي: "فإنه أنشط للعود". يعني أنه إذا جامع زوجته، ثم أراد أن يجامعها مرة أخرى فليتوضأ وضوءًا شرعيًا؛ لأنه المراد عند الإطلاق في كلام الشارع، ولتأكيده بالمصدر, لأن التأكيد به يرفع احتمال التجوز، نظير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، فقد استدل أهل السنة بالتأكيد بالمصدر في هذه الآية على أن التكليم فيها باق على حقيقته، وليس متجوزا به. وأصرح من هذا كله رواية ابن خزيمة المذكورة فقد صرحت بأنه وضوء الصلاة. وسيأتي اختلاف العلماء في هذا الوضوء، وكذا في حكمه في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. والله أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد ﵁ هذا حديث صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: ذكره هنا ١٦٩/ ٢٦٢ وفي الكبرى -١٤٨/ ٢٥٨ - عن الحسين بن حريث، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عنه. وفي عشرة النساء من الكبرى عن هارون بن إسحاق، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول به. وعن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن عاصم به. وقال: رفع الحديث. والله أعلم.

стр. 2388

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرج هذا الحديث (م) في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، وعن أبي كريب، عن يحيى بن أبي زائدة، وعن عمرو الناقد، ومحمد ابن عبد الله بن نمير، كلاهما عن مروان بن معاوية- ثلاثتهم عن عاصم الأحول به. وأخرجه (د) فيه عن عمرو بن عون، عن حفص، عن عاصم به. وأخرجه (ت) فيه عن هناد، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه (ق) فيه عن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن عبد الواحد بن زياد، عن عاصم به. وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والطحاوي، والبيهقي، والحاكم في المستدرك. (تنبيه) هذا الحديث من رواية أبي سعيد الخدري هو الصحيح، وقد رُوي من رواية عمر ﵁، رواه ليث بن أبي سليم، عن عاصم، عن أبي المستهل، عن عمر، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إذا أتى أحدكم أهله، وأراد أن يعود، فليغسل فرجه". قال ابن أبي حاتم في العلل ج ١ ص ٣٤: قال أبي: هذا يرون أنه عاصم، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، عن النبي وهو أشبه. اهـ (تنبيه آخر) قال البيهقي في حديث الباب: إن الشافعي قال: لا يثبت مثله، قال البيهقي: لعله لم يقف على إسناد حديث أبي سعيد، ووقف على إسناد غيره، فقد رُوي عن عمر، وابن عمر بإسنادين ضعيفين. اهـ. المسألة الرابعة في فوائده: يستفاد من هذا الحديث استحباب الوضوء عند إرادة العود إلى الجماع، وأنه لا يجب على الشخص أن يغتسل بينهما، وأن الاغتسال لا يجب على الفور، بل يجب عند القيام إلى الصلاة، ونحوها مما لا يجوز إلا بالطهارة. والله تعالى أعلم.

стр. 2389

المسألة الخامسة: اختلف في المراد بالوضوء هنا، فقيل: غسل الفرج فقط مما به من أذى، قال عياض: وهو قول جماعة من الفقهاء، زاد القرطبي: وأكثر أهل العلم، قال: ويستدل على ذلك بأمرين. أحدهما: أنه ورد في رواية: "فليغسل فرجه" مكان "فليتوضأ". الثاني: أن الوطء ليس من قبيل ما شرع له الوضوء، فإنه بأصل مشروعيته للقُرَب، والعبادات، والوطء ما به الملاذ والشهوات، وهو من جنس المباحات، ولو كان ذلك مشروعًا لأجل الوطء، لشرع في الوطء المبتدء فإنه من نوع المعاد، وإنما ذلك لما يتلطخ به الذكر من ماء الفرج والمني فإنه مما يكره، ويستثقل عادةً وشرعًا. وقيل: المراد به غسل الوجه واليدين، روى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر، أنه كان إذا أتى أهله، ثم أراد أن يعود، غسل وجهه وذراعيه. وقيل: المراد الوضوء الشرعي الكامل. قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الصحيح، لما تقدم في رواية ابن خزيمة: "فليتوضأ وضوءه للصلاة". وادعى الطحاوي أن هذا منسوخ، وقال: قد يجوز أن يكون أمر بهذا في حال ما كان الجنب لا يستطيع ذكر الله حتى يتوضأ، فأمر بالوضوء ليسمي عند جماعه، ثم رخص لهم أن يتكلموا بذكر الله وهم جنب، فارتفع ذلك، ثم روي من حديث عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل". وقال: فهذا ناسخ لذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في دعوى النسخ نظر، إذ ليس عليه دليل، والحديث الذي استدل به، لم يُعْرَف تأخره حتى يكون ناسخًا، والله أعلم المسألة السادسة: اختلف العلماء أيضا في حكم هذا الوضوء:

стр. 2390

فذهب ابن حبيب المالكي والظاهرية إلى أنه للوجوب أخذًا بظاهر الحديث. وذهب الجمهور إلى أن الأمر فيه للاستحباب. وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه ليس بواجب ولا مندوب، ورد عليه بحديث الباب وغيره. قال الجامع عفا الله عنه: والذي ذهب إليه الجمهور من أن الأمر فيه للاستحباب هو الراجح، لما تقدم عند ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من زيادة قوله: "فإنه أنشط للعود"، فإنه يدل هذا التعليل على الندبية، والإرشاد، ويؤيده أيضًا ما رواه الطحاوي بسنده عن عائشة ﵂، قالت: "كان النبي ﷺ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضأ". وحديث: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". والحاصل أن الأمر فيه أمر ندب وإرشاد، لا أمر إيجاب. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2391

١٧٠ - بَابُ إتْيَانِ النَّساَءِ قَبْلَ إحْدَاثِ الغَسْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز مجامعة امرأة بعد امرأة قبل أن يغتسل للأولى، ومحل الاستدلال واضح من قوله: "بغسل واحد". ٢٦٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي أبو يعقوب، ثقة، حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقي البغدادي ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٢١/ ٢٢. ٣ - (إسماعيل بن إبراهيم) أبو بشر البصري المعروف بابن علية ثقة ثبت -٨ - تقدم في ١٨/ ١٩. ٤ - (حميد الطويل) بن أبي حميد تير، وقيل: تيرويه، وقيل غيره ثقة عابد مدلس -٥ - تقدم في ٨٧/ ١٠٨. ٥ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعياته، وهذا هو -١٢ - لرباعيات هذا الكتاب، وأن

