← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وعند أبي عوانة في صحيحه من رواية معاوية بن قُرَّة، عن أنس، وقد أخرج مسلم إسنادها: "فقتلوا أحد الرَّاعيين، وجاء الآخر قد جزعَ، فقال: قد قَتَلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل". قال الحافظ: ولم أقف على تسمية الراعي الآخر بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، قال: ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي ﷺ ، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم، لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: "ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم" بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد، عن أنس، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رُعاة، فقُتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرُّواة على راعي النبي ﷺ ، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، قال الحافظ: وهذا أرجح لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار (١). (واستاقوا الذَّود) استاقوا: من الاستياق، افتعال من السَّوْق، يقال: ساق الدابة وغيرها: إذا حثها من خلفها على السير. وقال المجد: وساق الماشية سَوْقا، وسياقة، ومَسَاقا، واستاقها، فهو سائق وسَوَّاق (٢). وقال في الفتح: قوله: "واستاقوا النعم": من السوق، وهو السير العَنيف. قال الجامع: هذا تفسير غير واضح، ولم يذكره أهل اللغة، فيما أظن فليتأمل.

стр. 2592

(فبلغ النبي ﷺ ) أي خبرهم وفعلهم هذا، ففاعل "بلغ" ضمير يعود إلى ما ذكر من فعلهم، وعند البخاري: "فجاء الخبر في أول النهار" وفي رواية "فجاء الصَّريخُ" وهو فعيل بمعنى فاعل، أي الصَّارخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذَا الصارخ، كما مرَّ آنفا أحد الراعيين (فبعث) أي أرسل ﷺ (الطَّلبَ) بفتحتين جمع طالب, لأنه يجمع على طُلَّب وطُلاّب، وطَلَبَة، وطَلَب، يقال: طَلَبَهُ طَلَبًا مُحرَّكًةً، وتَطَلَّبَهُ، واطَّلَبَهُ كافتعله: حَاولَ وُجوده وأخْذَه، قاله المجد (١). أي جماعة يطلبونهم (في آثارهم) أي بعدهم، يقال: خرج في إثره -بكسر فسكون، وأثره، بفتحتين-: أي بَعْدَه، قاله المجد، وفي حديث سلمة بن الأكوع: "خيلا من المسلمين أميرهم كُرْزُ بن جابر الفهري" وكذا ذكره ابن إسحاق، والأكثرون، وهو بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي، وللنسائي من رواية الأوزاعي: "فبعث في طلبهم قَافَةً" أي جمع قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس: أنهم شباب من الأنصار، قريب من عشرين رجلا، وبعث معهم قائفا يقتص آثارهم، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا القائف، ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي: أن السرية كانت عشرين رجلا، ولم يقل: من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين منهم: بُريدة بن الحُصيب، وسلمةُ بن الأكوع الأسلميان، وجُندَبُ، ورافع ابنا مكَيث الجُهَنيَّان، وأبو ذر وأبو رُهم الغفاريان، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وغيرهم. والواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار، فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجميع: أنصار بالمعنى الأعم.

стр. 2593

وفي مغازي موسى بن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء، والذي ذكره غيره أنه: سعد -بسكون العين- بن زيد الأشهلي، وهذا أيضا أنصاري، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة. وروى الطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي ﷺ بَعَثه في آثارهم، لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريرا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة (١). (فَأُتي بهم) بالبناء للمفعول، والفاء عاطفة على محذوف، أي طلبوهم فأدركوا، فأتيَ بهم، وعند البخاري: "فلمَّا ارتفع النهار جيء بهم". (فسمروا أعينهم) بتشديد الميم وتخفيفها- علي بناء الفعل للفاعل، والضمير للصحابة، أي كَحَلُوها بمسامير مُحمَاة، والفعل من باب قتل. قال الحافظ: ولم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز: "وسَمَلَ" بالتخفيف واللام، قال الخطابي: السَّمَلُ: فَقْءُ العين بأي شيء كان، قال أبو ذؤيب الهُذلي (من الكامل): والعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأنَّ حِدَاقَهَا … سُمِلَتْ بشَوك فَهْيَ عُوْرٌ تَدْمَعُ قال: والسَّمْر: لغة في السمْل، ومخارجهما متقاربان، قال: وقد يكون من المسمار، يريد أنهم كُحلُوا بأميال قد أُحْميَت، قال الحافظ: وقد وقع التصريح بالمراد عند البخاري من رواية وهيب، عن أيوب، ومن رواية الأوزاعي، عن يحيى، كلاهما عن أبي قلابة، ولفظه: "ثم

стр. 2594

أمَرَ بمسَامير، فَأُحْميَتْ، فَكَحَلَهم بها"، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف ذلك رواية "السمل" لأنه فقء العين بأي شيء كان كما مضى. انتهى (١) وقال ابن منظور: وسمر عينه كَسَمَلَها، وفي حديث الرهط العُرَنييّن الذين قَدمَوا المدينةَ، فأسلموا ثم ارتدوا، فسَمَرَ النبي ﷺ أعينهم" ويروى "سَمَلَ" فمن رواه باللام فمعناه: فقأها بشوك، أو غيره، وقوله: "سمر أعينهم" أي أحمى لها مسامير الحديد ثم كحلها بها" (٢) (وقطعوا أيديهم وأرجلهم) قال الداودي: يعني قَطَعَ يدي كل واحد ورجليه. قال الحافظ: تَرُدُّه رواية الترمذي: "من خلاف" وللبخاري من رواية الأوزاعي أيضا: "ولم يَحْسمْهُم" أي: لم يَكْو ما قطع منهم بالنار، لينقطع الدم، بل تركه يَنْزف (ثم تُركُوا في الحرة) بالبناء للمفعول، أي تركهم الناس، وإنما تُركُوا في الحرة, لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا (على حالهم) أي مقطعة أيديهم وأرجلهم (حتى ماتوا) على تلك الحال، وعند البخاري: "فألقوا في الحرة يَسْتَسْقُون فلا يُسقَون" وفي رواية: "ثم نَبَذَهم في الشمس حتى ماتوا" وفي رواية: "يَعَضُّون الحجارة"، وفي رواية, قال أنس: "فرأيت الرجل منهم يَكْدمُ الأرض بلسانه حتى يموت"، ولأبي عوانة: "يعضُّ الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة". وزعم الواقدي أنهم صُلبُوا، قال الحافظ: والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة من رواية أبي عقيل عن أنس: "فَصَلَب اثنين، وقَطَع اثنين، وسمل اثنين" كذا ذكر ستة فقط فإن كان محفوظا، فعقوبتهم كانت مُوَزَّعَةً.

