عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، إلا ما كان من مريم" (١) وقال ابن أبي مليكة عن المسور مرفوعا: "فاطمة بَضْعَة مني، يَريبُني ما رَابها، ويؤذيني ما آذاها" أخرجه الشيخان. وعن علي بن الحسين عن أبيه، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة: "إن الله يرضى لرضاك، ويغضب لغضبك".
ومناقبها كثيرة جدّا، قال الزهري عن عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، زاد غيره: وهي بنت سبع وعشرين سنة، وقيل: ثمان، وكانت أوَّل آل النبي ﷺ لُحوقا به، وغسلها علي، ودُفنت ليلا، وقيل: ماتت بعد النبي ﷺ بثلاثة أشهر، وقيل: بمائة يوم، وقيل: بثمانية أشهر، وقيل: غير ذلك (٢).
(فجاءت) فاطمة ﵂ (تسعى) أي تسرع (فأخدته) أي الفرث بدمه (من ظهره) ﷺ ، وفي رواية: "فأقبلت تَشْتمُهم" زاد البزار: "فلم يَرُدُّوا عليها شيئا" (فلما فرغ) ﷺ (من صلاته) فيه أن الدعاء كان خارج الصلاة، وعند البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق: "فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، اللهم"، قال البزار: تفرد بقوله: "أما بعد" زيد.
وكان هذا الدعاء وهو مستقبل القبلة كما ثبت من رواية زهير، عن أبي إسحاق، عند الشيخين، قاله الحافظ (قال: اللهم عليك بقريش) أي بإهلاكهم، والراد الكفار منهم، أو من سَمَّى منهم، فهو عام أريد به الخاص.
وأصل اللهم: يا ألله، حذف منه حرف النداء، وعُوِّض عنه الميم المشددة، ولا يستعمل إلا في نداء لفظ الجلالة، ولا يجمع بين "يا"
стр. 2627
والميم إلا في الضرورة الشعرية كقوله:
إنِّي إذَا ما حَدَثٌ ألَمَّا … أقُولُ ياَ الَّلهُمَّ، يَا الَّلهُمَّا
قال ابن مالك في الخلاصة:
وَاْلأكْثَرُ الَّلهُمَّ بالتَّعْويضِ … وَشَذَّ ياَ اللَّهُمَّ في قَريض
وعليك: اسم فعل، منقول من الجار والمجرور، والمراد به هنا الدعاء عليهم، أي خذهم بالهلاك.
فائدة:
كتب العلامة محمَّد الخضري ﵀ في حاشيته على شرح ابن عقيل على الألفية، عند قوله: "عليك زيدا" ما نصه:
عليك: اسم فعل بمعنى الْزَمْ، وزيدًا مفعوله، وقد يتعدى إليه بالباء "كعليك بذات الدين" فيكون بمعنى استمسك مثلا، وقد صرح الرضيُّ بأنها زائدة, لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل، لضعف عمله.
وأما الكاف فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب, لأن الجار لا يستعمل بدونها, ولأن الياء والهاء في قولهم: عَلَيَّ، وعليه، ضميران اتفاقا، وهل هي فاعل باسم الفعل؟ أو مفعوله، والفاعل مستتر؟ أي ألزم أنت نفسك زيدًا، وإليك بمعنى نَحِّ نفسك، وكذا الباقي؟ أو مجرورة بالحرف في نحو عليك؟ وبالإضافة في نحو دونك، نظرا للأصل قبل النقل، والفاعل مستتر، أقوال: أصحها ثالثها، فإذا
قلت: عليكم كُلُّكُمْ زيدا، جاز رفع كل توكيدًا للمستكن، وجره توكيدًا للمجرور.
وبهذا يعلم أن اسم الفعل هو الجار فقط، وفاعله مستتر فيه، والكاف كلمة مستقلة، وقولهم: منقول من جار ومجرور فيه تسامح،
стр. 2628
ولم تجعل الكاف مجرورة بإضافته بعد النقل, لأن اسم الفعل لا يعمل الجر، ولا يضاف، فتدبر (١).
(ثلاث مرات) قال في الفتح: كرره إسرائيل لفظا، لا عددا، وزاد مسلم في روايته: "وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا".
ثم خص بعد التعميم، فقال (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام) عمرو بن هشام بن المغيرة، من بني مخزوم (وشيبة بن ربيعة و) أخيه (عتبة بن ربيعة) بن عبد شمس، من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف (وعقبة بن أبي معيط) واسمم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو (حتى عَدَّ) عبد الله بن مسعود (سبعة) أي حتى ذكر سبعة أشخاص من عُتَاة قريش.
وقد ورد ذكرهم عند البخاري في "باب إذا أُلقي على ظهر المصلي قذر" فعَدَّ منهم الوليد بن عتبة، وهو ابن عتبة بن ربيعة المذكور هنا، قال الحافظ: ولم تختلف الروايات في أنه بعين مهملة بعدها مثناة ساكنة، ثم موحدة، لكن عند مسلم من رواية زكريا: بالقاف بدل المثناة، وهو وهم قديم نَبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصواب.
وأُمَيَّة بن خلف، قال الحافظ: في رواية شعبة "أو أبي بن خلف" شك شعبة، وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه عقيب رواية الثوري في الجهاد، وقال: الصحيح: أمية، لكن وقع عندهم هناك "أو أبي بن خلف" وهو وَهَم منه أو من شيخه أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة إذْ حَدَّثه، فقد رواه شيخه أبو بكر في مسنده, فقال: "أمية" وكذا رواه مسلم عن أبي بكر، والإسماعيلي، وأبو نعيم من طريق أبي بكر،
كذلك، وهو الصواب.
стр. 2629
وأطبق أصحاب المغازي على أن المقتول ببدر أمية، وعلى أن أخاه أبيا قتل بأحد (١) قال: "وعد السابع فلم نحفظه" قال الكرماني: فاعل "عَدَّ" رسول الله ﷺ ، أو ابن مسعود، وفاعل: "فلم نحفظه" ابن مسعود، أو عمرو بن ميمون.
واعترض عليه الحافظ بأن فاعل "فلم نحفظه" أبو إسحاق لما في مسلم من طريق الثوري ولفظه: قال أبو إسحاق: "ونسيت السابع" وعلى هذا ففاعل عدَّ عمرو بن ميمون، على أن أبا إسحاق قد تذكره مرة أخرى فسماه عُمَارة بن الوليد، كما رواه البخاري في الصلاة من طريق إسرائيل، وهو أحظ الحديث جده من غيره.
واستشكل بعضهم عَدَّ عمارة بن الوليد في المذكورين, لأنه لم يقتل ببدر، بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته، فأمر النجاشي ساحرا فنفخ في إحليل
عمارة من سحره عقوبةً له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر، وقصته مشهورة.