стр. 2392

رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا بالتخريج لهم، وأن شيخه يعقوب هو أحد المشايخ الذين اتفق الستة بالأخذ عنهم بلا واسطة، وتقدموا غير مرة، وفيه قوله: واللفظ لإسحاق، أي هذا اللفظ المذكور هو لفظ إسحاق ابن إبراهيم، وأما يعقوب فرواه بالمعنى، وقد تقدم تحقيق البحث في هذا غير مرة، وفيه حميد الطويل، وصف بالطويل قيل: لأن في جاره رجلا يُسمى حُمَيدًا، وكان قصيرًا، فميزوا بينهما بهذا، وقيل لطول في يديه. وفيه أنس أحد المكثرين السبعة روى- ٢٢٨٦ حديثًا، اتفق الشيخان منها على -١٦٨ - وانفرد (خ) بـ (٨٣) و (م) بـ (٧١). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) الأنصاري ﵁ (أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه) أي دار عليهن، وهو كناية عن الجماع، بدليل قوله: (بغسل واحد) وفي الرواية الآتية: "في غسل واحد"، وفي بمعنى الباء، وهو على حذف مضاف، أي بنية غسل واحد، أي يجامعهن ملتبسا ومصحوبا بنية غسل آخر الأمر. وإلا فالغسل يكون بعد الفراغ من جماعهن لا قبله. وقوله: "في ليلة" أي واحدة، وعند أبي داود: "طاف ذات يوم"، وعند البخاري عن أنس: كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: أوَ كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين رجلًا. وفي رواية له أيضًا عن أنس: تسع نسوة. وجمع بينهما بأن ذلك كان في حالتين، فمرة طاف عليهن وهن إحدى عشرة، وأخرى وهن تسع أو بأنه كان تحته من الزوجات تسع وسريتان: مارية، وريحانة، على أنها كانت أمة، وقيل: زوجة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولي: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٧٠/ ٢٦٣ وفي الكبرى-١٤٩/ ١٥٩ - بهذا السند.

стр. 2393

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن مسدد، عن إسماعيل بن علية، عن حميد، عن أنس ﵁، وأخرجه البيهقي المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث أنه لا يجب الاغتسال بين الجماعين، سواء كان الجماع الثاني للأولى أو لغيرها، وهذا لا ينافي استحباب الغسل بينهما لما ثبت من حديث أبي رافع: أن النبي ﷺ طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلا واحدا؟ فقال: "هكذا أزكى، وأطيب، وأطهر". رواه أبو داود. وفيه دليل على ما اختصه الله تعالى به من القوة في ذلك، والقوة في النكاح تدل على كمال الرجولية، وفيه جواز طواف الرجل على نسائه في الليلة الواحدة، لكن ينبغي كونه بإذن صاحبة النوبة، أو يعيد لها نوبتها بعد طوافه عليهن. هذا في غيره ﷺ . أما في حقه فاختلف العلماء، هل القسم بين الزوجات واجب عليه أم لا؟ فإن قلنا بعدم الوجوب، وهو الراجح، لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]. لكنه من كريم أخلاقه كان يقسم بينهن، فلا إشكال في هذا الحديث، وإن قلنا بالوجوب، فيحمل هذا الحديث على أنه استأذن صاحبة النوبة، أو أعاد لها بدل ليلتها، وفيه دليل على عدم الوضوء, لأنه لم يذكر هنا. وفيه دليل على أن الاغتسال من الجنابة لا يجب على الفور، بل عند إرادة الصلاة كما في الوضوء، وهو محل إجماع كما قاله النووي، وغيره. والله تعالى أعلم. ٢٦٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ.

стр. 2394

رجال هذا الإسناد: خمسة أيضا ١ - (محمَّد بن عبيد) المحاربي أبو جعفر النحاس الكوفي صدوق من ١٠ - تقدم في ١٤٤/ ٢٢٦. ٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي الإمام ثقة حجة ثبت -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت -٧ - تقدم في ١٠/ ١٠. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري ثقة حجة يدلس -٤ - تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس) بن مالك الأنصاري أبو حمزة البصري تقدم في ٦/ ٦. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وهو نازل عن السند السابق برجل، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا على التخريج لهم، إلا شيخه فلم يخرج له (خ م ق)، وفيه أنس أحد المكثرين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان) هذه الصيغة تقتضي أن هذا الفعل تكرر منه ﷺ ، بخلاف الرواية السابقة فلا تدل عليه، بل على مجرد الفعل، ففي هذه الرواية فائدة زائدة (يطوف) أي يدور (على نسائه في غسل واحد) في بمعنى الباء كما في الرواية السابقة، وهو كما تقدم على حذف مضاف، أي بنية غسل واحد آخر الأمر. وطوافه ﷺ يحتمل وجوها: الأول: أن يكون ذلك عند إقباله من السفر حيث لا قسم يلزم لأنه كان إذا سافر أقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها سافر بها، فإذا انصرف استأنف القسم بعد ذلك ولم تك واحدة منهن أولى من صاحبتها بالبداءة، فلما استوت حقوقهن جمعهن كلهن في وقت، ثم استأنف القسم بعد ذلك. الثاني: أن ذلك كان بإذنهن ورضاهن، أو بإذن صاحبة النوبة

стр. 2395

ورضاها، كنحو استئذانه منهن أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة. قاله أبو عبيد. الثالث: قال المهلب: إن ذلك كان في يوم فراغه من القسم بينهن فيقرع في هذا اليوم لهن أجمع ويستأنف بعد ذلك. هذا التأويل كله عند من يقول بوجوب القسم عليه ﷺ في الدوام كما يجب علينا، قال العيني: وهم الأكثرون- وأما من لا يوجبه فلا يحتاج إلى هذا التأويل. وقال ابن العربي: إن الله خص نبيه ﷺ بأشياء في النكاح منها: إعطاؤه ساعة لا يكون لأزواجه فيها حق حتى يدخل فيها على جميع أزواجه، فيفعل ما يريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدَّوْر لها، وفي كتاب مسلم عن ابن عباس: إن تلك الساعة كانت بعد العصر، أفاده العيني، عمدة ج ٣ ص ٢١٥. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن العربي يحتاج إلى دليل، قال الحافظ: وأغرب ابن العربي فقال: إن الله .. الخ، فذكر كلامه، ثم قال: ويحتاج إلى ثبوت ما ذكره مفصلا. اهـ فتح ج ١ ص ٤٥١. وقد استدل البخاري بهذا الحديث في كتاب النكاح على استحباب الاستكثار من النساء، وأشار فيه إلى أن القسم لم يكن واجبًا عليه، قال الحافظ: وهو قول طوائف من أهل العلم، وبه جزم الاصطخري من الشافعية، والمشهور عندهم، وعند الأكثرين الوجوب. قال الجامع عفا الله عنه: وقد تقدم ترجيح ما ذهب إليه الأولون في الحديث السابق. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: أخرجه هنا-١٧٠/ ٢٦٤، بهذا السند، وفي عشرة النساء من الكبرى عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس ﵁.