стр. 2595

ومال جماعة منهم ابن الجوزي إلى أن ذلك وقع على سبيل القصاص لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: "إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعينهم لأنهم سملوا أعين الرُّعُاة" قال الحافظ: وقصر من اقتصر في عزوه للترمذي والنسائي. وتَعَقَّبَ ابنُ دقيق العيد ما قاله ابن الجوزي وغيره بأن المثلة في حقهم وقعت من جهات وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت البقية. قال الحافظ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي. وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، قال ابن شاهين عقيب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة، وتعقبه ابن الجوزي: بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. قال الحافظ: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإذن، ثم النهي. وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تُنزَلَ الحدود، ولموسى بن عقبة في المغازي: وذكروا أن النبي ﷺ نُهي بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي مال إليه البخاري، ونقل عن الشافعي هو الواضح الراجح، لوضوح دليله، كما قرره الحافظ ﵀ آنفًا. والله أعلم. تنبيه: قد استشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أنّ من

стр. 2596

وجب عليه القتل فاستسقى لا يُمنَعُ، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي ﷺ ولا وقع منه نهي عن سقيهم. قال الحافظ: وهو ضعيف جدّا, لأن النبي ﷺ اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم. وأجاب النووي بأن المُحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء، ولا في غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم، بل يستعمله، ولو مات المرتد عطشا. وقال الخطابي: إنما فعل النبي ﷺ بهم ذلك, لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأن النبي ﷺ دعا بالعطش على من عَطَّشَ آل بيته، في قصة رواها النسائي، فيحتمل أن يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يُرَاح به إلى النبي ﷺ من لقاحه في كل ليلة، كما ذكر ذلك ابن سعد. والله أعلم (١). قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر عندي رأي القاضي عياض ﵀، وما رد به الحافظ بأنه ﷺ اطلع عليه غير واضح لعدم ذكر دليل صريح فيه، بل هو مجرد احتمال، وكذا ما أجاب به النووي، والخطابي وغيره فليس عليها دليل صريح يُعْتَمدُ عليه، وأما الاستدلال بدعائه ﷺ على من عَطَّش آل بيته فليس دليلا لما نحن فيه، كما لا يخفى على من تأمله. فَتَبَصَّر. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 2597

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا -١٩١/ ٣٠٥ - والكبرى -١٧١/ ٢٩٤ - بالسند المذكور. وفي ٣٠٦ - والكبرى ٢٩٥ - بالسند الآتى، وفي الكبرى في الحدود، وفي الطب أيضا عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁، وفي المحاربة عن أبي موسى، عن عبد الأعلى به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن أنس. وفي الطب، وفي المغازي عن عبد الأعلي بن حماد، عن يزيد بن زريع عنه. وفي الجهاد عن بُندار عن ابن أبي عدّي، وسهل بن يوسف. قال: وتابعه معاذ بن معاذ، وعبد الأعلى كلهم عنه به. وأخرجه (م) في الحدود عن أبي موسى، عن عبد الأعلي بن عبد الأعلى به. وأخرجه (خ م د) من حديث أبي قلابة عن أنس، وأخرجه (ت ق) وابن خزيمة، والدارقطني، وابن حبان، وأحمد. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: طهارة بول الإبل، وكذا كل ما يؤكل لحمه، وهو الذي أراده لمصنف بإيراده هنا، إذ إذنه ﷺ في شرب أبوال الإبل لقوم حديثي عهد بالإسلام، جاهلين بالأحكام، مع عدم أمرهم بغسل أفواههم، وما

стр. 2598

يصيبهم منها للصلاة مع اعتيادهم شربها دليل على طهارتها، ويقاس عليها غيرها من مأكول اللحم، وسيأتي تحقيق ما قاله أهل العلم في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز التَّطبُّب بكل ما يُلائم البدن إذا كان طاهرا. ومنها: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه ﷺ بعث في طلبهم لمَّا بلغه فعلهم بالرعاة. قال البدر العيني ﵀: واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك، والشافعي. ومنها: شرعية المماثلة في القصاص. ومنها: جواز عقوبة المحاربين وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ..﴾ [المائدة: الآية ٣٣]، وهل كلمة "أو" فيها للتخيير، أو للتنويع، قولان. ومنها: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة، أو مستحبة خلاف مشهور، وقيل: هؤلاء حاربوا، والمرتد إذا حارب لا يستتاب، لأنه يجب قتله، فلا معنى للاستتابة. ومنها: نظر الإمام في مصالح الوفد الذين يَقدَمون إليه، ومراعاة أحوالهم بما يصلح لهم من طعام أو شراب، أو غيره. وبالله التوفيق، وعليه التكلان (١). المسألة الخامسة: في مذاهب أهل العلم في بول ما يؤكل لحمه: ذهب بعضهم إلى القول بطهارته، وهو الراجح كما يأتي قريبا، قال الشوكاني: وهو مذهب العترة، والنخعي، والأوزاعي، والزهري،

стр. 2599

ومالك، وأحمد، ومحمد، وزفر، وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، والاصطخري، والروياني. أما في الإبل فبالنص، وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس. قال ابن المنذر: ومن زَعَمَ أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يُصب، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع أبعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم، ويويده أيضا: أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة، واعترض الحافظ على ابن المنذر في استدلاله بترك من يبيع الأبعار، بأنه استدلال ضعيف, لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته. وفي استدلاله باستعمال أبوال الإبل في أدويتهم بأنه حالة ضرورية، وما أبيح للضرورة لا يُسَمَّى حراما وقت تناوله، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام الآية -١١٩]. قال الجامع: في هذا القول نظر, لأن التداوي بالمحرم ممنوع، لما سيأتي قريبا. ومن أدلة القائلين بالطهارة: حديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم، رواه أحمد، والترمذي، وصححه. وأما الجواب عنه بأنه معلل بأنها لا تؤذي كالإبل، ولا دلالة فيه على جواز المباشرة، وإلا لزم نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في مباركها. يُرَدُّ بأن الصلاة في مرابض الغنم تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها،

стр. 2600

والتعليل بكونها لا تؤذي أمر وراء ذلك، والتعليل عن الصلاة في معاطن الإبل بأنها تؤذي المصلي يدل على أن ذلك هو المانع، لا ما كان في المعاطن من الأبوال والبعر. وأما استدلال على الطهارة بحديث: "لا بأس ببول ما أكل لحمه" رواه الدارقطني من حديث جابر، والبراء، مرفوعا فمردود بكونه غير ثابت؛ لأن في إسناده عمرو بن الحصين العقيلي، وهو وَاه جدّا، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث ليس بشيء، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال الأزدي: ضعيف جدا، وقال ابن عدي: حَدَّث عن الثقات بغير حديث منكر، وهو متروك، وفي إسناده أيضا يحيى بن العلاء أبو عمر البجلي الرازي، قد ضعفوه جدّا، قاله الدارقطني، وكان وكيع شديد العمل عليه، وقال أحمد: كَذَّاب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال النسائي والأزدي: متروك. واحتجوا أيضا بما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، من حديث عمر في قصة عطشهم في بعض المغازي، قال: "حتى إن كان الرجل ليلتمس الماء، حتى إنه لينحر بعيره، فيَعْصرُ فَرْثَه، فيشربه ويجعل ما بقي على كبده". قال ابن خزيمة ﵀: فلو كان ماء الفرث إذا عُصر نجسا، لم يجز للمرء أن يجعل على كبده فينجس بعض بدنه، وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء، فجائز إحياءُ النفس بشرب ماء نجس, إذ الله قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة، والدم ولحم الخنزير، إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك، والميتةُ، والدم، ولحم

стр. 2601

الخنزير نجس محرم على المستغني عنه، مباح للمضطر إليه لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيى نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه. فأما أن يجعل ماء نجسا على بعض بدنه، والعلم محيط بأنه لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نَجَّس من بدنه بذلك الماء، فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله، انتهى كلام ابن خزيمة (١). واحتجوا أيضا بحديث: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" عند مسلم (٢) والترمذي، وأبي داود من حديث وائل بن حجر، وابن حبان، والبيهقي، من حديث أم سلمة، وعند الترمذي، وأبي داود من حديث أبي هريرة بلفظ: "نَهَى رسول الله ﷺ عن كل دواء خبيث". والتحريم يستلزم النجاسة، والتحليل يستلزم الطهارة، فتحليل التداوي بها دليل على طهارتها، فأبوال الإبل وما يلحق بها طاهر. قال الجامع: في قوله: والتحريم يستلزم النجاسة .. الخ في محل

