← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، فعم بخبره المطهرين، ولم يخص بعضًا دون بعض، فالملائكة من المطهرين والرسل والأنبياء من المطهرين، وكل من كان مطهرا من الذنوب فهو ممن استثنى وعُني بقوله: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. اهـ ج ٢٧ ص ٢٠٥ - ٢٠٦. قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن أكثر أقوال السلف بعيد عن المسألة، فلا يظهر الاستدلال بالآية عندهم. وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره نحو ما تقدم، ثم قال: وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ها هنا المصحف كما روى مسلم عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو"، واحتجوا في ذلك بما رواه مالك في موطاه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا طاهرٌ". وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري، قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ قال: "ولا يمس القرآن إلا طاهر"، وهذه وجادة جيدة، قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمرو، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر. اهـ كلام ابن كثير في تفسيره ج ٤ ص ٣١٩ - ٣٢٠. قال الجامع عفا الله عنه: الاستدلال بحديث: "لا يمس القرآن إلا طاهر" هو الأولى، وقد تكلم فيه العلماء، ونلخص كلامهم الآن ليتم الاحتجاج بعد ثبوت صحته:

стр. 2417

قال الحافظ الزيلعي ﵀ في نصب الراية: رُوي -يعني الحديث المذكور- من حديث عمرو بن حزم، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث حكيم بن حزام، ومن حديث عثمان بن أبي العاص، ومن حديث ثوبان. أما حديث عمرو بن حزم: فرواه النسائي (١) في سننه في كتاب الديات، وأبو داود في المراسيل من حديث محمَّد بن بكار بن بلال، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات: أن لا يمس القرآن إلا طاهر. انتهى. ورويناه أيضا من حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، ثنا سليمان بن داود الخولاني، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمر بن حزم، عن أبيه، عن جده، بنحوه، قال أبو داود: وهم فيه الحكم بن موسى -يعني في قوله: سليمان بن داود-، وإنما هو سليمان بن أرقم، وقال النسائي: الأول أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك. انتهى. وبالسند الثاني رواه ابن حبان في "صحيحه" وقال: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون. وكذلك الحاكم في المستدرك بطوله، وقال: هو من قواعد الإسلام، وإسناده من شرط هذا الكتاب، ورواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم البيهقي في سننهما، وأحمد في مسنده, وابن راهويه. قاله الزيلعي. وأخرجه الدارقطني من طريق أبي ثور، عن مبشر بن إسماعيل، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده، قال: كان فيما

стр. 2418

أخذ عليه رسول الله ﷺ "أن لا يمس القرآن إلا طاهر" تفرد به أبو ثور، وقال: الصواب ليس فيه عن جده، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن الصباغ (١) عن مالك كذلك. وأخرجه عبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي من طريقه عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، ليس فيه عن جده. وقد أخرجه الطيالسي من طريق أبي بكر بن محمَّد، عن أبيه، عن جده نحوه. قاله الحافظ في إتمام الدارية ج ١ ص ٨٧. وأما حديث ابن عمر: فرواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم البيهقي من جهته في سننهما من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري، قال: سمعت سالما يحدث عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" وسليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه فوثقه بعضهم، وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الحافظ: إسناده لا بأس به. وذكر الأثرم أن أحمدا احتج به. لكن فيه كما قال الشيخ الألباني: عنعنة ابن جريج وهو مدلس. وأما حديث عثمان بن أبي العاص، فرواه الطبراني في معجمه، وفيه إسماعيل بن رافع، ضعفه النسائي، وابن معين، وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث. وأما حديث حكيم بن حزام ﵁ فرواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وأخرجه الطبراني، والدارقطني، ثم البيهقي، وفيه مطر الوراق ضعفوه، وقال عنه في التقريب: صدوق كثير الخطأ. والراوي عنه سويد أبو حاتم ضعفوه، وقال عنه في التقريب: صدوق سيء الحفظ له أغلاط. وأما حديث ثوبان ﵁: "لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة

стр. 2419

الحج الأصغر" فأخرجه علي بن عبد العزيز في منتخب المسند، قاله في إتمام الدارية. لكن قال ابن القطان: إسناده في غاية الضعف. وقال الشيخ الألباني: هالك، فلا يستشهد به. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل عندي أن الحديث صحيح، كما قال جماعة من المحققين، قال الحافظ ابن عبد البر ﵀: إنه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول. وقال يعقوب بن سفيان ﵀: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، والزهري لهذا الكتاب بالصحة. هذا، ولا سيما وقد روي عن هؤلاء الصحابة ﵃ بالأسانيد المختلفة، فهي كما قال العلامة الألباني في الإرواء ج ١ ص ١٦٠: وإن كانت كلها لا تخلو من ضعف، لكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال، أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضًا إذا لم يكن فيها متهم. فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل، وصححه صاحبه إسحاق بن راهويه، فقال: لما سئل عن قراءة الرجل على غير وضوء قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المصحف، لما صح قول النبي ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر"، وكذلك فعل أصحاب النبي ﷺ والتابعون. اهـ. كلام الشيخ الألباني بتصرف. ومما صح عن الصحابة ما رواه عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان ﵁: أنه قضى حاجته، فخرج، ثم جاء، فقلت: لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات؟ قال: إني لست أمسه، ولا يمسه إلا المطهرون، فقرأ علينا ما شئنا. أخرجه الدراقطني وصححه. قاله في إتمام الدراية. وما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت، فقال سعد: لعلك مسست

стр. 2420

ذكرك؟ قال: فقلت: نعم، فقال: قم توضأ، فقمت فتوضأت، ثم رجعت. رواه مالك، وعنه البيهقي، وسنده صحيح. قاله في الإرواء. ج ١ ص ١٦١. وخلاصة القول أن أرجح المذاهب مذهب من منع عن ممس المصحف للمحدث لصحة حديث: "لا يمس القرآن إلا طاهر". وأما قول الصنعاني: لكن يبقى النظر في المراد من "الطاهر" فإنه لفظ مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينة. اهـ. فمما لا يلتفت إليه؛ لأن المراد به واضح إذ هو الطاهر من الحدث بنوعيه، وكذا الطاهر من النجاسة من باب أولى، وأما المؤمن فغير مراد هنا, لأن في بعض طرق الحديث "وأن لا تمس القرآن إلا طاهرًا" ومعلوم أنه لا يريد عند مخاطبة الصحابي معنى المؤمن. فتبصر. والله أعلم. وهو المستعان وعليه التكلان. ٢٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلِمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَ الْجَنَابَةَ.

