١٧٤ - بَابُ بَسْطِ الحَائِضِ الخُمْرَةَ فِي المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز بسط المرأة الحائض الخمرة في المسجد.
فقوله: "بسط الحائض" من إضافة المصدر إلى فاعله، و"الخمرة" مفعوله، و "في المسجد" متعلق به.
٢٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْبُوذٍ، عَنْ أُمِّهِ: أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ، وَهِيَ حَائِضٌ، وَتَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَتَبْسُطُهَا وَهِيَ حَائِضٌ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن منصور) الخزاعي الجواز المكي ثقة -١٠ - تقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الثقة الحجة الفقيه -٨ - تقدم في ١/ ١.
٣ - (منبوذ) بن أبي سليمان المكي، يقال: اسمه سليمان، ومنبوذ لقبه. روى عن أمه عن ميمونة: "كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا" الحديث، وعن عقبة بن محمَّد بن الحارث بن نوفل. وعنه ابن جريج، وعمر بن سعيد بن أبي الحسين النوفلي، وابن عيينة،
стр. 2452
قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات قال: يقال: ابن سليمان، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المكيين، وقال: كان قليل الحديث. اهـ "تت". وهو ممن انفرد به المصنف.
٤ - (أم منبوذ) روت عن ميمونة، وعنها ابنها منبوذ، قال في "ت" مقبولة من الثالثة. اهـ ولا يعرف اسمها. انفرد بها المصنف أيضًا.
٥ - (ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته مكييون، إلا الصحابية فمكية، مدنية، وأن منبوذا وأمه من أفراد المصنف، أخرج لهما هذا الحديث فقط.
شرح الحديث
(عن ميمونة) بنت الحارث زوج النبي ﷺ ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر احدانا) الحجر بالفتح، وقد يكسر: الحضْن، وهو ما بين الإبط إلى الكشح. أفاده في المصباح. وفسره في النهاية بأنه طرف الثوب المقدم (فيتلوا القرآن) أي يقرؤه (وهي حائض) جملة حالية من "إحدانا"، قيل فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها فيتلوا القرآن إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثمة ما يوهم منعه، ولو كانت القراءة لها جائزة لكان هذا التوهم منتفيا.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، وقد قدمنا تحرير الخلاف في المسألة وترجيح قول القائلين بجواز قراءة الحائض والجنب في ١٧١/ ٢٦٥، ٢٦٦ فارجع إليه تزدد علمًا.
(وتقوم إحدانا بالخمرة) تقدم ضبطها ومعناها في الباب الماضي (إلى
стр. 2453
المسجد فتبسطها) أي تفرش تلك الخمرة في داخل المسجد، ولا يستلزم هذا دخولها فيه لإمكانه من الخارج بأن تقوم على باب المسجد، وهو باب حجرتها فتبسط الخمرة فيه، وفيه أن إدخال بعض البدن لا يكون مثل إدخال كله كما تقدم في الباب السابق (وهي حائض) جملة حالية من "إحدانا" أيضًا. والله تعالي أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث في سنده أم منبوذ، وهي مقبولة كما تقدم، لكن يشهد للجزء الأول منه حديث عائشة الآتي في الباب التالي، وللجزء الثاني منه حديثها الماضي في الباب السابق، فهو
صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٧٤/ ٢٧٣ وفي الكبرى ١٥٣/ ٢٦٧ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: هو من أفراد المصنف لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد في المسند ج ٦ ص ٣٣١ بسنده عن منبوذ عن أمه، قالت كنت عند ميمونة، فأتاها ابن عباس، فقالت: يا بُنَيَّ مالك شَعْثا رأسك؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض، قالت: أي بني، وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا، وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد، وهي حائض، أي بُنَيَّ وأين الحيض من اليد؟.
وأخرجه في ج ٦ ص ٣٣٤ بنحوه، وفيه: "لقد كان النبي ﷺ يدخل على إحدانا، وهي متكئة حائض قد علم أنها حائض فيتكىء عليها، فيتلوا القرآن وهو متكئ عليها، أو يدخل عليها قاعدة، وهي حائض
стр. 2454
فيتكىء في حجرها، فيتلو القرآن في حجرها، وتقوم وهي حائض فتبسط له الخمرة في مصلاه"، وفي رواية "خمرته فيصلي عليها في بيتي، أي بُنَيَّ وأين الحيضة من اليد؟ ".
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائده ما ترجم له المصنف، وهو جواز بسط الحائض الخمرة في المسجد، وقد تقدم الكلام عليه في الباب السابق.
ومنها: جواز وضع الرجل رأسه في حجر امرأته وإن كانت حائضا، وجواز قراءة القرآن وهو كذلك.
ومنها جواز القراءة متكئا، أو مضطجعا على الحائض، وبقرب محل النجاسة، قاله النووي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2455
١٧٥ - بَابُ الذِي يَقْرَأ القُرْآنَ وَرَأسه فِي حِجْرِ امْرأتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم الشخص الذي يقرأ القرآن والحال أن رأسه في حجر امرأته، والحال أنها حائض.
فجملة قوله: "ورأسه في حجر امرأته" في محل نصب على الحال، وكذا قوله: "وهي حائض".
وتقدم معنى "الحجر" في الباب السابق، والحائض بدون تاء التأنيث، لأنه وصف خاص بالنساء، وقد جاء حائضة أيضا، كما في المصباح.
٢٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَأْسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ يَتْلُو الْقُرْآنَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي تقدم قبل باب.
٢ - (علي بن حجر) السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار -٩ - تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - (سفيان) بن عيينة تقدم في الباب الماضي.
٤ - (منصور) بن عبد الرحمن الحجبي المكي ثقة -٥ - تقدم في ١٥٩/ ٢٥١.
стр. 2456
٥ - (صفية) بنت شيبة بن عثمان العبدرية والدة منصور لها رؤية. تقدمت في ١٥٩/ ٢٥١.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وفيه رواية الابن عن أمه، وفيه عائشة المكثرة من الرواية.