стр. 2602

منع، فإن السم محرم، ولا يقال إنه نجس. وأجاب القائلون بالنجاسة عن الاستدلال بهذا الحديث بأنه محمول على حالة الاختيار، وأما في الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة، وإن كان خبيثا حراما، ولو سلم فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل، فيكون خاصا بها, ولا يجوز إلحاق غيره به لما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذَّرَبة بطونهم". والذَّرَب: فساد المَعدَة. فلا يقاس ما ثبت فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، على أن حديث تحريم التداوي بالحرام في جواب من سأل عن التداوي بالخمر، كما في صحيح مسلم وغيره، ولا يجوز إلحاق غير المسكر به من سائر النجاسات, لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك، هكذا أجاب الحافظ في الفتح عن الاستدلال بهذا الحديث. ورد عليه بأنه قصر للعام على السبب بدون مُوجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب. ومن العجيب أنه استدل لمن قال بالنجاسة بحديث: "كان لا يستنزه من البول" فقال: إن هذا عام لا يخص منه أبوال الإبل، فلمَ لا يقول هنا: إن حديث: "لم يجعل الله شفاءكم .. " الخ عام لا يخص منه التداوي بأبوال الإبل، فتبصر. وذهب بعضهم إلى القول بنجاسة جميع الأبوال والأزبال، وبه يقول الشافعية والحنفية، ونسبه في الفتح إلى الجمهور، ورواه ابن حزم في المُحَلَّى عن جماعة من السلف.

стр. 2603

واحتج هؤلاء بحديث ابن عباس ﵄ المتفق عليه: "أنه ﷺ مَرَّ بقبرين، فقال: إنهم ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول .. " الحديث، قالوا: يعم جنس البول، ولم يخصه ببول الإنسان، ولا أخرج عنه بول المأكول، وهذا غاية ما تمسكوا به. وأجيب عنه بأن المراد بول الإنسان، لما في صحيح البخاري بلفظ: "كان لا يستنزه من بوله" قال البخاري: ولم يذكر سوى بول الناس، فالتعريف في البول للعهد. قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله: "كان لا يستنزه من البول" بول الإنسان، لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، قال في الفتح: ومحصل الرد أن العموم في رواية من "البول" أريد به الخصوص لقوله: "من بوله" أو الألف والسلام بدل من الضمير. انتهى. قال العلامة الشوكاني ﵀ بعد ذكر ما تقدم ما نصه: والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكا بالأصل، واستصحابا للبراءة الأصلية، والنجاسةُ حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصلُ والبراءةُ، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنها, ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك، وغاية ما جاءوا به حديث صاحبي القبرين، وهو مع كونه مرادًا به الخصوص كما سلف عموم ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف فإن قلت: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبْله لما تقدم حتى يرد دليل، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم؟

стр. 2604

قلت: قد تمسكوا بحديث: "إنها ركس" قاله ﷺ في الروثة، أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وبما تقدم في بول الآدمي، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل، وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتقض بالقول بنجاسة زبل الجلاّلة، والدفعُ بأن العلة في زبل الجلاّلة هو الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنا، إلا أن يقال: إن زبل الجلالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جَلَّتها الدابة لعدم الاستحالة التامة. وأما الاستدلال بمفهوم حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" المتقدم، فغير صالح لما تقدم من ضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سَوَّار ابن مصعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه يروي الموضوعات. فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي وزبله، والروثة. وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة: "إنها ركس، إنها روثة حمار". وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها، فإن وَجَدْتَ في بول بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارة أو نجاسة ألحقته، وإن لم تجد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة، كما عرفت. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل كلام الشوكاني ﵀ أنه لا

стр. 2605

يرى نجاسة الأبوال والأزبال إلا ما ورد النص بنجاسته، كبول الآدمي, والروث، سواء في ذلك مأكول اللحم وغير مأكوله، لعدم نص قاطع يزيل البراءة الأصلية، وهو رأي وجيه، وبحث نبيه لا يظهر لي غيره، وبالله التوفيق، وعليه التكلان. وقد ذكر أبو بكر بن المنذر ﵀ المسألة، وحقق الخلاف فيها، ورَجَّحَ قول من قال: بطهارتها، وبينه أتم بيان في كتابه الأوسط, فارجع إليه تزدد علما (١). ٣٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِو عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابٌ مِنْ عُرَيْنَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، حَتَّى اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ، فَبَعَثَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى لِقَاحٍ لَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، حَتَّى صَحُّوا، فَقَتَلُوا رَاعِيَهَا، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيَّ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ"

стр. 2606

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ الْمَلِكِ لأَنَسٍ، وَهُوَ يُحَدِّثُهُ هَذَا الْحَدِيثَ: بِكُفْرٍ أَمْ بِذَنْبٍ؟ قَالَ: بِكُفْرٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ طَلْحَةَ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلٌ. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمَّد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المُعَافَى الحَرَّاني. روى عن عَتَّاب بن بشير، وعيسى بن يونس، ومحمد بن سلمة، ومسكين بن بكير، وغيرهم. وعنه المصنف ويعقوب بن يوسف الشيباني، ومحمد بن علي بن حبيب الطرائفي، وأبو خيثمة علي بن عمرو الحرّاني، وغيرهم. قال المصنف: لا بأس به، ومرة قال: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة: صدوق. مات في رمضان سنة ٢٤٣، انفرد به المصنف من بين الستة. ٢ - (محمَّد بن سَلَمَة) بن عبد الله الباهلي أبو عبد الله الحرّاني. روى عن خاله أبي عبد الرحيم خالد، ومحمد بن إسحاق، وخُصَيف، وابن عجلان وغيرهم.

стр. 2607

وعنه أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمَّد النفيلي، وأحمد بن شعيب الحراني، وعمرو بن خالد، والعلاء بن هلال وغيرهم. وثقه النسائي، وقال ابن سعد: ثقة عالم، له فضل، ورواية وفتوى، وذكره ابن حبان في الثقات، قال أبو عروبة: أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه، ووثقه العجلي، وفي الزهرة روى له مسلم ١٢ حديثا، مات سنة ١٩١، وقيل: ١٩٢، وقيل: ١٩٣، أخرج له مسلم والأربعة. ٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن يزيد، ويقال: ابن أبي يزيد، وهو المشهور، ابن سِمَاك بن رستم، قاله ابن أبي عروبة، وقال الدارقطني: ابن سَمَّال -بفتح السين وتشديد الميم، وباللام- الأموي مولاهم، أبو عبد الرحيم الحراني. روى عن زيد بن أبي أنيسة، وعبد الوهاب بن بخت، وجهم بن الجارود، ومكحول الشامي، وعدَّة. وعنه ابن أخته محمَّد بن سلمة الحراني وموسى بن أعين، وعيسى بن يونس، ووكيع، وغيرهم. قال أحمد وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: حسن الحديث متقن فيه، وثقه أبو القاسم البغوي، مات سنة ١٤٤، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. ٤ - (زيد بن أبي أنيسة) واسم أبيه زيد الجزري أبو أسامة الرُّهاوي (١) كوفي الأصل الغَنَوي مولاهم. روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعطاء بن السائب، وأبي الزبير،