والجواب: أن كلام ابن مسعود في أنه رآهم صرعى في القليب محمول على أكثر ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يُطرح في القليب، وإنما قُتل صبرا بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة، وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو، بل مقطعا (٢).
(قال عبد الله) بن مسعود ﵁ (فوالذي أنزل عليه الكتاب) وعند البخاري: "والذي نفسي بيده" قال الحافظ: وكأن عبد الله قال ذلك تأكيدا (لقد رأيتهم صَرْعى) جمع صريع، قال الفيومي:
стр. 2630
والصَّريع من الأغصان ما تَهَدَّلَ وسقط إلى الأرض، ومنه قيل للقتيل: صَريع، والجمع صَرْعَى (١). (يوم بدر في قليب واحد) والقليب -بفتح فكسر- البئر وهو مذكر، قال الأزهري: القليب عند العرب: البئر العادية القديمة مطوية كانت، أو غير مطوية، والجمع قُلُب بضمتين مثل برَيد وبُرُد (٢).
وعند البخاري: "في القليب، قليب بدر" بالجر على البدلية، قال الحافظ: القليب: هو البئر التي لم تطو، وقيل العادية القديمة التي لا يعرف صاحبها.
وفي رواية: "لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبُوا إلى القليب، قليب بدر" ثم قال رسول الله ﷺ : "وأُتبع أصحاب القليب لعنةً" وهذا يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه عَلَم عظيم من أعلام النبوة، ويحتمل أن يكون قاله النبي ﷺ بعد أن أُلقوا في القليب، وزاد شعبة في روايته: "إلا أمية، فإنه تقطعت أوصاله" زاد "لأنه كان بادنا".
قال العلماء: وإنما أمر بإلقائهم فيه لئلا يتأذى الناس بريحهم، وإلا فالحربي لا يجب دفنه، والظاهر أن البئر لم يكن فيها ماء مَعين (٣).
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في مواضع ذكر المصنف له: ذكره هنا -١٩٢/ ٣٠٧ - والكبرى -١٧٢/ ٢٩٦ - عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن
стр. 2631
مخلد، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عنه. وفي الكبرى في السير عن أحمد بن سليمان، عن جعفر بن عون، عن سفيان، عن أبي إسحاق، به، وعن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م) فأخرجه (خ) في الطهارة، وفي الجزية عن عبدان، عن أبيه، وفي مبعث النبي ﷺ المناقب - عن محمَّد بن بشار، عن غندر كلاهما عن شعبة وفي الطهارة أيضًا عن أحمد بن عثمان بن حكيم عن شريح بن مسلمة عن إبراهيم بن يوسف عن أبيه، وفي الصلاة عن أحمد بن إسحاق، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل وفي الجهاد عن عبد الله بن أبي شيبة، عن جعفر ابن عون، عن سفيان، أربعتهم عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود ﵁، وفي المغازي عن عَمْرو بن خالد، عن زهير، عن أبي إسحاق به، مختصرًا.
وأخرجه (م) في المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة به، وعن محمَّد ابن بشار، ومحمد بن المثنى كلاهما عن غندر به، وعن سلمة بن شبيب، عن الحسن بن محمَّد بن أعين، عن زهير به مختصرًا، وعن عبد الله بن عمر بن محمَّد بن أبان، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق به (١).
وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود الطيالسي.
المسألة الرابعة: في بيان بعض فوائده:
من فوائده: عظمة الدعاء بمكة عند الكفار حيث ثبت في مسلم من
стр. 2632
رواية زكريا: "فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته" وما ازدادت عند المسلمين إلا تعظيمًا.
ومنها: معرفة الكفار بصدق النبي ﷺ ، لخوفهم من دعائه، ولكن حملهم العناد، والحسد على ترك الانقياد له.
ومنها: تحمّله ﷺ عمن آذاه، ففي رواية الطيالسي عن شعبة في هذا الحديث أن ابن مسعود قال: "لم أره دعا إلا يومئذ" وإنما استحقوا الدعاء حينئذ لما أقدموا عليه من الاستخفاف به ﷺ حال عبادة ربه.
ومنها: استحباب الدعاء ثلاثا، وجواز الدعاء على الظالم، لكن قال بعضهم محله ما إذا كان كافرا، فأما المسلم فيستحب الاستغفار له، والدعاء بالتوبة.
ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكفار: لَماَ كان بعيدا، لاحتمال أن يكون ﷺ علم أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يُدعى لكل حي بالهداية.
ومنها: قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها، لشرفها في قومها ونفسها, لكونها صرخت بشتمهم، وهم رؤوس قريش، فلم يردوا عليها.
ومنها: أنه استدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته، ولو تمادى، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال، ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقًا.
стр. 2633
ومنها: أنه استدل به على طهارة فرب ما يؤكل لحمه، وهو غرض المصنف هنا، وقد تقدم اختلاف الأئمة في طهارة أبوال وأرواث الحيوان مأكوله، وغير مأكوله بالتفصيل، وأن الراجح قول من قال بطهارتها إلا ما استثناه الشارع وهو بول الآدمي، والروث، وإن شئت فراجع ١٩١/ ٣٠٥ والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2634
١٩٣ - بَابُ البُزَاقِ يُصيبُ الثّوْبَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم البزاق يصيب الثوب.
البزاق: بالضم، ومثله البُصَاق بالصاد: الرّيق إذا لُفظَ، أي رُميَ، يقال: بَزَق من باب نَصَر، بَزْقا، وبُزاقا: بَصَق، ويقال: بصق من باب نصر أيضا: لفظ ما في فمه. أفاده في المعجم الوسيط، وفي المصباح: بَزَق يبزق، من باب قتل بُزَاقا: بمعنى بصق، وهو إبدال منه.
وجملة "يصيب الثوب" حال من البزاق، أو صفة له.
٣٠٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ فَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (علي بن حجر) بن إياس السعدي المروزي نزيل بغداد ثم مرو، ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير أبو إبراهيم المدني نزيل بغداد ثقة ثبت -٨ - ، تقدم في ١٦/ ١٧.
تنبيه:
أخطأ الشيخ الشنقيطي في شرحه هنا، فقال: إسماعيل
стр. 2635
ابن علية، وليس كما ظنه، فقد صرح البخاري في الجامع الصحيح في باب "حك البزاق باليد من المسجد" بأنه ابن جعفر، فقال: حدثنا قتيبة
قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس .. وكذا صرح به ولي الدين العراقي في الإطراف بأوهام الأطراف ص ٤٢.