стр. 2421

رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمَّد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي) هو محمَّد بن أحمد بن الحجاج بن ميسرة القرشي الكريزي -بضم الكاف وفتح المهملة- مولاهم أبو يوسف الحافظ الصيدلاني الجزري الرقي. روى عن محمَّد بن سلمة الحراني، وعيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة، وخالد بن حيان، ومطرف بن مازن، وغيرهم. وعنه النسائي وابن ماجه، وأبو حاتم، والحسين بن جمعة، وإسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقي، ومحمد بن علي بن حبيب الطرائفي، ومحمد بن علي المُرّي، وأبو عروبة، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو علي النيسابوري: أبو يوسف الرقي هذا من حفاظ أهل الجزيرة ومتقنيهم. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ٢٤٦. وقال النسائي: لا بأس به، قال الحافظ: ويقال فيه الصيدناني بنون بدل اللام، نبهت عليه لئلا يظن آخر. أخرج له النسائي، وابن ماجه. اهـ "تت" ج ٩ ص ٢٣. (تنبيه) الصيدلاني: بفتح الصاد وسكون الياء هذه النسبة لمن يبيع الأدوية والعقاقير. قاله في اللباب ج ٢ ص ٢٥٤. والرقي: بفتح الراء وتشديد القاف: نسبة إلى الرَّقَّة مدينة على طرف الفرات. قاله في اللباب أيضًا ج ٢ ص ٣٤. ٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٨/ ٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهلي الكوفي ثقة ثبت مدلس -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨. والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا تقدم شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به، فلا تغفل. والله تعالى أعلم.

стр. 2422

١٧٢ - بَابُ مَمَاسَّةِ الجُنُبِ وَمُجاَلَسَتِهِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم مماسة الجنب ومجالسته. والمماسة والمجالسة: مصدران لماسَّ وجَالَسَ، كما قال ابن مالك: لفَاعَلَ الفِعَالُ واَلُمفاعَلَهْ … ........... وهذا الباب للمشاركة بين اثنين، فالمعنى هنا أن يمسَّ الجنبُ غيرَه، ويمسُّهُ غيرُه ويجالسُ غيرَه، ويجالسُه غيرُه. وموضع الاستدلال واضح من الأحاديث المذكورة في الباب، حيث قال: "إن المسلم لا ينجس". فدل على جواز مماسته ومجالسته. ٢٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَاسَحَهُ وَدَعَا لَهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا بُكْرَةً، فَحِدْتُ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَقَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُكَ فَحِدْتَ عَنِّي". فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَخَشِيتُ أَنْ تَمَسَّنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة

стр. 2423

حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (الشيباني) سليمان بن أبي سليمان، واسمه فيروز، ويقال: خاقان، ويقال: عمرو، الشيباني مولاهم الكوفي، وقيل: مولى ابن عباس، والأول أصح. روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وزرّ بن حبيش وأشعث بن أبي الشعثاء، وبكير بن الأخنس، وجبلة بن سحيم، وحبيب ابن أبي ثابت، وأبي بردة بن أبي موسى، وابنه سعيد بن أبي بردة، وأبي الزناد، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وعنه ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي -وهو أكبر منه- وعاصم الأحول -وهو من أقرانه- وإبراهيم بن طهمان، وأبو إسحاق الفزاري، والثوري، وشعبة، والمسعودي، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وغيرهم. قال الجوزجاني: رأيت أحمد يعجبه حديث الشيباني، وقال: هو أهل أن لا ندع له شيئًا، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي: كان ثقة من كبار أصحاب الشعبي، وحكى الخطيب أن اسم أبيه مهران، وقال أبو بكر بن عياش: الشيباني فقيه الحديث، وقال ابن عبد البر: هو حجة ثقة عند جميعهم. مات سنة ١٢٩ وقيل: ١٣٨، وقيل: ١٣٩، وقيل: ١، أو ١٤٢. أخرج له الجماعة. ٤ - (أبو بردة) ابن أبي موسى الأشعري الكوفي قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة -٣ - تقدم في ٣/ ٣. ٥ - (حذيفة) بن اليمان الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٢/ ٢. والله تعالى أعلم.

стр. 2424

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء متفق عليهم، وأنهم كوفيون إلا إسحاق فمروزي، ثم نيسابوري، وأن فيه الشيباني وهذا أول موضع ذكره في هذا الكتاب. (تنبيه) الشيباني بفتح الشين المعجمة وسكون الياء التحتانية نسبة إلى قبيلة كبيرة من بكر بن وائل، وهو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط. ينسب إليه خلق كثير من الصحابة، والتابعين، والأمراء، والفرسان، والعلماء في كل فن، وهو نسبة إلى جد أيضا، ونسبة إلى شيبان بن عاتك بطن من كندة. قاله في اللباب ج ٢ ص ٢١٩ - ٢٢٠. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن حذيفة) بن اليمان ﵁، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه) "من" بيانية (ماسحه) بلفظ المفاعلة، أي مسح ذلك الرجلَ، ومسحَ الرجل جسدَه الشريف، وإنما يفعل ذلك إيناسًا له وإظهارًا لمحبته إياه، وهذا من كريم أخلاقه ﷺ حسن معاشرته لأصحابه، ويفعل ذلك الرجل لقصد أن ينال بركة جسده الشريف، فقد كانت الصحابة ﵃ يتسابقون إلى ذلك، ففي حديث صلح الحديبية: "فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون إليه النظر تعظيمًا له". الحديث أخرجه البخاري مطولا في باب الشروط في الجهاد، من كتاب الشروط. (ودعا) النبي ﷺ (له) أي للرجل، وإنما لم يجعله من باب المفاعلة

стр. 2425

كالسابق لأن الدعاء من جانبه ﷺ بخلاف المماسحة (فرأيته يوما .. بكرة) بضم الباء وسكون الكاف: أول النهار جمعها بُكَر مثل غرفة وغُرَف، وأبكار جمع الجمع، مثل رُطب، وأرطاب، وإذا أريد بكرة يوم بعينه منعت الصرف للتأنيث والعلمية. قاله في المصباح، والمراد هنا مطلق الغداة، بدليل قوله: يوما فلذا يصرف هنا، فلو قال مثلا: يوم الجمعة بكرة لم يصرف لما ذكر والمعنى أنه رأى النبي ﷺ في أول النهار (فحدت عنه) أي ملت، إلى جهة أخرى، يقال: حاد عن الشيء، يحيد حَيْدَةً وحيودًا: تنحَّى، وبَعُد، ويتعدى بالحرف، والهمزة، فيقال: حدت به، وأحدته، مثل ذهب، وذهبت به، وأذهبته. قاله في المصباح. وفي "ق": حاد عنه يحيد حَيْدًا، وحيدانًا، ومَحيدًا، وحَيْدة، وحَيْدُودَة: مال. اهـ يعني أنه مال عن طريق النبي ﷺ لئلا يماسحه على عادته وهو جنب، ظنامنه أن الجنابة تنافي ذلك. (ثم أتيته حين ارتفع النهار) أي بعد أن اغتسل (فقال) ﷺ مستفسرا عن سبب ميله عنه على غير عادته حيث إنه إذا لقيه أحد من أصحابه كان يماسحه، فترك حذيفة عادته في ذلك، فسأله عنه؟ فقال (إني رأيتك فحدت عني) أي تنحيت، وبَعُدت، وملتَ عن الطريق الذي سلكته، فما سبب ذلك؟ قال حذيفة (فقلت) جوابًا عن سؤاله، واعتذارًا إليه في هذا الفعل (إني كنت جنبًا) تقدم أن الجنب وصف يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمثنى، والجمع وربما يطابق علي قلة (فخشيت) بفتح الخاء، وكسر الشين، يقال: خشي يخشى، كرضي يرضى، خشية: خاف، فهو خَشْيَان، والمرأة خَشْيا، مثل غضبان، وربما قيل: خشيت بمعنى علمت. اهـ المصباح. والمعنى أنه يقول: خفت (أن تمسني) على عادتك وأنا على هذه الحالة ظنا منه أن الجنب لا يصلح لماسته ﷺ نجاسته (فقال رسول الله ﷺ )