стр. 2396

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (ت) في الطهارة عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن معمر به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه (ق) فيه عن محمَّد بن المثنى، عن ابن مهدي، وأبي أحمد به. المسألة الرابعة: لم يقع في رواية المصنف هنا ذكر عدد نسائه ﷺ اللاتي جمعهن في ذلك الوقت، ووقع عند البخاري من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: "كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة". ومن طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن أنسًا حدثهم: "تسع نسوة". وقد جمع ابن حبان في صحيحه بين الروايتين بأن حمل ذلك على حالتين، قال الحافظ: لكنه وهم في قوله: الأولى كانت في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة، وموضع الوهم منه أنه ﷺ لما قدم المدينة لم يكن تحته امرأة سوى سودة، ثم دخل على عائشة بالمدينة، ثم تزوج أم سلمة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة، في السنة الثالثة، أو الرابعة، ثم تزوج زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية، وأم حبيبة، وميمونة في السابعة، وهؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور، واختلف في ريحانة، وكانت من سبي بني قريظة، فجزم ابن إسحاق بأنه عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فاختارت البناء في ملكه، والأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر، وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بقليل، قال ابن عبد البر: مكثت عنده شهرين أو ثلاثة. فعلى هذا لم يجتمع عنده من الزوجات أكثر من تسع، مع أن سودة كانت وهبت يومها لعائشة، فرُجِّحت رواية سعيد -يعني ابن أبي عروبة- حيث قال: وله يومئذ تسع نسوة، قال: لكن تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليها لفظ: "نسائه" تغليبًا. وقد سرد الدمياطي

стр. 2397

في السيرة التي جمعها من اطلع عليه من أزواجه ممن دخل بها أو عقد عليها فقط، أو طلقها قبل الدخول، أو خطبها ولم يعقد عليها فبلغت ثلاثين، وفي المختارة من وجه آخر عن أنس: "تزوج خمس عشرة، دخل منهن بإحدى عشرة، ومات عن تسع". وسرد أسماءهن أيضًا أبو الفتح اليعمري، ثم مغلطاي، فزدن على العدد الذي ذكره الدمياطي، وأنكر ابن القيم ذلك أن الكثرة المذكورة محمولة على اختلاف في بعض الأسماء وبمقتضى ذلك تنقص العدة. والله أعلم. اهـ فتح ج ١ ص ٤٤٩ - ٤٥٠. وقد ذكر الحافظ العراقي ﵀ أسماءهن بالترتيب، فقال: أزْوَاجُهُ اللاتي بهنَّ قَدْ دَخَلْ … ثنْتَا أوْ إحْدَى عَشْرَة خُلفٌ نُقلْ خَدِيجَةُ الأوْلَى تَليهَا سَوْدَةُ … ثُمَّ تَلِي عَائشِةُ الصِّدِّيقَةُ وَقِيلَ قَبْلَ سَوْدَة فَحَفْصَةُ … فَزَيْنَبٌ وَالدُهَا خُزَيْمَةُ فَبَعْدَهَا هِنْدٌ أيْ أمُّ سَلَمَهْ … فَابْنَةُ جَحْش زَينبُ المُكَرَّمَهْ تَلِي ابْنَةُ الحَارِثِ أيْ جُوَيْرِيَهْ … فَبَعْدَهَا رَيْحَانَةُ المَسْبِيَهْ وَقِيْلَ بَلْ مِلْكُ يَمِيْن فَقَطْ … لَمْ يَتَزَوجْهَا وَذَاكَ أضْبَطُ بنْتُ أبي سُفْيَانَ وَهْيَ رَمْلَةُ … أمُّ حَبيْبَةَ تَلي صَفِيَّةُ مِنْ بَعْدهَا فَبَعْدَهَا مَيْمُونَهْ … حِلًا وَكَانَتْ كَاسْمِهَا مَيْمُونَهْ وَابْنُ المُثَنَّى مَعْمَر قَدْ أدْخَلَا … فِي جُمْلَة اللاتِي بِهِنَّ دَخَلَا بنْتَ شُرَيْحٍ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ … عَرَّفَهَا بَأنَّهَا الوَاهِبَةُ وَلمَ أَجِدْ مَنْ جَمَعَ الصَّحَابَهْ … ذَكَرَهَا وَلا بِأُسْدِ الغَابَهْ وَعلَّهَا التي اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ … وَهْيَ ابْنَةُ الضَحَّاكِ بَانَتْ منْهُ وَغَيْرُ مَنْ بَنَى بهَا أوْ وَهَبَتْ … إلَى النَّبيِّ نَفْسَهَا أوْ خُطِبَتْ وَلمْ يَقَعْ تَزْويجُهَا فَالعِدَّةُ … نَحْوُ الثَّلاثِينَ بِخُلْف أثْبَتُوا

стр. 2398

اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى. المسألة الخامسة: من فوائد الحديث: ما أعطي لنبيه ﷺ القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنْيَة، ومنها ما استدل به ابن التين لقول مالك بلزوم الظهار من الإماء على أن المراد بالزائدتين مارية وريحانة، وقد أطلق على الجميع لفظ نسائه، وفيه نظر, لأن الإطلاق المذكور بطريق التغليب، ومنها ما استدل به ابن المنير على جواز وطء الحرة بعد الأمة من غير غسل بينهما، ولا عبرة للمنقول عن مالك أنه يتأكد الاستحباب في هذه الصورة. قاله العيني في عمدته ج ٣ ص ٣١٧. (تنبيه) قد ذكر أهل العلم في الحكمة في استكثاره ﷺ من النساء عشرة أوجه: أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر، أو غير ذلك. الثاني: لتتشرف به قبائل العرب بمصاته فيهم. الثالث: للزيادة في تألفهم لذلك. الرابع: للزيادة في التكليف حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ. الخامس: لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يحاربه. السادس: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يخفى مثله. السابع: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة، وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن. الثامن: خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه ﷺ . التاسع: تحصينهن. العاشر: القيام بحقوقهن. والله تعالى أعلم. ذكر هذه الفوائد في فتح الباري في كتاب النكاح "باب كثرة النساء" ج ٩ ص ١٧.

стр. 2399

١٧١ - بَابُ حَجْبِ الجُنُبِ مِنْ قِراَءةِ القُرْآنِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على منع الجنب من قراءة القرآن، وهو متلبس يحدث الجنابة. والحَجْب بفتح فسكون مصدر حَجَبَه، يحجُبُه من باب قتل: إذا منعه، ومنه قيل للستر حجاب؛ لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبوّاب حاجب, لأنه يمنع من الدخول، والأصل في الحجاب جسم حائل بين جسدين، وقد استعمل في المعاني، فقيل: العجز حجاب بين الإنسان وبين مراده، والمعصية حجاب بين العبد وبين ربه، وجمع الحجاب حُجُب، مثل كتاب، وكُتُب، وجمع الحاجب حُجَّاب، مثل كافر، وكفار. قاله في المصباح. والإضافة هنا من إضافة المصدر إلى مفعوله. وموضع الاستدلال واضح من قوله: "ليس الجنابة"، ولكن سيأتي ما فيه إن شاء الله. ٢٦٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلِمَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ عَلِيًّا أَنَا وَرَجُلَانِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ.

