وقال ابن عبد البر في التمهيد: والسواك المندوب إليه هو المعروف عند العرب في عصر النبي ﷺ ، وذلك الأراك والبَشَام (١) قال الشاعر (من الطويل):
إذا هي لم تَسْتَكْ بعُود أراك
وقال جرير (من الطويل):
أتَذْكُرُ يَوْمَ تَصْقُلُ عَارضَيْهَا … بفَرعْ بَشَامَة سُقيَ البَشَامُ (٢)
قال ابن عبد البر: وكل ما يجلو الأسنان إذا لم يكن فيه صبغ ولون فهو مثل ذلك، ما خلا الريحان، والقصب، فإنهما يكرهان، قال: وقد كره جماعة من أهل العلم السواك الذي يغير الفم ويصبغه، لما فيه من التشبه بزينة النساء، وقال في موضع آخر: كل ما جلا الأسنان ولم يؤذها، ولا كان من زينة النساء فجائز الاستنان به، انتهى، اهـ كلام العراقي طرح جـ ٢/ ص ٦٩.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 247
٤ - باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل هل يستاك الإمام بحضرة رعيته.
وقال العلامة السندي رحمه الله تعالى في حاشيته: كأنه أشار بخصوص الترجمة بالإمام إلى أن الاستياك بحضرة الغير ينبغي أن يكون مخصوصا بمن لا يكون ذاك مستقذرا منه، لكونه إماما ونحوه. اهـ
جـ ١/ ص ٩ - ١٠.
٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَاكُ، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَلَ، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: "إِنَّا لَا -أَوْ لَنْ- نَسْتَعِينَ عَلَى الْعَمَلِ مَنْ أَرَادَهُ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ". فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَل، ﵄.
стр. 248
رجال الإسناد: ستة
١ - "عمرو بن علي" (ع) بن بحر (١) بن كُنَيْز (٢) بنون، وزاي أبو حفص الفلاس الصيرفي الباهلي، البصري، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٤٩).
وفي (صه) الحافظ أحد الأعلام، عن المعتمر بن سليمان، وابن عيينة، ويحيى القطان، وخلق. وعنه (ع) قال عباس العنبري: ما تعلمت الحديث إلا من عمرو بن علي. وقال النسائي: ثقة حافظ. مات بالعسكر سنة ٢٤٩.اهـ. (٣).
٢ - "يحيى بن سعيد" (ع) بن فَرُّوخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو، ثم معجمة التميمي، أبو سعيد القطان، البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة، مات سنة
(١٩٨)، وله (٧٨) سنة.
وفي "صه" الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل عن إسماعيل ابن أبي خالد، وهشام بن عروة، وبهز بن حكيم، وخلق. وعنه شعبة، وابن مهدي، وأحمد، واسحاق، وابن المديني، وابن بشار، وخلق، قال أحمد: ما رأت عيناى مثله، وقال ابن معين يحيى أثبت من ابن مهدي. وقال محمَّد بن بشار: حدثنا يحيى بن سعيد إمام أهل زمانه اهـ.
٣ - "قرة بن خالد" (ع) السدوسي البصري، ثقة ضابط، من السادسة، مات سنة ١٥٥. وفي (صة) أبو خالد البصري. عن الحسن، وابن سيرين، وعمرو بن دينار. وعنه شعبة، والقطان، وأبو عاصم له نحو مائة حديث. وثقه أحمد، وابن معين، قيل: مات سنة ١٥٤، اهـ
стр. 249
٤ - "حميد بن هلال" (ع) العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان. من الثالثة.
وفي (صة): عن أنس، وعبد الله بن مغفل. وعنه أيوب وابن عون، وجرير بن حازم، وثقه ابن معين. قال ابن المديني: لم يلق عندي أبا رفاعة. قال الذهبي: روايته عنه في مسلم، والنسائي. قال ابن سعد: توفي في ولاية خالد بن عبد الله على العراق. اهـ.
٥ - "أبو بردة" بن أبي موسى الأشعري ثقة -٣ - تقدم في الباب السابق.
٦ - "أبو موسى" الأشعري ﵁ تقدم في الباب السابق أيضًا.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم بصريون ما عدا أبا بردة، وأنهم ممن اتفق أصحاب الأصول في الإخراج لهم.
ومنها: أن شيخه أحد المشايخ الذين رَوَى الستةُ عنهم بدون واسطة وهم الذين جمعتهم بقولي:
اشْتَركَ الأئمَّةُ الهُداةُ … ذَوو الأصُول السِّتَّة الوُعَاةُ
في الأخْذ عن تسْع شُيُوخ مَهَره … الحافظين النَّاقدين البَرَرَهْ
أولئكَ الأشَجُّ وابنُ مَعْمَر … نَصرٌ ويَعْقوبُ وعَمْرٌو السَّري
وابنُ العَلاء وابْنُ بَشَّار كَذَا … ابنُ المثنَّى وزيَادٌ يُحْتَذَى (١)
стр. 250
ومنها: أن في قوله: وهو ابن سعيد لطيفة إسنادية، وهي أنه إذا قال المحدث: حدثني فلان، ولم ينسبه، أو لم يصفه، وأراد الراوي عنه لذلك توضيحا لمن يحدثهم فالذي ينبغي له أن يميز ذلك عما قاله الشيخ، لئلا يكون زائدا على ما قال له شيخه فيقول: حدثني فلان، قال حدثنا فلان هو ابن فلان، أو يعني ابن فلان، أو أن فلان ابن فلان حدثه، وهذا إذا لم يكن الشيخ ذكر ذلك في أول الكتاب مثلا، وأما إذا ذكره في أوله، بأن حدثه بكتاب أو جزء مثلا، وذكر نسبه ووصفه كاملا في أوله فإنه يجوز له إذا روى بعض ما سمع أن يكمل ذلك عند الجمهور؛ لأنه سمعه من شيخه كذلك، لكن الأولى في هذه الصورة أن يفصله بما تقدم، وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي في ألفيته بقوله:
ولا تَزدْ في نَسَب أو وَصف مَنْ … فَوقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لمْ يُبَنْ
بنَحْو يَعْني أو بأنَّ أو بهُو … أمَّا إذا أتَمَّهُ أوَّلَهُ
أجِزْه في البَاقي لَدَى الجُمْهُورِ … والفَصْلُ أوْلَى قَاصرَ المذْكُورِ
وهذه القاعدة نافعة في كتب الحديث لكثرة استعمالهم لها فينبغي التنبه لها، وسأنبه عليها إن شاء الله تعالى حيثما يمر بنا شيء من ذلك.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وقد مر في الباب السابق.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي حميد، عن أبي بردة.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبار بلفظ الجمع في أوله،
والتحديث بلفظ الجمع في موضعين، وبلفظ الإفراد في موضع، وذلك للقاعدة المشهورة عند المحدثين، وهي أنهم يستحسنون لفظ حدثني إذا سمع من لفظ الشيخ وحده، وحدثنا إذا سمع مع غيره، وأخبرني إذا قرأ الكتاب بنفسه، وأخبرنا إذا سمع قراءة الكتاب على الشيخ من غيره، وإن شك في ذلك أو شك فيما قال الشيخ هل هو بالإفراد أم بالجمع يستحسن الإفراد وإلى هذا كله أشار السيوطي في ألفيته أيضا بقوله:
стр. 251
واستحسنُوا لمُفْرَد حَدَّثَني … وقَارىء بنَفْسه أخْبَرَني
وإنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةَ حدَّثَنَا … وإن سَمعتَ قارئًا أخْبَرَنا
وحيثُ شَكَّ في سَمَاع أو عَدَدْ … أو مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ في الأسَدّ
وهذا كله على سبيل الاستحباب لا على الوجوب، وفيه العنعنة في موضع.