٣ - (حميد) الطويل بن أبي حميد، أبو عبيدة البصري، ثقة عابد مدلس من [٥] تقدم في ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعياته، وهو أعلى ما عنده، وهذا هو الثالث عشر من رباعيات هذا الكتاب، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مر وزي، وبغدادي، وبصريين، وأن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثا، وأنه آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وفيه الإخبار، والتحديث والعنعنة.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك خادم رسول الله ﷺ ﵁ (أن النبي ﷺ أخد طرف ردائه) بكسر الراء والمد: الذي يلبس، وتثنيته رداءان، وإن شئت رداوان؛ لأن كل اسم ممدود فلا تخلو همزته إما أن تكون أصلية فتتركها في التثنية على ما هي عليه، ولا تقلبها، فتقول: جزاءان وخطاءان، وإما أن تكون للتأنيث، فتقلبها في التثنية واوا لا غير، تقول: صفراوان وسوداوان، وإما أن تكون منقلبة من واو أو ياء مثل:
стр. 2636
كِساء ورداء، أو مُلحقَة، مثل علْبَاء، وحِرْباء ملحقة بسِرْدَاح (١) وشِمْلال، (٢)، فأنت بالخيار، إن شئت قلبتها واوا مثل التأنيث، فقلت: كساوان، وعلباوان ورداوان، وإن شئت تركتها همزة، مثل الأصلية، وهو أجود فقلت: كساءان، وعلباءان، ورداءان، والرداء من المَلَاحف. أفاده ابن منظور (٣).
(فبصق فيه) أي في ذلك الرداء، وتقدم معنى البُصاق في أول الباب.
وهذا الحديث طرف من حديث أنس ﵁، وقد ساقه البخاري في الصحيح عن قتيبة بطريق المصنف، ولفظه: "أن النبي ﷺ رأى نخامة في القبلة، فشقَّ ذلك عليه، حتى رؤي في وجهه، فقام فحكَّه بيده، فقال: "إن أحدكم إذا قام في صلاته، فإنما يناجي ربه"، أو "إنَّ ربه بينه وبين القبلة، فلا يَبْزُقَنَّ أحدكم قبَلَ قبلته، ولكن عن يساره، أو تحت قدميه" ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم ردَّ بعضه على بعض، فقال: "أو يفعل هكذا".
(فرد بعضه على بعض) فيه دلالة على طهارة البصاق، إذ لو كان نجسا لما فعل ذلك، قال بعضهم: إنه بالإجماع، لكن قال الحافظ ﵀: رَوَى ابنُ أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه ليس
بطاهر، وقال ابن حزم: صح عن سلمان الفارسي، وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم.
قال الجامع: الراجح قول الجمهور، لهذا الحديث. والله أعلم.
стр. 2637
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري ﵀.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، أخرجه هنا -١٩٣/ ٣٠٨ - والكبرى -١٧٣/ ٢٩٧ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: في ذكر من أخرجه معه: أخرجه (خ) في الصلاة عن قتيبة، عن إسماعيل بسند المصنف، وسيأتي ذكر الفوائد في الحديث التالي إن شاء الله تعالى.
٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مِهْرَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْزُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، وَإِلاَّ". فَبَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ هَكَذَا فِي ثَوْبِهِ وَدَلَكَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن بشار) أبو بكر بُندار بصري ثقة ثبت من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمَّد) بن جعفر غُندر البصري ثقة من [٩] تقدم في ٢١/ ٢٢
стр. 2638
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الإمام العلم الحجة الثبت من [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (القاسم بن مهران) القيسي، مولى بني قيس بن ثعلبة، خال هشيم صدوق -٦ - .
روى عن أبي رافع الصائغ، وعنه شعبة، وعبد الوارث، وهشيم، وعبد الله بن دكين، وإسماعيل بن علية، قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، له في (م س ق) حديث أبي هريرة في النهي عن التنخم في المسجد (١).
٥ - (أبو رافع) الصائغ نُفيع المدني نزيل البصرة ثقة ثبت مشهور بكنيته من [٢] تقدم في ١٢٩/ ١٩١.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى ٥٣٧٤ حديثا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه قال (إذا صلى أحدكم) أي دخل في الصلاة (فلا يبزقن بين يديه) زاد في رواية البخاري "فإن الله قبل وجهه" وفي رواية "فإنما يناجي الله، ما دام في مصلاه" فبين سبب النهي (ولا) يبزقن أيضا (عن يمينه) وبَيَّنَ سبب النهي أيضا في رواية البخاري، فزاد: "فإن عن يمينه ملكا".
стр. 2639
قال الحافظ ﵀: ظاهره اختصاصه بحالة الصلاة، فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد يُسْتَشكَلُ اختصاصه بالمنع، مع أن عن يساره ملكا آخر، وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفا له وتكريما، هكذا قال جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه.
وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أمُّ الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث حذيفة ﵁ موقوفا في هذا الحديث، قال: "ولا عن يمينه فإن عن يمينه كاتبَ الحسنات"، وفي الطبراني من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي الله، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره" اهـ، فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو يتحول في الصلاة إلى اليمين (١).
(ولكن) يبزق (عن يساره أو تحت قدمه) أي اليسرى، كما جاء التصريح به عند البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه: أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحكها، فقال: "إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، ولْيَبْصُق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى".
وعنده أيضا من طريق همام عن أبي هريرة زيادة: "فَيَدْفنُها".
(وإلا) أي وإن لم يفعل ذلك، وجواب إن محذوف لدلالة ما بعده عليه، تقديره: فليفعل كما فعل النبي ﷺ (فـ) ـقد (بزق النبي ﷺ هكذا في ثوبه ودلكه) جملة "فبزق" بيان للجواب المقدر، أي بصق ﷺ في ثوبه،
стр. 2640
ثم ردَّ بعضه إلى بعض، ودلكه، ليزول أثره، وذلك للتعليم, لأن التعليم بالفعل أبلغ منه بالقول، وأوقع في النفس.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا - ١٩٣/ ٣٠٩ - والكبرى -١٧٣/ ٢٩٨ - وبالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الصلاة عن أبي بكر ابن أبي شيبة، وزُهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن عُلَيَّة، وعن شيبان بن فروخ، عن عبد الوارث، وعن يحيى بن يحيى، عن هشيم، وعن محمَّد بن المثنى، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، أربعتهم عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه (ق) في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة بالسند المذكور.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم البزاق:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن البزاق طاهر لأحاديث الباب، وخالف في ذلك سلمان الفارسي ﵁، وإبراهيم النخعي، ولا ندري مستندهم في ذلك، فالراجح هو مذهب الجمهور، لوضوح
دليله، والله أعلم.
المسألة الخامسة: في فوائده:
منها: طهارة البزاق، وهو غرض المصنف بإيراده هنا.