стр. 2400

رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة، حافظ من صغار -٩ - تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل بن إبراهيم) هو ابن علية، أبو بشر البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ١٨/ ١٩. ٣ - (شعبة) بن الحجاج البصري ثقة حجة ثبت -٧ - تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الجملي المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى. روى عن عبد الله بن أبي أوفي، وأبي وائل، ومرة الطيب، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن سلمة، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الله، وأبو إسحاق السبيعي، وهو أكبر منه، والأعمش، ومنصور، والثوري، وشعبة، وغيرهم. قال البخاري عن علي: له نحو مائتي حديث. وقال سعيد الأراطي: زَكَّاه أحمد بن حنبل. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة كان يرى الإرجاء. وقال حفص بن غياث: ما سمعت الأعمش يثني على أحد إلا على عمرو بن مرة، فإنه كان يقول: كان مأمونا على ما عنده. وقال بقية، عن شعبة: كان أكثرهم علمًا. وقال معاذ بن معاذ، عن شعبة: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يدلس إلا ابن عون، وعمرو بن مرة، وقال قراد، عن شعبة: ما رأيت ابن مرة في صلاة قط إلا ظننت أنه لا ينفتل حتى يستجاب له. وقال عبد الملك بن ميسرة في جنازته: إني لأحسبه خير أهل الأرض. وقال مسعر: لم يكن بالكوفة أحب إلي ولا أفضل منه. وقال ابن عيينة عن مسعر: كان

стр. 2401

عمرو من معادن الصدق. وقال عبد الرحمن بن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ منهم عمرو بن مرة. وقال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بنية حتى دخل عمرو في الإرجاء فتهافت الناس فيه، ووثقه ابن نمير ويعقوب بن سفيان، مات سنة -١١٨ - وقيل سنة ١١٦، وجزم به ابن حبان في الثقات، وقال: يكنى أبا عبد الرحمن، وكان مرجئا. أخرج له الجماعة. اهـ "تت" ج ٨ ص ٥ - (عبد الله بن سلمة) -بكسر اللام- المرادي الكوفي. روى عن عمر، ومعاذ، وعلي، وابن مسعود، وسعد، وسلمان الفارسي، وصفوان بن عسَّال، وعمار بن ياسر، وعبيدَة بن عمرو السلماني. وعنه أبو إسحاق السبيعي، وعمرو بن مرة. قال أحمد بن حنبل: لا أعلم روى عنه غيرهما. وقال غيره: روى عنه أبو الزبير أيضًا. وقال النسائي في الكنى: أبو العالية عبد الله بن سلمة كوفي مرادي. وقال الخطيب: قد روى أبو إسحاق السبيعي عن أبي العالية عبد الله بن سلمة الهمداني، فزعم أحمد بن حنبل أنه الذي روى عنه عمرو بن مرة، وقال ابن نمير: ليس هو به، بل هو آخر، وكان ابن معين يقول كقول أحمد، ثم رجع عنه. وقال ابن حبان في الثقات: عبد الله بن سلمة بن الحارث الهمداني أخو عمرو. وقال شعبة، عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلمة يحدثنا فيعرف وينكر، كان قد كبر. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة يعد في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أبو حاتم: يعرف وينكر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، له عند (د) حديث "لا يقرأ الجنب" قال الحافظ: قال البخاري في تاريخه الصغير: الذي قال ابن نمير أصح، والذي روى عنه أبو إسحاق هو الهمداني، والذي روى عنه عمرو بن مرة هو من رهط عمرو بن مرة جَمَلي مُرَادي.

стр. 2402

وكذا قال ابن معين، والدارقطني، وابن ماكولا. وقال النسائي في المرادي: لا أعلم أحدًا روى عنه غير عمرو بن مرة، وقال في الكنى: أنا عبد الله بن أحمد، سألت أبي عن ابن سلمة روى عنه غير عمرو بن مرة؟ فقال: أبو إسحاق، وقال ابن نمير: هذا ليس هو ذاك، صاحب عمرو لم يرو عنه إلا عمرو. والذي قاله ابن نمير أصح، وفرق بينهما أيضا ابن حبان، فقال في الهمداني: ما حكاه عنه المزي، وقال في المرادي: عبد الله بن سلمة يروي عن علي، وعنه عمرو بن مرة يخطئ، وقد بينه الحاكم أبو أحمد بيانا شافيا في كتاب الكنى، وقال: عبد الله بن سلمة مرادي يروي عن سعد، وعلي، وابن مسعود، وصفوان بن عسال. وعنه عمرو بن مرة، وأبو الزبير، حديثه ليس بالقائم، وعبد الله بن سلمة الهمداني إنما يعرف له قوله فقط، ولا يعرف له راويًا غير أبي إسحاق السبيعي، ثم قال ما معناه: إن الغلط إنما وقع عند من جعلهما واحدًا بكنية من كنى المرادي أبا العالية -يعني من المتأخرين- وإنما هي كنية الهمداني، قال: ولا أعلم أحدًا كنى المرادي، قال: وقد وقع الخطأ فيه لمسلم، وغيره. والله أعلم. أخرج له الأربعة. اهـ "تت "ج ٥ ص ٢٤١ - ٢٤٣. ٦ - (علي) بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي أحد الخلفاء الراشدين ﵁ تقدم في ٧٤/ ٩١. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا عبد الله بن سلمة فصدوق تغير حفظه، وهم ما بين مروزي وهو شيخه، وبصريين وهما إسماعيل، وشعبة، وكوفيين، وهم الباقون، وقد اتفق الأئمة بالتخريج لهم إلا شيخه فلم يرو عنه (د ق) وعبد الله بن سلمة فلم يرو عنه (خ م)،

стр. 2403

وفيه سلمة بكسر اللام، قال السيوطي في ألفية الحديث: عَمْرٌو وَعَبْدُ الله نَجْلا سَلِمَهْ … بالكَسْر مَعْ قَبيلَة مُكَرَّمَهْ وَالخُلْفُ في وَالد عَبْد الخَالقِ … والسَّلَمى للقَبيل وَافِقِ يعني أن سَلَمة بفتح اللام إلا عمرو بن سلمَة، وعبد الله بن سلمة، وبني سلمة القبيلة المعروفة من الأنصار، واختُلف في عبد الخالق بن سلمة فقيل بالفتح، وقيل بالكسر. والله أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن سلمة) بكسر اللام المرادي الكوفي، أنه (قال: أتيت عليا) أي ابن أبي طالب ﵁ (أنا) ضمير منفصل أكد به الضمير المتصل للقاعدة المقررة التي ذكرها ابن مالك بقوله: وإَنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير المُنْفَصلْ (ورجلان) معطوف على الضمير الفاعل، وقد طول الحديث أبو داود في سننه، فقال بسنده: عن عبد الله بن سلمة قال دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان، رجل منا، ورجل من بني أسد، أحسب بعثهما علي ﵁ وجها (١)، وقال: إنكما علْجَان (٢) فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج، فدعا بماء فأخذ منه حفنة، فتمسح بها (٣) يديه، ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: إن رسول ﷺ كان يخرج من الخلاء .. الحديث. (كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء) بالفتح والمد كالفضاء وزنا ومعنى، وهو أيضًا المُتَوَضَّأ، قاله في المصباح، والمراد هنا محل قضاء الحاجة من البول والغائط، سمي بذلك لأنهم يقضون حاجتهم غالبا في الفضاء بُعْدًا عن أعين