وشرح الحديث تقدم فيما قبله، وكذا الفوائد. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٧٥/ ٢٧٤ والكبرى -١٥٤/ ١٦٨ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن أبي نعيم، عن زهير بن معاوية، وفي التوحيد عن قبيصة، عن سفيان الثوري. وأخرجه (م) فيه عن يحيى بن يحيى، عن داود بن عبد الرحمن المكي وأخرجه (ق) فيه عن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري- ثلاثتهم عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه عنها.
(تنبيه) سفيان في سند المصنف هو ابن عيينة، بخلافه عند (خ) و (ق) فإنه سفيان الثوري، كما صرح به المزي ﵀.
(تنبيه آخر) جعل الشيخ الألباني هذا الحديث في صحيح سنن النسائي حسنا كسابقه، وفيه نظر، لأنه صحيح متفق عليه، بخلاف الحديث الماضي فإنه صحيح لشواهده فتحسينه غير بعيد، والله أعلم.
стр. 2457
١٧٦ - بَابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأسَ زَوْجِهاَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل المرأة الحائض رأس زوجها.
٢٧٥ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُومِيءُ إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن علي) بن بحر بن كُنَيز الفَلاس الصيرفي البصري الإمام الثقة الثبت -١٠ - تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ثقة حجة ثبت -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي ثقة حجة ثبت فقيه -٧ - تقدم في ٣٣/ ٣٧.
(تنبيه) وقع لبعض الشراح هنا أن سفيان هو ابن عيينة، وليس كذلك، فإن الحديث كما يأتي مروي عن محمَّد بن يوسف الفريابي، وعبد الرحمن بن مهدي، ومن المقرر عند المحدثين أنهما إذا أطلقا سفيان،
стр. 2458
- ومثلهما يحيى القطان، كما في هذا السند- فهو الثوري؛ لأنهم من كبار أصحابه.
قال الإمام الحافظ الناقد البصير شمس الدين محمَّد بن أحمد الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاءج ٧ ص ٤٦٦ بعد أن بين الفرق بين الحمادين حماد ابن سلمة، وحماد بن زيد: ما نصه: ويقع مثل هذا الاشتراك -يعني الاشتراك في الشيوخ والرواة الواقع في الحمادين- في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار، لم يدركوا الثوري، وذلك أبْيَن، فمتى رأيت القديم قد روى فقال: حدثنا سفيان وأبهم فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بيَّنَه، فأما الذي لم يلحق الثوري، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس. اهـ كلام الذهبي.
فتبين بهذا أن سفيان هنا هو الثوري، لا ابن عيينة، فإن يحيى القطان من كبار أصحابه، من طبنة ابن مهدي، والفريابي، ووكيع، كما هو ظاهر من تواريخهم. فتنبه. والله الهادي إلى سواء السبيل.
٤ - (منصور) بن المعتمر الإمام الكوفي ثقة ثبت تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي ثقة فقيه يرسل تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي ثقة مخضرم -٢ - تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفق الأئمة
стр. 2459
بالتخريج لهم، وأنهم كوفيون إلا عمرا، ويحيى فبصريان، وعائشة فمدنية، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، إبراهيم، عن الأسود. وفيه غير ذلك مما سبق غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂ أنها (قالت: كان النبي ﷺ يومئ إلى رأسه) أي يخرجه من المسجد إلى حجرتها لتغسله وترجّله (وهو معتكف) جملة حالية أي والحال أنه ﷺ معتكف في المسجد، والاعتكاف: حبس النفس عن التصرفات العادية لأجل التفرغ للعبادة. (فأغسله) أي رأسه، ولا ينافيه ما يأتي في الرواية الآتية من قولها: "فأرجّله" لإمكان أن تجمع بين الأمرين في وقت واحد، أو تفعل هذا في وقت، وهذا في وقت آخر (وأنا حائض) جملة حالية من الفاعل. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في ١٧٦/ ٢٧٥، وفي الكبرى ١٥٥/ ٢٦٩ عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عنها، وفي كتاب الحيض ١٦/ ٢٨١ عن إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن حجر، كلاهما عن سفيان، وفي الاعتكاف من الكبرى بسند الباب، وعن محمود بن غيلان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان به. وعن محمَّد ابن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن قبيصة ابن عقبة، وفي آخر الصوم عن محمَّد بن يوسف الفريابي- كلاهما عن سفيان به. وأخرجه (م) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حسين بن
стр. 2460
علي، عن زائدة، عن منصور به، مختصرا: "كنت أغسل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض".
وبقية المسائل تقدمت قريبًا فارجع إليها تزدد علمًا. والله أعلم.
٢٧٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَذَكَرَ آخَرُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن سلمة) بن عبد الله المرادي المصري ثقة ثبت فقيه -١١ - تقدم في ١٩/ ٢٠.
٢ - (ابن وهب) عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمَّد القرشي مولاهم المصري الفقيه ثقة حافظ عابد -٩ - مات سنة ١٩٧، وله ٧٢ سنة، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري أبو أيوب ثقة فقيه حافظ -٧ - تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٤ - (أبو الأسود) محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى الأسدي المدني يتيم عروة؛ لأن
стр. 2461
أباه كان أوصى إليه، وكان جده الأسود من مهاجرة الحبشة. روى عن عروة، وعلي بن الحسين، وسليمان بن يسار، وغيرهم.، وروى عنه الزهري وهو من أقرانه، ويزيد بن قُسَيط، ومات قبله، وابن إسحاق، ومالك، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن أبي أيوب، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. قال ابن لهيعة: قدم مصر سنة ٣٦ - يعني ومائة- وثقه ابن أبي حاتم، والنسائي، وابن حبان، وابن سعد. وقال: كان كثير الحديث. وقال أحمد بن صالح: ثبت له شأن وذكر، وقال ابن البرقي: لا يعلم له رواية عن أحد من الصحابة مع أن سنه يحتمل ذلك. مات في آخر سلطان بني أمية، قاله الواقدي، وقيل: ١٣١، وقال ابن حبان: ١١٧. قال الحافظ: هذا وهم لا مرية فيه، والأشبه أن يكون من سقم النسخة، وكأنها كانت سنة ٣٧. أخرج له الجماعة.