стр. 2426

موضحا له عدم كون الجنابة نجسًا يمنع من مماسته (إن المسلم لا ينجس) بفتح الجيم وضمها، يقال: نجس الشيءُ نجسا فهو نجس, من باب تعب: إذا كان قذرًا غير نظيف، ونجَس ينجُس، من باب قتل، لغة. قال بعضهم: ونجس: خلاف طهر، ومشاهير الكتب ساكتة عن ذلك، وقد يكون القذر نجاسة، فهو موافق لهذا. أفاده في المصباح وفي "ق" النجس, بالفتح وبالكسر وبالتحريك، وككتف وعضد: ضد الطاهر، وقد نجس: كسمع، وكرم، وأنجسه، ونجَّسه، فتنجس. اهـ. والمعنى أن المؤمن لا تصير ذاته نجسة بسبب هذا الحدث الذي حل في بدنه, لأنه وصف حكمي رتبه الشارع على البدن، ولا يتأثر به بدن المؤمن أكثر من الحكم عليه بالمنع مما تمنع الجنابة منه شرعا، فالمجالسة والمماسة لا تدخل في جملة ما مُنعَ لها. وقال السندي ﵀: لا ينجس: أي الحدث ليس بنجاسة تمنع عن المصاحبة، وتقطع عن المجالسة، وإنما هو أمر تعبدي، أو المؤمن لا ينجس أصلا، ونجاسة بعض الأعيان اللاصقة بأعضائه أحيانا لا توجب نجاسة الأعضاء، نعم تلك الأعيان يجب الاحتراز عنها، فإذا لم تكن فما بقي إلا أعضاء المؤمن فلا وجه للاحتراز عنها، فكأنه قال: لو كانت هناك نجاسة لكانت تلك النجاسة في أعضاء المؤمن إذ ليس هناك عين نجسة لاصقة به، والمؤمن لا ينجس بهذه الصفة فلا نجاسة. اهـ والله أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث حذيفة ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له. أخرجه في هذا الباب ١٧٢/ ٢٦٧، ٢٦٨ وفي الكبرى ١٥١/ ٢٦٥ بهذا السند.

стр. 2427

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أما من رواية أبي بردة عنه فهو من أفراد المصنف كما أشار إليه المزي، وقد أخرجه (م د ق) من رواية أبي وائل عنه كما هو الطريق الآتي للمصنف. فأخرجه (م) في الطهارة عن أبي بكر، وأبي كريب، كلاهما عن وكيع، و (د) فيه عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن مسعر، عن واصل بن حيان الأحدب، عنه به. و (ق) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه أحمد، والبيهقي. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث جواز مماسة الجنب، ومجالسته، وهو محل الترجمة للمصنف، وما كان عليه الصحابة ﵃ من تعظيمه ﷺ ، وإكرامهم له، وما كان عليه هو من تفقده لأحوالهم، فينبغي لكبير القوم أن يتفقد أتباعه، ويعتني بأحوالهم، ويسأل عما يصدر منهم ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم، ويعلمهم ما يجهلون من أمرهم. قال بعض الأدباء (من الطويل): وَمنْ عَادَة السَّادَات أنْ يَتَفَقَّدُوا … أصَاغرَهمْ وَالمُكْرُمَاتُ عَوَائدُ سُلَيْمَانُ ذُو مُلْك تَفَقَّدَ طائِرًا … وكَانَتْ أقَلَّ الطَّائِراتِ الهَدَاهِدُ وفيه عدم نجاسة بدن المسلم بحال من الأحوال، وإن تنجس بدنه أو بعض منه فهي نجاسة عارضة تزول، وتمسك بمفهومه من قال بنجاسة الكافر، وسيأتي تحقيق القول فيه إن شاء الله. وفيه أن العالم إذا رأى من تابعه خلاف الصواب أرشده، وبَيَّن له الحكم، وفيه جواز تأخير الغسل من الجنابة عن أول وقت وجوبه ما لم يخف خروج وقت صلاة، وأن الجنابة ليست من النجاسات التي يتنجس بها ملابسها. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2428

٢٦٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَهْوَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي جُنُبٌ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إسحاق بن منصور) بن بَهْرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي نزيل نيسابور ثقة ثبت من -١١ - تقدم في ٧٢/ ٨٨. ٢ - (يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ القطان البصري أبو سعيد ثقة ثبت حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (مسعر) بن كدام بن ظُهَير الهلالي أبو سلمة الكوفي ثقة ثبت فاضل -٧ - تقدم في ٨/ ٨. ٤ - (واصل) بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي بياع السَّابَريّ (١) روى عن أبي وائل، وشريح القاضي، والمعرور بن سويد، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن بُرْمَة، وعبد الله بن أبي الهذيل، وغيرهم. وعنه أبو إسحاق الشيباني، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، وجرير بن حازم، ومغيرة بن مقسم، ومسعر، ومهدي بن ميمون، والثوري، وشعبة، وآخرون. قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي: ثقة. وقال ابن معين في رواية أخرى: ثبت. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث.

стр. 2429

وذكره ابن حبان في الثقات. ووثقه العجلي، ويعقوب بن سفيان، وأبو بكر البزار، مات سنة -١٢٩ - قيل: مات في ولاية مروان بن محمَّد. أخرج له الجماعة ٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الكوفي ثقة مخضرم أحد سادة التابعين -٢ - تقدم في ٢/ ٢. ٦ - (حذيفة) بن اليمان الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٢/ ٢. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم كوفيون إلا أن حذيفة أكثر مقامه بالمدائن، وإلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري، ويحيى فبصري، وكلهم اتفقوا عليهم، إلا شيخه فلم يرو عنه أبو داود. (تنبيه) وقع في النسخة الهندية: "حدثنا سفيان" بدل مسعر، وأشار في الهامش إلى أن في بعض النسخ حدثنا مسعر، وأظن هذا خطأ فإن الحديث عند (م د س ق) مروي عن مسعر، انظر تحفة الأشراف ج٣ ص ٣٨. والحديث مضى مشروحا، إلا أن قوله: "فأهوى إليّ" هكذا وقع في النسخة المصرية والهندية "إلى" ففيه التفات فإن الظاهر أن يقول "فأهوى إليه"، وأشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في نسخة: "فأهوى إليه" وهو الذي عند أبي داود، وهو واضح. وقوله: "فأهوى إليه" أي مال ﷺ إلى حذيفة، ومَدَّ يَدَه نحوه ليصافحه، على عادته، قال في المصباح: وأهوى إلى الشيء بيده: مَدَّها ليأخذه إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعْد قيل: هَوَى إليه بغير ألف. اهـ.