стр. 2608

وأبي الزناد، والحكم بن عُتيبة، وسعيد بن أبي بردة، وطلحة بن مصرف، وأبي زيد عبد الملك بن ميسرة الزَّرَّاد، وعدي بن ثابت. وعنه مالك، ومسعر، ومعقل بن عبيد الله، وأبو عبد الرحيم الحراني، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وهو راويته. وروى عنه مجالد بن سعيد، وهو في عداد شيوخه. قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال عمرو بن عبد الله الأودي حدثني وكيع وجعفر بن برقان عن زيد بن أبي أنيسة وكان ثقة. قال ابن سعد: كان يَسْكُن الرُّها، ومات بها، وكان ثقة كثير الحديث، فقيها، راوية للعلم. وقال عبيد الله بن عمرو: أتيت الأعمش، فحدثني عشرة أحاديث، فاستزدته، فأبى، فقيل له: إنه صاحب زيد بن أبي أنيسة قال: فحدثني بنحو خمسين حديثا. ووثقه العجلي، وابن حبان، وقال: كان فقيها وَرعًا، ووثقه أبو داود، ويعقوب بن سفيان، وعن أحمد قال: حديثه حسن مقارب، وإن فيها (١) لبعض النكرة، وهو على ذلك حسن الحديث، وقال المروزي: سألته عنه؟ فحرك يده، وقال: صالح، وليس بذاك، ووثقه الذهلي، وابن نمير، والبَرْقيّ. مات سنة ١١٩، وقيل: ١٢٥، وقيل: ١٢٤، وقيل: إنه ولد سنة ٩١، أخرج له الجماعة. ٥ - (طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب بن جخدب بن معاوية ابن سعد بن الحارث، الهمداني اليمامي أبو محمَّد، ويقال: أبو عبد الله الكوفي. روى عن أنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وقُرَّة بن شَرَاحيل، وخيثمة بن عبد الرحمن، وزيد بن وهب، وأبي صالح السمان، وغيرهم.

стр. 2609

وعنه أبو إسحاق السَّبيعي، وهو أكبر منه، وإسماعيل بن أبي خالد، وزيد بن الحارث اليامي، والأعمش، وهم من أقرانه، وابنه محمَّد، ومالك بن مغْوَل، ومنصور، وشعبة، وآخرون. وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي، وقال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، وأثنى عليه، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش يثني على أحد أدركه إلا على طلحة بن مصرف. قال ابن إدريس: كانوا يسمونه سيد القراء، وقال العجلي: كان عثمانيا، وكان من أقرأ أهل الكوفة وخيارهم، قال: واجتمع القراء في منزل الحكم بن عتيبة، فأجمعوا على أن طلحة أقرأ أهل الكوفة، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش يقرأ عليه ليذهب ذلك الاسم عنه. وقال عبد الملك بن أبجر: ما رأيت مثله، وما رأيته في قوم إلا رأيت له الفضل عليهم، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: قيل لابن معين: سمع طلحة من أنس؟ فقال: لا، وسمعت أبي يقول: طلحة أدرك أنسا، وما ثبت له سماع منه، مات سنة ١١٢، وقيل: ١١٣، أخرج له الجماعة. وفي "ت" ثقة فاضل قارئ -٥ - . ٦ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري أبو سعيد المدني القاضي، ثقة ثبت من [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣. ٧ - (أنس بن مالك) الأنصاري أبو حمزة الخادم الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين حرانيينَ، وهم الثلاثة الأولون، ورُهَاويّ، وهو زيد، وكوفي، وهو

стр. 2610

طلحة، ومدنيين، وهما يحيى وأنس، وهو أيضا بصري. ومنها: أن خمسة منهم هذا الباب أولُ محلّ ذكرهم من هذا الكتاب وهم مَنْ قَبْلَ يحيى. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، طلحة، عن يحيى. ومنها: أن أنسا أحد المكثرين السبعة روى ٢٢٨٦ حديثا. قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث، ومتعلقاته تقدمت في الحديث الماضي فلا داعي إلى إعادتها، غير أنه ينبغي التنبيه على بعض الألفاظ الغريبة التي لم يسبق لها ذكر وهي: قوله (أعراب) -بفتح الهمزة-: وهم سكان البادية، واحده أعرابي بالياء، وتقدم تفسيره في ٤٥/ ٥٣. وقوله (من عُرينة) -بالتصغير- قبيلة معروفة، وتقدم الكلام في اختلاف الروايات هل هم من عكل، أو عرينة، أو منهما، في الحديث الماضي. وقوله (حتى اصفَرَّت ألوانهم) أي تغيرت بسبب المرض، لعدم ملائمة الهواء، والأغذية لهم. وقوله (إلى لقاح) -بكسر اللام جمع لَقوح- بفتحها، أو لقْحَة بكسرها، قال الفيومي: اللّقحة -بالكسر- الناقة ذات اللبن، والفتح لغة، والجمع لقَح، مثل سدْرَة وسدَر، أو مثل قَصْعَة وقصَع، واللَّقوح بفتح اللام مثل اللقحة، والجمع لقاح، مثل قَلُوص وقلاص، وقال ثعلب: اللقاح جمع لقحة، وإن شئت: لقوح، وهي التيُ نُتجَت، فهي لقوح، إلى شهرين، أو ثلاثة، ثم هي لبون بعد ذلك. انتهى (١). قال الجامع: قد تقدم الكلام في الجمع بين رواية "أنها لقاح له ﷺ "

стр. 2611

وبين رواية "أنها من إبل الصدقة" في كلام الحافظ ﵀ وأما ما كتبه بعض من كتب على النسائي في وجه الجمع ها هنا فغير صحيح فتنبه (١). (قال أمير المومنين عبد الملك) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أبو الوليد المدني، ثم الدمشقي، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها، فتغير حاله، مُلِّكَ ١٣ سنة استقلالا، وقبلها منازعا لابن الزبير تسع سنين، ومات سنة ٨٦، وقد جاوز الستين (٢). (لأنس) الصحابي ﵁ (وهو يحدثه) جملة في محل نصب على الحال من "أنس" (هذا الحديث) أي حديث العرنيين (بكفر أم بذنب؟) متعلق بمحذوف مقول لقال، أي أعُوقبُوا هذا العقاب بسبب كفرهم، أم بسبب ذنبهم، فأم عاطفة للجار والمجرور الثاني على الأول، وحذفت الهمزة لعدم الخفاء، كما قال ابن مالك في الخلاصة: وَأمْ بهَا اعْطفْ إثْرَ هَمْز التَّسْويَهْ … أوْ هَمْزَة عَنْ لَفْظ أيٍّ مُغْنيَهْ وَرُبَّمَا أُسْقطَت الْهَمْزَةَ إنْ … كَانَ خَفَا المَعْنَى بحَذْفهَا أُمِنْ (قال) أنس ﵁ مجيبا له (بكفر) أي عوقبوا هذا العقاب بسبب كفرهم، وارتدادهم بعد الإسلام، وللبخاري: قال أبو قلابة: "فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله". (قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (لا نعلم أحدا قال: عن يحيى، عن أنس في) رواية (هذا الحديث غير طلحة) بالنصب مفعول ثان لنعلم، وجملة "قال" في محل نصب صفة "أحدا" يعني أن طلحة ابن مصرف تفرد بروايته عن يحيى، عن أنس مخالفا لغيره من الثقات،