٥ - (عروة) بن الزبير المدني الفقيه ثقة ثبت -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة ﵂ بنت أبي بكر الصديق ﵁ تقدمما في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وكلهم مصريون إلا عروة، وعائشة، فمدنيان، وأبو الأسود، وإن كان مدنيا إلا أنه نزل مصر أيضا، وفيه أبو الأسود هذا الباب أول محل ذكره.
قوله: "وذكر آخر"، يعني أن ابن وهب، روى عن عمرو بن الحارث، وذكر معه رجلا آخر روى عنه أيضًا، كلاهما يرويان عن أبي الأسود يتيم عروة، وهذا الرجل لم أجد من ذكره. لكن جهله لا يضر صحة الحديث، لأن عمرو بن الحارث ثقة لا يحتاج إلى أن يقرن بغيره.
وقوله: "وهو مجاور"، أي معتكف. كما أوضحته الرواية السابقة.
وشرح الحديث واضح مما مر، وكذا الفوائد. والله تعالى أعلم.
стр. 2462
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: ذكره بهذا السند هنا ١٧٦/ ٢٧٦، وفي الكبرى في الاعتكاف ١٥/ ٣٣٨٤.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن محمَّد بن عبد الرحمن، به. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٢٧٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام العلم الحجة الثبت -٧ - تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (هشام بن عروة) ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير المدني الفقيه ثقة ثبت -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) بنت أبي بكر ﵄ تقدم في ٥/ ٥.
стр. 2463
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم مدنيون إلا قتيبة، فبغلاني.
قولها: "أرجل": أي أُسَرِّح. وشرح الحديث ظاهر مما مر.
ثم ذكر المصنف لهذا الحديث طريقين آخرين، فقال:
٢٧٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، (ح) وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مِثْلَ ذَلِكَ.
رجال الإسناد تقدموا إلا واحدًا، وهو:
(علي بن شعيب) بن عدي بن همام، السِّمْسَار البزار، أبو الحسن
البغدادي طوسي الأصل. روى عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وأبي ضمرة، وحجاج بن محمَّد، وعبد الله بن نمير، وعبد المجيد بن أبي روّاد، ومعن بن عيسى القزاز، وعبد الوهاب الخفّاف، وغيرهم. وعنه النسائي. وروى أيضًا عن عمر بن إبراهيم البغدادي الحافظ، عنه، وأبو بكر ابن أبي الدنيا، وأحمد بن علي الأبَّار، والقاسم بن المطرز، وابن جرير الباغندي، والبغوي، وابن صاعد، والسراج، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وآخرون.
قال النسائي، والخطيب: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان راويًا لمَعْن بن عيسى. قال السراج: مات في شوال سنة -٢٥٣ - وفيها أرخه ابن قانع. وقال البغوي: سنة -٦١ - وهو وَهَم. وقال
стр. 2464
مسلمة: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن شاهين: ثقة جليل. انفرد به المصنف.
وقوله: "مثل ذلك" أي مثل الحديث المتقدم يعني أن لفظه مثل لفظه، وتقدم الفرق بين قولهم: "نحوه" وقولهم: "مثله" في ١٧٣/ ٢٧٢، فارجع إليه، تستفد. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
* * *
اللهم صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
سبحانك اللهم، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمَّد بن الشيخ علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الولُّويّ- عفا الله عنه، وعن والديه آمين:
هذا آخر الجزء الرابع من شرح سنن الإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى، المسمى (ذخيرةَ العقبَى، في شرح المجتبى) أو (غاية المنى، في شرح المجتنى).
أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يمنَّ عليَّ بإتمام الكتاب على الوجه المطلوب، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وهو بعباده رؤوف رحيم. آمين، آمين، آمين.
ويليه الجزء الخامس مفتتحًا بـ
"باب مؤاكلة الحائض، والشرب من سؤرها"
стр. 2465
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء الخامس
دار المعراج الدولية للنشر
стр. 2466
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طبعت بمطابع
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
خلف ٦٠ شارع راتب باشا حدائق شبرا
ت: ٦٤٧٥٢٦ - ٢٠٥٥٦٨٨ القاهرة
стр. 2467
شرح سنن النسائى
стр. 2468
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ-١٩٩٦ م
دار المعراج الدولية للنشر
الرياض ١١٤٢١ - ص. ب. ٨٥٨ - هاتف وفاكس ٤٠٢٦٢٧٨
المملكة العربية السعودية
بيروت- ص. ب. ٦٣٦٦/ ١٤ - هاتف ٨٣١٣٣١ - فاكس ٦٠٣٣٣٣
القاهرة - ص. ب. ١٢٨٩ - هاتف ٣٩٠٠٣١٨ - فاكس ٣٩٢٦٢٥٠
стр. 2469
١٧٧ - بَابُ مُؤاكَلَةِ الحاَئِضِ وَالشُّرْبِ مِنْ سُؤْرِهَا
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الأكل مع الحائض، وجواز شرب ما أبقته بعد شربها، فالمؤاكلة مفاعلة من الأكل، والسُؤر بضم السين وإسكان الهمزة مصدر سَئرَ الشيءُ من باب: شَربَ: بَقيَ، فهو سائر، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أسْأرْتُه، ثم استعمل المصدر اسما للبنية أيضا، وجُمع على أسآر، مثل قُفْل وأقفال، قاله في المصباح.
والمراد هنا المعنى الثاني، أي من بقيتها.