شرح الحديث
"عن أبي موسى" الأشعري عبد الله بن قيس ﵁، أنه "قال: أقبلت إلى النبي ﷺ " أي توجهت إليه من المحل الذي كنت فيه، وسبب إقباله ما بينته رواية المصنف الآتية برقم (٥٣٧٦) إن شاء الله تعالى قال: "أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: اذهب معنا إلى رسول الله ﷺ فإن لنا حاجة .. " الحديث.
"ومعي رجلان من الأشعرين" جملة حالية من فاعل أقبلت. أي والحال أنه قد صاحبني رجلان من قبيلة تنسب إلى أشعر، قال في اللباب: الأشعريون: بفتح الهمزة وسكون الشين، وفتح العين نسبة إلى أشعر قبيلة من اليمن.، والأشعر: هو نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب. وإنما قيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. اهـ بتصرف جـ ١/ ص ٦٤.
قال الحافظ ﵀: هما من قومه، ولم أقف على اسمهما، وقد وقع في الأوسط للطبراني من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة. في هذا الحديث أن أحدهما ابن عم أبي موسى. وعند مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة: رجلان من بني عمي. اهـ فتح جـ ١٢/ ص ٢٨٥.
"أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري" جملة حالية من الرجلين، أي حال كونهما مكتنفين لي من جهة يمينى، ومن جهة يساري "ورسول
стр. 252
الله ﷺ يستاك" جملة حالية أيضًا. أي والحال أنه ﷺ يدلك فاه بالسواك، وتقدم معني يستاك في أول الباب. "فكلاهما" مبتدأ مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثني كما قال ابن مالك:
بالألف ارفَع المُثَنَّى وكلا … إذَا بمُضْمَر مُضَافًا وُصلا
كلْتَا كَذَاكَ اثْنَان واثْنَتَانِ … كابْنَين وَابنَتَيْن يَجْريَانِ
وخبره جملة قوله: "سأل العمل (١) " أي طلب كل من الرجلين الأشعريين من رسول الله ﷺ أن يجعله واليا على بعض الأعمال، كما فسرته روايات أخرى ففي رواية عند البخاري من طريق بريد بن عبد الله "فقال أحدهما: أمِّرْنا يا رسول الله فقال الآخر مثله"، ولمسلم من هذا الوجه: "أمِّرْنا على بعض ما وَلاك الله". ولأحمد والمصنف من وجه آخر عن أبي بردة: "فتشهد أحدهما، فقال: جئناك لتستعين بنا على عملك، فقال الآخر مثله" وعندهما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه: "أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: انطلق معنا إلى رسول الله ﷺ ، فإن لنا حاجة، فقمت معهم، فقالوا: أتستعين بنا في عملك؟ " قال الحافظ: ويجمع بأنه كان معهما من يتبعهما، أو أطلق صيغة الجمع على الاثنين. أفاده في الفتح جـ ١٢/ ص ٢٨٦.
"قلت:" أي اعتذارا عن دخولهما معه مع كونهما جاءا لطلب العمل.
قاله السندي: جـ ١/ ص ١٠، ومقول القول جملة قوله: "والذي بعثك" أي أرسلك والواو للقسم والموصول مجرور بواو القسم وفعل القسم محذوف أي وأقسم بالذي أرسلك "بالحق" أي بالدين والشرع الثابت الذي لا يدخله نسخ ولا تبديل. "نبيا" حال مؤكد لبعثك، كما
стр. 253
في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] قال ابن مالك في الخلاصة:
وعَاملُ الحَال بهَا قَدْ أكِّدَا … في نَحْو لا تَعْثَ في الأرْض مُفْسدَا
وجواب القسم جملة قوله "ما" نافية "أطلعاني" كأعلماني وزنا ومعنى "على ما" أضمرا "في أنفسهما" من طلب العمل، وفي رواية أبي العميس: "فاعتذرت إلى رسول الله ﷺ مما قالوا، وقلت: لم أدر ما حاجتهم فصدقني وعذرني، وفي لفظ: فقال: "لم أعلم لماذا جاءا". قاله الحافظ.
"وما" نافية أيضا "شعرت" أي ما فطنت، ويقال: شَعَر بالشىء بالفتح يَشْعُر بالضم شعْرًا بالكسر: فَطن له قاله في المختار. وفي المصباح: وشعَرت بالشيء شعورًا من باب قَعَد، وشعْرا، وشعْرَة بكسرهما علمت. اهـ أي ما علمت "أنهما يطلبان العمل" أي الولاية. فأنْ ومعمولاها مفعول شعر، ففي الجملة الأولى نفي كونهما أخبراه قصدهما، وفي الثانية نفي علمه به، وأنه لم يتوصل إليه بأي وسيلة من القرائن، ومقصوده الاعتذار إليه ﷺ حيث شاركهما في الدخول مع كونهما يطلبان العمل الذي ساءه ﷺ طلبهما له؛ لأن طلبهما له يدل على حرصهما له. فيحملهما الحرص على عدم القيام بواجبه. لأن من سأل الإمارة فأعطيها وكلت إليه، ومن ولي من غير مسألة أعين عليها، كما بينه حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁، وسيأتي قريبا، إن شاء الله تعالى. قال أبو موسى "فكأني انظر إلى سواكه" ﷺ "تحت شفته" أي حال كونه ثابتا تحت شفته ﷺ .
قال الفيومي: الشفة: مخفف، ولامها محذوفة، الهاء عوض عنها، وللعرب فيها لغات: منهم من يجعلها هاء، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفْهَة وتجمع على شفاه، مثل كَلبة
стр. 254
وكلاب، وعلى شَفَهَات، مثل سَجْدة وسَجَدات، وتصغر على شفيهة، وكلمته مُشافهة، والحروف الشفهية. ومنهم من يجعلها واوا ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفْوَة، وتجمع على شَفَوَات، مثل شهوة وشهوات، وتصغر على شفية، وكلمته مشافاة، والحروف الشفوية، ونقل ابن فارس القولين عن الخليل. وقال الأزهري أيضا: قال الليث: تجمع الشفة على شفهات، وشفوات. والهاء أقيس، والواو أعم؛ لأنهم شبهوها بسنوات، ونقصانها حذف هائها، وناقَضَ الجوهري، فأنكر أن يقال: أصلها الواو، وقال: وتجمع في شفوات. ويقال: ما سمعت منه بنت شَفَة أي كلمةً.
ولا تكون الشفة إلا من الإنسان، ويقال في الفرق: الشفة من الإنسان، والمشْفَر من ذي الخُفّ، والجَحْفَلَة من ذي الحافر، والمقَمَّةُ من ذي الظِّلْف، والخَطْم والخُرطُوم من السباع، والمَنسَر بفتح الميم وكسرها والسين مفتوحة فيهما من ذي الجناح الصائد، والمنقَار من غير الصائد، والفنْطيسَةُ من الخنزير. اهـ المصباح.
"قلصت" أي انزوت، أو ارتفعت، يقال: قلصت شفته من باب ضرب: انزوت أي انجمعت وتقلصت مثله، وقلص الظل: ارتفع. أفاده في المصباح. والجملة حال من شفته، أي حال كونها منزوية، أو مرتفعة بسبب وضع السواك تحتها. "فقال" ﷺ لمَّا رأى حرصهما علي العمل "لا، أو" قال "لن" شك من الراوي، وفي رواية يزيد، عند مسلم: "إنا والله". الحديث "نستعين على العمل من أراده" أي من طلبه، وفي رواية عند البخاري: "من سألنا" وفي أخرى له: "أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه"، وفي أخرى فقال: "إن أخونكم عندنا من يطلبه، فلم يستعن بهما في شيء حتى مات." أخرجه أحمد. (١).