стр. 2430

ثم إنه لا منافاة بين هذه الرواية والرواية المتقدمة؛ لأنه يمكن الجمع بينهما بأنه حيث أهوى إليه حاد حذيفة بلا كلام، ثم لما جاء كلمه ﷺ في ذلك؟ فاعتذر إليه بقوله: إني كنت جنبًا .. الخ. والله تعالى أعلم. ٢٦٩ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ (١) بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ-، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي طَرِيقٍ، مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَقِيتَنِي، وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصري صدوق -١٠ - تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (بشر بن المفضل) الرقاشي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٦٦/ ٨٢.

стр. 2431

٣ - (حميد) بن أبي حميد- تير، وقيل: تيرويه البصري ثقة عابد مدلس -٥ - تقدم في ٨٧/ ١٠٨. ٤ - (بكر) بن عبد الله المزني أبو عبد الله البصري ثقة ثبت جليل -٣ - تقدم في ٨٧/ ١٠٧. ٥ - (أبو رافع) الصائغ نفيع المدني نزيل البصرة ثقة ثبت مشهور بكنيته -٣ - تقدم في ١٢٩/ ١٩١. ٦ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١/ ١. لطائف هذا الإسناد منها: أنها من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وحميد وثقه المصنف، وكلهم بصريون إلا الصحابي فمدني، وفيه ثلاثة من التابعين يروى بعضهم عن بعض، حميد، وبكر، وأبو رافع، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية، روى -٥٣٧٤ - حديثًا، وفيه قوله: وهو ابن المفضل، وقد تقدم البحث عنه غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ لقيه في طريق من طرق المدينة، وهو جنب) جملة حالية من المفعول (فانسل عنه) أي ذهب عن النبي ﷺ في خُفْية، قال ابن منظور ﵀: والانسلال المضيّ، والخروج من مضيق، أو زحام، وانسل، وتسلل: انطلق في استخفاء، ويقال: انسل فلان من بين القوم يَعْدُو: إذا خرج في خفية يَعْدُو. اهـ باختصار وتصرف. ووفع عند البخاري: "فانخنست منه"، والانخناس الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك المعنى، يقال: خنس لازمًا ومتعديًا، فمن

стр. 2432

اللازم ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان "فإنْ ذكر الله خَنَس" ومن المتعدي ما جاء في الحديث "وخنس إبهامه" أي قبضها. وقيل: إنه يقال: أخنسه في المتعدي، وقد روي في هذه اللفظة: "فانبجست منه" بالجيم من الانبجاس، وهو الاندفاع، أي اندفعت عنه، ويؤيده قوله في حديث آخر: "فانسللت منه" وروي أيضًا "فانبخست منه"، من البخس وهو النقص، وقد استُبْعدَت هذه الرواية" ووُجِّهَت على بعدها بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسته ﷺ أو مصاحبته مع اعتقاد نجاسة نفسه، هذا أو معناه. قاله ابن دقيق العيد ﵀ في الإحكام ج ١ ص ٣٥٩ - ٣٦٢. بنسخة الحاشية. (فاغتسل ففقده النبي ﷺ ) أي عدمه، يقال: فقدته، فقدًا، من باب ضرب، وفُقْدانا بالكسر والضم: عَدمته، فهو فقيد ومفقود، وافتقدته مثله، وتفقدته طلبته. اهـ المصباح بزيادة. والمعنى أنه ﷺ لم يجد أبا هريرة ﵁ بعدما أبصره عنده، لكونه ذهب يغتسل عن جنابته لاعتقاده أنه نجس بسببها (فلما جاء) من المكان الذي يغتسل فيه (قال) ﷺ مستفهما له عن سبب غيبته (أين كنت يا أبا هريرة، قال: يا رسول الله إنك لقيتني) أي صادفتني، يقال: لقيته ألقاه، من باب تحب، لُقيًا بالضم، والأصل على فعول، فاجتمعت الواو والياء فقلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء، ولُقىً بالضم مع القصر، ولقاء- بالكسر مع المد والقصر، وكل شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لقيه، ومنه لقاء البيت: استقباله اهـ المصباح بزيادة. (وأنا جنب) جملة حالية من الضمير المفعول في "لقيتني" (فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل) وعند البخاري "وأنا على غير طهارة"، وإنما فعل أبو هريرة هذا لأنه ﷺ كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه

стр. 2433

ودعا له، كما تقدم في حديث حذيفة ﵁، فظن أنه يفعل معه ذلك، وهو على غير طهارة في ظنه (فقال) ﷺ تعجبا من خفاء هذا الحكم عليه (سبحان الله) "سبحان" علم للتسبيح كعثمان علم للرجل، وقال الفراء: منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله تسبيحًا، فجعل سبحان في موضع التسبيح، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا. قال ابن الأنباري: معناه: سبحتك تنزيها لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء، أي نزهناك من ذلك، وقال القزاز: معناه: بَرَّأتُ الله تعالى من السوء، وقال أبو عبيدة: نسبح لك، ونحمدك، ونصلي لك، وقال الزمخشري في أساس البلاغة: سبحت الله، وسبحت له، وكثرت تسبيحاته، وتسابيحه. وفي المغيث لأبي موسى المديني: سبحان الله قائم مقام الفعل، أي أسبحه وسبحت، أي لفظت سبحان الله، وقيل: معناه أتسرع إليه، وألحقه في طاعته، من قولهم: فرس سابح، وذكر النضر بن شميل: أن معناه السرعة إلى هذه اللفظة؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله. أفاده العيني في عمدته ج ٣ ص ٢٣٨ - ٢٣٩. واستعماله في مثل هذا الموضع يراد به التعجب، ومعنى التعجب هنا أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليه (إن المؤمن لا ينجس) تقدم الكلام على هذه الجملة في حديث حذيفة ﵁. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا ١٧٢/ ٢٦٩، وفي الكبرى -١٥١/ ٢٦٣ - بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن علي بن

стр. 2434

عبد الله، عن يحيى بن سعيد، وعن عياش بن الوليد، عن عبد الأعلى، كلاهما عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن نفيع الصائغ عنه. وأخرجه (م) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، وعن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن حميد الطويل به. وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، وبشر بن المفضل، كلاهما عن حميد به. وأخرجه (ت) فيه عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية، عن حميد به. وأخرجه البيهقي. والله أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو جواز مماسة الجنب، ومجالسته. وأن المؤمن لا ينجس سواء كان جنبا أو محدثا حيا أو ميتا وكذا سؤره، وعرقه، ولعابه، ودمعه، واستدل به ابن حزم وبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] على نجاسة الكافر نجاسة عينية، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة التالية إن شاء الله. وفيه استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة لأن محل الإنكار على أبي هريرة قوله "وأنا على غير طهارة" لا قوله "فكرهت أن أجالسك" واستحباب احترام أهل الفضل، وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله عند مجالسة شيخه، فيكون متطهرًا متنظفًا بإزالة الشعوث المأمور بإزالتها، نحو قص الشارب، وقلم الأظفار، وإزالة الروائح الكريهة، وغير ذلك. قاله النووي. وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه لقوله "أين كنت" فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن

стр. 2435

لا يفارقه حتى يعلمه، وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب، وإن لم يسأله, وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، وبوب عليه ابن حبان "الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس" واستدل به البخاري على طهارة عرق الجنب، لأن بدنه لا ينجس بالجنابة، فكذلك ما تحلب منه، وعلى جواز تصرف الجنب في حوائجه قبل اغتساله. قاله في الفتح. ج ١ ص ٤٦٥. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في طهارة المسلم حيا وميتا، وهل الكافر نجس, أم لا؟. قال النووي ﵀: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين، قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة الفرج، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه، فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج. هذا حكم المسلم الحي، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان، الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غسل، ولقوله ﷺ : "إن المسلم لا ينجس"، وذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس تعليقا: "المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا"، هذا حكم المسلم، وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف. وأما قول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالمراد نجاسة الاعتقاد، والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة، كنجاسة البول، والغائط ونحوهما، فإذا ثبت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان محدثًا، أو جنبًا، أو حائضًا، أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين. قال الجامع عفا الله عنه: في دعواه الإجماع بالنسبة للكافر نظر، فإن

стр. 2436

مذهب الظاهرية أنه نجس العين كما سنذكره. قال: وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة. والله أعلم. اهـ شرح مسلم- ج ٤ ص ٦٦. وقال الحافظ في الفتح: تمسك بمفهومه -يعني حديث الباب- بعض أهل الظاهر. قال الجامع عفا الله عنه: هو أبو محمَّد بن حزم الظاهري. فقال إن الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين إذ لا فرق بين النساء والرجال، وأغرب القرطبي في الجنائز من شرح مسلم فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي. اهـ فتح ج ١ ص ٤٦٥. وقال الصنعاني ﵀: ذهب قوم إلى أنه -يعني الميت- ينجس بالموت، ويطهر بالغسل، وآخرون إلى أنه لا يطهره الغسل، بل الغسل مجرد تعبد، وآخرون إلى أنه لا ينجس بالموت بل هو طاهر، وهذا الأخير أظهر الأقوال وألصقها بالصواب لعدم الأدلة على خلافه، إلا عمومات تحريم أكل الميتة، ولا ملازمة بين تحريم أكل والنجاسة، فإنه

стр. 2437

يحرم أكله حيا، وهو طاهر الذات اتفاقا، والأصل بناؤه بعد الموت على ما كان عليه قبله. اهـ العدة ج ١ ص ٣٦٤. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي قول الجمهور، من أن الآدمي طاهر مطلقًا، مسلمًا كان أو كافرًا، للأدلة التي تقدمت، وأقواها جواز نكاح الكتابيات، وجواز أكل طعامهم، وربط النبي ﷺ ثمامة بن أثال الحنفي في مسجده حين أسر، وقد ترجم البخاري عليه "باب دخول المشرك المسجد" فأورد حديث أبي هريرة ﵁: "بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد"، وسيأتي للمصنف "ربط الأسير بسارية المسجد" من كتاب المساجد برقم ٢٠/ ٧١٢، فدل هذا على طهارته، فلو كان نجسا لما أدخله المسجد، ولأمر الصحابة الذين ربطوه بغسل أعضائهم لمسه، وأما آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فمحولة على نجاسة الاعتقاد كما تقدم، توفيقًا بين الأدلة. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2438

١٧٣ - بَابُ اسْتِخْدَامِ الحَائِضِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز استخدام الحائض، لكون بدنها طاهرا إلا محل الأذى. وموضع الاستدلال من الحديث واضح من قوله: "ناوليني الثوب"، "ناوليني الخمرة" حيث أمرها بالمناولة وهي حائض، فلما أخبرته بأنها حائض، قال: "ليست حيضتك في يدك". ٢٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ". فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أُصَلِّي، قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِكِ". فَنَاوَلَتْهُ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) أبو سعيد القطان البصري ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (يزيد بن كيسان) اليكشري أبو إسماعيل، ويقال: أبو مُنَين -بنونين

стр. 2439

مصغرًا- الكوفي. روى عن أبي حازم سلمان الأشجعي، ومعبد أبي الأزهر. وعنه عبد الواحد بن زياد، وابن عيينة، وأبو خالد الأحمر، وخلف بن خليفة، وعلي بن هاشم بن البريد، ومروان بن معاوية، ويحيى ابن سعيد القطان، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وآخرون. قال علي بن المديني عن القطان: صالح وسط ليس هو ممن يعتمد عليه، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: يكتب حديثه محله الصدق صالح الحديث. قلت: يحتج بحديثه؟ قال: بعض ما يأتي به صحيح، وبعضه لا. قال أبي: يحول من كتاب الضعفاء، وقال ابن حبان في الثقات: يزيد بن كيسان الأسلمي كنيته أبو إسماعيل، وهو الذي يقال له: أبو منين كان يخطئ ويخالف لم يفحش خطأه حتى يعدل به عن سبيل العدول، ولا أتى بما ينكر، فهو مقبول، إلا ما يعلم أنه أخطأ فيه فيترك خطأه كغيره من الثقات. وقال الدارقطني: كوفي ثقة، وقال العقيلي: قال أحمد بن حنبل: ثقة، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ عندهم. أخرج له الجماعة إلا البخاري. اهـ "تت" ج ١١ ص ٣٥٦. ٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي. روى عن مولاته عزة الأشجعية، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن، والحسين، وابن الزبير، وغيرهم. وعنه الأعمش، ومنصور، وأبو مالك الأشجعي، وعدي بن ثابت، وفضيل بن غزوان، وميسرة الأشجعي، ومحمد بن جُحَادة، ومحمد بن عجلان، ويزيد بن كيسان، وسيار أبو الحكم، وبشير أبو إسماعيل، وعبد الرحمن بن الأصبهاني، وفرات القزاز، ونعيم بن أبي هند، وهارون بن سعد، وغيرهم. وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داواد، ووثقه العجلي، وابن سعد،

стр. 2440

وقال: وله أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه. قيل: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة. ٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا على توثيقهم، إلا يزيد ففيه ما تقدم، وكلهم اتفقوا عليهم، إلا يزيد أيضا، فما أخرج له (خ)، وفيه يزيد، وأبو حازم هذا الموضع أول ذكرهما. شرح الحديث (قال أبو هريرة) ﵁ (بينما) هي "بين"، يقال فيها: بينا بإشباع الفتحة، ويقال بينما بزيادة الميم، وهما ظرفان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه "إذ" و"إذا"، وقد جاءا في الجواب كثيرًا، تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه، وإذا دخل عليه، ومنه قول الحُرَقَة بنت النعمان (من الطويل): فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأمْرُ أمْرُنَا … إذَا نَحْنُ فيهمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ قاله ابن بَرّيّ، وكان الأصمعي يخفض بعد "بينا" إذا صلح في موضعه بين، وينشد قول أبي ذويب بالكسر (من الكامل): بَيْنَا تَعَنُّقه الكُمَاةَ وَرَوْغِه … يَوْمًا أتيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلفَعُ وغيره يرفع ما بعد "بينا" و"بينما" على الابتداء والخبر، وقال المبرد: إذا كان الاسم الذي يجيء بعد "بينا" اسمًا حقيقيًا رفعته بالابتداء، وإن كان اسمًا مصدريًا خفضته، ويكون في هذا الحال بمعنى "بين"، وكذا قال