ومحل الاستدلال من الحديث واضح.
٢٧٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُرَيْحٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، سَأَلْتُهَا هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَهِىَ طَامِثٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُونِي، فَآكُلُ مَعَهُ، وَأَنَا عَارِكٌ، وَكَانَ يَأْخُذُ الْعَرْقَ، فُيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ، فَأَعْتَرِقُ مِنْهُ، ثُمَّ أَضَعُهُ، فَيَأْخُذُهُ فَيَعْتَرِقُ مِنْهُ، وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِى مِنَ الْعَرْقِ، وَيَدْعُو بِالشَّرَابِ فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَآخُذُهُ، فَأَشْرَبُ مِنْهُ، ثُمَّ أَضَعُهُ،
стр. 2470
فَيَأْخُذُهُ فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنَ الْقَدَحِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيية) بن سعيد الثقفي ثقة ثبت [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (يريد) بن المقْدام بن شُريح بن هانئ الحضرمي الحارثي الكوفي، عن أبيه.
وعنه أحمد بن يعقوب المسعودي، وأبو توبة، وقتيبة، ويحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم، قال أبو حاتم: يُكتَب حديثُهُ، وقال أبو داود، والنسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات،
وقال ابن شاهين في الثقات: قال ابن معين: ليس به بأس، وقال عبد الحق: ضعيف، وَرَدَّ عليه ذلك ابنُ القطان، وقال: لا أعلم أحدا قال فيه ذلك، قال الحافظ: وهو كما قال. اهـ تت.
وفي "ت" صدوق، أخطأ عبد الحق في تضعيفه [٩] أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٣ - (المقدام بن شريح) بكسر الميم الحارثي الكوفي ثقة من [٦]، تقدم في ٨/ ٨.
٤ - (شريح بن هانئ) الحارثي المَذْحِجِي أبو المقدام الكوفي مخضرم ثقة تقدم في ٨/ ٨.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
وتقدم لطائف هذا الإسناد في ٨/ ٨ ويزيدُ هذا البابُ أولُّ محل ذكره.
стр. 2471
شرح الحديث
(عن شريح) بن هانئ أبي المقدام (عن عائشة ﵂ قال شريح: (سألتها) أي عائشة (هل تأكل المرأة مع زوجها) هذه الجملة بيان لكيفية السؤال (وهي طامث) أي حائض، يقال: طَمثَت المرأة تَطْمَثُ -أي من باب تَعبَ- طَمْثا، وطمَثَت تَطمُثُ طَمْثا، بالضم -أي من باب نَصَر- وهي طامث: حاضت، وقيل: إذا حاضت أول ما تحيض، وخَصَّ الِّلحْياني به حيض الجارية.
والطَّمثُ الدم والنكاح، وطَمَثْتُ الجاريةَ: إذا افْتَرَعْتَهَا، والطامث في لغتهم الحائض وطمثها يطمثها -بكسر عين المضارع- ويَطمُثُها -بضمها- طَمْثا -بالفتح- افتَضَّهَا، وعم به بعضهم الجماع، وقال
ثعلب: الأصل الحيض، ثم جُعل للنكاح، وطَمَثَ البعيرَ يطمثه طَمْثا: عَقَلَه، والطَّمْث: المس، وذلك في كل شيء يُمَسُّ، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] قيل: معناه لم يمْسَسْ، وقال ثعلب: معناه لم ينكح.
والعرب تقول: هذا جمل ما طَمَثَهُ حَبْل قطّ أي لم يمسه، ومعنى لم يطمثهن: لم يمسسهن، وقال الفراء: الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، قال: والطمث هو الدم، وهما لغتان: طَمَثَ يطمُثُ بالضم، ويَطمثُ بالكسر، والقراء أكثرهم على: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ بكسر الميم، وقال أبو الهيثم: يقال: طُمثَتْ تُطمَثُ -يعني بالبناء للمفعول -أي أدميَت بالافتضاض، وطَمثَتْ على فَعلت -بكسر العين- إذا حاضت، وقول الفرزدق: (من الوافر)
وَقَعْنَ إلَي لمْ يُطمَثْنَ قَبْلي … فَهُنَّ أصَحُّ منْ بَيْض النَّعَام
стр. 2472
أي هن عذاري غير مُفتَرعَات، والطب: الفساد، قال عدي بن يزيد: (من الرمل)
طَاهُر اْلأثْواَب يَحْمي عْرضَهُ … منْ خَنَى الذِّمَّة أوْ طمَث العَطَنْ
اهـ لسان العرب بتوضيح يسير.
(قالت) عائشة (نعم) بفتحتين فسكون حرف جواب كَبَلى، وتقدم الفرق بينهما غير مرة.
(كان رسول الله ﷺ يدعوني فآكل معه، وأنا عارك) جملة حالية من
فاعل "آكل"، والعارك اسم فاعل من عَرَكَت المرأة تَعْرُكُ عَرْكًا وَعرَاكًا وعُرُوكًا، وهي عارك، وأعركت، وهي مُعْرك: حاضت، وخصَّ اللحياني بالعرك الجارية (١)، وفي الحديث: "أن بعض أزواج النبي ﷺ كانت مُحْرمَةً فذكرت العَرَاك قبل أن تُفيض".
العراك: الحيض. وفي حديث عائشة: "حتى إذا كنا بسَرفَ عَرَكتُ" أي حضتُ، وأنشد ابن بَرّيّ لحُجْر بن جَليلَة (من الطويل):
فَغَرْتُ لَدَى النُّعْمَان لمَّا رَأيْتُهُ … كمَا فَغَرَتْ للْحَيْض شَمْطَاءُ عَاركُ
ونساء عَوَارك: أي حُيّض، وأنشد ابن بَرّيّ أيضًا (من الطويل):
أفي السِّلْم أعْيَارًا جَفَاءً وَغِلْظةً … وَفي الْحَرْب أمْثَاَل النّسَاء الْعَوَارك؟
وقالت الخنساء: (من الَبسيط)
لَا نَوْمَ أوْ تَغْسلُوا عَارًا أظَلَّكُمُ … غَسْلَ العَوَارك حَيْضًا بَعْدَ إطْهار
اهـ لسان.