стр. 2612

فإنهم رووه عن سعيد بن المسيب، مرسلا، وهو الصواب عند المصنف، كما أوضحه بقوله (والصواب) مبتدأ (عندي) متعلق بالصواب، وقوله (والله أعلم) جملة معترضة بين المبتدإ والخبر، أتَى بها تبرئة لنفسه عن دعوى العلم، والخبر قوله (يحيى, عن سعيد بن المسيب) بن حَزْن بن أبي وهب المخزومي المدني أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، من كبار الطبقة الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، مات بعد ٩٠، وقد ناهز ٨٠، وقوله (مرسل) هكذا نسخ المجتبى "مرسل" بالرفع، وفي الكبرى "مرسلا" بالنصب وهو ظاهر، وللرفع أيضا وجه، وهو أنه خبر لمحذوف، أي هو مرسل، ويحتمل أن يكون منصوبا حَالًا، إلا أنه على لغة ربيعة، فإنهم يُجْرُون المنصوب المنون مَجْرى المرفوع، والمجرور، فيقفون عليه بالسكون، أي حال كون الحديث مرسلا. تنبيهات: الأول: هذا الحديث بهذا السند من أفراد المصنف عن أصحاب الأصول أخرجه هنا -١٩١/ ٣٠٦ - والكبرى -١٧١/ ٢٩٥ - بالسند المذكور، وهو عندي صحيح وإن رجح المصنف إرساله لما سيأتي قريبا إن شاء الله. الثاني: رواية ابن المسيب التي أشار إليها المصنف هنا: أخرجها هو في المحاربين من المجتبى [٩/ ٤٠٣٦] عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: "قدم ناس من العرب على رسول الله ﷺ فأسلموا، ثم مَرضَوا، فبعث بهم رسول الله ﷺ إلى

стр. 2613

لقاح، ليشربوا من ألبانها، فكانوا فيها، ثم عَمَدوا إلى الراعي غم رسول الله ﷺ ، فقتلوه، واستاقوا اللقاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: اللهم عَطِّش من عَطَّشَ آل محمَّد الليلةَ، فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم، فأُخذوا، فَقَطَّعَ أيديَهُم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم" وبعضهم يزيد على بعض إلا أن معاوية قال في هذا الحديث: "استاقوا إلى أرض الشرك". الثالث: أن المصنف يرى ترجيح كون هذا الحديث مرسلا، لمخالفة طلحة ليحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح كما مر آنفا. قال الجامع: عندي أن مخالفته لهما لا تضر في وصله، فيكون من زيادات الثقات، فإنّ طلحة ثقة حافظ، فيكون الحديث موصولا صحيحا عن طريقه، والله أعلم. الرابع: اختلف أهل العلم في الحديث المرسل في موضعين: الأول: في تعريفه، قال النووي في تقريبه: اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فَعَلَهُ يسمى مرسلا، فإن انقطع قبل الصحابي (١) واحد، أو أكثر، قال الحاكم وغيره من المحدثين: لا يسمى مرسلا، بل يختص المرسل بالتابعي عن النبي ﷺ فإن سقط قبله، فهو منقطع، وإن كان أكثر فمعضل ومنقطع، والمشهور في الفقه والأصول أن الكل مرسل، وبه قطع الخطيب، وهذا اختلاف في الاصطلاح والعبارة، وأما قول الزهري وغيره من صغار التابعين: قال رسول الله ﷺ ، فالمشهور عند من خَصَّه بالتابعي أنه مرسل كالكبير، وقيل: ليس بمرسل، بل منقطع. انتهى.

стр. 2614

الثاني: في حكمه: قال النووي ﵀: ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين، والشافعي وكثيرين من الفقهاء وأصحاب الأصول، وقال مالك، وأبو حنيفة في طائفة: صحيح، فإن صَحَّ مخرجُ المرسل بمجيئه من وجه آخر مسندا، أو مرسلا أرسله من أخذ عن غير رجال الأول كان صحيحا، ويتبين بذلك صحةُ المرسل، وأنهما صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق رجحناهما عليه، إذا تعذر الجمع. وقد ذكر السيوطي ﵀ عشرة أقوال في الاحتجاج بالمرسل في تدريبه، فراجعه (١). وقد نظم في ألفيته ما تقدم مع بيان الأشياء التي يَعْتَضِدُ بها المرسل عند من لا يحتج به إلا بالاعتضاد، فقال: المُرسَلُ المرْفُوعُ بالتَّابع أوْ … ذي كبَر أو سَقْطُ رَاو قَدْ حَكَوْا أشْهرُهَا الأوَّلُ ثُمَّ الحُجّةُ … به رأى الأئمَّةُ الثَّلاثَةُ وَرَدُّهُ الأقْوَى وَقَوْلُ الأكْثَرِ … كالشَّافعي وأهْل علْم الخبَر نَعَمْ به يُحْتَجُّ إنْ يَعْتَضد … بمرْسَل آخَرَ أو بمُسنَدِ أوْ قَوْلِ صَاحب أو الجُمْهُورِ أوْ … قَيْس، ومَنْ شُرُوطه كَمَا رَأوْا كَونُ الذي أرْسَلَ منْ كبَار … وَإنْ مَشَى مَعْ حافظِ يُجَاري ولَيْسَ مِنْ شُيُوخهً مَنْ ضُعّفَا … كَنَهي بَيْع اللحْم بالأصَلِ وَفَا (٢) "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 2615

١٩٢ - بَابُ فَرْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يُصِيبُ الثّوْبَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم فرب الحيوان الذي يَحلُّ أكله، إذا أصاب الثوب. والفَرْثُ: -بفتح فسكون- السِّرجين ما دام في الكَرش، والجمع فُرُوث، كفَلْس وفُلُوس، قال ابن سيده: الفَرْثُ: السِّرْقين، والفَرثُ والفرثة: سرقين الكَرش (١). وقال الفيومي: والسرجين: الزِّبلُ، كلمة أعجمية، وأصلها: سركين بالكاف، فعُرِّبت إلى الجيم والقاف، فيقال: سرقين أيضا، وعن الأصمعي: لا أدري كيف أقُوله؟ وإنما أقول: رَوْث، وإنما كسروا أوله لموافقة الأبنية العربية، ولا يجوز الفتح، لفقد فَعلين -بالفتح- على أنه قال في المحكم سرْجين، وسَرْجين، يعني بالكسر والفتح (٢). وجملة: "يصيب الثوب" في محل نصب على الحال من فَرْث. ٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَمَلأٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَقَدْ نَحَرُوا جَزُورًا،

стр. 2616

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَا الْفَرْثَ بِدَمِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى يَضَعَ وَجْهَهُ سَاجِدًا فَيَضَعُهُ -يَعْنِي عَلَى ظَهْرِهِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَأَخَذَ الْفَرْثَ فَذَهَبَ بِهِ، ثُمَّ أَمْهَلَهُ، فَلَمَّا خَرَّ سَاجِدًا وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأُخْبِرَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِيَ جَارِيَةٌ، فَجَاءَتْ تَسْعَى فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ" حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ فِي قَلِيبٍ وَاحِدٍ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأودي، أبو عبد الله الكوفي ثقة من [١١] ت سنة ٢٦١، وتقدم في ١٦١/ ٢٥٢. ٢ - (خالد بن مَخْلَد) القَطَوانيُّ، أبو الهيثم البَجَليُّ مولاهم الكوفي، وقَطَوان بفتحتين: موضع بالكوفة.

стр. 2617

روى عن سليمان بن بلال، وعبد الله بن عمر العمري، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومالك، وعبد الرحمن بن أبي الموالي، وجماعة. وعنه البخاري، وروى له مسلم، وأبو داود في مسند مالك، والباقون بواسطة محمَّد بن عثمان بن كرامة، وأبي كريب، وابن نمير، والقاسم بن زكريا، وعبد بن حميد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، وصالح بن محمَّد بن يحيى بن سعيد القطان وآخرون. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: له أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، قال الآجري عن أبي داود: صدوق ولكنه يتشيع، وعن ابن معين: ما به بأس، وقال ابن عدي: هو من المكثرين، وهو عندي إن شاء الله لا بأس به، وقال أيضا بعد أن ساق له أحاديث: لم أجد في أحاديثه أنكر مما ذكرته، ولعلها توهما منه، أو حملا على حفظه. وقال ابن سعد: كان متشيعا مُنكر الحديث مُفرطا، وكتبوا عنه للضرورة. وقال العجلي: ثقة فيه قليل تشيع، وكان كثير الحديث، وقال صالح بن محمَّد جزرة: ثقة في الحديث، إلا أنه كان مُتَّهما بالغلو. وقال الجُوزجاني: كان شَتَّاما، معلنا لسوء مذهبه، وقال الأعين: قلت له عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل في المثالب أو المثاقب -يعني بالمثلثة لا بالنون- وحكى أبو الوليد الباجي في رجال البخاري عن أبي حاتم أنه قال لخالد بن مخلد أحاديث مناكير، ويكتب حديثه. وفي الميزان للذهبي: قال أبو أحمد: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وقال الأزدي: في حديثه بعض المناكير، وهو عندنا في عداد أهل الصدق، وقال ابن شاهين في الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: هو ثقة صدوق. وذكره الساجي، والعقيلي في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يكره أن يقال له القَطَوَاني.