стр. 2404

الناس، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في أوائل هذا الشرح ١٦/ ١٦ (فيقرأ القرآن) إنما ذكر علي هذا حين أنكروا عليه قراءة القرآن بعد الخلاء كما بينته رواية أبي داود المذكورة آنفا، وعند أبي داود: "فيقرئنا القرآن" من الإقراء، وهو مستلزم للقراءة، والمراد أنه لا يتوضأ لأجل القرآن (ويأكل معنا اللحم) أي قبل الوضوء، وعند ابن ماجه: "فيأكل معنا الخبز واللحم"، قال الطيبي: لعل انضمام أكل اللحم مع قراء القرآن للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء. أو مضمضة كما في الصلاة. اهـ والمراد أنه كان لا يمنعه الحدث من القراءة والأكل ونحوهما. كما أشار إليه بقوله (ولم يكن يحجبه) أي يمنعه، وقد تقدم أول الباب أنه من باب قتل، وعند أبي داود: أو قال: "يحجزه" (عن القرآن) متعلق بـ "يحجب"، أي عن قراءته وإقرائه، جملة "يحجبه" خبر "يكن" مقدما على اسمها، وهو قوله (شيء) من أنواع الحدث. قال السندي: والمراد بعموم شيء ما يجوز العقل فيه القراءة من الأحوال، وإلا فحالة البول والغائط مثل الجنابة، لكن خروجهما عقلا أغنى عن الاستثناء. اهـ وقوله (ليس الجنابة) ليس هنا من أداوت الاستثناء، وهي فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر، اختلف النحاة في مرجعه، فقيل: يعود على البعض المفهوم من الكل السابق، والتقدير: ليس بعضُ الحدث، وقيل على اسم الفاعل المفهوم من الفعل السابق، والتقدير: ليس الحَاجب، وقيل: على المصدر المفهوم من الفعل السابق، والتقدير: ليس الحجب، والأول أصح، وقوله (الجنابة) بالنصب خبرها، وهو المُسْتَثْنَى، ونقل السيوطي ﵀ في شرحه عن الزركشي أن "ليس" هنا بمعنى"غير"، اهـ. فإن أراد أنها هنا للاستثناء فلا يخالف ما ذكرناه، وإن أراد أنها اسم بمعناها فهذا مما لم أر أحدًا من النحاة أثبته فيحتاج إلى إثباته.

стр. 2405

قال: وقال البزار: إنها بمعنى "إلا"، ويؤيده رواية ابن حبان "إلا الجنابة"، وفي رواية له "ما خلا الجنابة". اهـ. وحاصل المعنى أنه ﷺ كان لا يمنعه شيء من أنواع الحدث عن قراءة القرآن إلا الجنابة. وفيه منع الجنب عن القرآن، وسيأتي تحقيق الكلام فيه قريبًا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث: ضعيف (١) , لأن في سنده عبد الله بن سلمة كان قد تغير، وروى هذا بعد ما كبر، كما قال شعبة، وصححه الترمذي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي في شرح السنة، وروى ابن خزيمة بإسناده، عن شعبة قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه، وقال البزار: لا يُروى من حديث علي إلا عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة عنه، وحكى الدارقطني في العلل أن بعضهم رواه عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي، وخَطَّأ هذه الرواية، وقال الشافعي في سنن حرملة: إن كان هذا الحديث ثابتا ففيه دلالة على تحريم القرآن على الجنب (٢). وقال في جماع كتاب الطهور: أهل الحديث لا يثبتونه، قال البيهقي: إنما قال ذلك؛ لأن عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة. وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا

стр. 2406

الحديث. وقال النووي في الخلاصة: خالف الترمذيَّ الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث، قال الحافظ: وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنه لم ير تصحيحه لغيره، وقد قدمنا ذكر من صححه غير الترمذي، وروى الدراقطني عن علي موقوفا: "اقرؤا القرآن ما لم تصب أحدكم جنابة، فإن أصابته فلا ولا حرفا"، قال الحافظ: وهذا يعضد حديث عبد الله بن سلمة (١). لكن قال ابن خزيمة: لا حجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من القراءة, لأنه ليس فيه نهي، وإنما هي حكايته فعل، ولم يبين النبي ﷺ أنه إنما امتنع من ذلك لأجل الجنابة، أفاده في التلخيص. ج ١ ص ١٢٩. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي أن حديث الباب ضعيف لأن مداره على عبد الله بن سلمة، وقد حدث به بعد ما تغير، وكبر كما قاله شعبة، وأما المصححون فلم يذكروا مستندا لقولهم وتساهل بعضهم معروف كالترمذي، والحاكم، فإنه صححه، وقال: عبد الله بن سلمة لا مطعن فيه، وهذا هو التساهل، ومن الغريب أن الذهبي وافقه على هذا. وأما ما قاله العلامة أحمد شاكر في تعليقه للترمذي من أن عبد الله بن سلمة توبع على معنى حديثه هذا عن علي، فارتفعت شبهة الخطأ عن روايته إذا كان سيء الحفظ في كبره كما قالوا، ثم ذكر ما رواه أحمد في مسنده ج ١ ص ١١٠: حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط، عن أبي الغَريف، قال: أتيَ علي ﵁ بوَضُوء، فمضمض، واستنشنق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ

стр. 2407

توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا, ولا آية. فهذا الحديث وإن قال ابن شاكر صحيح جيد إلا أن فيه علة، وقد أشار الدارقطني إليها فذكره في سننه ج ١ ص ١١٨ عن أبي بكر النيسابوري، وإسماعيل بن محمَّد الصفار، عن محمَّد بن عبد الملك الدقيقي، عن يزيد بن هارون، عن عامر بن السِّمْط، عن أبي الغريف، الهمداني، قال: كنا مع علي في الرحبة، فخرج إلى أقصى الرحبة، فو الله أبَوْلًا أحْدَثَ أمْ غائطًا، ثم جاء، فدعا بكوز من ماء، فغسل كفيه، ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدرًا من القرآن، ثم قال: اقرءوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة فلا ولا حرفا واحدا". قال الدارقطني: هو صحيح عن علي. وهذا من الدارقطني إشارة إلى تضعيف رفعه، حيث أن من وقفه أرجح ممن رفعه، فإن رافعه هو عائذ بن حبيب، قال عنه في التقريب: صدوق ورمي بالتشيع، والكلام فيه كثير في الميزان وغيره، وقد خالفه فيه يزيد بن هارون المجمع على توثيقه فوقفه على علي وهو الصحيح. كما قاله الدراقطني، ولم ينتبه لهذا ابن شاكر. والحاصل أن حديث الباب غير صحيح. وعلى تقدير صحته لا يكون حجة في المسألة لأنه حكايته فعل، فإنه ﷺ ترك القراءة حال الجنابة، وما بَيَّن أنه إنما ترك لأجلها، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة، فكيف يستدل به على التحريم. وحديث علي المرفوع قد عرفت ما فيه من العلة، وأما الموقوف فلا يكون حجة. لأن قول الصحابة لا يكون حجة إلا إذا كان إجماعا، وقد خالفه ابن عباس من الصحابة كما يأتي قريبا، إن شاء الله تعالى.

стр. 2408

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر الصنف له: أخرجه هنا ١٧١/ ٢٦٥، ٢٦٦، والكبرى ١٥٠/ ٢٦١، ٢٦٢. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن حفص ابن عمر الحوضي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁. وأخرجه (ت) فيه عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، وعقبة بن خالد، كلاهما عن الأعمش، وابن أبي ليلى، كلاهما عن عمرو بن مرة به. وأخرجه (ق) فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة به، ورواه أبو جعفر الرازي، ومحمد بن فضيل، ورواه عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، كما قال ابن فضيل. قاله الحافظ المزي في "تحفته". ج ٧ ص ٤٠٨. وأخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث جواز قراءة القرآن للمحدث حدثا أصغر من غير أن يتوضأ، وكذا أكله اللحم ونحوه، وشربه الشراب، وعدم جواز التلاوة للجنب حتى يغتسل. وهو موضع الترجمة للمصنف من الحديث. ولكن قد عرفت ضعفه، ولئن سلمنا صحته فلا يدل على المنع لما عرفت من كونه حكايته فعل لا تصلح متمسكا للتحريم. فتنبه. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في قراءة الجنب للقرآن: قال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في قراءة الجنب والحائض القرآن، فكرهت طائفة أن يقرأ الجنب شيئا من القرآن، وممن رُوي عنه ذلك عمر، وعلي، والحسن، وإبراهيم، والزهري، وقتادة،

стр. 2409

وجابر. وقال أبو عبيدة: الجنب مثل الحائض، وقال عطاء: الحائض لا تقرأ شيئا والجنب الآية ينفذها. وقال أبو العالية، وإبراهيم، والزهري، وابن جبير: الحائض لا تقرأ من القرآن، وقال جابر بن زيد: الحائض لا تتم الآية. واختلف في قراءة الحائض عن الشافعي، فحكى أبو ثور عنه أنه قال: لا بأس أن تقرأ، وحكى الربيع عنه أنه قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض ولا يحملان المصحف، قال النووي: مذهبنا أنه يحرم على الجنب والحائض القراءة قليلها وكثيرها حتى بعض الآية اهـ. المجموع ج ٢ ص ١٦٢. وكان أحمد يكره أن تقرأ الحائض، وأما الجنب فاختلف النقل عنه، وقال أبو ثور: لا تقرأ الحائض، ولا الجنب القرآن. ورخصت طائفة للجنب في القرآن، منهم ابن عباس، وكان يقرأ ورده وهو جنب، فقيل له في ذلك؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك، ومنهم عكرمة. ومنهم: ابن المسيب، فقد قيل له: أيقرأ الجنب؟ قال نعم، أليس في جوفه. وقال مالك: لا يقرأ الجنب القرآن إلا أن يتعوذ بالآية والآيتين عند منامه، ولا يدخل المسجد إلا عابر سبيل، وكذلك الحائض. وقال الأوزاعي: لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن إلا آية الركوب إذا ركب، قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. وفيه قول ثالث: قاله محمَّد بن مسلمة، كره للجنب أن يقرأ القرآن حتى يغتسل. قال: وقد أرخص في الشيء الخفيف مثل الآية والآيتين يتعوذ بهما،

стр. 2410

وأما الحائض ومن سواها فلا يكره لها أن تقرأ القرآن؛ لأن أمرها يطول فلا تدع القرآن، والجنب ليس كحالها. قال ابن المنذر ﵀: احتج الذين كرهوا للجنب قراءة القرآن بحديث علي، ثم ذكر بسنده حديث الباب. قال: واحتج من سهل للجنب أن يقرأ القرآن بحديث عائشة ﵂، ثم ساق بسنده حديثها: "كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه". وهو حديث صحيح علقه البخاري، وأخرجه مسلم. قال ابن المنذر: فقال بعضهم: الذكر قد يكون بقراءة القرآن، وغيره، فكل ما وقع عليه اسم ذكر الله، فغير جائز أن يمنع منه أحد، إذ كان النبي ﷺ لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث علي لا يثبت إسناده, لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة، وإنا لنعرف، وننكر، فإذا كان هو الناقل لخبره، فجرحه بطل الاحتجاج به، ولو ثبت خبر علي لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنه لم ينهه عن القراءة، فيكون الجنب ممنوعًا منه. اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج ٢ ص ٩٦ - ١٠٠. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه لم يثبت في منع الجنب عن القرآن شيء يعتد به، كما أوضحه العلماء، ومنهم البيهقي، والنووي، فإنه ضعف الأحاديث التي احتج بها المانعون، ومن غريب ما اتفق له في المجموع ج ٢ ص ١٥٩ في هذا الباب أنه بعد ما ضعف حديث الباب وحديثًا آخر احتج به المانعون، أنه قال: واحتج أصحابنا أيضا قصة عبد الله بن رواحة ﵁ المشهورة: أن امرأته رأته يواقع جارية له فذهبت، فأخذت سكينًا، وجاءت تريد قتله، فأنكر أنه واقع الجارية، وقال: أليس قد نهى رسول الله ﷺ الجنب أن يقرأ القرآن؟ قالت بلى،