(وكان) ﷺ (يأخد العَرْق) بفتح العين وسكون الراء: العظمُ الذي
стр. 2473
أخذَ عنه مُعظَم اللحم، وبقي عليه بقية من اللحم. اهـ زهر.
وفي "ق": والعَرْق، يعني بفتح فسكون- وكغُرَاب العظم أُكلَ
لَحْمُهُ، جمعه ككتَاب، وغُرَاب: نادرٌ، أو العرق: العظم بلحمه، فإذا أكل لحمه: فعُراك -بالضم- أو كلاهما لكليهما. اهـ، قلت: فما
في السندي من قوله بضم عين وسكون راء فخطأ.
(فيُقْسمُ عليَّ فيه) من الإقسام، أي يحلف علي في شأن هذا العرق، تعني أنه يلزمها بالتناول منه أوّلا (فأعترق منه) أي آكل من ذلك العَرْق، يقال: عَرَقَ العظمَ يَعْرُقُه عَرْقًا، وَتَعرَّقه، واعترقه: أكل ما عليه اهـ لسان.
وفي الزهر، وشرح السندي ما نصه: يقال: اعتَرَقْتُ اللحم وعَرَقْتُهُ وتَعرَّقْتُهُ: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك اهـ (ثم أضعه، فيأخده) ﷺ (فيعترق منه) أي يأكل منه (ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق) أي في المحل الذي وضعت فيه فمي من ذلك العرق، إظهارا للمودة، وبيانا للجواز، وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من اللطف بأهل بيته، وحسن عشرته لهن، تصديقا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
(ويدعو بالشراب) أي يطلبه (فيقسم عليَّ قبل أن يشرب منه فآخذه فأشرب منه، ثم أضعه، فيأخده فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح) بفتحتين إناء معروف، جمعه أقداح مثل سبب وأسباب قاله في المصباح، وفي المعجم الوسيط: القدح إناء يشرب به الماء أو النبيذ أو نحوهما. اهـ.
стр. 2474
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في مواضع ذكره عند المصنف:
أورده المصنف هنا ١٧٧/ ٢٧٩ - والكبرى ١٥٧/ ٢٧٢ عن قتيبة، عن يزيد بن المقدام، عن أبيه، عن شريح عنها. و ٢٨٠ - والكبرى ٢٧٣ عن أيوب بن محمَّد، عن عبد الله بن جعفر،، عن عبيد الله بن عَمْرو، عن الأعمش، عن المقدام به. وفي الباب التالي عن محمَّد بن منصور، عن ابن عيينة، عن مسعر، عن المقدام به، وعن محمود بن غيلان عن وكيع به، وأعاده رقم ٣٧٧، و ٣٧٨، و ٣٧٩، و ٣٨٠، وفي عشرة النساء من الكبرى عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن المقدام به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (م د ق) فأخرجه (م) في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، كلاهما عن وكيع، عن مسعر، وسفيان كلاهما عن المقدام بن شُريح به.
و (د) فيه عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن مسعر به. و (ق) فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة به، وأخرجه البيهقي، وابن حبان في صحيحه، وأشار له الترمذي.
المسألة الرابعة: في فوائده:
فيه دلالة على طهارة فم الحائض، وريقها، وسائر بدنها، وقد تقدم ذلك غير مرة ما عدا محلَّ الدم، وطهارة سؤرها، وجواز مؤاكلتها،
стр. 2475
ومشاربتها، وهو الذي ترجم له المصنف.
وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من الأخلاق الكريمة.
وفيه جواز مداعبة الرجل زوجته، وإدخال السرور عليها بمثل هذا.
وفيه فضيلة ومنقبة عظيمة لعائشة ﵂، ومقدار حب الرسول ﷺ لها، وفيه جواز إقْسَام الرجل على زوجته لمثل هذا الأمر.
٢٨٠ - أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضَعُ فَاهُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشْرَبُ مِنْهُ، فَيَشْرَبُ مِنْ فَضْلِ سُؤْرِي وَأَنَا حَائِضٌ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (أيوب بن محمَّد الوَزَّان) أبو محمَّد الرَّقّي ثقة [١٠]، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٢ - (عبد الله بن جعفر) بن غَيْلان الرَّقّي أبو عبد الرحمن القرشي مولاهم، رَوَى عن عبيد الله بن عمرو، وأبي المليح الحسن بن عمر الرقي، وعبد العزيز الدراوردي، ومعمر بن سليمان، ويوسف بن
أعين، وغيرهم.
стр. 2476
وعنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأبو الأزهر النيسابوري، وإسماعيل بن عبد الله الرَّقّي، وأيوب الوزان، والدارمي، وآخرون، وثقه أبو حاتم، وابن معين، والعجليّ، وقال النسائي: ليس به بأس قبل أن يتغير، وقال هلال بن العلاء: ذهب بصره سنة ١١٦، وتغير سنة ١١٨ ومات لسنة ١٢١، وذكره ابن حبان في الثقات، قال: ولم يكن اختلاطه فاحشا، ربما خالف، وفي "ت" ثقة لكنه تغير بآخره، فلم يفحش اختلاطه [١٠]، أخرج له الجماعة.
٣ - (عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الجزري الرَّقّي.
رَوَى عن عبد الملك بن عمير، وعبد الله بن محمَّد بن عَقيل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، ومعمر، وغيرهم.
وعنه بقية، وعبد الله بن جعفر الرّقّي، وآخرون.
