← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

هاشم، وبصريين، وهم الباقون ما عدا عائشةَ ﵂ فمدنية. ومنها: أن أبا هاشم، وأبا مجلز، والحارث بن نوفل هذا الباب أول محل ذكرهم من الكتاب. ومنها: أن الحارث من أفراد المصنف. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابية. ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثا. قال الجامع عفا الله عنه: شرح هذا الحديث يعلم مما قبله فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته، وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث المسألة الأولى: هذا الحديث من أفراد المصنف من بين أصحاب الأصول، وهو حديث صحيح، أخرجه هنا -١٨٨/ ٢٩٦ - والكبرى -١٦٨/ ٢٨٩ - بهذا السند فقط. المسألة الثانية: قال الحافظ ﵀: ليس بين حديث الغسل، وحديث الفرك تعارض, لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف، لا على الوجوب، وهذه طريقة الشافعي، وأحمد، وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبا والفرك على ما كان يابسا، وهذه طريقة الحنفية، والطريقة الأولى أرجح, لأن فيها العمل بالخبر والقياس معا؛ لأنه لو كان نجسا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك. ويرد الطريقة الثانية أيضا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: "كانت تسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، وتحكه من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه" فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين.

стр. 2557

وأما مالك فلم يعرف الفرك، وقال: إن العمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات، وحديث الفرك حجة عليهم، وحمل بعض أصحابه الفرك على الدلك بالماء، وهو مردود بما في إحدى روايات مسلم عن عائشة: "لقد رأيتني، وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسا بظفري" وبما صححه الترمذي من حديث همام بن الحارث أن عائشة أنكرت على ضيفها غسله الثوب، فقالت: لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفرك بأصابعه، فربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي". وقال بعضهم: الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة. وهو مردود أيضا بما في إحدى الروايات من حديثها أيضا: "لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا فيصلي فيه" وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة، وأصرح منه رواية ابن خزيمة "أنها كانت تحكه من ثوبه ﷺ وهو يصلي". وعلى تقدير عدم ورود شيء من ذلك، فليس في قولها: "كنت أغسل الجنابة من ثوبه، ما يدل على نجاسة المني؛ لأن غسلها فعل، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده. وطعن بعضهم في الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المني بأن مني النبي ﷺ طاهر دون غيره كسائر فضلاته. والجواب على تقدير صحة كونه من الخصائص أن منيه كان عن جماع، فيخالط مني المرأة، فلو كان منها نجسا، لم يكتف فيه بالفرك، وبهذا احتج الشيخ الموفق وغيره على طهارة رطوبة فرجها، قال: ومن قال: إن المني لا يسلم من المذي فيتنجس به لم يُصبْ, لأن الشهوة إذا اشتدت خرج المني دون المذي والبول كحالة الاحتلام والله أعلم. انتهى كلام الحافظ (١).

стр. 2558

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن في قوله: لم يكتف فيه بالفرك نظرا؛ لأن بعض من يقول بنجاسة المني يرى أن تطهيره يكون بالفرك تخفيفا، كما خفف تطهير النعل بالمسح، وهذا هو الذي ادعاه الشوكاني حيث قال بترجيح القول بنجاسته. فالأولى في الاستدلال القاطع الاستدلال بحديث عائشة الذي مَرّ قريبا عند ابن خزيمة: "أنها كانت تحكه من ثوبه ﷺ ، وهو يصلي" لأنه لو كان نجسا لما صلى به. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. ٢٩٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: الْحَكَمُ أَخْبَرَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أَفْرُكَهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . رجال الإسناد: سبعة ١ - (عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد -مصغرا- الجرمي البصري صدوق من [١١] تقدم في ١٠٠/ ١٣٠. ٢ - (بهز) بن أسد البصري العمي أبو الأسود ثقة من [٩] تقدم في ٢٤/ ٢٨. ٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي ثم البصري ثقة ثبت حجة [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.

стр. 2559

٤ - (الحكم) بن عتيبة أبو محمَّد كوفي ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمران كوفي ثقة فقيه [٥] تقدم في ٢٩/ ٣٣. ٦ - (همام) بن الحارث بن قيس النخعي أبو عمران كوفي ثقة عابد [٢] تقدم في ٩٦/ ١١٨. ٧ - (عائشة أم المؤمنين) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته. ومنها: أن رواته كلهم ثقات غير شيخه، فصدوق. ومنها: أنهم ما بين بصريين وهم إلى شعبة، وكوفيين وهم من بعده، إلا عائشة فمدنية. ومنها: أن شيخه من أفراده لم يرو عنه غيره من أصحاب الأصول. ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: لقد رأيتني) أي رأيت نفسي (وما) نافية (أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ) تعني بذلك أنها تكتفي بالفرك، ولا تغسله، وهذا محمول على ما إذا كان يابسا جمعا بين الحديث والأحاديث الأخرى التي تنص على أنها كانت تغسل المني. فتأمل. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2560

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره في هذا الكتاب: أخرجه المصنف هنا، وفي ٢٩٨، وفي ٢٩٩. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه (م د ق). فأخرجه (م) في الطهارة عن محمَّد بن حاتم عن أبيه، عن ابن عيينة، عن منصور، وعن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش -كلاهما عن همام، زاد الأعمش، والأسود - كلاهما عن عائشة ﵂. وأخرجه (د) فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام به. وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمَّد، عن أبي معاوية، وعن محمَّد بن طريف، عن عَبْدَة بن سليمان، كلاهما عن الأعمش به، ولم يذكر الأسود. قال الجامع عفا الله عنه: بقية المسائل تُعلم مما سبق، فارجع إليها تزدد علمًا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 2561

٢٩٨ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ . رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (الحسين بن حريث) أبو عَمَّار الخُزَاعي مولاهم، مروزي ثقة حافظ من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٥. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمَّد الكوفي، ثم المكي ثقة ثبت حجة فقيه من كبار [٨] تقدم في ١/ ١. ٣ - (منصور) بن المعتمر أبو عَتَّاب (١)، كوفي ثقة ثبت من [٦] وكان لا يدلس، تقدم في ٢/ ٢. والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث واضحٌ مما تقدم. ٢٩٩ - أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَرَاهُ فِي ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَحُكُّهُ.