ومنها: النهي عن البزاق في القبلة، والتعليلُ بكون الله قبَلَ وجهه يقتضي التحريم. قال في الفتح: وهذ التعليل يدل على أن البزاق في
стр. 2641
القبلة حرام سواء كان في المسجد، أم لا, ولا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه، أو للتحريم، وفي صحيح ابن خزيمة، وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا: "من تَفَلَ تجاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُه بين عينيه"، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا: "يُبعثُ صاحبُ النخامة في القبلة، وهي في وجهه"، ولأبي داود، وابن حبان من حديث السائب بن خلاد: "أن رجلا أمَّ قوما فبصق في القبلة، فلما فرغ، قال رسول الله ﷺ : "لا يصلي لكم" الحديث، وفيه أنه قال له: "إنك آذيت الله ورسوله". فتح جـ ١ ص ٦٠٦.
ومنها: أن فيه جواز التفل للمصلي، وأنه لا ينافي الصلاة.
ومنها: استعمال الأدب في الصلاة والمسجد؛ لأن البزاق وإن كان طاهرا، غير أنه من المستقذرات عادة، فلا ينبغي أن يُبزقَ في مثل هذه الحالة، ومثله أمام الناس لئلا يتأذوا به.
ومنها: أنه يستدل به على جواز استعمال المنديل للبزاق ونحوه. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2642
١٩٤ - بَابُ بَدْءِ التَّيَمُّمِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ابتداء مشروعية التيمم.
التيمم: مصدر تَيَمَّمَ تَيَمُّما، من باب التفعُّل، وأصله من الأَمِّ، وهو القصد، يقال: أمَّهُ يؤُمُّه أَمّا: إذا قصده، وذكر أبو محمَّد في الكتاب الواعي، يقال: أمَّ، وتأمّمَ، ويمَّمَ وتيمم بمعنى واحد، والتيمم أصله من ذلك, لأنه يقصد التراب، فيتمسح به، وفي الجامع عن الخليل: التيمم يجرى مجرى التَّوَخِّي، تقول: تَيَمَّمْ أطيب ما عندك، فأطعمنا منه، أي تَوَخّه، وأجاز أن يكون التيمم العمدَ والقصدَ، وهذا الاسم كثُر حتى صار اسما للتمسح بالتراب، قال الفراء: ولم أسمع يَمَمْت -بالتخفيف-، وفي التهذيب لأبي منصور: التيمم: التعمد، وهو ما ذكره البخاري في التفسير في سورة المائدة، ورواه ابن أبي حاتم،
وابن المنذر، عن سفيان (١).
والتيمم في اللغة: القصد مطلقا، قال امرؤ القيس (من الطويل):
تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أذْرعَات وَأهْلُهَا … بيَثْربَ أدْنَا دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي
أي قصدتها، وقال آخر (من الوافر):
وَلَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرَضا … أُرِيدُ الْخيْرَ أيُّهُمَا يَلينِي
أألْخَيْرُ الَّذي أنَا أبتْغَيهِ … أم الشَّرُّ الَّذي هُوَ يَبتَغينِي
وفي الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب، لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة، ونحوها، وقال ابن السكيت: قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ , [النساء الآية ٤٣]، أي اقصدوا الصعيد، ثم كثُر استعمالهم
стр. 2643
حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. اهـ.
فعلى هذا هو مجاز لغوي، وعلى الأول هو حقيقة شرعية، واختلف في التيمم هل هو عزيمة أو رخصة؟، وفصَّلَ بعضهم فقال: هو لعدم الماء عزيمة وللعذر رخصة (١).
٣١٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ ذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ! أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالنَّاسَ
стр. 2644
وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَمَا مَنَعَنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني أبو رجاء الثقفي ثقة ثبت من [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الجليل الحجة الفقيه من [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمَّد بن أبي بكر الصديق التيمي أبو محمَّد المدني ثقة جليل من [٦] تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٤ - (القاسم) بن محمَّد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني ثقة أحد
стр. 2645
الفقهاء السبعة من كبار [٣] تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني، وفيه رواية الراوي، عن أبيه، عن عمته، وفيه القاسم أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثا، وفيه الإخبار في أوله، والعنعنة فيما بقي.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ أنها قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره) قال ابن عبد البر ﵀ في التمهيد: يقال: إنه كان في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك في كتاب الاستذكار وورد ذلك عن ابن سعد، وابن حبان قبله. وغزوة بني المصطلق هي غزوة المُرَيسيع التي كان فيها قصة الإفك، قال أبو عبيد البكري في حديث الإفك: "فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاؤه" وقال ابن سعد: "خرج رسول الله إلى المريسيع يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان سنة خمس" ورجحه أبو عبد الله في الإكليل، وقال البخاري، عن ابن إسحاق: سنة ست، وقال عن موسى بن عقبة: سنة أربع، وزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال: سقط عقدها في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق قصة الإفك.
قال العلامة العيني ﵀: يعارض هذا ما رواه الطبراني أن الإفك قبل التيمم، فقال: حدثنا القاسم، عن حماد، حدثنا محمَّد بن
стр. 2646
حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، وإبراهيم بن المختار، عن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي حتى حُبس الناسُ على التماسه، وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال: يا بُنَيَّة في كل سفر تكونين عَنَاءً وبَلاءً، ليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال: أبو بكر: إنك ما عملت لمباركة" قال العيني: إسناده جيد (١).
قال الجامع: لكن قال الحافظ بعد ذكر حديث الطبراني: وفي إسناده محمَّد بن حميد الرازي وفيه مقال.
وقال أيضا: فإن كان ما جزموا به -يعني ما تقدم من جزم ابن عبد البر، وقبله ابن سعد وابن حبان من أن المراد ببعض الأسفار هو غزوة بني المصطلق- ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين، كما هو مُبَيَّن في سياقهما، واستبعد بعض شيوخنا ذلك، قال: لأن المريسيع من ناحية مكة بين قُديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر، لقولها في الحديث: "حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش" وهما بين المدينة وخيبر كما جزم به النووي.
قال الحافظ: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التين، فإنه قال: وذات الجيش: وراء ذي الحليفة، وقال أبو عبد الله البكري في معجمه: البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم
ساق حديث ابن عمر، قال: "بيداءكم هذه التي تكذبون فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلا عند المسجد" قال: والبيداء: هو الشَّرَفُ الذي قُدَّامَ
стр. 2647
ذي الحليفة من طريق مكة، وقال أيضا: ذات الجيش من المدينة على بَريد، قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، فاستقام ما قال ابن التين، ويؤيده ما رواه الحميدي في مسنده عن سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، في هذا الحديث، فقال فيه: "إن القلادة سقطت ليلة الأبواء" اهـ. والأبواء: بين مكة والمدينة، وفي رواية علي بن مُسهر في هذا الحديث عن هشام، قال: وكان ذلك المكان يقال له: الصَّلصَل. رواه جعفر الفريابي في كتاب الطهارة له، وابن عبد البر من طريقه، والصَّلصَل -بمهملتين ولامين الأولى ساكنة بين الصادين- قال البكري: هو جبل عند ذي الحليفة، كذا ذكره في حرف الصاد المهملة، ووهم مغلطاي في فهم كلامه، فزعم أنه ضبطه بالضاد المعجمة، وقلده في ذلك بعض الشراح، وتصرف فيه فزاده وهما على وهم.