стр. 255
قاله الحافظ في الفتح جـ١٢/ ص ٢٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبين من هذه الروايات أن سبب منعه لهما من العمل خوف الخيانة منهما؛ لأن الحرص عليه يحملهما على الجور والظلم والله أعلم. ثم بعد منعهما لما ذكر قال ﷺ للذي لم يطلب العمل، وهو أبو موسى ﵁ "ولكن اذهب أنت" لتعمل لي "فبعثه" أي أرسله ﷺ واليا "على اليمن" بفتحتين: الإقليم المعروف، سمي به لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليها يمني على القياس ويمان بالألف على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان: أحدهما وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل؛ لأن الألف عوض عنه، فلا يجمع بينهما، والثاني: التثقيل. أفاده في المصباح.
"ثم أردفه" أي أتبع ﷺ أبا موسى "معاذ بن جبل" بن عمرو بن أوس ابن عائذ بمعجمة آخره بن عدي بن كعب بن عمرو بن آدي بن سعد بن علي بن أسد بن سارذة بن تَريد (١) بن جُشَم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدرا والمشاهد، له مائة وسبعة وخمسون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة، و (م) بحديث، وروى عنه ابن عباس، وابن عمر، ومن التابعين عمرو بن ميمون، وأبو مسلم الخولاني، ومسروق، وخلق. وكان ممن جمع القرآن. قال ﷺ : يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء"، وقال ابن مسعود كنا نشبهه بإبراهيم ﵇، وكان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين. توفي في طاعون عمواس (٢) سنة ١٨ في خلافة عمر ﵁، وقُبرَ ببيسان في شرقيه، قال ابن المسيب: عن ثلاث وثلاثين سنة، وبها رفع عيسى عليه
стр. 256
السلام. روى أحاديثه الجماعة. اهـ خلاصة.
فمعاذ بالنصب مفعول ثان لأردف، ثم إن ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه، ووقع عند البخاري: "بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذا إلى اليمن فقال يسرا ولا تعسرا … الحديث. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فيحمل على أنه أضاف معاذا إليه بعد سبق ولايته، لكن قبل توجهه فوصاهما عند التوجه بذلك، ويمكن أن يكون المراد أنه أوصى كلا منهما واحدا بعد آخر اهـ فتح جـ ١٢/ ص ٢٨٦.
"﵄" أي قَبلَ عملهما وجازاهما عليه، وصفة الرضى ثابتة لله تعالى كما أثبتها الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ …﴾ [الفتح: ١٨]، وقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وهي كسائر صفاته تعالى مثل الكلام والسمع والبصر، وكذا صفة الغضب، والمحبة، وغيرهما من دون فرق بينها، فمن أثبت سبع صفات يلزمه إثبات غيرها مثلها بالدليل الذي أثبت به تلك، من غير فرق. فافهم هذا، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك حيث تمر بنا أحاديث الصفات إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته: حديث أبي موسى متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف: هنا في المجتبى ٤/ ٤ وفي الكبرى ٨/ ٨ عن عمرو ابن علي عن يحيى القطان، عن قرة بن خالد، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁. وأخرجه أيضًا في باب ترك استعمال من يحرص على القضاء من كتاب آداب القضاء برقم ٥٣٨٢ من المجتبى عن عمرو بن منصور، عن سليمان بن حرب، عن عمر بن
стр. 257
علي، عن أبي عميس، عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) مختصرا ومطولا في الإجارة وفي الأحكام، وفي استتابة المرتدين عن مسدد، عن يحيي بن سعيد، عن قرة بن خالد الخ وفي الأحكام أيضا عن عبد الله بن الصباح، عن محبوب ابن الحسن، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال الخ هكذا قال المزي، وتعقبه الحافظ في قوله: وفي الأحكام أيضا الخ قائلا ورواية عبد الله بن الصباح بقصة اليهودي فقط مختصرة، ورواية مسدد قرنها في الأحكام برواية عبد الله بن الصباح، وساقها في استتابة المرتدين مطولة، واقتصر في الإجارة على قصة طلب العمل. اهـ النكت الظراف جـ ٦/ ص ٤٤٩.
وأخرجه (م) في المغازي عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد، ومحمد بن حاتم كلاهما عن يحيى بن سعيد الخ. وأخرجه (د) في الحدود عن أحمد بن حنبل ومسدد بتمامه كلاهما عن يحيى الخ. وفي القضايا عن أحمد بن حنبل بعضه.
وأخرجه أحمد في مسنده، ٤/ ٣٩٣، ٤٠٩، و ٤١٧، والبغوي في شرح السنة ١٠/ ٥٨ أفاده بعض المحققين.
المسألة الرابعة: في فوائده:
من فوائد هذا الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو جواز استياك الإمام بحضرة رعيته.
ومنها: مشروعية السواك.
ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف.
стр. 258
ومنها: كراهية سؤال الإمارة والحرص عليها.
ومنها: منع الحريص عليها منها لأن فيه تهمة، ويُوكَل إليها، ولا يعان عليها، فينجر إلى تضييع الحقوق لعجزه.
وقد وردت أحاديث في ذلك:
ففي الصحيح عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنتَ عليها".
وفيه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة"
وأخرج الطبراني والبزار بسند صحيح عن عوف بن مالك ﵁ بلفظ "أولها مَلامَة، وثانيها نَدَامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، الا من عدل".
وفي الطبراني الأوسط من رواية شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال شريك: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: "الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة" وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ "أولها ملامة، وثانيها ندامة" أخرجه الطبراني.
وعند الطبراني من حديث زيد بن ثابت رفعه: "نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه حَسْرَة يوم القيامة" أفاد هذا كله الحافظ في الفتح
جـ ١٣/ ص ١٣٤.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 259
٥ - باب الترغيب في السواك
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الترغيب في السواك. وتقدم إعراب باب. والسواك: يحتمل أن يكون بمعنى العود فيكون المعنى على حذف مضاف أي باب الترغيب في استعمال السواك، ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر فلا يحتاج إلى تقدير مضاف.
٥ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (حميد بن مسعدة) (م ٤) بن المبارك السامي بالمهملة أو الباهلي، بصري صدوق، من العاشرة مات سنة ٢٤٤. وفي (صة) عن حماد بن زيد وعبد الوارث، وبشر بن المفضل. وعنه (م ٤) قال أبو حاتم: صدوق. اهـ.
ووثقه المصنف، في أسماء شيوخه، وذكره ابن حبان في الثقات. أفاده في تت.
٢ - (محمَّد بن عبد الأعلى) (م قد ت س ق) الصنعاني البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٤٥. وفي (صة) عن يزيد بن زريع،
стр. 260
وعثام بن علي وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم. اهـ.
٣ - (يزيد بن زريع) (ع) بتقديم الزاي مصغرا البصري، أبو معاوية، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ١٨٢. وفي (صة) التميمي العيشي بتحتانية، أبو معاوية، البصري، الحافظ أحد الأعلام. عن أيوب، وحميد، وسليمان التيمي، وابن عون، وخلق. وعنه ابن المديني، ومحمد بن المنهال، وقتيبة، وخلق. قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: ثقة إمام. قال أحمد: ما أتقنه، ما أحفظه؟ قال عمرو بن علي: ولد سنة إحدى ومائة ومات سنة ١٨٢. اهـ.
٤ - (عبد الرحمن بن أبي عتيق) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أبو عتيق مقبول، من السابعة. (بخ س). وفي (صة) أبو عتيق، المدني، عن أبيه، وعطاء، وعنه ابن إسحاق، وسليمان بن بلال، وثقه ابن حبان.
قال الجامع عفا الله عنه: نسبه في السند إلى جده، وهكذا اشتهر بالنسبة إليه كما أشار إليه الحافظ في التقريب، فافهم.
٥ - (أبوه) عبد الله (خ م د س) بن محمَّد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني أخو القاسم، ثقة، من الثالثة، قتل بالحرة سنة ثلاث وستين. وفي (صة) عن عائشة، وابن عمر، وعنه ابناه محمَّد وعبد الرحمن، وثقه العجلي.