стр. 2562

رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (شعيب بن يوسف) النسائي أبو عمرو، ثقة صاحب حديث من [١٠] تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٢ - (يحيى بن سعبد) بن فَرُّوخ أبو سعيد القطان البصري ثقة ثبت حجة من [٩] تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمَّد الكوفي ثقة ثبت مدلس من [٥] تقدم في ١٧/ ١٨. والباقون تقدموا قريبا. والشرح واضح أيضا مما سبق، والضمير في قولها: "أرَاه" للمني، وكذا في "أحكه". ٣٠٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (حماد بن زيد) بن درْهم أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت من

стр. 2563

كبار [٨] في ٣/ ٣. ٣ - (هشام بن حسان) الأزدي القُردُوسي، أبو عبد الله البصري، يقال: كان نازلا في القَرَاديس، فنُسبَ إليهم، ويقال: مولاهم. أحد الأعلام. روى عن حميد بن هلال، والحسن البصري، ومحمد، وأنس وحفصة بنت سيرين، وعكرمة بن عمار، وواصل مولى ابن عيينة، وأبي معشر زياد بن كليب، وغيرهم. وعنه عكرمة بن عمار، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وزائدة، والحمادان، والسفيانان، ويحيى القطان، وحفص بن غياث، وآخرون. قال ابن أبي عروبة: ما رأيت أحفظ عن محمَّد بن سيرين من هشام، وقال ابن عيينة: كان هشام أعلم الناس بحديث الحسن. قال ابن المديني: كان يحيى بن سعيد وكبار أصحابنا يثبتون هشام بن حسان، وكان يحيى يضعف حديثه عن عطاء، وكان الناس يرون أنه أخذ حديثه عن حوشب. قال أحمد: لا بأس به عندي، وما يكاد يُنكَر عليه شيء إلا وجد غيره قد رواه إما أيوب، وإما عوف. ووثقه ابن معين، وقال مرة: لا بأس به، وقال العجلي: ثقة حسن الحديث. وقال أبو حاتم: كان صدوقا، وقال: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله كثير الحديث. ووثقه عثمان بن أبي شيبة، قال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء لأنه كان يرسل، قال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة، ولم أر في حديثه منكرا، وهو صدوق. وتكلم ابن علية في حديثه عن الحسن، وقال ابن عيينة: لقد أتى هشام أمرا عظيما بروايته عن الحسن، قيل لنُعيم: لمَ؟ قال:

стр. 2564

لأنه كان صغيرا. أخرج له الجماعة، مات سنة [٧] أو [١٤٨]. ٤ - (أبو معشر) زياد بن كليب التميمي الحنظلي الكوفي. روى عن إبراهيم النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وفضيل بن عمرو الفُقَيمي. وعنه قتادة، وخالد الحذاء، وسعيد بن أبي عروبة، ومنصور، ومغيرة وهشام بن حسان وغيرهم. قال العجلي: كان ثقة في الحديث قديم الموت. وقال أبو حاتم: صالح من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحب إليَّ من حماد بن أبي سليمان. وقال النسائي: ثقة، ووثقه ابن المديني، وأبو جعفر البُسْتيّ. مات سنة [١٢٠]، وقيل: سنة [١١٩] قاله ابن حبان، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وقال ابن سعد: توفي في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وكان قليل الحديث، قال الحافظ: وهذا يرجح أنه مات سنة [١٢٠] أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنف. والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث واضح مما تقدم. ٣٠١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَجِدُهُ فِي ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَحُتُّهُ عَنْهُ.

стр. 2565

رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمَّد بن كامل المروزي) يقال: بغدادي الأصل. روى عن عبد العزيز بن أبي حازم، وهُشيم، وعباد بن العوام، وعبد الوهاب بن عطاء وغيرهم. وروى عنه الترمذي، والمصنف، وإبراهيم بن يحيى المروزي. قال المصنف: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. ٢ - (هشيم) بن بشير بن القاسم أبو معاوية السلمي واسطي ثقة مدلس [٧] تقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (مُغيرة) بن مقْسَم الضَّبِّي مولاهم، أبو هشام الكوفي الفقيه. قيل: ولد أعمى. روى عن أبيه، وأبي وائل، وأبي رَزين الأسدي، وإبراهيم النخعي، وَالشعبي، ومجاهد وآخرين. وعنه سليمان التيمي، وشعبة، والثوري، وإبراهيم بن طَهْمان، وآخرون. قال شعبة: كان مغيرة أحفظ من الحكَم، وفي رواية: أحفظ من حماد، وقال ابن فضيل: كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم. وقال أبو بكر بن عياش: ما رأيت أحدا أفقه من مغيرة فلزمته، وفي رواية: كان من أفقههم. وقال جرير، عن مغيرة: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته. وقال معمر: كان أبي يحثني على حديث مغيرة، وقال أبو حاتم عن أحمد: حديث مغيرة مدخولٌ عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العُكلي، وعبيدة، وغيرهم. قال: وجعل يضعف حديث مغيرة، عن إبراهيم وحده، قال: وكان إبراهيم صاحب سنة ذكيًّا حافظًا، وقال ابن

стр. 2566

أبي مريم: عن ابن معين: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم عن ابن معين ما زال مغيرة أحفظ من حماد وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: مغيرةُ أحب إليك، أو ابن شبرمة في الشعبي؟ فقال: جميعا ثقتان. وقال العجلي: مغيرة ثقة فقيه الحديث، إلا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم فإذا وُقِّفَ أخبرهم ممن سمعه، وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان عثمانيا. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع مغيرة من مجاهد؟ قال: نعم، ومن أبي وائل، كان لا يدلس، سمع من إبراهيم مائة وثمانين حديثا، قال: وقال جرير: جلست إلى أبي جعفر الرازي، فقال: إنما سمع مغيرة من إبراهيم أربعة أحاديث، فلم أقل له شيئا، قال علي: وفي كتاب جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم مائة سماع. وقال النسائي: مغيرة ثقة، وقال ابن فضيل عن أبيه: كنا نجلس أنا ومغيرة وَعَدَّ ناسا نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان مدلسا، وقال إسماعيل القاضي: ليس بقوي فيمن لَقي؛ لأنه يدلس، فكيف إذا أرسل. مات سنة [١٣٢]، وقيل: [١٣٣]، وقيل: سنة [١٣٦] أخرج له الجماعة. والباقون تقدموا في السند السابق، وشرح الحديث واضح. "إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2567

١٨٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي بَوْل الصَّبِيِّ الذِي لَمْ يَأكُلِ الطَّّعامَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم بول الصبي الذي لم يأكل الطعام. والصَّبيّ: فَعيل: الصَّغير, والجمع صِبْيَة، وصِبْيان، والصِّبَا بالكسر مقصورا: الصِّغر، والصَّبَاء وزان كَلام لغة فيه، يقال: كان ذلك في صباه، وفي صبَائه (١). ٣٠٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) الإمام العلم الحجة الثبت أبو عبد الله المدني -٧ - تقدم في ٧/ ٧.