وعُرف من تضافر هذه الروايات تصويب ما قاله ابن التين، واعتمد بعضهم في تعدد السفر على رواية الطبراني المتقدمة فإنها صريحة في ذلك والله أعلم (١).
(حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة، والمد، هي الشَّرَفُ الذي قُدَّام ذي الحليفة في طريق مكة (أو بذات الجيش) قيل: هي من المدينة على بريد بينها وبين العقيق سبعة أميال، والشك من بعض الرواة عن عائشة
أو منها، وقد جاء في حديث عمار أنها ذات الجيش بالجزم قاله في الفتح
(انقطع عقد) بكسر العين المهملة وسكون القاف: هو القلادة، وهو كل ما يُعقد ويُعلّق في العنق، ويسمى قلادة، وللبخاري في التفسير من رواية عمرو بن الحارث: "سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون
стр. 2648
المدينة، فأناخ النبي ﷺ ، ونزل" قال الحافظ: وهذا مشعر بأن ذلك كان عند قربهم من المدينة. (لي) أي معي، فاللام للاختصاص، وإلا فهو كان لأسماء بنت أبي بكر ﵃ استعارته منها. أفاده السندي.
(فأقام رسول الله ﷺ علي التماسه) أي لأجل طلبه (وأقام الناس معه وليسوا على ماء) أي ليسوا نازلين على محلّ فيه ماءٌ (وليس معهم ماء) أي وليسوا هم حاملين الماء من محل آخر، والجملة في محل نصب على الحال من الناس.
واستدل بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه، وكذا سلوك الطريق التي لا ماء فيها.
قال الحافظ: وفيه نظر, لأن المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها، ويحتمل أن يكون قوله: "وليس معهم ماء" أي للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون معهم، والأول محتمل، لجواز إرسال المطر، أو نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، كما وقع في مواطن أخرى.
وفيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين، وإن قلَّت، فقد نقل ابن بطال: أنه روي أن العقد المذكور كان اثني عشر درهما، ويلتحق بتحصيل الضائع الإقامةُ للحوق المنقطع، ودفن الميت، ونحو ذلك من مصالح الرعية، وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال (١).
(فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟) فيه شكوى المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر لكون النبي ﷺ كان نائما، وكانوا لا يوقظونه. وفيه نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه، لقولهم: "صنعت، وأقامت". وفيه جواز دخول
стр. 2649
الرجل على ابنته، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك، ولم يكن حال المباشرة (أقامت برسول الله ﷺ ) بيان لما صنعته، والباء للتعدية، ونسبة الفعل إليها للسببية (والناس) بالجر عطفا على رسول الله، قالت عائشة ﵂ (فجاء أبو بكر ﵁ وإنما لم تقل أبي تنبيهًا على أنه ما راعى حق الأبوة في الغضب في الله (ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "جاء" (قد نام) جملة في محل نصب من المبتدإ فتكون من الأحوال المتداخلة، أي حال كونه نائما (فقال) أبو بكر (حبست) من باب ضرب (رسول الله ﷺ والناس) بالنصب عطفا على المفعول، أو على المفعولية معه (وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر) أي لامني على الحبس المذكور، قال الحافظ: والنكتة في قولها: "فعاتبني أبو بكر" ولم تقل: أبي؛ لأن قضية الأبوة والحُنُوّ، وما وقع من العتَاب بالقول، والتأنيب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي، فلم تقل: أبي (١).
(وقال ما شاء الله أن لقول) أي من اللوم والعتاب، كما جرت به عادة الأب مع ابنته، ومن جملة ما قاله ما في رواية عمرو بن الحارث من قوله: "حَبَست الناسَ في قلادة"، وما عند الطبراني من قوله: "في
كل مرة تكونين عَنَاءً". (وجعل يَطعُنُن بيده) بضم العين وكذا في جميع ما هو حسي، وأما المعنوي: فيقال: يَطعَنُ -بفتح العين- هذا هو المشهور فيهما، وحَكَى فيهما الفتح معًا في المطالع وغيرها، والضم فيهما حكاه صاحب الجامع.
وفيه تأديب الرجل ابنته، ولو كانت مُزَوَّجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه، ولو لم يأذن له الإمام.
стр. 2650
(في خاصرتي) الخاصرة من الإنسان: ما بين رأس الوَرك، وأسفل الأضلاع، وهما خاصرتان (١). (فما يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسول الله ﷺ علي فخذي) أي لم يمنعني من التحرك لألَم الطعن إلا كون رسول الله ﷺ نائما على فخذي.
فمكان مصدر ميمي لكان، فاعل "يمنع".
وفيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة، أو يحصل به تشويش لنائم، وكذا لمصل، أو قارئ، أو مشتغل بعلم، أو ذكر. قاله في الفتح.
(فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء) وعند البخاري في التيمم: "فقام حين أصبح" قال الحافظ: والمعنى متقارب, لأن كلا منهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح، وقال بعضهم: ليس المراد بقوله: "حتى أصبح" بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح, لأنه قيد قوله: "حتى أصبح" بقوله: "على غير ماء" أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء، وأما رواية عمرو بن الحارث فلفظها: "ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضر الصبح"، فإن أعربت الواو حالية كان دليلا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح وهو الظاهر.
واستُدلَّ به على الرخصة في ترك التهجد في السفر، إن ثبت أن التهجد كان واجبا عليه، وأن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، لقوله في رواية عمرو بن الحارث بعد قوله: "وحضرت الصبح، فالتُمسَ الماء فلم يوجد". وعلى أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع.
стр. 2651
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀: ومعلوم عند جميع أهل المغازي أنه ﷺ لم يُصلّ منذ افترضت عليه الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، قال: وفي قوله في هذا الحديث آية التيمم إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم، لا حكم الوضوء، قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه مَتْلُوًا بالتنزيل، وقال غيره: يحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما فعملوا به الوضوء، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة، وإطلاق آية التيمم على هذا من تسمية الكل باسم البعض.