٦ - (عائشة) (ع) بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقا وأفضل أزواج النبي ﷺ ، إلا خديجة، ففيها خلاف مشهور، ماتت سنة ٥٧ علي الصحيح. وفي (صة) التيمية أم عبد الله، الفقيهة أم المؤمنين الربانية حبيبة النبي ﷺ ، لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث اتفقا على ١٧٤ وانفرد (خ) ٥٤ و (م) ٦٨، وعنها مسروق، والأسود،
стр. 261
وابن المسيب، وعروة، والقاسم، وخلق. قال ﵇: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وقال عروة: ما رأيت أعلم بالشعر من عائشة، وقال القاسم: كانت تصوم الدهر. وقال هشام بن عروة: توفيت سنة سبع وخمسين، ودفنت بالبقيع.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات إلا ابن عتيق فوثقه ابن حبان، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون. ومدنيين وهم الباقون، وأن حميدا ممن أخرج له الجماعة، إلا البخاري، ومحمد بن عبد الأعلى ممن أخرج له مسلم وأبو داود في القدر، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وعائشة ويزيد ممن اتفقوا عليهم، وعبد الرحمن ممن أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وأبوه ممن أخرج له الشيخان وأبو داود، والنسائي.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن عائشة من السبعة المكثرين روت ٢٢١٠ حديثا، وقد تقدم هذا في ١/ ١.
ومنها: أن فيه ما تقدم قريبا من القاعدة المشهورة، وهي قوله: وهو ابن زريع حيث لم ينسبه له شيخه. انظر تحقيقها في ٤/ ٤.
ومنها: أن فيه الإخبار في موضع، والعنعنة في موضعين، والتحديث في موضعين أيضا، والسماع في موضع.
شرح الحديث
"عن النبي ﷺ " أنه "قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب"
стр. 262
قال النووي رحمه الله تعالى: مطهرة بفتح الميم وكسرها لغتان ذكرهما ابن السكيت وآخرون، والكسر أشهر، وهو كل آلة يتطهر بها، شَبَّهَ السواك بها لأنه ينظف الفم، والطهارة: النظافة اهـ المجموع جـ ١/ ص ٢٦٨.
وقال السندي بعد نقل كلام النووي هذا: ما نصه: لا حاجة إلى اعتبار التشبيه؛ لأن السواك بكسر السين اسم للعود الذي يدلك به الأسنان، ولا شك في كونه آلة لطهارة الفم بمعنى نظافته. اهـ جـ ١ / ص ١٠.
وقال السيوطي ﵀: وقال زين العرب في شرح المصابيح: مطهرة ومرضاة: بالفتح كل منهما مصدر بمعنى الطهارة والرضا، والمصدر يجيء بمعنى الفاعل، أي مُطَهِّر للفم، ومُرض للرب، أو هما باقيان على مصدريتهما، أي سبب للطهارة، والرضا، ومرضاة جاز كونها بمعنى المفعول، أي مرضي للرب، وقال الكرماني: مطهرة ومرضاة: إما مصدرا ميمي بمعنى اسم الفاعل، وإما بمعنى الآلة، فإن قلت: كيف يكون سببا لرضا الله تعالى؟ قلت: من حيث إن الإتيان بالمندوب موجب للثواب، ومن جهة أنه مقدمة للصلاة، وهي مناجاة للرب، ولا شك أن طيب الرائحة يحبه صاحب المناجاة، وقيل: يجوز أن يكون المرضاة بمعني المفعول، أي مرضي للرب. وقال الطيبي: يمكن أن يقال: إنها مثل "الولدُ مَبْخَلَة مَجْبَنَة"، أي السواك مظنة للطهارة والرضا، إذ يحملُ السواكُ الرجلَ على الطهارة، ورضا الرب، وعطف مرضاة يحتمل الترتيب بأن يكون الطهارة علة للرضا، وأن يكونا مستقلين في العلية اهـ زهر جـ ١/ ص ١١.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام الطيبي هذا بعيد عن مقصود الحديث
стр. 263
فلا ينبغي أن يلتف إليه، بل المعني: أن السواك مطهر للفم، ومرض للرب لا مظنة لهما، فتأمل. والله أعلم.
وقال العلامة السندي رحمه الله تعالى: بعد ذكر كون مطهرة ومرضاة بمعنى اسم الفاعل: ما نصه: والمناسب بهذا المعنى أن يراد بالسواك استعمال العود، لا نفس العود، إما على ما قيل: إن اسم السواك قد يستعمل بمعنى استعمال العود أيضا، أو على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل يكون بمعنى اسم الفاعل من ذلك المصدر لا من غيره، فينبغي أن يكون ها هنا مطهرة ومرضاة بمعنى طاهر وراض، لا بمعنى مطهر ومرض، ولا معنى لذلك، فليتأمل. اهـ
كلام السندي جـ ١/ ص ١١.
والرب هو الله ، ويطلق الرب في اللغة: على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله ، وإذا أطلق على غيره أضيف، فقيل: رب كذا، وقد جاء في الشعر مطلقا على غير الله تعالى وليس بالكثير، ولم يذكر في غير الشعر. قاله ابن منظور في اللسان جـ ١/ ص ٣٩٩ - ٤٠٠.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في الأذكار: قال العلماء لا يطلق الرب بالألف واللام إلا على الله تعالى خاصة، فأما مع الإضافة فيقال: رب المال، ورب الدار، وغير ذلك. ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح في ضالة الإبل: "دعها حتى يلقاها ربها". والحديث الصحيح: "حتى يُهمَّ ربَّ المال من يقبل صدقته"، وقول عمر ﵁ في الصحيح: "رب الصُّرَيمَة والغُنَيْمَة". ونظائره في الحديث كثيرة مشهورة. وأما استعمال حملة الشرع ذلك فأمر مشهور معروف. قال العلماء: وإنما كره للمملوك أن يقول لمالكه: ربي يعني في حديث
стр. 264
أبي هريرة ﵁ عند الشيخين عن النبي ﷺ قال: "لا يَقُلْ أحدكم: أطعم ربك، وضيء ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". ولمسلم: "ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ومولاي، وله أيضا: لا يقولن أحدكم: عبدي، فكلكم عبيد، ولا يقل العبد ربي، وليقل: سيدي" وفي رواية له "لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، كلكم عبيد لله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي، وجاريتي، وفتاي، وفتاتي".
قالوا: لأن في لفظه مشاركة لله تعالى في الربوبية، وأما حديث: "حتى يلقاها ربها" "ورب الصُّرَيمة"، وما في معناها: فإنما استعمل لأنها غير مكلفة، فهي كالدار والمال، ولا شك أنه لا كراهة في قول: رب الدار، ورب المال. وأما قول يوسف ﷺ : ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فعنه جوابان:
أحدهما: أنه خاطبه بما يعرفه، وجاز هذا الاستعمال للضرورة، كما قال موسى ﷺ للسامري: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] أي الذي اتخذته إلها.
والجواب الثاني: أن هذا شرع من قبلنا لا يكون شرعا لنا إذا ورد شرعنا بخلافه، وهذا لا خلاف فيه، وإنما اختلف أصحاب الأصول في شرع من قبلنا إذا لم يرد شرعنا بموافقته ولا مخالفته، هل يكون شرعا لنا أم لا؟ اهـ كلام النووي في أذكاره ص ٣١٢ وقال في المجموع جـ ١ / ص ٢٦٨ بعد ذكر نحو ما تقدم: وقد أنكر بعضهم: إضافة رب إلى الحيوان، وهذا الحديث يرد قوله. يعني حديث ضالة الإبل "دعها حتي يلقاها ربها".
وقد تقدم لغات الفم في ٢/ ٢ فارجع إليه تستفد علمًا.