стр. 2618

قال الحافظ: وقال البخاري في تاريخه: كان يغضب من القطوان، ويقال: إنما قطوان بَقَّال، وزعم الباجي: أن قطوان قرية بالقرب من الكوفة، وبه جزم ابن السمعاني. مات سنة ٢١٣، وقيل: ٢١٤ (١). ٣ - (علي بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمداني، أبو محمَّد، ويقال: أبو الحسن الكوفي أخو الحسن بن صالح، وهما توأمان. روى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وسلمة بن كُهَيل، وغيرهم. وعنه أخوه، وابن عيينة، ووكيع، وأبو أحمد الزُّبيري، وخالد بن مخلد، وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن حبان، وقال علي بن المنذر عن عبيد الله بن موسى: سمعت الحسن بن صالح يقول: لما حُضرَ أخي رفع بصره ثم قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ..﴾ إلى آخر الآية [النساء الآية ٦٩]، ثم خرجت نفسه. له في مسلم حديث أبي هريرة في البيوع: "خياركم أحسنكم قضاء" وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن سعد: كان صاحب قرآن، وكان ثقة إن شاء الله قليل الحديث، وقال الساجي: سمعت مُثَنَّى يقول: ما سمعمت يحيى، ولا ابن مهدي حدثانا عن علي بن صالح بشيء قط. ونقل الساجي أن ابن معين ضعفه. مات سنة ١٥١، وقيل ١٥٤ (٢). ٤ - (أبو إسحاق) السَّبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، ثقة مكثر عابد من [٣] اختلط بآخرة. تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٥ - (عمرو بن ميمون) الأودي، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى،

стр. 2619

أدرك الجاهلية، ولم يَلْقَ النبي ﷺ . روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي ذر، وأبي مسعود، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس وغيرهم. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى والربيع بن خُثَيم وهما من أقرانه، بل أصغر منه. وروى عنه سعيد بن جبير، والربيع بن خثيم، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وعن أبي إسحاق السبيعي: كان أصحابُ النبي ﷺ يرضون بعمرو بن ميمون، وعنه أيضا: إذا دخل عمرو بن ميمون المسجد فرئي ذُكرَ اللهُ، وعن عمرو بن ميمون قال: قدم علينا معاذ اليمن، رسولَ رسولِ الله ﷺ من السَّحَر رافعا صوته بالتكبير، أجَشَّ الصوت، فَأُلْقِيَت عليه محبتي .. الحديث. ووثقه ابن معين، والنسائي، وابن حبان، وقال ابن عبد البر: أدرك النبي ﷺ ، وصَدَّقَ إليه (١)، وكان مسلمًا في حياته، أخرج له الجماعة. مات سنة ٧٤ ويقال: ٧٥ (٢). وفي "ت" مخضرم مشهور ثقة عابد نزل الكوفة. ٦ - (عبد الله) بن مسعود بن غافل الهُذَلي، أبو عبد الرحمن الصحابي الجليل ت سنة ٣٢، أو في التي بعدها بالمدينة، وتقدم في ٣٥/ ٣٩. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وإن كان فيهم

стр. 2620

بعض خلاف كما سبق. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون. ومنها: أن خالدا وعلي بن صالح، وعمرو بن ميمون هذا الباب أولُ محلّ ذكرهم. ومنها: أن في قوله: "يعني ابن مخلد" وقوله: "هو ابن صالح" لطيفة ظريفةً، وهي أن شيخه لما لم ينسبه إلى أبيه، وأراد هو أن ينسبه إليه إيضاحا زاد كلمة -يعني-، وكذا "هو" لفصل ما زاده على شيخه لئلا يكون زائدا عليه، وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته حيث قال: وَلَا تَزدْ في نَسَب أوْ وَصْف مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُو مَا لَمْ يُبَنْ بنَحْو يَعْني أوْ بأنَّ، أوْ بِهُو … أمَّا إذَا أتَمَّهُ أوَّلَهُ أَجِزْهُ في الْبَاقي لَدَى الجْمُهْورِ … وَالْفَصْلُ أوْلَى قَاصرَ المَذْكُورِ ومنها: أن عبد الله هنا هو ابن مسعود ﵁, لأن الراوي عنه كوفي، كما قال في الألفية السيوطية: وَحَيْثُماَ أطْلقَ عبْدُ الله في … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَر وَإنْ يَفي بمكَّة فَابْنُ الزُّبَير أوْ جَرَى … بكُوفَة فَهْوَ ابْنَ مَسْعُود يُرىَ وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعْندَ مصْرِ … وَالشَّام مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو وقد تقدم هذا غير مرة، وإنما أعدته تذكيرًا لطول العهد به. والله أعلم.

стр. 2621

شرح الحديث (عن عمرو بن ميمون) الأودي (قال: حدثنا عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (في بيت المال) أي في محل أُعدَّ لحفظ مال المسلمين، الذي أُعدَّ لمصالحهم ونوائبهم كالخَرَاج والعُشُور، وما يأخذه الإمام من هدايا أهل الحرب، ونحو ذلك (قال) عبد الله (كان رسول الله ﷺ عند البيت) أي الحرام, لأنه المراد عند الإطلاق، لكونه علما بالغلبة عليه، كما قال في الخلاصة: وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ الْ كَالْعْقَبَهْ وإن كان أصل البيت يطلق على المسكن (وملأ) الواو حالية، "وملأ" مبتدأ لوصفه بالجار والمجرور، والخبر قوله: "جلوس". قال الفيومي: "الملأ" -مهموز- أشراف القوم، سُمُّوا بذلك لمَلَاءَتهم بما يُلتمس عندهم من المعروف، وجودة الرأي، أو لأنهم يملأون العيون أُبَّهَةَ، والصدور هَيْبةً، والجمع أمْلاء، مثل سَبَب وأسْبَاب (١). أي والحال أن جماعة (من قريش) بصيغة التصغير - القبيلة المعروفة، وهو النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس من قريش، وقيل: قريش هو فهو بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، نقله السهيلي، وغيره، والثاني أصح، وإن كان الأول قول الأكثرين، كما قال الحافظ العراقي في ألفية السيرة: أمَّا قُرَيْشٌ فَالأصَحُّ فهْرُ … جَمَّاعُهَا وَالأكْثَرُونَ الَنَّضْرُ وأصل الْقَرْش: الجمع، وتقرشو ا: إذا اجتمعوا، وبذلك سميت