وثقه ابن معين، والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة صدوق لا أعرف له حديثا منكرا، هو أحب إليّ من زهير بن محمَّد، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقا كثير الحديث، وما أخطأ، وكان أحفظ
من روى عن عبد الكريم الجزري، ولم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره، مات سنة ١٨٠، ويقال إن مولده سنة ١٠١، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان راويا لزيد بن أبي أنيسة روى عنه أهل الجزيرة،
مات سنة، ١٨٠، وله، ٧٦، سنة، ووثقه العجلي وابن نمير. وفي "ت" ثقة فقيه، ربما وهم [٨] أخرج له الجماعة.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، ثقة ثبت [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
والباقون تقدمت أرقامهم في الحديث الذي قبله.
وكذلك شرح الحديث.
стр. 2477
١٧٨ - بَابُ الانتفاعِ بفَضْلِ الحاَئِضِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الانتفاع بفضل المرأة الحائض.
٢٨١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَاوِلُنِي الإِنَاءَ فَأَشْرَبُ مِنْهُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُعْطِيهِ فَيَتَحَرَّى مَوْضِعَ فَمِي، فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن منصور) الخُزَاعي الجَوَّاز ثقة [١٠]، تقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان بن عيينة) الإمام الحجة ثقة ثبت [٨] تقدم في ١/ ١.
٣ - (مسعر) بن كدام بن ظُهَير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٧]، تقدم في ٨/ ٨.
والبقية تقدموا في الحديث السابق, لأن هذه رواية ثالثة لحديث عائشة ﵂.
стр. 2478
٢٨٢ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، وَسُفْيَانُ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
كلهم تقدموا في الروايات السابقة، إلا محمود فتقدم في ٣٣/ ٣٧، ووكيعًا فتقدم في ٢٣/ ٢٥، وكذا الحديث مضى شرحه.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري ثقة ثبحت [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائي البصري، ثقة ثبت من كبار [٧]، تقدم في ٢٥/ ٢٣.
٤ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري أبو قُدَامة السَّرَخْسي نزيل نيسابور ثقة ثبت من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٥ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه حجة ثبت فقيه [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٦ - (معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري صدوق ربما وهم [٩]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٧ - (يحيى) بن أبي كثير أبو نصر اليمامي ثقة ثبت [٥]، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٨ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني ثفة فقيه [٣]، تقدم في ١/ ١.
٩ - (زينب بنت أبي سلمة) ربيبة النبي ﷺ ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٢.
١٠ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٢.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين بصريين، وهم مَنْ قبل يحيى غير إسحاق، وعبيد الله فنيسابوريان، ويمامي، وهو يحيى، ومدنيين، وهم الباقون.
стр. 2481
وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وليس هو أبا زينب التي يروي عنها، فإنه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي الصحابي رضيع النبي ﷺ .
وفيه رواية البنت عن أمها، وصحابية، عن صحابية، وتابعي، عن تابعي.
شرح الحديث
(قالت) أم سلمة ﵂ (بينما) أصله "بين" زيدت عليها "ما"، ويقال: "بينا" قال في اللسان: ويقال: بينا وبينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدإ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه "إذ" و"إذا"، وقد جاءا في الجواب كثيرا، تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه. اهـ وقد تقدم البحث عن هذا مستوفىً في ١٧٣/ ٢٧٠، وهنا وقع الجواب مقرونا بإذ، وهو قوله: "إذْ حضت" وهو العامل فيه.
(أنا مضطجعة) مبتدأ وخبر في محل جر بإضافة بينما إليها, وأما قول السيوطي في شرحه: أنه يجوز النصب في "مضطجعة" فلا وجه له كما نبه عليه السندي في شرحه، بل هذا إنما هو في رواية البخاري إذ هي "بينا أنا مع النبي ﷺ مضطجعة" .. الحديث، فإنه يحتمل أن يكون الظرف خبرا فينصب "مضطجعة" حالا فتفطن.
و"مضطجحة" أصله مضتجعة لأنه من باب الافتعال، فقلبت التاء طاء كما قال ابن مالك في الخُلَاصة:
طَاتَا افْتعَال رُدَّ إثْرَ مُطبَق … في ادَّانَ وَآزْادَدْ وَادَّكرْدَ الأبَقِي
стр. 2482
(مع رسول الله ﷺ ) الظرف في محل حال من "مضطجعة" أو متعلق به (في الخميلة) هذه رواية الأكثرين من أصحاب يحيى، ثم أصحاب هشام فكلهم قالوا: "الخميلة"، ووقع عند البخاري من طريق المكي بن إبراهيم: "الخميصة" بدلها، قال الحافظ ﵀: لم أر -يعني الخميصة- في شيء من طرقه إلا في هذه الرواية. اهـ.
والخميلة: بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم، قال في المصباح: الخَمْلُ: مثل فَلْس الهُدْب، والخَمْلُ: القَطيفة، والخميلة: الطّنفسَة، والجمع: خميل بحذف الهاء. اهـ.
وقال العيني: وقال ابن سيده: والخَميلَة، والخَمْلَة: القَطيفة، وقال السكري: الخَميل: القطيفة ذات الخَمْل، والخَمْل هُدْب القطيفة، ونحوها مما ينسج، ويفضل له فضول.
وفي الصحاح: هي الطنفسة، وزعم النووي ﵀ أن أهل اللغة قالوا: هو كل ثوب له خمل من أيّ لون كان، وقيل: هو الأسود من الثياب.
وأما الخَميصة: فهي بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم، وهي كساء مربع له علمان، وقيل: الخمائص: ثياب من خَزًّ ثخَان سُود وحُمْر، ولها أعلام ثخَان أيضا، قاله ابن سيده وفي الصحاح: كساء أسود مربع وإن لم يكن معلما فليس بخميصة، وفي الغريبين: قال الأصمعي: الخمائص: ثياب من خَرًّ أو صوف معلمة، وهي سُود، كانت من لباس الناس. اهـ عمدة القاري جـ ٣ ص ١٦٣ بتصرف.