стр. 265
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث عائشة ﵂ حديث صحيح.
"المسألة الثانية" في بيان مواضعه عند المصنف:
لم يذكر المصنف هذا الحديث إلا في هذا الموضع في الطهارة ٥/ ٥ المجتبى، ٤/ ٤ الكبرى عن حميد بن مسعدة، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن يزيد بن زريع، عن عبد الرحمن بن أبي عَتيق، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه من أصحاب الأصول "خت".
قال الحافظ في التلخيص: هذا الحديث علقه البخاري بلا إسناد، ووصله النسائي، وأحمد، وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن أبي عتيق، سمعت عائشة بهذا، قال ابن حبان أبو عتيق هذا هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال الحافظ: هو كما قال، لكن الحديث إنما هو من رواية ابنه عبد الله، فإن صاحب الحديث هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن نسب في السياق إلى جده وكلام ابن حبان يوهم أنه من رواية أبي عتيق نفسه، وليس كذلك، وقد أوضحه المعمري في اليوم والليلة، ويؤيده، رواية أحمد بن حنبل عن عبدة بن سليمان، عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن محمَّد، سمعت عائشة به. ورواه الشافعي، عن ابن عيينة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة. ورواه الحميدي عن ابن عيينة، ثنا محمَّد بن إسحاق. وقيل: إنه رواه عن ابن إسحاق بواسطة مسعر، حكاه البيهقي عن رواية ابن أبي عمر، عن سفيان، لكن الذي في مسند بن أبي عمر ليس فيه
стр. 266
مسعر، فيحتمل أن يكون عنده علي الوجهين، وروي من طريق ابن أبي عتيق، عن القاسم، عن عائشة.
وقال الدارقطني في العلل: الصحيح أن ابن أبي عتيق سمعه من عائشة. ورواه ابن خزيمة من طريق عبيد بن عمير، عن عائشة. وجزم الشيخ تقي الدين في الإلمام: أن الحاكم أورده في المستدرك، ومراده بالطريق الأولى لا بهذه الطريق، وإن كان سياقه قد يوهم خلاف ذلك. ورواه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني: هو خطأ، والصواب عن عائشة.
وفي الباب: عن أبي هريرة رواه ابن حبان بلفظ: "عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرب"، أخرجه من طريق حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عنه، والمحفوظ عن حماد بغير هذا الإسناد من حديث أبي بكر كما تقدم، والمحفوظ عن عبيد الله ابن عمر بهذا الإسناد بلفظ "لولا أن أشق" رواه النسائي، وابن حبان، وعن ابن عمر رواه أحمد، وفي سنده ابن لهيعة، وعن أنس رواه أبو نعيم. وفيه يزيد الرَّقَاشي، وهو ضعيف جدًا، وعن أبي أمامة رواه ابن ماجه، وفيه عثمان ابن أبي العاتكة، وهو متروك. وأخرجه الطبراني من وجهين آخرين ضعيفين أيضا عن أبي أمامة، ورواه أيضا من طرق ضعيفة عن ابن عباس أيضا بزيادة "مجلاة للبصر". اهـ كلام الحافظ في التلخيص جـ ١ / ص ٦٠.
وقال العلامة الألباني: صحيح أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٧، ٦٢، ١٢٤، ٢٣٨. وكذا الشافعي في الأم ١/ ٢٠ وفي المسند ص ٤، والبيهقي ١/ ٣٤ من طريقين عن عبد الله بن محمَّد بن
стр. 267
عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: سمعت عائشة به مرفوعًا.
قلت: وإسناده صحيح، وعلقه البخاري في صحيحه ٢/ ٢٧٤ مجزوما به، قال المنذري ١/ ١٠١: وتعليقاته المجزومة صحيحة، وكذا قال النووي في المجموع ١/ ٢٦٨، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وله طرق أخرى أخرجه الدارمي ١/ ١٧٤، وأحمد ٦/ ١٤٦، والبيهقي من طريقين عن القاسم بن محمَّد عنها، وهو عند ابن خزيمة برقم ١٣٥، وابن حبان ١٤٣ قلت: وهذا سند صحيح. اهـ إرواء الغليل جـ ١/ ص ١٠٥. باختصار.
"المسألة الرابعة" في فوائد هذا الحديث:
منها: أن السواك يطهر الفم، فيصلح الإنسان لمناجات الله تعالى، وتلاوة كلامه، ودنو الملائكة منه لكونهم يحبون النظافة، فإنهم يتأذون مما يتاذي منه بنو آدم كما صح ذلك في الحديث، فينبغي الحرص على هذه الغنيمة الجليلة.
ومنها: أنه سبب لرضا الله تعالى، فعلى العبد أن يلازم ما فيه رضي ربه ، فإن رضاه هو الغاية القُصوى.
ومنها: أنه يستفاد منه استحباب أخذ السواك باليد اليمنى؛ لأنه من باب الطهارة، وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانت يد رسول الله ﷺ وسلم اليمنى لطَهوره، وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى" (١) وهذه المسألة اختلف فيها العلماء كما ذكره الحافظ العراقي في طرح التثريب جـ ٢/ ص ٧١ ونصه فيها:
السواك المأمور به هل الأولى أن يباشره المستاك بيمينه، أو بشماله، ذكر بعض متأخري الحنابلة ممن رأيته أنه يستاك بيمينه لأنه ورد في بعض
стр. 268
طرق حديث عائشة المشهور "كان يعجبه التيمن في ترجله، وتنعله، وتطهره، وسواكه". وسمعت بعض مشايخنا الشافعية يبني ذلك على أن السواك هل هو من باب التطهير والتطييب، أو من باب إزالة القاذورات، فإن جعلناه من باب التطييب استحب أن يكون بيمينه، وإن جعلناه من باب إزالة القاذورات استحب أن يليه بشماله، لحديث عائشة ﵂، فذكر الحديث الذي ذكرناه عن أبي داود، قال: وله (١) من حديث حفصة: "كان يجعل يمينه لطعامه، وشرابه، وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك".
وما استدل به على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة على ما ذهب إليه، فإن المراد منه البداءة بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهر، والبداءة بالجانب الأيمن من الفم في الاستياك كما تقدم، وأما كونه يفعل ذلك بيمينه فيحتاج إلى نقل، والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه، فيكون باليسري، وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي من المالكية، فقال في المفهم حكايته عن مالك أنه لا يتسوك في المسجد لأنه من باب إزالة القذر. اهـ كلام العراقي.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي أنه من باب التطهير والتطييب لأن حديث الباب صريح فيه، فهذا كان كذلك فاستعماله باليمين أولى لحديثي عائشة، وحفصة المتقدمين، فقول العراقي في اعتراضه: فيحتاج إلى نقل غير سديد؛ لأن هذا الحديث نقل واضح فأي نقل أصرح من هذا. وما قاله القرطبي مخالف للنصوص الدالة على جواز الاستياك في المسجد، كحديث "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" المتفق عليه، وسيأتي للمصنف ٧/ ٧، فإنه
стр. 269
ظاهر في المسجد لأن الصلاة غالبا تكون فيه، وقد ثبت "أن زيد بن خالد الجهني كان يشهد الصلوات في المساجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن، ثم رده إلى موضعه"، أخرجه أبو داود والترمذي، وسيأتي، وغير ذلك من النصوص الواضحة فيه.
والحاصل أن السواك من باب التطييب والتطهير فالمستحب أخذه باليمين، فتفطن ولا تكن أسير التقليد، فإنه مُسْتَنَد البليد. والله أعلم.