стр. 2568

٣ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري المدني الحجة الثبت من كبار [٤] تقدم في ١/ ١. ٤ - (عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود المدني ثقة ثبت فقيه -٣ - تقدم في ٤٥/ ٤٦. ٥ - (أم قيس بنت محصن) اسمها آمنة، وقيل: جُذامة، أخت عُكَاشَة صحابية مشهورة، لها أحاديث، ﵂، تقدمت في ١٨٥/ ٢٩٢. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء فقهاء، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني، وبَغْلانُ قرية من قُرى بَلْخَ. شرح الحديث (عن أم قيس بنت محصن) -بكسر فسكون، وفتح صاد- ﵂ (أنها أتت بابن لها صغير) الابنُ لا يطلق إلا على الذكر، بخلاف الولد، وقوله: "لها" جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لابن، وكذا قوله: "صغير". والمراد بالصغير هنا: الرضيعُ، بدليل تفسيره بقوله: "لم يأكل الطعام" فإنه إذا أكل يسمى فَطيما، وغُلاما أيضا، إلى سبع سنين. وقال الزمخشري: الغلام هو الصغير إلى حدّ الالتحاء. وقال بعض أهل اللغة: ما دام الولد في بطن أمه فهو جَنين، فإذا ولدته يسمى صبيا ما دام رضيعا، فإذا فَطَم يسمى غلاما إلى سبع سنين، فمن هذا عُرف أن الصغير يطلق إلى حد الالتحاء من حين يولد، فلذلك قيد في الحديث بقوله: "لم يأكل الطعام" (١).

стр. 2569

ومات ابنها في عهد النبي ﷺ ، وهو صغير كما رواه النسائي، قال الحافظ: ولم أقف على تسميته (١). (لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ) جملة في محل جر صفةً لابن بعد صفتين، أو في محل نصب على الحال منه. قال الحافظ: المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والعسل الذي يُلعَقُهُ للمداواة وغيرها، فكأن المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن علي الاستقلال، هذا مُقتَضَى كلام النووي في شرح مسلم، وشرح المهذب. وقال في "نكت التنبيه": المراد أنه لم يأكل غير اللبن، وغير ما يُحَنَّك به، وما أشبهه، وحَمَلَ الموفّقُ الحموي في شرح التنبيه قَوَله: "لم يأكل" على ظاهره، فقال: معناه: لم يستقل بجعل الطعام في فيه، والأول أظهر، وبه جزم الموفق ابن قدامة وغيره. وقال ابن التين: يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوت بالطعام، ولم يَسْتَغْن به عن الرضاع، ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليُحنكَه ﷺ ، فيحمل النفي على عمومه. انتهى كلام الحافظ (٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول هو الراجح، كما قال الحافظ، وإن اعترض عليه العيني فيه، ويؤيده ما يأتي في قصة الحسن، ففيه "أنه أتى إليه، وهو يَحْبُو، وهو ﷺ نائم فصَعدَ على بطنه، ووضَعَ ذَكره في سُرَّته فبال … " ومعروف أنه في ذلك الوقت تقدم له التحنيك بالتمر ونحوه. والله أعلم.

стр. 2570

(فأجلسه رسول الله ﷺ ) أي وضعه، إن قلنا: إنه كان لَمَّا وُلدَ، ويحتمل أن يكون الجلوس حصل منه على العادة إن قلنا كان في سنِّ مَنْ يحبو كما في قصة الحسن. قاله الحافظ (١). ورد العيني هذا بقوله: ليس المعنى كذلك, لأن الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع، وإذا كان قائما كانت الحال التي يخالفها القعود، والمعنى ها هنا أقامه عن مضطجعه لأن الظاهر أن أم قيس أتت به وهو في قِمَاطة (٢) مضطجع، فأجلسه النبي ﷺ ، أي أقام في حجره وإن كانت أتت به وهو في يدها بأن كان عمره مقدار سنة أو جاوزها قليلا، والحال أنه رضيع، يكون المعنى تناوله منها، وأجلسه في حجره، وهو يمسكه لعدم مسكته, لأن أصل تركيب هذه المادة يدل على ارتفاع الشيء. انتهى كلام العيني (٣). قال الجامع عفا الله عنه: قال الفيومي ﵀: الجلوس غير القعود، فإن الجلوس هو الانتقال من سُفل إلى علو، والقعود: هو الانتقال من علو إلى سفل، فعلى الأول يقال لمن هو نائم أو ساجد: اجلس، وعلى الثاني يقال لمن هو قائم: اقعد. وقد يكون جلس بمعنى قعد، يقال: جلس متربعا، وقعد متربعا، وقد يفارقه، ومنه "جلس بين شُعَبها" أي حصل وتَمَكَّن، إذ لا يسمى هذا قعودا، فإن الرجل حينئذ يكون معتمدا على أعضائه الأربع، ويقال: جلس متكئا, ولا يقال: قعد متكئا بمعنى الاعتماد على أحد الجانبين، وقال الفارابي وجماعة: الجلوس نقيض القيام، فهو أعم من القعود، وقد يستعملان بمعنى الكون والحصول، فيكونان بمعنى واحد، ومنه يقال: جلس

стр. 2571

متربعا، وجلس بين شعبها أي حَصَلَ وتمكن. انتهى كلام الفيومي (١). قال الجامع: فعلى هذا لا معنى لاعتراض العيني على الحافظ، بل ما قاله صحيح، والله أعلم. (في حجره) بفتح الحاء وكسرها، وسكون الجيم لغتان مشهورتان، مُقَدَّم بدن الإنسان إذا جلس، وقد تقدم البحث عنه في ١٨٥/ ٢٩٣. (فبال على ثوبه) أي النبي ﷺ ، وأغرب ابن شعبان من المالكية، فقال: المراد ثوب الصبي، والصواب الأول، قاله في الفتح جـ ١ ص ٩٠ (فدعا) ﷺ (بماء فنضحه) أي رشَّ عليه، قال ابن سيده: نَضَح الماء عليه يَنْضَحُهُ نَضْحًا: إذا ضَرَبه بشيء فأصابه منه رشاش، ونَضَحَ عليه الماء رَشَّ، وقال ابن الأعرابي: النضح -بالحاء المهملة- ما كان على اعتماد، والنضخ -بالخاءٍ المعجمة- ما كان على غير اعتماد، وقيل: هما لغتان بمعنى، وكله رَشَّ. وفي الواعي لأبي محمَّد، والصحاح لأبي نصر، والمجمَل لابن فارس، والجمهرة لابن دريد، وابن القطوية وابن القطاع، وابن طريف في الأفعال، والفارابي في ديوان الأدب، وكراع في المنتخب وغيرهم: النضح: الرش. قاله العيني (٢). ولمسلم من طريق الليث، عن ابن شهاب: "فلم يزد على أن نَضَح بالماء" وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب: "فَرَشَّه" زاد أبو عوانة في صحيحه "عليه". ثم إنه لا تخالف بين رواية "نَضَح" ورواية "رَشَّ" لأن معنى النضح والرش واحد، كما نص عليه هؤلاء اللغويون. وجمع الحافظ ﵀ بأن المراد أن الابتداء كان بالرش، وهو تنقيط الماء، وانتهى إلى النضح، وهو صب الماء، لكن الجمع الأول هو

стр. 2572

الأولى، كما لا يخفى. ثم إن المراد بهذا النضح هو الصبّ، لما في رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير، عن هشام: "فدعا بماء فصبه عليه"، ولأبي عوانة: "فصبه على البول يُتْبعُه إيَّاه". (لم يغسله) قال الحافظ ﵀: ادعى الأصيلي أن هذه الجملة من كلام راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند قوله: "فنضحه" قال: كذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، قال: "فَرَشَّه"، لم يزد على ذلك. انتهى. وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج، وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل: "ولم يغسله" وقد قالها مع مالك الليثُ، وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد كلهم، عن ابن شهاب أخرجه ابن خزيمة، والإسماعيلي، وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم عن يونس وحده، نعم زاد معمر في روايته: قال: قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يُرَشَّ بولُ الصبي، ويُغسلَ بول الجارية، فلو كانت هذه الزيادة التي زادها مالك ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج، لكنها غيرها، فلا إدراج، وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة، عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم وغيره وبَيَّنَّا أنها غير مخالفة لرواية مالك. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ (١). مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أم قيس ﵂ هذا متفق عليه.