(إذح ضت، فانسللت) أي ذهبت في خُفْيَة، وإنما فَعَلَتْ ذلك لاحتمال وصول شيء من الدم إليه ﷺ ، أو لأنها تقذرت من نفسها ولم ترتضها لمضاجعته ﷺ -وخافت أن ينزل الوحي عليه فيشغله حركتها عما هو
стр. 2483
فيه من الوحي، أو خافت أن يطلب منها استمتاعًا.
(فأخذتُ ثياب حيضتي) قال الحافظ ﵀: وقع في روايتنا فتح الحاء وكسرها معا، ومعنى الفتح أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض، لأن الحيضة بالفتح هي الحيض، ومعنى الكسر أخذت ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض، وجزم الخطابي برواية الكسر، ورجحها النووي، ورجح القرطبي رواية الفتح لوروده في بعض طرقه بلفظ حَيْضي بغير تاء. اهـ فتح ج ١ ص ٤٨٠.
(فقال رسول الله ﷺ : "أنَفسْت؟ ") بفتح النون وكسر الفاء، أي حضت؟ قال الخطابي ﵀: أصل هذه الكلمة من النَّفْس وهو الدم إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس، فقالوا في الحيض: نَفست بفتح النون، وفي الولادة بضمها اهـ. قال الحافظ: وهذا قول
كثير من أهل اللغة، لكن حَكَى أبو حاتم عن الأصمعي قال: يقال: نُفسَت الرأة في الحيض والولادة بضم النون فيهما، وقد ثبت في روايتنا بالوجهين فتح النون وضمها اهـ فتح ج ١ ص ٤٨١.
قالت (قلت: نعم، فدعاني، فاضطجعت معه) أي نمْتُ معه، يقال: ضَجَع ضَجْعًا من باب نَفَع، وضُجُوعا، وضَجَعت جنبي بالأرض وأضجعت بالألف لغة، فأنا ضاجع، ومُضجع، وأضجعت فلانا بالألف لا غير: ألقيته على جنبه، واضطجعت: افتعال منه، أبدلت تاءه طاء على القاعدة المتقدمة في مضطجعة، ومن العرب من يقول: اضَّجع، فيقلب التاء ضاد ويدغمها في الضاد تغليبا للحرف الأصلي وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجع بطاء مشددة، لأن الضاد لا تدغم في الطاء لكونها أقوى منها، والحرف لا يدغم في أضعف منه، وما ورد شاذ لا يقاس عليه. أفاده في المصباح.
стр. 2484
(في الخميلة) أي القطيفة المتقدم ذكرها؛ لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة تكون عَيَنَها غالبا، كما قال السيوطي في عقود الجمان:
ثُمَّ منَ الْقَوَاعد اْلمُشْتَهرَهْ … إذَا أتَتْ نَكرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإنْ يُعَرَّفْ ثَان … تَوَافَقَا كَذَا المُعَرَّفَانِ
شَاهدُهُا الَّذي رَوَيْنَا مُسْنَدًا … لَنْ يَغْلبَ اليُسْرَيْن عُسْرٌ أبَدًا
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أم سلمة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا -١٧٩/ ٢٨٣ - والكبرى -١٥٨/ ٢٧٧ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن هشام، وعن عبيد الله بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم سلمة عن أمها.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ م) فأخرجه (خ) في الطهارة عن مكي بن إبراهيم، ومعاذ ابن فضالة فَرَّقَهما، وفي الصوم عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، ثلاثتهم عن هشام الدستوائي، وفي الطهارة أيضا عن سعيد بن حفص،
عن شيبان، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أم سلمة به.
وأخرجه (م) في الطهارة عن أبي موسى محمَّد بن المثنى، عن معاذ ابن هشام، عن أبيه به. أفاده الحافظ المزي: تحفة ج ١٣ ص ٥٦.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: جواز مضاجعة الحائض في ثيابها، وهو الذي ترجم له
стр. 2485
المصنف، واتخاذ المرأة ثيابا للحيض غير ثيابها العتادة، وطهارة عَرَقهَا، وتأدب المرأة مع زوجها، وسؤال الرجل زوجته إذا حصل لها شيء، وبيان ما كان عليه النبي ﷺ من حسن الخلق، وحسن المعاشرة مع أهله.
٢٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خِلَاسًا يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ، وَأَنَا طَامِثٌ، أَوْ حَائِضٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ، غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ، وَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ يَعُودُ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْدُهُ، وَصَلَّى فِيهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد) بن المثنى أبو موسى العنزي البصري ثقة ثبت حافظ [١٠]، تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري ثقة حجة [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (جابر بن صُبْح) الراسبي أبو بشر البصري، جد سليمان بن حرب لأمه، رَوَى عن خلاس الهَجَري، والمثنى بن عبد الرحمن الخُزاَعي، وأمّ شَرَاحيل، وغيرهم.
стр. 2486
وروى عنه شعبة، والقطان، وعيسى بن يونس، وأبو الجراح المهري، وأبو مسعر البراء، وثقه ابن معين، والنسائي، وفضله ابن معين على المهلب بن أبي حبيبة، قال الحافظ: فضله يحيى بن سعيد عليه أيضا كما ذكره البخاري، وقال الأزدي: لا تقوم بحديثه حجة، وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ، وفي "ت" صدوق [٧].
٤ - (خلَاس) بن عمرو الهَجَري البصري ثقة كان يرسل، وسمع من عمار [٢]، وتقدم في ٤٦/ ٥٧.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأن شيخه هو أحد مشايخ الستة كما تقدم غير مرة، وفيه جابر بن صُبْح هذا أولُ محل ذكره من هذا الكتاب، وفيه عائشة من المكثرين السبعة روت [٢٢١٠]، حديثا كما تقدم غير مرة.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد) بكسر الشين المعجمة: الثوب الذي يلي الجسد، سمي بذلك لأنه يلي الشعر، يقال: شاعرتُ المرأةَ: إذا نمْت معها في الشعار الواحد بخلاف الدِّثَار فإنه الثوب الذي يلبس فوق الشعار.