وروى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، يزيد في الحسنات، وهو من السنة يجلو البصر، ويذهب الخضرة، ويشد اللِّثَهَ، ويذهب البلغم، ويطيب الفم" وزاد البيهقي في رواية أخرى: "ويُصحُّ المعدة" وفي بعض طرقه عند غير البيهقي: "ويزيد في الفصاحة." قال البيهقي: تفرد به الخليل بن مرة، وليس بالقوي، انتهي. وقد قال فيه أبو زرعة شيخ صالح، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وضعفه الجمهور. قاله الحافظ العراقي طرح جـ٢/ ص ٦٧. والله ولي التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 270
٦ - باب الإكثار من السواك
أي هذا باب ذكر إكثاره ﷺ في طلب السواك من أمته.
والسواك يحتمل أن يكون المراد منه الآلة فيكون على حذف، مضاف أي استعماله، وأن يكون بمعنى الفعل فلا يحتاج إلى تقدير، كما تقدم غير مرة.
٦ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِى السِّوَاكِ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (حميد بن مَسْعدة) الباهلي البصري صدوق من العاشرة تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (عمران بن موسى) (ت س ق) الفزاري (١) أبو عمرو البصري، صدوق، من العاشرة مات بعد الأربعين ومائتين. وفي (تت) روى عن حماد بن زيد وعبد الوارث ويزيد بن زريع، وعبد الواحد بن زياد، ومحمد بن سواء السدوسي، وعنه عمرو بن رباح العبدي، وقاسم المطرز، وآخرون. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال
стр. 271
في موضع آخر: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. ووثقه مسلمة بن قاسم، والدارقطني. اهـ.
٣ - (عبد الوارث) (ع) بن سعيد بن ذكوان، العنبري، مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوري بفتح المثناة، وتشديد النون، البصري، ثقة ثبت، رمي بالقدر، ولم يثبت عنه، من الثامنة مات سنة ١٠٨. وفي (صة) عن عبد العزيز بن صهيب، وأبي التياح، وأيوب، وسليمان التيمي، وخلق، وعنه ابنه عبد الصمد، والقطان، وعفان بن مسلم، وخلائق، قال النسائي: ثقة ثبت، وقال الحافظ الذهبي: أجمع المسلمون على الاحتجاج به.
٤ - (شعيب بن الحبحاب) (خ م د ت س) الأزدي مولاهم، أبو صالح البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة إحدي وثلاثين ومائة، أو قبلها.
وفي (صة) عن أنس وأبي العالية. وعنه يونس بن عبيد، والحمادان قال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا. قال أحمد: ثقة.
٥ - (أنس بن مالك) (ع) بن النضر الأنصاري الخررجي، خادم
رسول الله ﷺ خَدَمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة. وفي (صة) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري النجاري، خدم النبي ﷺ عشر سنين، وذكر ابن سعد أنه شهد بدرا له ألف ومائتا حديث وستة وثمانون حديثا، اتفقا على مائة وثمانية وستين، وانفرد (خ) بثلاثة وثمانين، و (م) بأحد وسبعين، وروى عن طائفة من الصحابة، وعنه بنوه موسى والنضر، وأبو بكر، والحسن البصري، وثابت البناني، وسليمان التيمي، وخلق لا يحصون.
стр. 272
قال العجلي: كان به وَضَحٌ، مات سنة تسعين، أو بعدها، وقد جاوز المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وقد تقدم في المقدمة أنها أعلى ما وقع له من الأسانيد. وهو أول رباعياته في هذا الكتاب.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، بصريون، وهذا قلما يتفق في الأسانيد. أعنى كونه مسلسلا بالثقات من بلد واحد.
ومنها: أن أنسا آخر من مات من الصحابة بالبصرة كما مر آنفا، وأنه أحد الصحابة المكثرين السبعة [المتقدم ذكرهم] في ١/ ١، روى (١) ٢٢٨٦ حديثًا، علي ما في مسند بقي بن مخلد كما حرره ابن الجوزي، انظر تعليق العلامة أحمد محمَّد شاكر على ألفية السيوطي في الحديث ص ٢٢٠.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ في أوله والتحديثَ في موضعين، والعنعنة في موضع، والقول في موضع.
شرح الحديث
"عن أنس بن مالك" الأنصاري ﵁ أنه "قال: قال رسول الله ﷺ : قد أكثرت عليكم" أي بالغت معكم "في السواك" أي استعمال السواك هذا إذا كان المراد من السواك الآلة، وإذا كان المراد منه الفعل فلا حاجة إلى التقدير. فافهم. قاله العيني في عمدته. جـ ٥/ ص ٢٦٥.
وقال الحافظ: قوله: "قد أكثرت عليكم"، أي بالغت في تكرير طلبه منكم، أو في إيراد الأخبار في الترغيب وقال ابن التين: معناه:
стр. 273
أكثرت عليكم، وحقيق أن أفعل، وحقيق أن تطيعوا، وحكى الكرماني: أنه روى بضم أوله، أي بولغت من عند الله بطلبه منكم ولم أقف على هذه الرواية إلى الآن صريحة. اهـ فتح جـ ٥/ ص ٣٢.
وقال السندي: وفي هذا الإخبار ترغيب فيه وهذا بمنزلة التأكيد لما سبق من التكرير لمن علم به سابقا، وبمنزلة التكرير والتأكيد جميعًا لمن لم يعلم به، وفي بعض النسخ: "قد أكثرتم علي في السواك"، وهذا يقتضي أنهم طلبوا منه إيجابه، أو تخفيفه بأن يرفع تأكيد ندبه عنهم، أو أنهم عدوا ما قاله في شأنه، كثيرا، فقال لهم ذلك إنكارا عليهم ذلك اهـ كلام السندي جـ ١ / ص ١٢.
قال الجامع عفا الله عنه: وأشار في النسخة الهندية إلى أن في بعض النسخ: قد أُكثِرَت علي، وهذه النسخة إن صحت الرواية بها تكون بالبناء للمفعول، أي أكثرت على الترغيبات من الله تعالى. وهذه
النسخة التي ذكرها السندي تحتاج إلى التأكد في ثبوتها. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث أنس أخرجه البخاري في الصحيح.
"المسألة الثانية" في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا ٦/ ٦ في المجتبى، و٥/ ٥ في الكبرى، عن حميد بن مسعدة وعمران بن موسى، كلاهما عن عبد الوارث، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس ﵁.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه (خ) في الجمعة ٣٢٥/ ٢ عن أبي معمر هو عبد الله بن
стр. 274
عمرو، عن عبد الوارث، الخ. وأخرجه الدارمي في سننه ١/ ١٧٤ وأحمد في مسنده، ٣/ ١٤٣، و ٢٤٩، والبيهقي في سننه، ١/ ٣٥.
"المسألة الرابعة" في فوائده:
يستفاد من هذا الحديث تكرار طلب النبي ﷺ من أمته المداومة علي السواك، فيكون من الأمور المتأكدة، فينبغي المحافظة عليه، وفيه شدة حرص النبي ﷺ في نيل أمته رضا الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فهو ﷺ ما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، وحث إليه، ولا شرا إلا حذرها منه، وستأتي بقية الفوائد في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 275
٧ - الرُّخْصَةِ فِي السِّوَاكِ بِالْعَشِيِّ لِلصَّائِمِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية السواك بالعشي للصائم. وأراد المصنف بهذا الرد على من كره السواك للصائم بعد الزوال، ووجه استدلاله أنه لا مانع من إيجاب السواك عند كل صلاة إلا خوف لزوم المشقة، ويلزم منه كون الصوم غير مانع منه، وهذا استنباط دقيق، وتيقظ عجيب فلله دَرُّه ما أدق وأحد فهمه؛ ﵀ أفاده السندي. وهذه الترجمة ترد قول من قال: إن النسائي شافعي المذهب، وقد تقدم تحقيق ذلك في المقدمة.
والمناسبة بين هذه الترجمة والتي قبلها ظاهر من حيث إن تلك تدل على إكثار الشارع والطلب للسواك من غير تحديد بوقت دون وقت، فيدخل فيه السواك وقت العشي.