قال الحافظ ﵀: لكن رواية عمرو بن الحارث التي أخرجها البخاري في التفسير تدل على أن الآية نزلت جميعا في هذه القصة، فالظاهر هو ما قاله ابن عبد البر (١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن ابن القاسم لفظها: "فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة الآية-٦] إلى قوله ﴿تَشْكُرُونَ﴾ " وهي صريحة في أن الآية
نزلت كاملة في وقت واحد في تلك السفرة والله أعلم.
(فأنزل الله آية التيمم) قال أبو بكر بن العربي ﵀: هذه مُعضلة ما وجدت لدائها من دواء, لأنا لا نعلم أي الآيتين عَنَت عائشة ﵂، وقال ابن بطال: هي آية النساء، أو آية المائدة. وقال القرطبي: هي آية النساء، ووجَّهَهُ بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم، وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا.
قال الحافظ: وخَفيَ على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث، إذ صَرَّحَ فيها بقوله:
стр. 2652
"فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة الآية-٦] (١).
(فقال أسَيد بن حُضَير) بتصغير الاسمين -وحضير -بمهملة، ثم معجمة آخره راء مهملة- ابن سِمَاك بن عَتيك الأنصاري الأشهلي أبو يحيى، وقيل في كنيته غير ذلك، كان أحد النقباء ليلة العقبة، واختلف في شهوده بدرا. روى عن النبي ﷺ ، وله ١٨ حديثا، اتفق الشيخان على حديث منها. وعنه أبو سعيد الخدري، وأنس، وأبو ليلى الأنصاري، وكعب بن مالك، وعائشة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وحصين بن عبد الرحمن، ولم يدركاه.
قال ابن إسحاق: لا عقب له، وقال ابن سعد: كان شريفا في قومه كاملا، وذكره موسى بن عقبة فيمن شهد العقبة الثانية، وقالت عائشة ﵂: كان من أفاضل الناس، وقال عروة: مات أسيد بن حضير وعليه دين أربعة آلاف درهم، فبيعت أرضه، فقال عمر: لا أترك بني أخي عالة فَرَدَّ الأرض، وباع ثمرها من الغرماء، أربع سنين بأربعة آلاف كل سنة ألف درهم. قال المزي: هذا هو الصحيح في تاريخ وفاته، وأما الحديث الذي رواه هارون بن عبد الله، عن حماد بن مَسْعدة، عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد، عن أسيد بن حضير الأنصاري، أن معاوية كتب إلى مروان: إن الرجل إذا وجد سرقة في يد رجل فهو أحق بالثمن .. الحديث، فإنه وهم، قال هارون: قال أحمد: هو في كتاب ابن جريج، أسَيد بن ظُهَير، ولكن كذا حدثهم بالبصرة، ورواه عبد الرزاق وغيره، عن ابن جريج، عن عكرمة، عن أسيد بن ظهير، وهو الصواب.
стр. 2653
وذكره ابن إسحاق في البدريين، وروى الواقدي ما يخالفه أنه تلقى رسول الله ﷺ مَرْجعَه من بدر، واعتذر عن تخلفه، توفي سنة ٢٠، وقيل: ٢١، وقال البخاري: مات في عهد عمر، قاله عبد الله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر ﵃ (١).
(ما هي) أي البركة الحاصلة بسبب فقد العقد، من الرخصة المشروعة بالتيمم (بأول بركتكم) أي بل هي مسبوقة بغيرها من البركات قال العلامة العيني ﵀: والقرينة الحالية والمقالية تدلان على أن
قوله: "هي" يرجع إلى البركة، وإن لم يمض ذكرها، والبركة: كثرة الخير (يا آل أبي بكر) لفظ "آل" مقحمة، وأراد به أبا بكر نفسه، ويجوز أن يراد به أبو بكر وأهله وأتباعه، قاله العيني.
قال الجامع: الظاهر هو المعنى الثاني.
والآل يستعمل في الأشراف، بخلاف الأهل، ولا يرد قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر الآية ٤٦] لأنه بحسب تصوره ذكر كذلك، أو بطريق التهكم ويجوز فيه: يَالَ أبي بكر بحذف الهمزة
للتخفيف، قاله العيني (٢).
وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها ﵄، وتكرار البركة منهما، وفي رواية عمرو بن الحارث: "لقد بارك الله للناس فيكم" وفي تفسير ابن إسحاق البستي من طريق ابن أبي مليكة عنها أن النبي ﷺ قال لها: "ما كان أعظم بركة قلادتك" وفي رواية هشام بن عروة: "فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيرا" وفي رواية: "إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه بركة".
стр. 2654
وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فَيُقَويّ قولَ من ذهب إلى تعدد ضَيَاع العقد، وممن جزم به محمَّد بن حبيب الأخباري، فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق.
وقد اختلف أهل المغازي في أيّ هاتين الغزاتين كانت أوّلا، وقال الداودي: كانت قصة التيمم في غزوة الفتح، ثم تردد في ذلك، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع .. الحديث. فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق, لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف.
قال الحافظ: ويرى البخاري أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة.
ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: "لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي، حتى حُبس الناسُ على التماسه، فقال أبو بكر: يا بُنَيَّة في كل سفرة تكونين عَنَاءً وبَلاء على الناس؟ فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة، ثلاثا".
وفي إسناده محمَّد بن حميد الرازي، وفيه مقال، وفي سياقه من الفوائد بيان عتاب أبي بكر الذي أُبهم في حديث الباب، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين، والله أعلم (١).
(قالت) عائشة ﵂ (فبعثنا) أي أثرنا من مَبْرَكه (البعير الذي كنت عليه) أي حالة السفر (فوجدنا العقد تحته) وفي رواية عروة
стр. 2655
عند البخاري: "فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فوجدها" أي القلادة، وللبخاري أيضا في فضل عائشة من هذا الوجه، وكذا لمسلم: "فبعث ناسا من أصحابه في طلبها" ولأبي داود: "فبعث أسيد بن حضير وناسًا معه".
وطريق الجمع كما قاله الحافظ: أن أسيد بن حضير كان رأس من بُعث لذلك، فلذا سمي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند الفعل إلى واحد منهم، وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أوّلا، فلما رجعوا، ونزلت آية التيمم، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن حضير، فعلى هذا فقوله في رواية عروة: "فوجدها" أي بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره.
وقال النووي ﵀: يحتمل أن يكون فاعل "وجدها" النبي ﷺ وقد بالغ الداودي في توهيم رواية عروة، ونقل عن إسماعيل القاضي أنه حمل الوَهَم فيها على عبد الله بن نمير.
قال الحافظ: وقد بان بما ذكرنا من الجمع بين الروايتين أن لا تخالف بينهما, ولا وهم، وفي الحديث اختلاف آخر، وهو قول عائشة ﵂: "انقطع عقد لي" وقالت في رواية عمرو بن الحارث:
"سقطت قلادة لي" وفي رواية "أنها استعارت قلادة من أسماء" يعني أختها، "فهلكت" أي ضاعت.