стр. 2573

المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه -١٨٩/ ٣٠٢ - والكبرى -١٦٩/ ٢٩١ - بالسند المذكور في هذا الباب. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، عن أم قيس. وأخرجه (م) في الطب عن ابن أبي عمر، وفيه وفي الطهارة عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وأبي خيثمة زهير بن حرب، خمستهم عن سفيان بن عيينة، وفي الطهارة أيضا عن محمَّد بن رمح، عن الليث بن سعد، وفي الطب عن حَرْمَلَة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس ثلاثتهم عن الزهري به. وأخرجه (د) فيه عن القعنبي، عن مالك به، وأخرجه (ت) فيه عن قتيبة، وأحمد بن منيع كلاهما عن سفيان بن عيينة به، وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح كلاهما عن سفيان به. وأخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وابن خزيمة، والإسماعيلي. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان حكم بول الغلام الرضيع، وهو النَّضْح بالماء، وهو الذي أراده المصنف من إيراده هنا. ومنها: الرفق بالصغار، والشفقة عليهم، ألا ترى أنه ﷺ كيف كان يأخذهم في حجره، ويتلطف بهم حتى إن بعضهم يبول على ثوبه، فلا يؤثر فيه ذلك ولا يتغير به. ومنها: حمل الأطفال إلى أهل الفضل، والصلاح ليدعوا لهم. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في حكم بول الغلام والجارية: ذهب بعضهم إلى أن النضح يكفي في بول الصبي لا الجارية، وهو

стр. 2574

مذهب علي، وأم سلمة، وعطاء، والزهري، وأحمد، وإسحاق، وابن وهب، وغيرهم، ورُوي عن مالك، وقال أصحابه: هي رواية شاذة، ورواه ابن حزم أيضا عن أم سلمة، والثوري، والأوزاعي، والنخعي، وداود، وابن وهب. وذهب بعضهم إلى أنه يكفي فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك، والشافعي. وذهب بعضهم إلى وجوب الغسل فيهما، وهو مذهب الحنفية، وسائر الكوفيين، والمالكية. وحديث الباب، والحديثُ الآتي ونحوهما يرد المذهب الثاني، والثالث. وقد استدل بعضهم لأهل المذهب الثالث بحديث عمار، وفيه: "إنما تغسل ثوبك من البول .. " لكنه متفق على ضعفه، فلا يعارض حديث الباب. واستدل الحنفية والمالكية لما ذهبوا إليه بالقياس، وقالوا: المراد بقوله: "ولم يغسله" الغسل المُبَالغُ فيه، لكنه خلاف الظاهر، مع معارضته لحديث الباب الآتي، حيث فرَّق بين بول الغلام والجارية. والحاصل أنه لم يعارض حديثَ الباب شيءٌ يوجب الركون إليه، فالمذهب الأول هو الصحيح، فخذه بإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف، وبالله التوفيق، وعليه التكلان. تنبيهان: الأول: قال الخطابي: ليس تجويز من جَوَّزَ النَّضْحَ من أجل أن بول الصبي غير نجس, ولكنه لتخفيف نجاسته. انتهى. وأثبت الطحاوي الخلاف، فقال: قال قوم بطهارة بول الصبي قبل

стр. 2575

الطعام، وكذا جزم به ابن عبد البر، وابن بطال، ومن تبعهما عن الشافعي، وأحمد، وغيرهما, ولم يَعرف ذلك الشافعيةُ، ولا الحنابلة. وقال النووي: هذه حكايته باطلة. انتهى. وكأنهم أخذوا ذلك من طريق اللازم، وأصحاب صاحب المذهب أعلم بمراده من غيرهم، أفاده الحافظ (١). الثاني: قال العلامة ابن القيم ﵀: الفرق بين بول الصبي والصبية من ثلاثة أوجه: أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله. الثاني: أن بوله لا ينزل في محل واحد بل ينزل متفرقا ها هنا وها هنا، فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى. الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتُذيبُ منها ما يحصل من رطوبة، وهذه مَعَانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق. نقل هذا المباركفوري في شرح الترمذي (٢). ٣٠٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ.

стр. 2576

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) الإمام المدني الحجة الثبت [٧] تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني ثقة فقيه [٥] تقدم في ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله المدني ثقة فقيه [٣] تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂. قال الجامع: تقدم لطائف هذا الإسناد غير مرة. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: أتي) بالبناء للمفعول (رسول الله ﷺ بصبي) قال الحافظ ﵀: الذي يظهر لي أن المراد به ابن أم قيس المذكور في الحديث السابق، ويحتمل أن يكون الحسن بن علي، أو الحسين، فقد روى الطبراني في الأوسط حديث أم سلمة بإسناد حسن، قالت: بَالَ الحسنُ أو الحسينُ على بطن النبي ﷺ ، فتركه حتى قضى بوله، ثم دعا بماء فصبه عليه". ولأحمد عن أبي ليلى نحوه. وروى الطحاوي من طريقه، قال: "فجيء بالحسن" ولم يتردد، وكذا للطبراني عن أبي أمامة. قال: وإنما رجحت أنه غيره لأن عند المصنف -يعني البخاري- في العقيقة من طريق يحيى القطان، عن هشام بن عروة: "أُتيَ النبي ﷺ بصبي فحنكه" وفي قصته أنه بال على ثوبه، وأما قصة الحسن ففي حديث أبي ليلى، وأم سلمة أنه بال على بطنه ﷺ ، وفي حديث زينب بنت جحش عند الطبراني: "أنه جاء وهو يَحْبو، والنبي ﷺ نائم،

стр. 2577

فصعد على بطنه، ووضع ذكره في سُرَّته، فبال" فذكر الحديث بتمامه، فظهرت التفرقة بينهما. انتهى كلام الحافظ (١). (فأتبعه) بإسكان المثناة، أي أتبع رسول الله ﷺ البول الذي على ثوبه (إياه) أي الماء، فصبه عليه، زاد مسلم من طريق عبد الله بن نمير، عن هشام "فأتبعه ولم يغسله". ولابن المنذر من طريق الثوري عن هشام: "فصب عليه الماء" وللطحاوي من طريق زائدة الثقفي عن هشام: "فنضحه عليه" قاله في الفتح. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متفق عليه. والمسائل المتعلقة به تعلم مما مر قريبا، فراجعها تستفد. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2578

١٩٠ - " بَابُ بَوْلِ الجَارِيَةِ" ٣٠٤ - أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (مجاهد بن موس) الخُوَارَزْميّ أبو علي البغدادي ثقة -١٠ - تقدم في ٨٥/ ١٠٢. ٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) أبو سعيد البصري الحجة الثبت -٩ - ، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٣ - (يحيى بن الوليد) الطائي أبو الزَّعْرَاء الكوفي، لا بأس به من [٧] تقدم في ١٤٣/ ٢٢٤. ٤ - (مُحلُّ بن خَليفَة) محل -بصيغة اسم الفاعل- الطائي الكوفي ثقة من [٤] تقدم في ٢٢٤. ٥ - (أبو السمح) خادم رسول الله ﷺ ، قيل: اسمه إياد صحابي له حديث واحد، قَطَّعَه المصنف حديثين، وتقدم في ١٤٣/ ٢٢٤.