قال الفيومي رحمه الله تعالى: رخُصَ الشيء رُخْصًا فهو رخيص من باب قَرُب، وهو ضد الغلاء، ويتعدى بالهمزة فيقال: أرخص الله السعر، وتعديته بالتضعيف فيقالَ: رخَّصه الله غير (١) معروف، والرُّخْص وزانَ قُفْل اسم منه، والرُّخصة وزان غرفة، وتضم الخاء للإتباع، ومثله ظلمة وظلُمة، وهدْنة وهدُنة، وقرْبة وقرُبة، وجمْعة وجمُعة، وخُلبة وخُلُبة، لليف، وجبْنة وجبنة لما يؤكل، وهدْبة وهدُبة الثوب. والجمع رُخَص، ورُخُصات مثل غُرَف وغُرُفات.
والرخصة: التسهيل في الأمر، والتيسير، يقال: رخَّص الشرع في
стр. 276
كذا ترخيصا وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله. اهـ. المصباح.
قال الجامع عفا الله عنه: والمراد في قول المصنف الترخيص مطلق التسهيل لا أنه كان منهيا عنه ثم رخص فيه. فليست الرخصة هنا الرخصة عند الأصوليين، وهي الحكم المتغير من حيث تعلقه بالمكلف من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي، كما إذا تغير من حرمة الفعل أو الترك إلى الحل. قاله في نشر البنود شرح مراقي السعود جـ ١/ ص ٥٠.
والحاصل أن المراد هنا الرخصة اللغوية، وهي التسهيل والتوسيع المطلق، فتنبه.
٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة حجة. تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) (ع) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو، الأصبحي، أبو عبد الله، المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري أصح الأسانيد كلها مالك، عن نافع، عن ابن عمر، من السابعة، مات سنة ١٧٩ وكان مولده سنة ٩٣، وقال الواقدي: بلغ ٩٠ سنة.
стр. 277
وفي (صة) أحد أعلام الإسلام وإمام دار الهجرة. عن نافع، والمقبري، ونعيم بن عبد الله، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأيوب، وزيد بن أسلم، وخلق. وعنه من شيوخه: الزهري، ويحيى الأنصاري، وممن مات قبله ابن جريج، وشعبة، والثوري، وخلق، وابن عيينة والقطان، وابن وهب وخلائق، آخرهم موتا أبو حذافة السهمي، قال الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه، قال ابن مهدي: ما رأيت أحدا أتم عقلا ولا أشد تقوى من مالك. وقال ابن المديني: له نحو ألفي حديث.
٣ - (أبو الزناد) (ع) عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ١٣٠ وقيل: بعدها.
وفي (صة) كان أحد الأئمة. عن أنس، وابن عمر، وعمر بن أبي سلمة مرسلًا، وعن الأعرج فأكثر، وابن المسيب، وطائفة. وعنه موسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، ومالك والليث، والسفيانان، وخلق. قال أحمد: ثقة أمير المؤمنين، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه صاحب سنة، وقال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وقال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة طالب. قال الواقدي: مات فجأة سنة ثلاثين ومائة. قال عمرو بن علي، وابن معين سنة احدي قال الحافظ شمس الدين الذهبي: ولي بعض أمور بني أمية فَتُكلم فيه لأجل ذلك، وهو ثقة حجة لا يعلق به جرح أخرج له الجماعة.
٤ - (الأعرج) (ع) عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، من الثالثة، مات سنة ١١٧. وفي (صة) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم، أبو داود المدني القارئ. عن أبي هريرة، ومعاوية، وأبي سعيد. وعنه الزهري، وأبو الزبير،
стр. 278
وأبو الزناد، وخلق، وثقه جماعة. قال أبو عبيد: توفي سنة ١١٧ بالأسكندرية.
٥ - (أبو هريرة) اليماني الدوسي نقيب أهل الصفة، وأحفظ الصحابة، اسمه: عبد الله بن عمرو، أو عبد الرحمن بن صخر ﵁. تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، أجلاء وكلهم مدنيون إلا قتيبة، فبغلاني، وأنهم ممن اتفق الجماعة بالإخراج لهم.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي أبو الزناد، عن الأعرج.
ومنها: أنه من أصح الأسانيد في رواية عن البخاري كما تقدم قريبًا.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة كما تقدم في ١/ ١ روى ٥٣٧٤.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ والعنعنةَ، والقول.
شرح الحديث
"عن أبي هريرة، ﵁ "أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي" أي لولا أن أثقل عليهم، من المشقة، وهي الشدة. يقال: شق عليَّ الأمرُ يُشقّ شَقّا، ومَشَقّة، أي ثقل علي. قاله الأزهري. أفاده ابن منظور. في لسانه. وقال السندي: أي لولا خوف أن أشق، فلا يرد أن لولا لانتفاء الشيء لوجود غيره ولا مشقة هنا اهـ. جـ ١ / ص ١٢. وفي الكبري "على المؤمنين"، وفي "البخاري" "لولا أن أشق على أمتي، أو على الناس".
стр. 279
وقال البدر العيني ﵀: لولا كلمة ربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو لولا زيد لأكرمتك، أي لولا زيد موجود، والمعنى ها هنا: لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناها، إذ
الممتنع المشقة، والموجود الأمر.
وقال البيضاوي: لولا كلمة تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، والحق أنها مركبة من لو الدالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ولا النافية، فدل الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتفاء النفي
ثبوت، فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة. اهـ عمدة، ٥/ ٢٦٢.
وقوله: "أن أشق"، "أن" مصدرية وهي ومدخولها في محل رفع مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا أي لولا المشقة، أي مخافتها، موجودة. "لأمرتهم" أي أمر إيجاب "بالسواك" أي باستعماله؛ لأن السواك هو الآلة، وقيل: يطلق على الفعل أيضا وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير مضاف. أفاده الحافظ.: "عند كل صلاة" أي عند إرادة كل صلاة فرضا أو نفلا، ورواية البخاري "مع كل صلاة"، وفي رواية مالك والشافعي والبيهقي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد، وذكره البخاري تعليقا في كتاب الصوم عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" والتوفيق بين الروايتين أن السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة لأن الوضوء شُرع لها. هكذا قيل.
قال الجامع: في هذا التوفيق نظر لأنه يؤدي إلى أن السواك للوضوء يكفي للصلاة فلا يطلب لها، وهذا غير سديد، بل المعول عليه أنه يطلب السواك عند الوضوء وعند الصلاة عملا بالروايتين، كما أنه يطلب عند كل شيء يغير الفم لحديث عائشة ﵂ المتقدم" أن النبي ﷺ -
стр. 280
قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب".
وقال الحافظ ﵀: واستدل بقوله: "عند كل صلاة" على استحبابه للفرائض والنوافل، ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة، وما ضاهاها من النوافل التي ليست تبعا لغيرها كصلاة العيد، وهذا اختاره أبو شامة، ويتأيد بقوله في حديث أم حبيبة عند أحمد بلفظ "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضئون"، وله من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك" فسوى بينهما، وكما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة إلا أن طال الفصل مثلا، فكذلك السواك.
ويمكن أن يفرق بينهما بأن الوضوء أشق من السواك، ويتأيد بما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين ثم ينصرف فيستاك" وإسناده صحيح، لكنه مختصر من حديث طويل أورده أبو داود، وبين فيه أنه تخلل بين الانصراف والسواك نوم. وأصل الحديث في مسلم مبينًا أيضا. اهـ فتح جـ ٢/ ص ٤٣٧.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي تعميم الاستحباب للفرائض والنوافل لظهور قوله: "عند كل صلاة" في ذلك.، وأما قوله: في حديث أم حبيبة "كما يتوضئون" فهو تشبيه في كونه مؤكدا كتأكد الوضوء للصلاة، لا التسوية في كل شيء بدليل أن السواك يطلب في حالة لا يطلب فيها الوضوء كدخول بيته، كما يأتي في حديث عائشة ﵂. والله أعلم.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حالًا تقرب إلى الله، فاقتضى أن تكون حال
стр. 281
كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة، وقد قيل: إن ذلك لأمر يتعلق بالملك، وهو أنه يضع فاه على في القارئ، ويتأذى بالرائحة الكريهة، فسن السواك لأجل ذلك. اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٧٧. بتصرف.