والجمع بينهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها وإلى أسماء لكونها ملكها لتصريح عائشة في رواية عروة أنها استعارتها منها، وكله بناء على اتحاد القصة. وقد جنح البخاري في التفسير إلى تعددها، حيث أورد حديث الباب في تفسير المائدة، وحديث عروة في تفسير النساء، فكان نزول آية المائدة بسبب عقد عائشة، وآية النساء
стр. 2656
بسبب قلادة أسماء، وما تقدم من اتحاد القصة أظهر، والله أعلم (١).
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٩٤/ ٣١٠ - والكبرى -١٧٤/ ٢٩٩ - بالسند المذكور، وفي التفسير في الكبرى -١١١٠٧ - به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة، وفي النكاح مختصرا عن عبد الله بن يوسف، وفي فضل أبي بكر، عن قتيبة، وفي التفسير، وفي المحاربين مختصرا عن إسماعيل بن أبي أويس كلهم عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
وأخرجه (م) في الطهارة عن يحيى بن يحيى، عن مالك به.
وأخرجه (د) في الطهارة من طريق عروة عنها.
المسألة الرابعة: في بيان فوائده غير ما تقدم:
منها: وجوب النية للتيمم, لأن التيمم معناه القصد، وهو قول فقهاء الأمصار، لم يخالف فيه إلا الأوزاعي، وزفر من الحنفية وأنه يجب نقل التراب، ولا يكفي هبوب الريح بخلاف الوضوء كما لو أصابه مطر فنوى به، فإنه يجزئ، كذا قال بعضهم، والأظهر كما قال الحافظ: الإجزاء لمن قصد التراب من الريح الهابَّة، بخلاف من لم يقصد، وأنه يتعين الصعيد الطيب للتيمم، لكن اختلف الفقهاء في المراد بالصعيد
стр. 2657
الطيب، وأنه يجوز السفر بالنساء واتخاذهن الحلي تجملا لأزواجهن، ويجوز السفر بالعارية، إذا رضي صاحبها، وأنه يجوز التيمم للصحيح، والمريض، والمحدث، والجنب، ولم يختلف فيه علماء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، والمشرق، والمغرب، وخالف في الجنب عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄.
وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك برقم ٣٢٠، إن شاء الله تعالى، وأنه يجوز التيمم في السفر، واختلفوا في الحضر، وسيأتي تحقيقه في الباب التالي، وأنه يجوز اتكاء الرجل على فخذ امرأته، وفيه احترام أهل الفضل وإن أدى ذلك إلى المشقة. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2658
١٩٥ - بَابُ التّيَمُّمِ في الحَضَرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم في الحضر.
الحَضَر -بفتحتين- خلاف البادية، والنسبة إليه حَضَريّ على لفظه، وحَضَر: أقام بالحضر، والحَضَارَة -بفتح الحاء وكسرها- سكون الحضر. قاله الفيومي (١).
وقال ابن منظور: والحَضَر والحَضْرَة والحاضرة: خلاف البادية، وهي المُدُن، والقُرَى، والريف، سميت بذلك لأن أهلها حَضَروا الأمصار، ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار، والبادية يمكن أن يكون اشتقاق اسمها من بَدَا يَبْدوُ، أي برَز، وظهر، ولكنه اسم لزم ذلك الموضع خاصة دون ما سواه (٢).
٣١١ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ الْجَمَلِ وَلَقِيَهُ
стр. 2659
رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (الربيع بن سليمان) بن عبد الجبار المرادي أبو محمَّد المصري المؤذن صاحط الشافعي ثقة [١١] مات سنة ٢٧٠، وله ٩٦ سنة.
وفي "تت" هو رَاوية كتب الشافعي عنه قال النسائي: لا بأس به، ووثقه ابن يونس، والخطيب، وقال ابن أبي حاتم: سمعنا منه، وهو صدوق، سئل عنه أبي فقال: صدوق، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته من الشافعي بكتاب الربيع، وقال مسلمة: كان من أكابر أصحاب الشافعي، ينتمي إلى مُراد، وكان يوصف بغفلة شديدة، وهو ثقة أخبرنا عنه غير واحد، وقال ابن يونس: توفي يوم الاثنين لعشر بقين من شوال سنة ٢٧٠، وقال الطحاوي: كان مولده ومولد المزني ومحمد بن نصر سنة ١٧٤، وكان المزني أسن من الربيع بستة أشهر (١).
تنبيه:
أخطأ الشيخ الشنقيطي ﵀ هنا فظن أن الربيع هذا هو الجيزيّ، وليس كذلك كما يظهر من تهذيب التهذيب وتهذيب الكمال فتأمل.
٢ - (شعيب بن الليث) بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل من كبار [١٠]، تقدم في ٢٠/ ١٦٦.
стр. 2660
٣ - (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥.
٤ - (جعفر بن ربيعة) بن شُرحبيل بن حَسَنَة الكندي أبو شرحبيل المصري ثقة من [٥] تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٥ - (عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج أبو داود المدني ثقة ثبت عالم من [٣] تقدم في ٧/ ٧.
٦ - (عمير مولى ابن عباس) هو عُمير بن عبد الله الهلالي، أبو عبد الله المدني، مولى أم الفضل. روى عن مولاته، وعن ابنيها عبد الله، والفضل ابني العباس، وأبي جهيم بن الحارث بن الصمة، وأسامة بن
زيد، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة.
وعنه الأعرج، وسالم أبو النضر، وإسماعيل بن رجاء الزُّبَيْديّ، وعبد الرحمن بن مهران. قال ابن إسحاق: حدثني الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، وكان ثقة. أخرج له (خ م د س) حديثين أحدهما حديث الباب، والآخر في الصيام، وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، مات بالمدينة سنة ١٠٤.
٧ - (أبو جهيم بن الحارث بن الصِّمَّة) بتصغير جُهيم، والصِّمّة بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم - الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله، وقد ينسب لجده، وقيل: هو عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة، وقيل: اسمه الحارث بن الصمة، وقيل: هو آخر غيره، صحابي معروف، وهو ابن أخت أبَيّ بن كعب، بقى إلى خلافة معاوية ﵄.
وفي "تت": أبو جهيم بن الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مَبْذُول بن عامر بن مالك بن النجار الأنصاري، وقيل في نسبه
стр. 2661
غير ذلك، وهو ابن أخت أبَيّ بن كعب، قيل: اسمه عبد الله، وقال أبو حاتم: يقال: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، ويقال: إنه الحارث ابن الصمة.
روى عن النبي ﷺ ، وعنه بشر بن سعيد الحضرمي، وأخوه مسلم بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة.