стр. 2579

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا يحيى فلا بأس به، وأنهم ما بين بغدادي وبصري وكوفيين، وأن صحابيه من المقلين لم يرو إلا حديثا واحدا قطعه المصنف حديثين تقدم بعضه في ١٤٣/ ٢٢٤. شرح الحديث (عن أبي السمح) ﵁، أنه (قال: قال النبي ﷺ ) وعند أبي داود (١): قال: "كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل، قال: وَلِّني قَفَاك، فأُوليه قَفاي، فَأستُرُهُ به، فأُتي بحسن، أو حسين ﵄ فبال على صدره، فَجئْتُ أغسله، فقال: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) بالبناء للمفعول في الفعلين، وفيه بيان الفرق بين بول الجارية وبول الغلام، وأما تفسير قوله: "يغسل" بأنه الغسل التام، وقوله: "يرش" بأنه الغسل الخفيف، فغير صحيح لمخالفته النصوص الكثيرة في الفرق بين بوليهما. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيح، أخرجه المصنف هنا -١٩٠/ ٣٠٤ - والكبرى -١٧٠/ ٢٩٣ - وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبزار، وابن خزيمة، والحاكم، والدارقطني. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2580

١٩١ - بَابُ بَوْل مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ٣٠٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أُنَاسًا أَوْ رِجَالاً مِنْ عُكْلٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا أَهْلُ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا -وَكَانُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ- كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهْمِ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَّعُوا أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ تُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ عَلَى حَالِهِمْ حَتَّى مَاتُوا.

стр. 2581

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) القَيْسي أبو عبد الله الصَّنعاني ثم البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري ثقة ثبت [٨] تقدم في ٥/ ٥. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة -مهْران- أبو النضر البصري ثقة حافظ من [٦] تقدم في ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دعَامة أبو الخطاب البصري ثقة جليل من رؤوس [٤] تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الأنصاري خادم رسول الله ﷺ ﵁، تقدم في ٦/ ٦. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته. ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثا. شرح الحديث (أن أنس بن مالك) ﵁ (حدثهم) أي حدث قتادةَ ومن معه (أن أناسا) بضم الهمزة، ويخفف، فيقال: ناس، قال ابن منظور: النَّاسُ قد يكون من الإنس، ومن الجنّ، وأصله أناس، فخفف، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضا من الهمزة المحذوفة, لأنه لو كان كذلك لما اجتمع مع العوض منه في قول الشاعر:

стр. 2582

ْإنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْـ … ـنَ عَلَى الأُنَاس الامنينَا (١) وقال الفيومي: الناس اسم وضع للجمع كالقوم والرهط، واحده إنسان من غير لفظه، مشتق من نَاس يَنُوس: إذا تدلى وتحرك، فيطلق على الجن والإنس، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس -الآية ٥] ثم فسر الناس بالجن والإنس فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس الآية -٦] وسُمِّيَ الجنُّ ناسًا، كما سُمُّوا رجالا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن الآية ٦] وكانت العرب تقول: رأيت ناسا من الجن، ويُصَّغر الناس على نُوَيس، لكن غلب استعماله في الإنس (٢). (أو رجالا) "أو" للشك من الراوي، والرجال جمع رَجُل، وهو الذكر من الأناسي، وقد جمع قليلا على رَجْلَة، وزَان تَمْرَة، حتى قالوا: لا يوجد جمع على فَعْلَة -بفتح الفاء- إلا رَجْلَةٌ، وكَمْأة، جمع كَمْء، وقيل: كمأة للواحدة، مثل نظيره من أسماء الأجناس، قال ابن السراج: جمع رَجُل على رَجْلَة في القلة استغناء عن أرجال (٣). (من عكل) -بضم العين المهملة، وسكون الكاف، واللام في آخره- وعكل خمس قبائل، وذلك أن عوف بن عبد مناة ولد قيسا، فولد قيس وائلا وعوانة، فولد وائل عوفا وثعلبة، فولد عوف بن وائل الحارث وجُشَما وسعدا وعَليّا وقيسا، وأمهم بنت ذي اللحية, لأنه كان مطائلا لحيته، فحضنتهم أمة سوداء يقال لها: عكل، كذا قاله الكلبي وغيره. ويقال: عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن اُدّ بن طابخة، وزعم السمعاني أنهم بطن من غنم، ورَدَّ ذلك عليه أبو الحسن الجَزَري بأن عكل امرأة من حمير يقال لها:

стр. 2583

بنت ذي اللحية تزوجها عوف بن قيس بن وائل بن عوف بن عبد مناة بن أدّ، فولدت له سعدا وجشما وعليا، ثم هلكت الحميرية، فحضنت عكل ولدها، وهم من جملة الرَّباب تحالفوا علي بني تميم (١). ثم إن رواية المصنف هنا بالجزم بأنهم من عكل، وفي الرواية الآتية: "أعراب من عرينة"، وفي رواية للبخاري: "من عكل"، أو"عرينة"، على الشك، وفي رواية: "من عُرَينة" وفي أخرى "من عكل وعرينة" بالعطف. قال الحافظ ﵀: قوله: "من عكل، أو عرينة" الشك من حماد، وللمصنف -يعني البخاري- في المحاربين عن قتيبة، وحماد: "أن رهطا من عكل" أو قال: "من عرينة" ولا أعلمه إلا قال: "من عكل" وله في الجهاد عن وهيب، عن أيوب: "أن رهطا من عكل" ولم يشك، وكذا في المحاربين عن يحيى بن أبي كثير وفي الديات عن أبي رَجَاء، كلاهما عن أبي قلابة، وله في الزكاة عن شعبة، عن قتادة، عن أنس: "أن ناسا من عرينة" ولم يشك أيضا، وكذا لمسلم من رواية معاوية بن قُرّة، عن أنس، في المغازي عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: "أن ناسا من عكل وعرينة" بالواو العاطفة، وهو الصواب، ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبراني من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس، قال: "كانوا أربعة من عُرَينة، وثلاثة من عُكْل" ولا يخالف هذا ما عند المصنف -يعني البخاري- من طريق وُهيب، عن أبي أيوب، وفي الديات من طريق حجاج الصواف عن أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابَةَ، عن أنس: "أن رهطا من عكل ثمانية"، لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين وكان من أتباعهم فلم يُنسَب، وغَفَلَ من