стр. 2622

قريش، لتجمعهم إلى مكة من حواليها بعد تفرقها في البلاد حين غلب عليها قصي بن كلاب، وبه سمي قصي مُجَمِّعًا، وقيل: قريش دابة في البحر، لا تدع دابة إلا أكلتها، فجميع الدواب تخافها، ومنه اشتق قريش، قال الشاعر: وَقُرَيْشُ الَتَّي تَسْكُنُ الْبَحـ … ـَر بهَا سُمْيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشاَ وقيل: سميت بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر، كان صاحب عَيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش، وخرجت عير قريش، وقيل: سميت بذلك لتَجْرهَا وَتَكَسُّبهَا، وضربها في البلاد تبتغي الرزق، وقيل: سميت بذلك لأنهم كانوا أهل تجارة، ولم يكونوا أصحاب زرع وضرع، من قولهم: فلان يقترش المال، أي يجمعه، قال سيبويه: ومما غلب على الحي قريش، وإن جعلت قريشا اسم قبيلة فعربي (١) وقال الجوهري: إن أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت القبيلة لم تصرفه، وفي التهذيب إذا نسبوا إلى قريش قالوا قُرَشي بحذف الزيادة، وللشاعر إذا اضطر أن يقول: قريشي (٢). والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لملأ. والمراد بالملأ هنا هم السبعة الذين دعا عليهم النبي ﷺ في الآتي، كما بينه البزار في روايته. وقوله (جلوس) جمع جالس خبر المبتدإ (و) الحال أنهم (قد نحروا) من باب نَفَع، يقال: نَحره نَحْرا: ضربه في نحوه، وذبحه، أي ذبحوا (جزورا) بفتح الجيم: هو البعير ذكرا كان أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذَكِّرْه، قاله في النهاية.

стр. 2623

والجمع: جُزُر -بضمتين- كرَسُول ورُسُل، ويجمع أيضا على جُزُرات، ثم على جزائر، وقيل: الجزور: الناقة التي تنحر، قاله الفيومي. وقال ابن منظور: والجزور: الناقة المجزورة، والجمع جزائر، وجُزُر، وجُزُرات جمع الجمع، كطُرُق وطُرُقَات، وأجزَرَ القومَ: أعطاهم جَزُورا. والجزور: يقع على الذكر والأنثى، وهو يؤنث, لأن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذَكَرًا، وقال الليث: الجَزُور إذا أُفرد أُنّث, لأن أكثر ما ينحرون النُّوق (١). والجملة عطف على جملة الحال قبلها (فقال بعضهم) هو أبو جهل كما في صحيح مسلم (أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه) أي مع دمه، فالباء بمعنى "مع"، وعند البخاري وغيره: "أيكم يجيء بسَلىَ جزور بني فلان" والسَّلى مقصورا -بفتح المهملة- هي الجلدة التي يكون فيها الولد من البهائم، كالمشيمة للآدميات، وقيل: يقال فيهن أيضا: سلى (٢). (ثم يمهله) أي النبي ﷺ أي يتركه، وينتظره (حتى يضع وجهه) الشريف حال كونه (ساجدا، فيضعه) أي الفرث (يعني على ظهره) أتى بالعناية إشارة إلى أن قوله: "على ظهره" لم يكن مذكورا في روايته، والقائل: يعني: إما الصنف، أو أحد الرواة فوقه، وعند البخاري: "فيضعه على ظهر محمَّد إذا سجد". (قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (فانبعث) أي قام مسرعًا، لأن انبعث للمطاوعة، يقال: بَعَثْتُهُ: إذا أثَرْتَهُ، فانبعث (أشقاها) أي أشد قريش شَقَاوة، وإنما أنث الضمير باعتبار القبيلة، كما تقدم، وعند البخاري "فانبعث أشقى القوم".

стр. 2624

والمراد به عُقبة بن أبي مُعَيط -بمهملة مصغرا- فقد بينه أبو داود الطيالسي في مسنده، وقال: "فجاء عقبة بن أبي معيط، فقذفه على ظهره". وإنما كان أشقاها مع أن فيهم أبا جهل، وهو أشدهم كفرًا، وأذىً له ﷺ لكون عُقبة باشر العملَ، فالشقاء هنا بالنسبة إلى هذه القضية، فإنهم اشتركوا في الأمر والرِّضى، ولكن انفرد عقبةُ بالمباشرة، فكان أشقى، ولهذا قُتلُوا في الحرب، وقُتل هو صبرا، أفاده في الفتح. (فأخذ الفرث) أي فرث الجزور المذبوحة (فذهب به) أي بالفرث (ثم أمهله) أي انتظر النبي ﷺ (فلما خر ساجدًا وضعه على ظهره) الشريف وعند البخاري "فنظر حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا انظر، لا أُغني شيئا، لو كانت لي مَنَعَةٌ، قال: فجعلوا يضحكون، ويُحيلُ بعضهم على بعض، ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه". (فأخبرت) بالبناء للمفعول (فاطمةُ) بالرفع نائب فاعل "أخبرت" (بنت رسول الله ﷺ ) بدل من فاطمة، أي أخبرها بعض الناس بما فعلوا بأبيها، ويحتمل أن يكون المخبرُ هو ابنَ مسعود ﵁ (وهي جارية) جملة حالية من فاطمة ﵂، أي والحال أنها جارية، أي صغيرة السن, سميت جارية لخفّتهَا ونَشَاطها. قال الفيومي ﵀: والجارية: السفينة، سميت بذلك لجريانها في البحر، ومنه قيل: للأمة جارية على التشبيه لجريها مُسَخَّرَةً في أشْغَال مواليها، والأصل فيها الشابة لخفتها، ثم توسعوا حتى سَمُّوا كل أمة جارية، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي تسميةً بما كانت عليه، والجمع فيهما الجَواَري (١).

стр. 2625

فائدة: فاطمة بنت رسول الله ﷺ تُكنى أم ابنها (١)، وتعرف بالزهراء، روت عن النبي ﷺ ، وعنها ابناها الحسن، والحسين، وأبوهما علي بن أبي طالب، وحفيدتُهما فاطمة بنت الحسين بن علي مرسلا، وعائشة، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسلمى أم رافع. قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: قال لي غير واحد: كانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إلى رسول الله ﷺ ، وقال ابن عبد البر: اضطرب مصعب بن الزبير في بنات رسول الله ﷺ أيتهن أكبر وأصغر اضطرابا يوجب أن لا يلتفت إليه في ذلك، والذي تسكن إليه النفس من ذلك أن الأولى: زينب، ثم رُقَّية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ويقال: إنَّ عليا تزوجها بعد أن ابتنى النبي ﷺ بعائشة بأربعة ونصف، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة، وكان سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة، وخمسة أشهر ونصفا, ولم يتزوج عليها حتى ماتت. قال كريب عن ابن عباس مرفوعا: "سيدة نساء أهل الجنة مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية" وقال عكرمة عن ابن عباس: "خط رسول الله ﷺ أربعة خطوط فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية" (٢) وقال أبو يزيد المديني عن أبي هريرة مرفوعا: "خيرُ نساء العالمين أربع: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة"، وقال الشعبي عن جابر مرفوعا: "حسبك من نساء العالمين أربع سيدات نساء العالمين .. " فذكرهن، وقال قتادة عن أنس مثله، وقال عبد الرحمن بن أبي نعم،