وصحح أبو حاتم كون الحارث اسم أبيه لا اسمه، وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جهم أبو جهيم، فرق بينه وبين ابن الصمة، وفي أسد الغابة عن الاستيعاب والمعرفة: عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة .. فذكره وجعل الحارث جده، وهكذا قاله ابن منده، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم. أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم أجلاء، وأن الأربعة الأولين مصريون، والباقون مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، وفيه عمير مولى ابن عباس، وهو مولى أم الفضل بنت الحارث، وقد روى ابنُ إسحاق هذا الحديث فقال: مولى عبيد الله ابن عباس وهو صحيح أيضا, لأنه إذا كان مولى أم الفضل فهو مولى أولادها. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن عمير) بن عبد الله الهلالي (مولى ابن عباس) هو مولى أمه أم الفضل بنت الحارث ﵂ (أنه) أي عبد الرحمن بن هرمز (سمعه) أي عميرا، قال في الفتح: ورواية الأعرج عنه من رواية الأقران (يقول) جملة في فحل نصب على الحال، أو مفعول ثان على رأي من يقول: إن "سمع" تنصب مفعولين (أقبلت أنا) أكد الضمير المنفصل
стр. 2662
ليعطف عليه ما بعده، لوجوب الفصل بالضمير أو بفاصلٍ مّا، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وَإنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير الْمُنْفصلْ
أوْ فاَصل مَّا وَبلَا فَصْل يَرِدْ … في النَّظم فَاشيًا وَضُعْفَه اعْتَقِدْ
(وعبد الله بن يسار) هو أخو عطاء بن يسار التابعي المشهور، قال في الفتح: ووقع عند مسلم في هذا الحديث: عبد الرحمن بن يسار، وهو وَهم، وليس له (١) في هذا الحديث رواية, ولهذا لم يذكره
المصنفون في رجال الصحيحين. اهـ.
قال الجامع: بل لم يذكر في رجال الكتب الستة، وقد ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل, فقال: عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو سليمان بن يسار المديني، وهو أخو عبد الملك بن يسار، وأخو عطاء بن يسار، كانوا إخْوَة (٢).
وقال ابن حبان في الثقات: عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو سليمان، وعبد الملك، وعطاء بنو يسار، يروي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عدَادُه في أهل المدينة، روى عن أهلها وليس هو بصاحب سليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطةَ (٣).
(مولى ميمونة) بنت الحارث الهلالية زوج النبي ﷺ ، قيل: اسمها بَرَّة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، وتزوجها بسرف سنة سبع، وماتت بها ودفنت سنة ٥١ على الصحيح.
стр. 2663
تنبيه:
روى موسى بن عقبة، وابن لهيعة، وأبو الحويرث هذا الحديث عن الأعرج، عن أبي الجهيم، ولم يذكروا بينهما عميرا، والصواب إثباته، قاله في الفتح (١).
(حتى دخلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري) ووقع في مسلم "دخلنا على أبي الجهم" بإسكان الهاء، والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجهم، وهو صاحب الإنبجانية، وهو غير هذا, لأنه قرشي، وهذا أنصاري، ويقال في كل منهما بحذف الألف والسلام وبإثباتهما، قاله في الفتح.
(فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر الجمل) أي من الموضع الذي يعرف بذاك، وهو معروف بالمدينة، وهو بفتح الجيم والميم ويقال فيه الجمل بالتعريف كما عند المصنف، وبئر جمل بالتنكير كما عند الشيخين وغيرهما موضع قريب من المدينة، فيه مال من أموالها (٢).
(ولقيه رجل) وللبخاري "فلقيه" بالفاء، والرجل هو أبو جهيم، كما صرح به الشافعي، فقد رَوَى البغوي في شرح السنة بإسناده عن الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جهيم بن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ حتى قام إلى الجدار فحتَّه بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح بها وجهه وذراعيه ثم رد عليَّ" قال: هذا حديث حسن (٣).
قال الجامع: وفي تحسينه نظر لأن في سنده إبراهيم بن محمَّد وهو
стр. 2664
متروك وأبَا الحويرث وهو متكلم فيه، وفيه انقطاع، وقد تقدم أن الصواب إدخال عمير بين الأعرج، وأبي جُهَيم فتفطن.
(فسلم عليه) أي على النبي ﷺ (فلم يرد رسول الله ﷺ عليه) سلامه ويجوز في دال "يرد" الحركات الثلاث: الكسر لأنه الأصل، والفتح لأنه أخف، والضم لاتباع الراء، قاله العيني (حتى أَقْبَلَ على الجدار) الألف واللام فيه للعهد الخارجي، أي جدار هناك، والجدار كان مباحا، فلم يحتج إلى الإذن، أو كان مملوكا لغيره، وكان راضيا به. قاله البدر العيني.
وللدارقطني من طريق ابن إسحاق عن الأعرج: "حتى وضع يده على الجدار" وزاد الشافعي، كما تقدم "فَحَتَّهُ بعصا" قاله في الفتح.
قال الجامع: لكن سند الشافعي ضعيف.
(فمسح وجهه ويديه) وللدارقطني من طريق أبي صالح عن الليث (فمسح بوجهه وذراعيه) وكذا للشافعي من رواية أبي الحويرث، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود، لكن خطَّأ الحفاظ رواية رفعه وصوَّبوا وقفه، وقد رواه مالك موقوفا، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جهيم أيضا بلفظ "يديه" لا ذراعيه فإنها شاذة مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف (١).
وسيأتي الكلام على حديث مسح اليدين في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.
(ثم رد عليه) أي على الرجل المُسَلِّم (السلامَ) فيه استحباب الطهارة للسلام.
стр. 2665
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي جهيم ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٩٥/ ٣١١ - والكبرى -١٨٠/ ٣٠٧ - بالسند المذكور فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في الصلاة عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عمير، به.
وأخرجه (م) في الطهارة تعليقا قال: وقال الليث .. فذكره.
وأخرجه (د) فيه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، به.
وأخرجه الشافعي، والبغوي في شرح السنة عن طريقه، والدارقطني وابن خزيمة، وابن الجارود.
المسألة الرابعة: في بيان فوائده:
من فوائد هذا الحديث: جواز التيمم في الحضر لمن لم يجد الماء، وهو مذهب المصنف ﵀، ومثله البخاري فقد ترجم في الصحيح [باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الصلاة]، وسيأتي
تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن بعضهيم استدل به على جواز التيمم على الحجر، وهو مذهب الحنفية، ووجَّهَه بأن حيطان المدينة مبنية بالحجارة السود، وسيأتي تحقيق البحث في ذلك في باب ٢٠٢ حديث ٣٢١ إن شاء الله
تعالى.