стр. 2584

نَسَبَ عدتهم ثمانية لرواية أبي يعلى، وهي عند البخاري، وكذا عند مسلم، وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل، وهو غَلَط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان. وعكل بضم المهملة وإسكان الكاف -: قبيلة من تَيْم الرباب، وعرينة- بالعين والراء المهملتين والنون- مصغرا: حي من قُضاعة، وحي من بَجيلَة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه الطبراني من وجه آخر عن أنس. ووقع عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة بإسناد ساقط أنهم من بني فَزَارَة، وهو غلط, لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل، ولا مع عرينة أصلا. وذكر ابن إسحاق في المغازي: أن قد ومهم كان بعد غزوة ذي قَرَد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست، وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي: أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد، وابن حبان، وغيرهما. وللبخاري في المحاربين من طريق وهيب، عن أيوب أنهم كانوا في الصُفَّة قبل أن يَطْلُبُوا الخروجَ إلى الإبل (١). (قَدِمُوا على رسول الله ﷺ ) من باب تَعبَ، أي أقبلوا عليه، وأتَوْهُ بالمدينة، والجملة في محل رفع خبر "إن" (فتكلموا بالإسلام) أي نطقوا به، وأظهروا أنهم مسلمون (فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع) أي أهل مواش ذات ضروع، يقال: ماله زَرعْ ولا ضَرعْ، يعني بالضَّرع الشاة والناقة والضرع لكل ذات ظلْف، أو خُفٍّ، وضرع الناقة والشاة: مَدَرُّ لبنها، والجمع ضروع (٢). وقال الفيومي: الضرع لذات الظلف كالثدي للمرأة، والجمع ضروع مثل فَلْس وفُلُوس (٣). والمراد بالضرع جنسه، وهو كناية عن

стр. 2585

كونهم معتادين للبن فقط، فلذا قالوا (ولم نكن أهل ريف) بكسر الراء وسكون الياء: الخصب، والسعة في المآكل، جمعه أرْيَاف، ويحتمل أن يكون المعنى إنا أهل بادية، لا أهل مدن، والمعنى متقارب. وقال العلامة ابن منظور في لسانه: الرِّيفُ: الخصب والسعة في المآكل، والجمع أرياف فقط، والرّيف: ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، والجمع أرياف، ورُيُوف، قال أبو منصور: الرّيفُ: حيث يكون الحَضَر والمياه، والرّيف: أرض فيها زرع وخصْب، ورافت الماشية، أي رَعَت الريفَ، وفي الحديث: "تُفْتَحُ الأريافُ فيخرج إليها الناس" هي جمع ريف، وهو كل أرض فيها زرع ونخل، وقيل: هو ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، ومنه حديث العُرَنيِّينَ: "كُنَّا أهلَ ضرع، ولم نكن أهل ريف" أي إنَّا من أهل البادية، لا من أهل المدن (١). (واستوخموا المدينة) أي وجدوها وَخِيمَة، والوَخيمة الأرض الوَبيئَة، وقال السندي: أي استثقلوها، وكرهوا الإقامة بها. انتهى. وقال ابن منظور: واستوخمه: لم يَسْتَمْرئهُ، ولا حَمدَ مَغَبَّتَه، واستوخمت الطعام، وتوخمته: إذا اسْتَوْبَلتَهُ، قال زهير: (من الطويل). قَضَوْا ما قَضَوْا منْ أمْرهمْ ثُمَ أوْرَدُوا … إلى كَلأٍ مُسْتَوبَل مُتَوَخِّمِ ومنه اشتُقَّت التُّخَمَة، وفي حديث العرنيين: "واستوخموا المدينة" أي استثقلوها, ولم يُوافق هواؤها أبدانَهم (٢). ورواية البخاري: "فاجتووا المدينة" قال ابن فارس: اجتويت

стр. 2586

البدد: إذا كرهت المُقَام فيه، وإن كنت في نعمة، وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة، وقال القَزَّاز: اجتووا، أي لم يوافقْهُمْ طعامها، وقال ابن العربي: الجوَىَ: داء يأخذ من الوَبَاء. وللبخاري في الطب من رواية ثابت عن أنس: "أن ناسًا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول الله آوِنَا وأطْعمنَا، فلما صَحُّوا قالوا: إنَّ المدينة وَخْمَةٌ" والظاهر أنهم قَدموا سِقَامًا، فلما صَحُّوا من السقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوَخْمهَا، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهُزَال الشديد والجهد من الجوع، فعند أبي عوانة من رواية غَيْلان، عن أنس: "كان بهم هُزَال شديد" وعنده من رواية أبي سعيد عنه "مُصْفَرَّة ألْوَانُهُم". والوخم الذي شَكَوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حمى المدينة، كما عند أحمد من رواية حميد، عن أنس، ووقع عند مسلم من رواية معاوية بن قُرَّة، عن أنس: "وقع بالمدينة الْمُوم -أي بضم الميم وسكون الواو- قال: وهو البِرْسَام، أي بكسر الموحدة سُرياني مُعرَّب أطلق على اختلال العقل، وعلى وَرَم الرأس، وعلى وَرَم الصدر، والمراد هنا الأخير، فعند أبي عوانة من رواية همام، عن قتادة، عن أنس هذه القصة: "فَعَظُمَت بُطُونُهم"، أفاده الحافظ (١). (فأمر لهم رسول الله ﷺ ) يحتمل أن تكون اللام زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو للاختصاص، وليست للتمليك، قاله في الفتح والعمدة (٢). قال الجامع: الظاهر أنها للتعليل، أي أمر لأجلهم بذَود وراع حتى يخرج ذلك الراعي بتلك الذود إلى الصحراء، فيتبعوه ويُوَضِّحُ هذا

стр. 2587

المعنى قولُهُ: "وأمرهم أن يخرجوا فيها" أي مع تلك الذود (بذود) -بفتح الذال المعجمة، وإسكان الواو آخره دال- اسم للقطيع من الإبل من الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة، وقيل: إلى عشرين، وفُوَيقَ ذلك، وقيل: ما بين الثلاث إلى الثلاثين، وقيل: ما بين الثنتين والتسع، ولا يكون إلا من الإناث دون الذكور. قال ابن سيده: الذود مؤنث، وتصغيره بغير هاء على غير قياس، تَوَهَّمُوا به المصدر، قال اللغويون: الذَّوَدُ جمع لا واحد له من لفظه كالنّعَم، وقال بعضهم: الذود واحد، وجمع (١). (وراع) اسم فاعل من رَعَيْتُ الماشيةَ، يقال: رَعَت الماشية تَرْعى رَعْيًا، فهي راعية: إذا سَرَحَتْ بنفسها، وَرَعَيْتُهَا أرعاها، يستعمل لازمًا ومتعديا، والفاعل رَاع، والجمع رُعاة -بالضم- مثل قاض وقضاة، وقيل أيضا: رعاء بالكسر والمد، ورُعْيان بالضم مثل رُغْفان (٢). وفي الرواية الآتية: "فبعث بهم رسول الله ﷺ إلى لقاح .. " وعند البخاري: "فأمرهم بلقاح" وله في رواية: "فأمرهم أن يلحقوا براعيه وفي رواية: "فأمر لهم بلقاح" وعند أبي عوانة من رواية أخرج مسلم إسنادها "أنهم بدأوا بطلب الخروج إلى اللقاح، فقالوا: يا رسول الله قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل" وفي رواية للبخاري "أنهم قالوا: يا رسول الله أبْغنا رسْلا" أي اطلب لنا لَبَنًا "قال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود" وفي رواية: "هذه نَعَمٌ لنا تخرج فأخرجوا فيها". قال الحافظ ﵀: وظاهر ما مضى أن اللقاح كانت للنبي ﷺ ،