стр. 2441

أحمد بن يحيى لكنه قال: إلا أن من الفصحاء من يرفع الاسم الذي بعد "بينا"، وإن كان مصدريا فيلحقه بالاسم الحقيقي، قال: وأما "بينما": فالاسم الذي بعده مرفوع، وكذلك المصدر، وقال ابن سيده: "بينا" و"بينما" من حروف الابتداء، وليست الألف في "بينا" بصلة، و"بينا" فعلى أشبعت الفتحة فصارت ألفا، و"بينما" هي: "بين"، زيدت عليه "ما"، والمعنى واحد. أفاده في اللسان. (رسول الله ﷺ في المسجد) جملة من مبتدإ وخبر، فـ"رسول" مبتدأ والجارو والمجرور خبره، فإن "بينما" كما تقدم قريبًا تضاف إلى الجملة الاسمية كما تضاف إلى الجملة الفعلية. لأنها "بين" زيدت عليها (١) "ما" عند بعضهم، أو أشبعت الفتحة فتولدت الألف ثم دعمت بالميم عند بعضهم. فإن قيل: إن "بين" لا يضاف إلا إلى ما يدل على أكثر من واحد وما عطف عليه غيره بالواو، نحو: المال بين القوم، والمال بين زيد وعمرو، وليست الجملة كذلك؟ أجيب بأن هنا مضافًا محذوفًا تقديره: بين أوقات رسول الله ﷺ في المسجد إذ قال. والجمل تضاف إليها أسماء الزمان نحو أتيتك زَمَنَ الحجاج أمير، وأوَانَ الخليفةُ عبد الملك، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. أفاده ابن منظور في اللسان، ونقلته بتصرف. (إذ قال) "إذ" الواقعة بعد "بينا" و"بينما" للمفاجأة، كما نص عليه سيبويه، وهل هي ظرف مكان، أو زمان، أو حرف بمعنى المفاجاة، أو حرف توكيد، أي زائد، أقوال، وعلى القول بالظرفية، فقال ابن جني: عاملها الفعل الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة إليه، وعامل "بينا" و"بينما"

стр. 2442

محذوف يفسره الفعل المذكور، وقال الشلوبين: "إذ" مضافة إلى الجملة فلا يعمل فيها الفعل، ولا في "بينا" و"بينما"؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف ولا فيما قبله، وإنما عاملها محذوف يدل عليه الكلام. و"إذ" بدل منهما، وقيل: العامل ما يلي "بين" بناء على أنها مكفوفة عن الإضافة إليه، وقيل: "بين" خبر لمحذوف، وتقدير قولك: بينما أنا قائم إذ جاء زيد: بين أوقات قيامي مجيء زيد، ثم حذف المبتدأ مدلولا عليه بجاء زيد، وقيل: مبتدأ، و"إذ" خبره، والمعنى: حين أنا قائم جاء زيد. قاله ابن هشام في مغنيه ج ٢ ع ٧٨ بحاشية الأمير. قال الجامع عفا الله عنه: وإنما أطلت الكلام على هذه الجملة لكونها كثيرة الدوران في الأحاديث فتحتاج إلى ذكر تحقيق أهل اللغة والنحو في معناها، فإذا ذكر التحقيق في محل واحد سهل الرجوع إليه في كل ما يُستَشْكَلُ من حل معناها اللغوي، والنحوي. والله الهادي إلى سواء السبيل. وحاصل المعنى هنا: بين أوقات كون رسول الله ﷺ في المسجد قوله: "يا عائشة" الخ (يا عائشة ناوليني) أي أعطيني من الحجرة (الثوب) وهو غير الخمرة الآتية في الرواية التالية (فقالت: إني لا أصلي) كناية عن الحيض، ولمسلم فقالت: "إني حائض". (قال) ﷺ ردًا على ما فهمته من أن الحيض يمنع إدخال أيّ جزء منها المسجد (إنه ليس في يدك) أي الحيض المفهوم من قولها: "إني لا أصلي" ليس حالا في يدك، حتى يمنع من إدخال اليد المسجد، وعند مسلم "ليست حيضتك في يدك". (فناولته) أي أعطته ذلك الثوب، والظاهر أن أبا هريرة كان حاضرًا وقت ذاك، فأخبر بما سمعه، وأن هذه الواقعة غير واقعة الخمرة الآتية في الرواية التالية. والله أعلم.

стр. 2443

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه في هذا الباب -١٧٣/ ٢٧٠ - بهذا السند فقط، ولم يخرجه في الكبرى. المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن زهير بن حرب، وأبي كامل الجحدري، ومحمد بن حاتم ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وبقية المسائل تأتي في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله أعلم. ٢٧١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ". قَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ".

стр. 2444

رجال هذا الإسناد: ثمانية ١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (عَبيدة) بفتح العين وكسر الباء- بن حُمَيد -بالتصغير- الكوفي أبو عبد الرحمن النحوي الحَذَّاء صدوق ربما أخطأ من -٨ - تقدم في ١٣/ ١٣. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة ثبت -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه المروزي نزيل نيسابور ثقة تقدم في ٢/ ٢. ٥ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الري ثقة ثبت تقدم في ٢/ ٢. ٦ - (ثابت بن عبيد) الأنصاري الكوفي مولى زيد بن ثابت، روى عن مولاه، وابن عمر، وأنس، والبراء، وعبد الله بن مغفل، وكعب بن عجرة، والمغيرة بن شعبة، وعبيد بن البراء، والقاسم بن محمَّد، وأبي جعفر الأنصاري. وعنه الأعمش، وحجاج بن أرطاة، والثوري، ومسعر، وعبد الملك بن أبي غنية، ومحمد بن شيبة بن نعامة الضبي، وابن أبي ليلى، وغيرهم. وثقه أحمد، ويحيى، والنسائي، وفرق أبو حاتم بين ثابت بن عبيد الأنصاري، وبين ثابت بن عبيد مولى زيد بن ثابت. روى عن اثني عشر رجلا من الصحابة في الإيلاء (١) وعنه عبد ربه بن سعيد، وقال فيه: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير

стр. 2445

الحديث، وقال الحربي: هو من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، وفرق بينهما كما فرق أبو حاتم الرازي، ثم ذكر الذي روى عن القاسم وعنه الأعمش. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والباقون. اهـ "تت" ج ٢ ص ١١. ٧ - (القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة الفقيه، ثقة فاضل -٣ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦. ٨ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا عَبيدَة فصدوق ربما أخطأ، وكلهم أخرجوا لهم إلا عبيدة فما أخرجه له (م) وثابتا فما أخرج له (خ) في الصحيح، وهذا الموضع أول ذكره في هذا الكتاب، وفيه كتبت (ح) وهي للتحويل كما تقدم غير مرة، فقد حول إسناده عن قتيبة إلى إسحاق بن إبراهيم، وفيه القاسم بن محمَّد أحد الفقهاء السبعة، يروي عن عمته عائشة ﵂، وهي ممن أكثر الرواية، فقد روت -٢٢١٠ - من الأحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵂ أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ : ناوليني) أي أعطيني (الخمرة) بضم الخاء المعجمة، على وزن غُرْفَة: حصير صغير قدر ما يسجد عليه. قاله في المصباح. وقال الخطابي: هي السَّجَّادة التي يسجد عليها المصلي، ويقال: سميت بها لأنها تخمر وجه المصلي عن الأرض، أي تستره. اهـ. وقال ابن منظور: والخُمْرة: حصيرة، أو سَجَّادة صغيرة، تنسج من