قال الجامع عفا الله عنه: أما وضع الملك فاه على فم القارئ ففيه حديث علي ﵁، أخرجه البزار بسند رجاله ثقات (١) كما قال الهيثمي مرفوعًا: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيسمع لقراءته، فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك، فطهروا أفواهكم للقرآن".
وأما كونه يتأذى بالرائحة الكريهة: فيدل له ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ : قال: "من أكل من هذه البقلة، الثوم" وقال مرة: "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذي مما يتأذى منه بنو آدم". وسيأتي مزيد تحقيق لهذا البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث أبي هريرة حديث متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف في هذا الموضع ٧/ ٧ في المجتبى، و ٦/ ٦ في الكبرى، عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
стр. 282
أبي هريرة ﵁. وأخرجه أيضا برقم ٥٣٤ من المجتبى. (١)
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: أخرجه الأئمة الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، من رواية الأعرج، والترمذي من رواية أبي سلمة، وابن ماجه من رواية سعيد المقبري كلهم عن أبي هريرة ﵁.
قال: واختلفت الرواة عن مالك في لفظه، فقال أبو مصعب وجماعة "ولأمرتهم بالسواك" يعني أنه لم يزد "مع كل صلاة أو نحوه" وكذا قال عبد الله بن يوسف، وزاد "مع كل صلاة" رواه البخاري من طريقه، وقال يحيى بن يحيى، وآخرون: "علي أمتي" فقط، ولم يقولوا "أو على الناس" وقال القعنبي، وأيوب بن صالح: "على المؤمنين، أو على الناس" وكذا قال معن بن عيسى، وزاد في روايته أيضا: "عند كل صلاة" وزاد أيضا قتيبة عن مالك في روايته: "عند كل صلاة" كما رواه النسائي، وكذا قال ابن عيينة عن أبي الزناد، كما رواه مسلم وغيره، وقد رواه جماعة عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد، عن أبي هريرة مرفوعا فزادوا فيه "مع كل وضوء" كذا رواه عن مالك الشافعي في رواية حرملة، وروح بن عبادة، وبشر بن عمر الزهراني، وإسماعيل بن أبي أويس، ورواه النسائي من رواية بشر بن عمر، والبيهقي من رواية روح، وإسماعيل، وقد ذكرها البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما، فقال: وقال أبو هريرة، ووصلها ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وصححها، وهي في الموطأ موقوفة على أبي هريرة، وليس في بعض الروايات ذكر الوضوء، وفي بعضها ذكره على الشك
стр. 283
بينه وبين الصلاة. اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى طرح جـ ٢/ ص ٦٢.
وقال الحافظ ﵀ في التلخيص: قال ابن منده: وإسناده يعني إسناد حديث "لولا أن أشق" الخ مُجْمَع على صحته، وقال النووي: غلط بعض الأئمة الكبار، فزعم أن البخاري لم يخرجه، وهو خطأ منه، وليس في الموطأ من هذا الوجه، بل فيه عن ابن شهاب، عن حميد، عن أبي هريرة، قال: "لولا أن يشق علي أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء". ولم يصرح برفعه. قال ابن عبد البر: وحكمه الرفع، وقد رواه الشافعي عن مالك مرفوعًا.
وفي الباب عن زيد بن خالد رواه الترمذي، وأبو داود، وعن علي رواه أحمد، وعن أم حبيبة رواه أحمد أيضا، وعن عبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر، وأنس، رواها أبو نعيم في كتاب السواك، وإسناد بعضها حسن، وعن ابن الزبير رواه الطبراني، وعن ابن عمر، وجعفر بن أبي طالب رواهما الطبراني أيضا. اهـ كلام الحافظ في التلخيص جـ ١/ ص ٣٦٨ من هامش المجموع.
وزاد العلامة الألباني: جماعة آخرين: العباس بن عبد المطلب، عند الحاكم، وأحمد، ورجل من أصحاب النبي ﷺ عند أحمد بسند صحيح، وزينب بنت جحش عند أحمد، وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، وله رؤية رواه أبو داود والحاكم وغيرهما بسند حسن. أفاده في الإرواء جـ ١/ ص ١١٠، ١١١.
"المسألة الرابعة" في اختلاف العلماء في حكم السواك:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في السواك هل هو واجب أم سنة؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوبه، بل ادعى
стр. 284
بعضهم فيه الإجماع، وحكى الشيخ أبو حامد، والماوردي عن إسحاق ابن راهويه أنه قال: هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامدا بطلت صلاته، وعن داود أنه واجب، ولكنه ليس بشرط، واحتج من قال: بوجوبه بورود الأمر به، فعند ابن ماجه من حديث أبي أمامة مرفوعا "تَسَوَّكُوا" ولأحمد نحوه من حديث العباس، وفي الموطأ في أثناء حديث "عليكم بالسواك" ولا يثبت شيء منها، وعلى تقدير الصحة فالمنفي في مفهوم حديث الباب الأمر به مقيدا بكل صلاة لا مطلق الأمر، ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق، ولامن ثبوت المطلق التكرار. اهـ فتح جـ ٥/ ص ٣١.
وقال النووي ﵀: وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع
على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون. قال: وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه انتهى كلام النووي في شرح مسلم جـ ٣/ ص ١٤٢.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام لا يليق بجلالة النووي فإن الإمام داود بن علي الظاهري رحمه الله تعالى جبل من جبال العلم، فكيف لا تعد مخالفته ضارة في انعقاد الإجماع، فانظر ترجمته في كتب الرجال تَرَ حاله ودرجته بين العلماء الأعلام، ففي طبقات الحفاظ للسيوطي: داود بن علي بن خلف الحافظ الفقيه المجتهد إلى أن قال: وصنف التصانيف (١)، وكان بصيرا بالحديث صحيحه وسقيمه، إمامًا
стр. 285
ورعًا ناسكًا زاهدًا كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان. اهـ.
وفي سير أعلام النبلاء: الإمام البحر الحافظ العلامة عالم الوقت أبو سليمان البغدادي المعروف بالأصفهاني مولى أمير المؤمنين المهدي رئيس أهل الظاهر. اهـ جـ ١٣/ ص ٩٧.
قال الجامع: فإذا كان مثل داود مع جلالته لا يعتد في الإجماع وعدمه خلافه، فَمَن الذي يعتد به في ذلك؟ هيهات هيهات.
وبالجملة فهذا الكلام هفوة طغَى بها القلم من غير استشعار بما فيها من الألم. وقد سبق النوويَّ جماعة في هذا الكلام، ذكرهم الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء.
ولقد أجاد العلامة الشوكاني في الرد علي هذا القول حيث قال:
وعدم الاعتداد بخلاف داود مع علمه وورعه وأخذ جماعة من الأئمة بمذهبه من التعصبات التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل المذاهب وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين، فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة فهي بالنسبة الي مقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادَّة لصريح الرواية في حيِّز القلة المتبالغة، فإن التعويل على الرأي وعدم الاعتناء بعلم الأدلة قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر، وأما داود فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه الظاهر وجموده عليه هي في غاية الندرة، ولكن:
لهَوَى النُّفُوس سَريرَةٌ لا تُعلَمُ
اهـ كلام الشوكاني في نيله جـ ١/ ص ١٥٩.
وقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء في هذا البحث كلامًا