стр. 2588

وصرح -أي البخاري- بذلك في المحاربين عن موسى، عن وهيب بسنده فقال: "إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ﷺ " وله فيه من رواية الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، بسنده: "فأمرهم أن يأتوا إبلَ الصدقة" وكذا في الزكاة من طريق شعبة، عن قتادة، قال الحافظ: والجمع بينها أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبي ﷺ بلقاحه إلى المرعى طلبَ هؤلاء النفر الخروجَ إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصْدَاق قوله ﷺ : "إن المدينة تنفي خبثها". وذكر ابن سعد أن عدد لقاحه ﷺ كانت خمس عشرة، وأنهم نَحَرُوا منها واحدة يقال لها الحِنَّاء، وهو في ذلك متابع للواقدي، وقد ذكره الواقدي في المغازي بإسناد ضعيف مرسل (١). (وأمرهم أن يخرجوا فيها) أي مع تلك الذود (فيشربوا من ألبانها وأبوالها) عطف على يخرجوا، أي أمرهم بالخروج والشرب من ألبانها وأبوالها، وفي رواية للبخاري: "فأخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها" بصيغة الأمر، وفي رواية: "فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا" فأما شربهم ألبان الصدقة، فلأنهم من أبناء السبيل، وأما شربهم من لبن لقاح النبي ﷺ ، فلإنه أذنَ لهم، وأما شربهم من أبوالها، فقد احتج به من قال بطهارة بول مأكول اللحم، أما من الإبل فلهذا الحديث، وأما سائر المأكول فبالقياس عليه، وهو الذي ذهب إليه المصنف، وهو مذهب مالك، وأحمد، وطائفة من السلف، وبه يقول ابن خزيمة، وابن النذر، وابن حبان، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى.

стр. 2589

(فلما صحوا) الفاء عاطفة على محذوف، أي فخرجوا، فشربوا حتى صحوا، فلما صحوا الخ، وفي رواية أبي رجاء عند البخاري: "فانطلقوا فشربوا من ألبانها، وأبوالها، فلما صَحُّوا" وفي رواية وهيب "وسَمِنُوا"، وفي رواية الإسماعيلي من رواية ثابت "ورجعت إليهم ألوانهم". قال الفيومي: الصحة في البدن: حالة طبيعية تجَري أفعالُه معها على المَجْرَى الطبيعي، وقد استُعيرت الصحة للمعاني، فقيل: صحت الصلاةُ: إذا أسقَطَت القضاءَ، وصحَّ العقدُ: إذا ترتب عليه أثره، وصح القول: إذا طابق الواقعَ، وصح الشيءُ يصح من باب ضرب، فهو صحيح، والجمع صِحاح، مثل كَريم وكرام، والصَّحاح بالفتح في اللغة الصحيح. اهـ (١). (وكانوا بناحية الحَرَّة) أي كان هؤلاء الناس بجهة الحرة، والجملة إما اعتراضية، وإما استئنافية، سيقت لبيان مكانهم الذي أوقعوا فيه هذا الحَدَثَ، ويحتمل كونها حالية، والناحية: الجانب، فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنك نَحَوْتها، أي قصدتها، قاله الفيومي. والحرة -بفتح الحاء- أرض ذات حجارة سود، والجمع حِرَار، مثل كَلْبَة وكلَاب. وقال ابن منظور: والحَرَّة أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كبيرة، كانت بها وقعة. وفي حديث جابر: "فكانت زيادة رسول الله ﷺ معي، لا تفارقني حتى ذهبت مني يوم الحرة" .. قال ابن الأثير: قد تكرر ذكر الحرة

стр. 2590

ويومها في الحديث، وهو مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية، لما انتهبَ المدينةَ عسكرُه من أهل الشام الذين نَدَبَهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين، وأمَّرَ عليهم مُسلم بن عُقبة المُرِّيّ في ذي الحجة سنة [٦٣] وعَقِبَهَا هَلَكَ يزيد. انتهى (١). ثم إن المدينة بين حرتين: إحداهما: حرة وَاقم، وهي الشرقية، سُميت باسم رجل من العَمَاليق نَزَلها في الدهر الأول، وقيل: باسم أُطُم من آطام المدينة، وهذه الحرة هي موضع الوقعة المتقدمة. والثانية: حرة الوَبَرَة -بفتحات وقيل: يسكن باؤها- وهي تقع غربي المدينة، وهي كما قال ياقوت في معجم البلدان: على ثلاثة أميال من المدينة (٢). والأكثرون على أن هاتين الحرتين هما الَّلَابَتان المذكورتان في تحديد حرم المدينة، ثم إنه لم يبين أيَّ الحرتين أراد هنا في قوله: وكانوا بناحية الحرة، ومال بعضهم إلى أن الأولى هي المرادة هنا, ولكن ما ذكر دليلا على ذلك والله أعلم. (كفروا بعد إسلامهم) جواب "لماّ" أي ارتدوا عن الإسلام الذي أظهروه (وقتلوا راعي النبي ﷺ ) اسمه يَسار، بياء تحتانية، ثم مهملة خفيفة، كذا ذكر ابن إسحاق في المغازي، ورواه الطبراني موصولا من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح، قال: "كان للنبي ﷺ غلام، يقال له يسار" زاد ابن إسحاق "أصابه في غزوة بني ثَعلَبة" قال سلمة: "فرآه يُحسِنُ الصلاةَ، فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها" فذكر قصة العُرَنيين وأنهم قتلوه.

стр. 2591

وعند أبي عوانة في صحيحه من رواية معاوية بن قُرَّة، عن أنس، وقد أخرج مسلم إسنادها: "فقتلوا أحد الرَّاعيين، وجاء الآخر قد جزعَ، فقال: قد قَتَلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل". قال الحافظ: ولم أقف على تسمية الراعي الآخر بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، قال: ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي ﷺ ، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم، لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: "ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم" بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رُعاة، فقُتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرُّواة على راعي النبي ﷺ ، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، قال الحافظ: وهذا أرجح لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار (١). (واستاقوا الذَّود) استاقوا: من الاستياق، افتعال من السَّوْق، يقال: ساق الدابة وغيرها: إذا حثها من خلفها على السير. وقال المجد: وساق الماشية سَوْقا، وسياقة، ومَسَاقا، واستاقها، فهو سائق وسَوَّاق (٢). وقال في الفتح: قوله: "واستاقوا النعم": من السوق، وهو السير العَنيف. قال الجامع: هذا تفسير غير واضح، ولم يذكره أهل اللغة، فيما أظن فليتأمل.