стр. 2446

سَعَف النخل، وتُرَمَّل بالخيوط، وقيل حصيرة أصغر من المُصَلَّى، وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَد عليه، وفي الحديث: أن النبي ﷺ كان يسجد على الخمرة. وهو حصير صغير قدر ما يسجد عليه ينسج من السَّعَف، قال الزجاج: سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض، وفي حديث عائشة، قال لها، وهي حائض، "ناوليني الخمرة" وهي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خُوص ونحوه من النبات، قال: ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسَعَفهَا. قال ابن الأثير: وقد تكررت في الحديث، وهكذا فسرت، وقد جاء في سنن أبي داود عن ابن عباس، قال: "جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم" قال: وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. اهـ لسان. (من المسجد) اختلف في متعلقه، فذهب بعضهم إلى أنه يتعلق بـ "قال"، أي قال لها النبي ﷺ قولا مبتدأ من المسجد، وإلية ذهب القاضي عياض، وقال: معناه أن النبي ﷺ قال لها من المسجد، أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرج الخمرة من المسجد؛ لأنه كان معتكفا في المسجد، وكانت عائشة في حجرتها، وهي حائض، لقوله ﷺ : "إن حيضتك ليست في يدك"، فإنها خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى. وذهب بعضهم إلى أنه متعلق بناوليني، وبه قال الخطابي، والأكثرون، وهو الذي ترجم عيه الأئمة: أبو داود حيث قال: "باب الحائض تناول

стр. 2447

من المسجد"، والترمذي حيث قال: "باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد" وابن ماجه، حيث قال: "باب الحائض تتناول الشيء من المسجد" ثم أوردوا حديث عائشة هذا دليلاً على الحكم، فدل على أن المعنى عندهم أنها ناولته الخمرة التي داخل المسجد، لكونها قريبة من الباب تصل إليها يدها، وهي في الحجرة. قال الجامع عفا الله عنه: كونه متعلقًا بـ"ناوليني" هو الواضح الذي لا خفاء فيه. قال بعض المحققين والحامل للقاضي عياض فيما ذهب إليه هو ما رواه مسلم، والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: "بينما رسول الله ﷺ في المسجد إذ قال: يا عائشة ناوليني الثوب" الحديث، فحمل هذا الحديث، وحديث عائشة هذا على اتحاد الواقعة، وهو غير لازم، بل تعدد الواقعة هو الظاهر. اهـ. قال الجمامع عفا الله عنه: وما ذكره بعضهم احتمالا: أن المراد ادخلي المسجد، وأعطيني إياها من غير مكث ولا تردد فيه، لحل هذا للحائض إذا أمنت التلويث بعيد كُلَّ البعد عن مقتضى حديث عائشة ﵂، يبطله قوله: "ليست حيضتك في يدك" فإنه صريح أنه ما أراد إلا إدخال يدها فقط. فتبصر، والله الموفق إلى سواء السبيل. (قالت: إني حائض) أي لست ممن يحل دخول جزء منه المسجد لظنها أن جميع أجزائها لا يدخل فيه (فقال رسول الله ﷺ ) ردًا على هذا الظن (ليست حيضتك في يدك) الحيضة بفتح الحاء المهملة: المرّة الواحدة من دُفَع الحيض، وبالكسر اسم الهيئة من الحيض، وهي الحالة التي تلزمها الحائض من التجنب والبعد عما لا يحل للحائض، كالجلسة والقعدة من الجلوس، والقعود، والأول هو الصحيح المشهور في الرواية

стр. 2448

كما قاله النووي، وهو المناسب من جهة المعنى، فإن سيلان الدم والدفعة منه ليس في اليد، بخلاف الهيئة، فإنها قائمة بجميع الذات، بدليل أنها لا يجوز لها مس المصحف. وقال الخطابي: الحدثون يقولونها بفتح الحاء، وهو خطأ، وصوابها بالكسر، أي الحالة والهيئة. اهـ وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابي، وقال: الصواب هنا ما قاله المحدثون من الفتح, لأن المرد الدم، وهو الحيض بالفتح بلا شك، لقوله طمس: "ليست في يدك"، ومعناه أن النجاسة التي يصان المسجد عنها، وهي دم الحيض ليست في يدك، وهذا بخلاف حديث أم سلمة "فأخذت ثياب حيضتي" فإن الصواب فيه الكسر. هذا كلام القاضي. قال النووي: وهذا الذي اختاره من الفتح هو الظاهر، ولما قاله الخطابي وجه. اهـ .. قال في المنهل: والوجه الذي أشار إليه النووي وهو أن عائشة ﵂ كانت تعلم أنه ليس في يدها نجاسة الحيض التي يصان عنها المسجد، وما امتنعت عن إدخال يدها في المسجد إلا لعلمها أن الحالة العارضة لها من الحيض قد حلت في يدها، ولذا أجابها النبي ﷺ بأن هذه الحالة التي هي كونها حائضا إنما عرضت لها باعتبار مجموعها لا باعتبار أجزائها، فلا يقال لليد حائضة حتى يصان عنها المسجد. اهـ ج ٣ ص ٤١. ثم ذكر المصنف ﵀ لهذ الحديث طريقًا آخر إلى الأعمش، فقال: ٢٧٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.

стр. 2449

ورواته كلهم تقدموا غير مرة، فإسحاق بن إبراهيم، والأعمش تقدما في السند الماضي، وأبو معاوية، هو محمَّد بن خازم الضرير الكوفي ثقة ثبت من كبار -٩ - تقدم في ٢٦/ ٣٠. وأراد المصنف بهذا أنه روى حديث الأعمش بهذين الطريقين طريق قتيبة، وطريق إسحاق، فقدله: بهذا الإسناد، أي الإسناد المتقدم للأعمش، وقوله مثله، أي مثل المتن السابق، يعني أن متن الطريق الثاني مثل متن الطريق الأول لفظا ومعنًى، وهذا بخلاف قوله: نحوه فإنه يكون موافقا له في المعنى دون اللفظ. قال أبو عبد الله الحاكم ﵀: إن مما يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يفرق بين " (مثله" و"نحوه"، فلا يحل أن يقول: "مثله" إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل أن يقول "نحوه" إذا كان بمعناه. اهـ. قال السيوطي في ألفيته: الحَاكِمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بالمَعْنَى … وَمثْلَهُ باللَّفْظ فَرْق يُعْنَى مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٧٣/ ٢٧١، ٢٧٢ بهذه الأسانيد، وفي كتاب الحيض ١٨/ ٣٨٤، بالأسانيد المذكورة هنا. وفي الكبرى -١٥٢/ ٢٦٦ - عن إسحاق بن إبراهيم بإسناديه. لكن النسخة المطبوعة فيها خطأ، فقد وقع فيها عن ثابت، عن عبيد، والصواب ما في المجتبى عن ثابت بن عبيد، فتنبه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن يحيى بن