стр. 2411

فأنشدها الأبيات المشهورة، فتوهمتها قرآنا فكفت عنه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فضحك، ولم ينكر عليه. ثم ذكر بعده وجه الاستدلال منه، ثم قال: ولكن إسناد هذه القصة ضعيف، ومنقطع، ثم أخذ في الجواب عما استدل به المجيزون من حديث عائشة المذكور، ومحل العجب من هذا أنه بعد ما اعترف أن حديثهم الذي استندوا إليه ضعيف لا يصلح للاستدلال به أخذ يدفع دليل الآخرين الصحيح، فهذا أعجب، وأغريب. وخلاصة القول أن الراجح قول من قال بجواز القراءة للجنب , وهو كما في الفتح مذهب البخاري، والطبري، وابن المنذر، واحتجوا بعموم حديث عائشة المذكور. لكن يكره له كما قال الشيخ الألباني لحديث "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" قاله في رد السلام، فالقرآن أولى من السلام، لكنه لا ينافي الجواز. ومثل الجنب الحائض لعموم الدليل، ويتأيد أيضا بالبراءة الأصلية فما لم يصح دليل يخصص هذا العموم، وينقل عن هذه البراءة لا يصح العدول إلى غيره. انظر نيل الأوطار ج ١ ص ٣٤١. وأما حديث ابن عمر مرفوعا: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، وهو حجازي، وروايته عن الحجازيين ضعيفة. وكذا حديث جابر مرفوعًا: "لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا" رواه الدارقطني، ففيه محمَّد بن الفضل، وهو متروك، أو منسوب إلى الوضع، وقد رُوي موقوفًا، وفيه يحيى بن أبي أنيسة، كذاب. فلا

стр. 2412

يصلح شيء من هذه الأحاديث للاحتجاج بها، فبقي الجنب والحائض والنفساء على أصل الجواز. والله أعلم. (تنبيه) اختلف العلماء في مس الجنب، والحائض، والمحدث المصحف، والدنانير، والدراهيم، التي فيها قرآن: قال الحافظ ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في مس الحائض، والجنب المصحف، فكره كثير منهم ذلك، منهم ابن عمر، وكره الحسن للجنب مس المصحف، إلا أن يكون له عِلاقة، وروي ذلك عن الشعبي، وطاوس والقاسم، وعطاء، وقال عطاء: لا بأس أن تأتيك الحائض بالمصحف بعلاقته، وقال الحكم، وحماد في الرجل يمس المصحف: إذا كان في علاقته فلا بأس. وكره عطاء، والزهري، والقاسم، والنخعي، مس الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى على غير وضوء، وكره مالك أن يحمل المصحف بعلاقته أو على وسادة أحد إلا هو طاهر، قال: ولا بأس أن يحمله في الخُرْج (١) والتابوت، والغرارة، ونحو ذلك مَنْ عَلَى غير وضوء، ويحمل النصراني، واليهودي، المصحف في الغرارة، والتابوت في مذهبه، وقال الأوزاعي، والشافعي: لا يحمل المصحف الجنب والحائض، وقال أحمد وإسحاق: لا يقرأ في المصحف إلا متوضأ، قال إسحاق: لما صحّ قول النبي ﷺ "لا يمس القرآن إلا طاهر"، وكذلك كان فعل أصحاب النبي ﷺ وكره أحمد أن يمس المصحف أحد على غير طهارة، إلا أن يتصفحه بعود أو بشيء وقال أبو ثور: لا يمس المصحف جنب ولا حائض ولا غير متوضئ، قال: وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، قال: وهذا قول مالك، وأبي عبد الله. وحكى يعقوب، عن النعمان أنه قال في الرجل الجنب يأخذ الصُّرَّة

стр. 2413

فيها دارهم فيها السورة من القرآن، أو المصحف بعلاقته، قال: لا بأس، وقال: لا يأخذ الدراهم إذا كان جنبا وفيها السورة من القرآن في غير صرة، وكذلك المصحف في غير علاقته. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يأخذ ذلك وهو على غير وضوء، إلا في صرة أو في علاقة. قال ابن المنذز: أعلى ما احتج به من كره أن يمس المصحف غير طاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وحديث عمرو بن حزم، ثم ذكر بسنده، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، قال: في كتاب النبي ﷺ لعمرو: "لا تمس القرآن إلا على طهور". قال: ورخص بعض من كان في عصرنا للجنب والحائض في مس المصحف، ولبس التعويذ، ومس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله تعالى على غير طهارة، وقال معنى قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة، كذلك قال أنس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو العالية، وقال: وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ خبر بضم السين، ولو كان نهيا لقال: لا يمسنه، واحتج بحديث أبي هريرة، وحذيفة عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن لا ينجس". والأكثر من أهل العلم على القول الأول، وعن ابن جبير أنه بال، ثم توضأ وضوءه إلا رجليه، ثم أخذ المصحف. وروي عن الحسن، وقتادة أنهما كانا لا يريان بأسا أن يمس الدراهم على غير وضوء، ويقولان: جبلوا على ذلك. واحتجت هذه الفرقة بنول النبي ﷺ لعائشة: "أعطني الخمرة"، قالت: إني حائض، قال: "إن حيضتك ليست بيدك"، وبقول عائشة: "كنت أغسل رأس النبي ﷺ وأنا حائض"، قال: وفي هذا دليل على أن الحائض لا تنجس ما تمس، إذ ليس جميع بدنها نجسا، وإذا ثبت أن بدنها

стр. 2414

غير نجس إلا الفرج ثبت أن النجس في الفرج لكون الدم فيه، وسائر البدن طاهر. اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج ٢ ص ١٠١ - ١٠٤. قال الجامع عفا الله عنه: واحتجت الطائفة المجيزة أيضا بكتابه ﷺ إلى هرقل كتابًا فيه آية، وقد علم أنه يمسه هرقل وأصحابه. فإن قيل: إنها آية واحدة: أجيب بأن الآية وغيرها سواء في تسميته قرآنا فإذا جاز في الآية جاز في غيرها. وأما احتجاجه بآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. فلا يتم إلا إذا كان المعنى مسُّه بالجارحة، وكان المراد بالخبر الأمر، والمراد بقوله: "المطهرون" هم المحدثون أو نحوهم وفي كل هذا خلاف: قال القرطبي في تفسيره: اختلف في معنى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في "المطهرون" من هم؟ فقال أنس، وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة، وكذا قال أبو العالية، وابن زيد: إنهم الذي طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون. وقال الكلبي: هم السفرة الكرام البررة، وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لايَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في "عبس وتولى": ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٢ - ١٦]. يريد أن المطهرين هم الملائكة وصفوا بالطهارة في سورة عبس، وقيل معنى ﴿لايَمَسُّهُ﴾ لا ينزل به ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ

стр. 2415

الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون، وقيل: إن إسرافيل هو الموكل بذلك، حكاه القشيري قال ابن العربي: وهذا باطل, لأن الملائكة لا تناله في وفت، ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال، وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، واستظهره القرطبي. قال: وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الأحداث والأنجاس. وقال الكلبي: من الشرك. وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقيل: معنى لا يمسه: لا يقرؤه ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ إلا الموحدون، قاله محمَّد بن فضيل، وعبدة، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون، أي المؤمنون بالقرآن. قال ابن العربي: وهو اختيار البخاري، إلى غير ذلك من الأقوال. ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع، أي لا يمسه إلا المطهرون شرعا، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي، وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. وقال المهدوي: يجوز أن يكون أمرا، وتكون ضمة السين ضمة إعراب، ويجوز أن يكون نهيا، وتكون ضمة السين ضمة بناء، والفعل مجزوم. اهـ كلام القرطبي ببعض اختصار ج ١٧ ص ٢٢٥ - ٢٢٦. وقد ذكر إمام المفسرين أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري في تفسيره المشهور اختلاف العلماء في الذي عُنُوا بقوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم حملة التوراة والإنجيل، وقيل: هم المطهرون من الذنوب كالملائكة والرسل، وقيل: عني بذلك أنه لا يمسه عند الله إلا المطهرون، ثم ذكر من قال كل ذلك بأسانيده.