قال ابن منظور ﵀: والشّعَار ما وَلي شعر جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب، والجمع أشْعِرَة، وشُعُر، وفي المثل: هم الشعار دون الدّثار، يصفهم بالمودة والقُرْب، وفي حديث الأنصار: "أنتم
стр. 2487
الشعار والناس الدثار" أي أنتم الخاصة والبطَانة كما سماهم عَيْبَتَهُ وكَرشَه والدثار: الثوب الذي فوق الشعار، اهـ لسان.
(وأنا طامث، أو حائض) جملة حالية من فاعل "نبيت"، ويحتمل أن تكون "أو" للشك من بعض الرواة، لكن الرواية الآتية للمصنف في ح ٣٧٢، بدون "أو"، وهي الموافقة لرواية أبي داود وغيره، فالأولى
كون "أو" بمعنى الواو، ويكون من عطف المؤكّد على المؤكَّد، فإن الطامث والحائض بمعنى واحد، يقال: طَمَثَت المرأةُ طَمْثا من باب ضَرَب: إذا حاضت، وبعضهم يزيد عليه أول ما تحيض فهي طامث بغير هاء، وطَمثَت تَطمَث من باب تَعب لغة، قاله في المصباح وتقدم البحث عنه في ١٧٧/ ٢٧٩.
قال في المنهل: والحديث لا ينافي ما ثبت من أنه ﷺ "كان إذا أراد أن يضاجع إحدى أزواجه وهي حائض أمرها أن تأتزر، ثم يضاجعها" لأن الظاهر أن عائشة ﵂ كانت تأتزر ثم تنام معه في الشعار، ويحتمل أنها كانت معه في الشعار من غير إزار، ويكون ذلك خصوصية
له ﷺ ، ويؤيده قول عائشة ﵂: "وأيكم يملك أرَبَهُ" اهـ.
قال الجامع: الاحتمال الأول هو الأقرب توفيقا بين الحديثين، ولا ينافيه قول عائشة المذكور لأنه يتأتى مع وجود الإزار، والله أعلم.
(فإن أصابه مني شيء) من دم الحيض، والضمير يرجع إلى الشعار، أي أصاب ذلك الشعار شيء من الدم (غسل مكانه) أي مكان الشيء، (ولم يَعْدُهُ) مضارع عَدَا، من باب غزا، أي لم يجاوز مكان الإصابة إلى
стр. 2488
غسل غيره، بل يقتصر عليه (وصلى فيه) أي ذلك الشعار، وفيه جواز الصلاة في الشُّعُر التي تلبسها الحائض إذا تأكد طهارتها (ثم يعود) ﷺ أي إلى النوم معها (فإن أصابه مني شيء) من الدم (فعل مثل ذلك) الغسل (ولم يَعْدُهُ وصلى فيه) أيضا.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف.
أخرجه المصنف هنا ١٧٩/ ٢٨٤ - والكبرى ١٥٨/ ٢٧٦ - عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن جابر بن صبح، عن خلَاس، عنها. وفي ٣٧٢ بنفس السند، وفي الصلاة ٧٧٣ عن عمرو بن منصور، عن هشام بن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة، وفي النكاح عن مسدد، عن يحيى، به، وأخرجه أحمد، والبيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: جواز مضاجعة الرجل لزوجته الحائض بالشعار الواحد وهو الذي ترجم عليه المصنف، ونجاسة دم الحيض، وأنه إن أصاب الثوب ونحوه يغسل محل الإصابة فقط، وبيان ما كان عليه النبي ﷺ من سعة الأخلاق ولين الجانب. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2489
١٨٠ - بَابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ
٢٨٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَشُدَّ إِزَارَهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي ثقة ثبت [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو الأحوص) سَلاَّم بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة متقن [٧] تقدم في ٣٨/ ٩٦.
٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي ثقة حجة [٣] تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٤ - (عمرو بن شُرَحبيل) أبو مَيْسَرَة الهمداني الكوفي.
روى عنُ عمَر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وسلمان، وقيس ابن سعد بن عبادة، ومعقل بن مُقَرِّن المُزَني، وعائشة، والنعمان بن بشير ﵃.
وعنه أبو وائل، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو عمار الهمداني، والقاسم بن مخيمرة، ومحمد بن المنتشر، ومسروق، وهو من أقرانه،
стр. 2490
وغيرهم، قال أبو وائل: ما اشتملت همدانية على مثل أبي ميسرة، قيل له: ولا مسروق؟ قال: ولا مسروق، وعن إسرائيل: أن أبا ميسرة كان إذا أخذ عطاءه تصدق منه، فإذا جاء أهله، فَعَدُّوه وجدوه كاملا، قيل: مات في ولاية ابن زياد، وقيل: مات قبل أبي جُحَيفة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من العباد، وكانت ركبته كركبة البعير من كثرة الصلاة، مات في الطاعون قبل أبي جحيفة سنة ٦٣، وعن مسروق: ما بالكوفة أحب إلي أن أكون في مسْلَاخه من عمرو بن شرحبيل، ووثقه ابن معين، وفي "ت" ثقة عابد مخضرم. أخرج له الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والمصنف.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم كوفيون إلا شيخه فبلخي، وعائشة فمدنية، وفيه عمرو بن شرحبيل، هذ المحل أول محل ذكره.
وفيه عائشة من المكثرين السبعة، وفيه رواية تابعي، عن تابعي.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵁ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر إحدانا) أي إحدى نسائه (إذا كانت حائضا أن تشد إزارها) هو ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن، يذكر ويؤنث، قاله في المعجم الوسيط.
وفي المصباح: الإزار معروف، والجمع في القلة آزرَة، وفي الكثرة: أزُر بضمتين، مثل حمار، وأحْمرَة، وحُمُر، ويذكر ويؤنث،