стр. 2450

يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش. وعن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج ابن أرطاة، وعبد الملك بن أبي غنية، ثلاثتهم عن ثابت بن عبيد، عن القاسم، عنها. وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن أبي معاوية به. وأخرجه (ت) فيه عن قتيبة، عن عَبيدة بن حُميد، عن الأعمش به، وقال حسن، وأخرجه (ق) عن طريق البَهِيِّ عنها. وأخرجه أحمد، والبيهقي. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من حديثي الباب ما ترجم له المصنف، وهو استخدام الحائض، وجواز تناولها بيدها شيئًا من المسجد وخدمة المرأة زوجها، وفيه استعمال السَّجَّادة في المسجد. قال الخطابي ﵀: في الحديث من الفقه: أن من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا أو نحو ذلك لا يحنث بإدخال يده فيه، أو بعض جسده، ما لم يدخله بجميع بدنه. اهـ. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2451

١٧٤ - بَابُ بَسْطِ الحَائِضِ الخُمْرَةَ فِي المَسْجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز بسط المرأة الحائض الخمرة في المسجد. فقوله: "بسط الحائض" من إضافة المصدر إلى فاعله، و"الخمرة" مفعوله، و "في المسجد" متعلق به. ٢٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْبُوذٍ، عَنْ أُمِّهِ: أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ، وَهِيَ حَائِضٌ، وَتَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَتَبْسُطُهَا وَهِيَ حَائِضٌ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمَّد بن منصور) الخزاعي الجواز المكي ثقة -١٠ - تقدم في ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الثقة الحجة الفقيه -٨ - تقدم في ١/ ١. ٣ - (منبوذ) بن أبي سليمان المكي، يقال: اسمه سليمان، ومنبوذ لقبه. روى عن أمه عن ميمونة: "كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا" الحديث، وعن عقبة بن محمَّد بن الحارث بن نوفل. وعنه ابن جريج، وعمر بن سعيد بن أبي الحسين النوفلي، وابن عيينة،

стр. 2452

قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات قال: يقال: ابن سليمان، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المكيين، وقال: كان قليل الحديث. اهـ "تت". وهو ممن انفرد به المصنف. ٤ - (أم منبوذ) روت عن ميمونة، وعنها ابنها منبوذ، قال في "ت" مقبولة من الثالثة. اهـ ولا يعرف اسمها. انفرد بها المصنف أيضًا. ٥ - (ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته مكييون، إلا الصحابية فمكية، مدنية، وأن منبوذا وأمه من أفراد المصنف، أخرج لهما هذا الحديث فقط. شرح الحديث (عن ميمونة) بنت الحارث زوج النبي ﷺ ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر احدانا) الحجر بالفتح، وقد يكسر: الحضْن، وهو ما بين الإبط إلى الكشح. أفاده في المصباح. وفسره في النهاية بأنه طرف الثوب المقدم (فيتلوا القرآن) أي يقرؤه (وهي حائض) جملة حالية من "إحدانا"، قيل فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها فيتلوا القرآن إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت القراءة لها جائزة لكان هذا التوهم منتفيا. قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، وقد قدمنا تحرير الخلاف في المسألة وترجيح قول القائلين بجواز قراءة الحائض والجنب في ١٧١/ ٢٦٥، ٢٦٦ فارجع إليه تزدد علمًا. (وتقوم إحدانا بالخمرة) تقدم ضبطها ومعناها في الباب الماضي (إلى

стр. 2453

المسجد فتبسطها) أي تفرش تلك الخمرة في داخل المسجد، ولا يستلزم هذا دخولها فيه لإمكانه من الخارج بأن تقوم على باب المسجد، وهو باب حجرتها فتبسط الخمرة فيه، وفيه أن إدخال بعض البدن لا يكون مثل إدخال كله كما تقدم في الباب السابق (وهي حائض) جملة حالية من "إحدانا" أيضًا. والله تعالي أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث في سنده أم منبوذ، وهي مقبولة كما تقدم، لكن يشهد للجزء الأول منه حديث عائشة الآتي في الباب التالي، وللجزء الثاني منه حديثها الماضي في الباب السابق، فهو صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٧٤/ ٢٧٣ وفي الكبرى ١٥٣/ ٢٦٧ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: هو من أفراد المصنف لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد في المسند ج ٦ ص ٣٣١ بسنده عن منبوذ عن أمه، قالت كنت عند ميمونة، فأتاها ابن عباس، فقالت: يا بُنَيَّ مالك شَعْثا رأسك؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض، قالت: أي بني، وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا، وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد، وهي حائض، أي بُنَيَّ وأين الحيض من اليد؟. وأخرجه في ج ٦ ص ٣٣٤ بنحوه، وفيه: "لقد كان النبي ﷺ يدخل على إحدانا، وهي متكئة حائض قد علم أنها حائض فيتكىء عليها، فيتلوا القرآن وهو متكئ عليها، أو يدخل عليها قاعدة، وهي حائض

стр. 2454

فيتكىء في حجرها، فيتلو القرآن في حجرها، وتقوم وهي حائض فتبسط له الخمرة في مصلاه"، وفي رواية "خمرته فيصلي عليها في بيتي، أي بُنَيَّ وأين الحيضة من اليد؟ ". المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائده ما ترجم له المصنف، وهو جواز بسط الحائض الخمرة في المسجد، وقد تقدم الكلام عليه في الباب السابق. ومنها: جواز وضع الرجل رأسه في حجر امرأته وإن كانت حائضا، وجواز قراءة القرآن وهو كذلك. ومنها جواز القراءة متكئا، أو مضطجعا على الحائض، وبقرب محل النجاسة، قاله النووي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2455

١٧٥ - بَابُ الذِي يَقْرَأ القُرْآنَ وَرَأسه فِي حِجْرِ امْرأتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الشخص الذي يقرأ القرآن والحال أن رأسه في حجر امرأته، والحال أنها حائض. فجملة قوله: "ورأسه في حجر امرأته" في محل نصب على الحال، وكذا قوله: "وهي حائض". وتقدم معنى "الحجر" في الباب السابق، والحائض بدون تاء التأنيث، لأنه وصف خاص بالنساء، وقد جاء حائضة أيضا، كما في المصباح. ٢٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَأْسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ يَتْلُو الْقُرْآنَ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي تقدم قبل باب. ٢ - (علي بن حجر) السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار -٩ - تقدم في ١٣/ ١٣. ٣ - (سفيان) بن عيينة تقدم في الباب الماضي. ٤ - (منصور) بن عبد الرحمن الحجبي المكي ثقة -٥ - تقدم في ١٥٩/ ٢٥١.
следующие страницы →