стр. 2592

(فبلغ النبي ﷺ ) أي خبرهم وفعلهم هذا، ففاعل "بلغ" ضمير يعود إلى ما ذكر من فعلهم، وعند البخاري: "فجاء الخبر في أول النهار" وفي رواية "فجاء الصَّريخُ" وهو فعيل بمعنى فاعل، أي الصَّارخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذَا الصارخ، كما مرَّ آنفا أحد الراعيين (فبعث) أي أرسل ﷺ (الطَّلبَ) بفتحتين جمع طالب, لأنه يجمع على طُلَّب وطُلاّب، وطَلَبَة، وطَلَب، يقال: طَلَبَهُ طَلَبًا مُحرَّكًةً، وتَطَلَّبَهُ، واطَّلَبَهُ كافتعله: حَاولَ وُجوده وأخْذَه، قاله المجد (١). أي جماعة يطلبونهم (في آثارهم) أي بعدهم، يقال: خرج في إثره -بكسر فسكون، وأثره، بفتحتين-: أي بَعْدَه، قاله المجد، وفي حديث سلمة بن الأكوع: "خيلا من المسلمين أميرهم كُرْزُ بن جابر الفهري" وكذا ذكره ابن إسحاق، والأكثرون، وهو بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي، وللنسائي من رواية الأوزاعي: "فبعث في طلبهم قَافَةً" أي جمع قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس: أنهم شباب من الأنصار، قريب من عشرين رجلا، وبعث معهم قائفا يقتص آثارهم، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا القائف، ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي: أن السرية كانت عشرين رجلا، ولم يقل: من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين منهم: بُريدة بن الحُصيب، وسلمةُ بن الأكوع الأسلميان، وجُندَبُ، ورافع ابنا مكَيث الجُهَنيَّان، وأبو ذر وأبو رُهم الغفاريان، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وغيرهم. والواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار، فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجميع: أنصار بالمعنى الأعم.

стр. 2593

وفي مغازي موسى بن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء، والذي ذكره غيره أنه: سعد -بسكون العين- بن زيد الأشهلي، وهذا أيضا أنصاري، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة. وروى الطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي ﷺ بَعَثه في آثارهم، لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريرا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة (١). (فَأُتي بهم) بالبناء للمفعول، والفاء عاطفة على محذوف، أي طلبوهم فأدركوا، فأتيَ بهم، وعند البخاري: "فلمَّا ارتفع النهار جيء بهم". (فسمروا أعينهم) بتشديد الميم وتخفيفها- علي بناء الفعل للفاعل، والضمير للصحابة، أي كَحَلُوها بمسامير مُحمَاة، والفعل من باب قتل. قال الحافظ: ولم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز: "وسَمَلَ" بالتخفيف واللام، قال الخطابي: السَّمَلُ: فَقْءُ العين بأي شيء كان، قال أبو ذؤيب الهُذلي (من الكامل): والعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأنَّ حِدَاقَهَا … سُمِلَتْ بشَوك فَهْيَ عُوْرٌ تَدْمَعُ قال: والسَّمْر: لغة في السمْل، ومخارجهما متقاربان، قال: وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كُحلُوا بأميال قد أُحْميَت، قال الحافظ: وقد وقع التصريح بالمراد عند البخاري من رواية وهيب، عن أيوب، ومن رواية الأوزاعي، عن يحيى، كلاهما عن أبي قلابة، ولفظه: "ثم

стр. 2594

أمَرَ بمسَامير، فَأُحْميَتْ، فَكَحَلَهم بها"، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف ذلك رواية "السمل" لأنه فقء العين بأي شيء كان كما مضى. انتهى (١) وقال ابن منظور: وسمر عينه كَسَمَلَها، وفي حديث الرهط العُرَنييّن الذين قَدمَوا المدينةَ، فأسلموا ثم ارتدوا، فسَمَرَ النبي ﷺ أعينهم" ويروى "سَمَلَ" فمن رواه باللام فمعناه: فقأها بشوك، أو غيره، وقوله: "سمر أعينهم" أي أحمى لها مسامير الحديد ثم كحلها بها" (٢) (وقطعوا أيديهم وأرجلهم) قال الداودي: يعني قَطَعَ يدي كل واحد ورجليه. قال الحافظ: تَرُدُّه رواية الترمذي: "من خلاف" وللبخاري من رواية الأوزاعي أيضا: "ولم يَحْسمْهُم" أي: لم يَكْو ما قطع منهم بالنار، لينقطع الدم، بل تركه يَنْزف (ثم تُركُوا في الحرة) بالبناء للمفعول، أي تركهم الناس، وإنما تُركُوا في الحرة, لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا (على حالهم) أي مقطعة أيديهم وأرجلهم (حتى ماتوا) على تلك الحال، وعند البخاري: "فألقوا في الحرة يَسْتَسْقُون فلا يُسقَون" وفي رواية: "ثم نَبَذَهم في الشمس حتى ماتوا" وفي رواية: "يَعَضُّون الحجارة"، وفي رواية, قال أنس: "فرأيت الرجل منهم يَكْدمُ الأرض بلسانه حتى يموت"، ولأبي عوانة: "يعضُّ الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة". وزعم الواقدي أنهم صُلبُوا، قال الحافظ: والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة من رواية أبي عقيل عن أنس: "فَصَلَب اثنين، وقَطَع اثنين، وسمل اثنين" كذا ذكر ستة فقط فإن كان محفوظا، فعقوبتهم كانت مُوَزَّعَةً.

стр. 2595

ومال جماعة منهم ابن الجوزي إلى أن ذلك وقع على سبيل القصاص لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: "إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعينهم لأنهم سملوا أعين الرُّعُاة" قال الحافظ: وقصر من اقتصر في عزوه للترمذي والنسائي. وتَعَقَّبَ ابنُ دقيق العيد ما قاله ابن الجوزي وغيره بأن المثلة في حقهم وقعت من جهات وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية. قال الحافظ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي. وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين عقيب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة، وتعقبه ابن الجوزي: بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. قال الحافظ: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإذن، ثم النهي. وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تُنزَلَ الحدود، ولموسى بن عقبة في المغازي: وذكروا أن النبي ﷺ نُهي بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي مال إليه البخاري، ونقل عن الشافعي هو الواضح الراجح، لوضوح دليله، كما قرره الحافظ ﵀ آنفًا. والله أعلم. تنبيه: قد استشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أنّ من
следующие страницы →