стр. 2416

ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، فعم بخبره المطهرين، ولم يخص بعضًا دون بعض، فالملائكة من المطهرين والرسل والأنبياء من المطهرين، وكل من كان مطهرا من الذنوب فهو ممن استثنى وعُني بقوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. اهـ ج ٢٧ ص ٢٠٥ - ٢٠٦. قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن أكثر أقوال السلف بعيد عن المسألة، فلا يظهر الاستدلال بالآية عندهم. وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره نحو ما تقدم، ثم قال: وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ها هنا المصحف كما روى مسلم عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو"، واحتجوا في ذلك بما رواه مالك في موطاه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهرٌ". وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري، قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ قال: "ولا يمس القرآن إلا طاهر"، وهذه وجادة جيدة، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمرو، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر. اهـ كلام ابن كثير في تفسيره ج ٤ ص ٣١٩ - ٣٢٠. قال الجامع عفا الله عنه: الاستدلال بحديث: "لا يمس القرآن إلا طاهر" هو الأولى، وقد تكلم فيه العلماء، ونلخص كلامهم الآن ليتم الاحتجاج بعد ثبوت صحته:

стр. 2417

قال الحافظ الزيلعي ﵀ في نصب الراية: رُوي -يعني الحديث المذكور- من حديث عمرو بن حزم، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عثمان بن أبي العاص، ومن حديث ثوبان. أما حديث عمرو بن حزم: فرواه النسائي (١) في سننه في كتاب الديات، وأبو داود في المراسيل من حديث محمَّد بن بكار بن بلال، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات: أن لا يمس القرآن إلا طاهر. انتهى. ورويناه أيضا من حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، ثنا سليمان بن داود الخولاني، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمر بن حزم، عن أبيه، عن جده، بنحوه، قال أبو داود: وهم فيه الحكم بن موسى -يعني في قوله: سليمان بن داود-، وإنما هو سليمان بن أرقم، وقال النسائي: الأول أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك. انتهى. وبالسند الثاني رواه ابن حبان في "صحيحه" وقال: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون. وكذلك الحاكم في المستدرك بطوله، وقال: هو من قواعد الإسلام، وإسناده من شرط هذا الكتاب، ورواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم البيهقي في سننهما، وأحمد في مسنده, وابن راهويه. قاله الزيلعي. وأخرجه الدارقطني من طريق أبي ثور، عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، قال: كان فيما

стр. 2418

أخذ عليه رسول الله ﷺ "أن لا يمس القرآن إلا طاهر" تفرد به أبو ثور، وقال: الصواب ليس فيه عن جده، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن الصباغ (١) عن مالك كذلك. وأخرجه عبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي من طريقه عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، ليس فيه عن جده. وقد أخرجه الطيالسي من طريق أبي بكر بن محمَّد، عن أبيه، عن جده نحوه. قاله الحافظ في إتمام الدارية ج ١ ص ٨٧. وأما حديث ابن عمر: فرواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم البيهقي من جهته في سننهما من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري، قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" وسليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الحافظ: إسناده لا بأس به. وذكر الأثرم أن أحمدا احتج به. لكن فيه كما قال الشيخ الألباني: عنعنة ابن جريج وهو مدلس. وأما حديث عثمان بن أبي العاص، فرواه الطبراني في معجمه، وفيه إسماعيل بن رافع، ضعفه النسائي، وابن معين، وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث. وأما حديث حكيم بن حزام ﵁ فرواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني، والدارقطني، ثم البيهقي، وفيه مطر الوراق ضعفوه، وقال عنه في التقريب: صدوق كثير الخطأ. والراوي عنه سويد أبو حاتم ضعفوه، وقال عنه في التقريب: صدوق سيء الحفظ له أغلاط. وأما حديث ثوبان ﵁: "لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة

стр. 2419

الحج الأصغر" فأخرجه علي بن عبد العزيز في منتخب المسند، قاله في إتمام الدارية. لكن قال ابن القطان: إسناده في غاية الضعف. وقال الشيخ الألباني: هالك، فلا يستشهد به. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل عندي أن الحديث صحيح، كما قال جماعة من المحققين، قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول. وقال يعقوب بن سفيان ﵀: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، والزهري لهذا الكتاب بالصحة. هذا، ولا سيما وقد روي عن هؤلاء الصحابة ﵃ بالأسانيد المختلفة، فهي كما قال العلامة الألباني في الإرواء ج ١ ص ١٦٠: وإن كانت كلها لا تخلو من ضعف، لكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال، أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضًا إذا لم يكن فيها متهم. فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل، وصححه صاحبه إسحاق بن راهويه، فقال: لما سئل عن قراءة الرجل على غير وضوء قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المصحف، لما صح قول النبي ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر"، وكذلك فعل أصحاب النبي ﷺ والتابعون. اهـ. كلام الشيخ الألباني بتصرف. ومما صح عن الصحابة ما رواه عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان ﵁: أنه قضى حاجته، فخرج، ثم جاء، فقلت: لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات؟ قال: إني لست أمسه، ولا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا. أخرجه الدراقطني وصححه. قاله في إتمام الدراية. وما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلك مسست

стр. 2420

ذكرك؟ قال: فقلت: نعم، فقال: قم توضأ، فقمت فتوضأت، ثم رجعت. رواه مالك، وعنه البيهقي، وسنده صحيح. قاله في الإرواء. ج ١ ص ١٦١. وخلاصة القول أن أرجح المذاهب مذهب من منع عن ممس المصحف للمحدث لصحة حديث: "لا يمس القرآن إلا طاهر". وأما قول الصنعاني: لكن يبقى النظر في المراد من "الطاهر" فإنه لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينة. اهـ. فمما لا يلتفت إليه؛ لأن المراد به واضح إذ هو الطاهر من الحدث بنوعيه، وكذا الطاهر من النجاسة من باب أولى، وأما المؤمن فغير مراد هنا, لأن في بعض طرق الحديث "وأن لا تمس القرآن إلا طاهرًا" ومعلوم أنه لا يريد عند مخاطبة الصحابي معنى المؤمن. فتبصر. والله أعلم. وهو المستعان وعليه التكلان. ٢٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلِمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ الْجَنَابَةَ.
следующие страницы →