стр. 2626

عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم" (١) وقال ابن أبي مليكة عن المسور مرفوعا: "فاطمة بَضْعَة مني، يَريبُني ما رَابها، ويؤذيني ما آذاها" أخرجه الشيخان. وعن علي بن الحسين عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة: "إن الله يرضى لرضاك، ويغضب لغضبك". ومناقبها كثيرة جدّا، قال الزهري عن عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، زاد غيره: وهي بنت سبع وعشرين سنة، وقيل: ثمان، وكانت أوَّل آل النبي ﷺ لُحوقا به، وغسلها علي، ودُفنت ليلا، وقيل: ماتت بعد النبي ﷺ بثلاثة أشهر، وقيل: بمائة يوم، وقيل: بثمانية أشهر، وقيل: غير ذلك (٢). (فجاءت) فاطمة ﵂ (تسعى) أي تسرع (فأخدته) أي الفرث بدمه (من ظهره) ﷺ ، وفي رواية: "فأقبلت تَشْتمُهم" زاد البزار: "فلم يَرُدُّوا عليها شيئا" (فلما فرغ) ﷺ (من صلاته) فيه أن الدعاء كان خارج الصلاة، وعند البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق: "فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، اللهم"، قال البزار: تفرد بقوله: "أما بعد" زيد. وكان هذا الدعاء وهو مستقبل القبلة كما ثبت من رواية زهير، عن أبي إسحاق، عند الشيخين، قاله الحافظ (قال: اللهم عليك بقريش) أي بإهلاكهم، والراد الكفار منهم، أو من سَمَّى منهم، فهو عام أريد به الخاص. وأصل اللهم: يا ألله، حذف منه حرف النداء، وعُوِّض عنه الميم المشددة، ولا يستعمل إلا في نداء لفظ الجلالة، ولا يجمع بين "يا"

стр. 2627

والميم إلا في الضرورة الشعرية كقوله: إنِّي إذَا ما حَدَثٌ ألَمَّا … أقُولُ ياَ الَّلهُمَّ، يَا الَّلهُمَّا قال ابن مالك في الخلاصة: وَاْلأكْثَرُ الَّلهُمَّ بالتَّعْويضِ … وَشَذَّ ياَ اللَّهُمَّ في قَريض وعليك: اسم فعل، منقول من الجار والمجرور، والمراد به هنا الدعاء عليهم، أي خذهم بالهلاك. فائدة: كتب العلامة محمَّد الخضري ﵀ في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، عند قوله: "عليك زيدا" ما نصه: عليك: اسم فعل بمعنى الْزَمْ، وزيدًا مفعوله، وقد يتعدى إليه بالباء "كعليك بذات الدين" فيكون بمعنى استمسك مثلا، وقد صرح الرضيُّ بأنها زائدة, لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل، لضعف عمله. وأما الكاف فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب, لأن الجار لا يستعمل بدونها, ولأن الياء والهاء في قولهم: عَلَيَّ، وعليه، ضميران اتفاقا، وهل هي فاعل باسم الفعل؟ أو مفعوله، والفاعل مستتر؟ أي ألزم أنت نفسك زيدًا، وإليك بمعنى نَحِّ نفسك، وكذا الباقي؟ أو مجرورة بالحرف في نحو عليك؟ وبالإضافة في نحو دونك، نظرا للأصل قبل النقل، والفاعل مستتر، أقوال: أصحها ثالثها، فإذا قلت: عليكم كُلُّكُمْ زيدا، جاز رفع كل توكيدًا للمستكن، وجره توكيدًا للمجرور. وبهذا يعلم أن اسم الفعل هو الجار فقط، وفاعله مستتر فيه، والكاف كلمة مستقلة، وقولهم: منقول من جار ومجرور فيه تسامح،

стр. 2628

ولم تجعل الكاف مجرورة بإضافته بعد النقل, لأن اسم الفعل لا يعمل الجر، ولا يضاف، فتدبر (١). (ثلاث مرات) قال في الفتح: كرره إسرائيل لفظا، لا عددا، وزاد مسلم في روايته: "وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا". ثم خص بعد التعميم، فقال (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام) عمرو بن هشام بن المغيرة، من بني مخزوم (وشيبة بن ربيعة و) أخيه (عتبة بن ربيعة) بن عبد شمس، من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف (وعقبة بن أبي معيط) واسمم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو (حتى عَدَّ) عبد الله بن مسعود (سبعة) أي حتى ذكر سبعة أشخاص من عُتَاة قريش. وقد ورد ذكرهم عند البخاري في "باب إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر" فعَدَّ منهم الوليد بن عتبة، وهو ابن عتبة بن ربيعة المذكور هنا، قال الحافظ: ولم تختلف الروايات في أنه بعين مهملة بعدها مثناة ساكنة، ثم موحدة، لكن عند مسلم من رواية زكريا: بالقاف بدل المثناة، وهو وهم قديم نَبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب. وأُمَيَّة بن خلف، قال الحافظ: في رواية شعبة "أو أبي بن خلف" شك شعبة، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه عقيب رواية الثوري في الجهاد، وقال: الصحيح: أمية، لكن وقع عندهم هناك "أو أبي بن خلف" وهو وَهَم منه أو من شيخه أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة إذْ حَدَّثه، فقد رواه شيخه أبو بكر في مسنده, فقال: "أمية" وكذا رواه مسلم عن أبي بكر، والإسماعيلي، وأبو نعيم من طريق أبي بكر، كذلك، وهو الصواب.

стр. 2629

وأطبق أصحاب المغازي على أن المقتول ببدر أمية، وعلى أن أخاه أبيا قتل بأحد (١) قال: "وعد السابع فلم نحفظه" قال الكرماني: فاعل "عَدَّ" رسول الله ﷺ ، أو ابن مسعود، وفاعل: "فلم نحفظه" ابن مسعود، أو عمرو بن ميمون. واعترض عليه الحافظ بأن فاعل "فلم نحفظه" أبو إسحاق لما في مسلم من طريق الثوري ولفظه: قال أبو إسحاق: "ونسيت السابع" وعلى هذا ففاعل عدَّ عمرو بن ميمون، على أن أبا إسحاق قد تذكره مرة أخرى فسماه عُمَارة بن الوليد، كما رواه البخاري في الصلاة من طريق إسرائيل، وهو أحظ الحديث جده من غيره. واستشكل بعضهم عَدَّ عمارة بن الوليد في المذكورين, لأنه لم يقتل ببدر، بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته، فأمر النجاشي ساحرا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبةً له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر، وقصته مشهورة. والجواب: أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على أكثر ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يُطرح في القليب، وإنما قُتل صبرا بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة، وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو، بل مقطعا (٢). (قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (فوالذي أنزل عليه الكتاب) وعند البخاري: "والذي نفسي بيده" قال الحافظ: وكأن عبد الله قال ذلك تأكيدا (لقد رأيتهم صَرْعى) جمع صريع، قال الفيومي:

стр. 2630

والصَّريع من الأغصان ما تَهَدَّلَ وسقط إلى الأرض، ومنه قيل للقتيل: صَريع، والجمع صَرْعَى (١). (يوم بدر في قليب واحد) والقليب -بفتح فكسر- البئر وهو مذكر، قال الأزهري: القليب عند العرب: البئر العادية القديمة مطوية كانت، أو غير مطوية، والجمع قُلُب بضمتين مثل برَيد وبُرُد (٢). وعند البخاري: "في القليب، قليب بدر" بالجر على البدلية، قال الحافظ: القليب: هو البئر التي لم تطو، وقيل العادية القديمة التي لا يعرف صاحبها. وفي رواية: "لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبُوا إلى القليب، قليب بدر" ثم قال رسول الله ﷺ : "وأُتبع أصحاب القليب لعنةً" وهذا يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه عَلَم عظيم من أعلام النبوة، ويحتمل أن يكون قاله النبي ﷺ بعد أن أُلقوا في القليب، وزاد شعبة في روايته: "إلا أمية، فإنه تقطعت أوصاله" زاد "لأنه كان بادنا". قال العلماء: وإنما أمر بإلقائهم فيه لئلا يتأذى الناس بريحهم، وإلا فالحربي لا يجب دفنه، والظاهر أن البئر لم يكن فيها ماء مَعين (٣). مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له: ذكره هنا -١٩٢/ ٣٠٧ - والكبرى -١٧٢/ ٢٩٦ - عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن
следующие страницы →