غير ذلك، وهو ابن أخت أبَيّ بن كعب، قيل: اسمه عبد الله، وقال أبو حاتم: يقال: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، ويقال: إنه الحارث ابن الصمة.
روى عن النبي ﷺ ، وعنه بشر بن سعيد الحضرمي، وأخوه مسلم بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة.
وصحح أبو حاتم كون الحارث اسم أبيه لا اسمه، وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جهم أبو جهيم، فرق بينه وبين ابن الصمة، وفي أسد الغابة عن الاستيعاب والمعرفة: عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة .. فذكره وجعل الحارث جده، وهكذا قاله ابن منده، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم. أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم أجلاء، وأن الأربعة الأولين مصريون، والباقون مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، وفيه عمير مولى ابن عباس، وهو مولى أم الفضل بنت الحارث، وقد روى ابنُ إسحاق هذا الحديث فقال: مولى عبيد الله ابن عباس وهو صحيح أيضا, لأنه إذا كان مولى أم الفضل فهو مولى أولادها. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن عمير) بن عبد الله الهلالي (مولى ابن عباس) هو مولى أمه أم الفضل بنت الحارث ﵂ (أنه) أي عبد الرحمن بن هرمز (سمعه) أي عميرا، قال في الفتح: ورواية الأعرج عنه من رواية الأقران (يقول) جملة في فحل نصب على الحال، أو مفعول ثان على رأي من يقول: إن "سمع" تنصب مفعولين (أقبلت أنا) أكد الضمير المنفصل
стр. 2662
ليعطف عليه ما بعده، لوجوب الفصل بالضمير أو بفاصلٍ مّا، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وَإنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير الْمُنْفصلْ
أوْ فاَصل مَّا وَبلَا فَصْل يَرِدْ … في النَّظم فَاشيًا وَضُعْفَه اعْتَقِدْ
(وعبد الله بن يسار) هو أخو عطاء بن يسار التابعي المشهور، قال في الفتح: ووقع عند مسلم في هذا الحديث: عبد الرحمن بن يسار، وهو وَهم، وليس له (١) في هذا الحديث رواية, ولهذا لم يذكره
المصنفون في رجال الصحيحين. اهـ.
قال الجامع: بل لم يذكر في رجال الكتب الستة، وقد ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل, فقال: عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو سليمان بن يسار المديني، وهو أخو عبد الملك بن يسار، وأخو عطاء بن يسار، كانوا إخْوَة (٢).
وقال ابن حبان في الثقات: عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو سليمان، وعبد الملك، وعطاء بنو يسار، يروي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عدَادُه في أهل المدينة، روى عن أهلها وليس هو بصاحب سليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطةَ (٣).
(مولى ميمونة) بنت الحارث الهلالية زوج النبي ﷺ ، قيل: اسمها بَرَّة، فسماها النبي ﷺ ميمونة، وتزوجها بسرف سنة سبع، وماتت بها ودفنت سنة ٥١ على الصحيح.
стр. 2663
تنبيه:
روى موسى بن عقبة، وابن لهيعة، وأبو الحويرث هذا الحديث عن الأعرج، عن أبي الجهيم، ولم يذكروا بينهما عميرا، والصواب إثباته، قاله في الفتح (١).
(حتى دخلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري) ووقع في مسلم "دخلنا على أبي الجهم" بإسكان الهاء، والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجهم، وهو صاحب الإنبجانية، وهو غير هذا, لأنه قرشي، وهذا أنصاري، ويقال في كل منهما بحذف الألف والسلام وبإثباتهما، قاله في الفتح.
(فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر الجمل) أي من الموضع الذي يعرف بذاك، وهو معروف بالمدينة، وهو بفتح الجيم والميم ويقال فيه الجمل بالتعريف كما عند المصنف، وبئر جمل بالتنكير كما عند الشيخين وغيرهما موضع قريب من المدينة، فيه مال من أموالها (٢).
(ولقيه رجل) وللبخاري "فلقيه" بالفاء، والرجل هو أبو جهيم، كما صرح به الشافعي، فقد رَوَى البغوي في شرح السنة بإسناده عن الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جهيم بن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ حتى قام إلى الجدار فحتَّه بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح بها وجهه وذراعيه ثم رد عليَّ" قال: هذا حديث حسن (٣).
قال الجامع: وفي تحسينه نظر لأن في سنده إبراهيم بن محمَّد وهو
стр. 2664
متروك وأبَا الحويرث وهو متكلم فيه، وفيه انقطاع، وقد تقدم أن الصواب إدخال عمير بين الأعرج، وأبي جُهَيم فتفطن.
(فسلم عليه) أي على النبي ﷺ (فلم يرد رسول الله ﷺ عليه) سلامه ويجوز في دال "يرد" الحركات الثلاث: الكسر لأنه الأصل، والفتح لأنه أخف، والضم لاتباع الراء، قاله العيني (حتى أَقْبَلَ على الجدار) الألف واللام فيه للعهد الخارجي، أي جدار هناك، والجدار كان مباحا، فلم يحتج إلى الإذن، أو كان مملوكا لغيره، وكان راضيا به. قاله البدر العيني.
وللدارقطني من طريق ابن إسحاق عن الأعرج: "حتى وضع يده على الجدار" وزاد الشافعي، كما تقدم "فَحَتَّهُ بعصا" قاله في الفتح.
قال الجامع: لكن سند الشافعي ضعيف.
(فمسح وجهه ويديه) وللدارقطني من طريق أبي صالح عن الليث (فمسح بوجهه وذراعيه) وكذا للشافعي من رواية أبي الحويرث، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود، لكن خطَّأ الحفاظ رواية رفعه وصوَّبوا وقفه، وقد رواه مالك موقوفا، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جهيم أيضا بلفظ "يديه" لا ذراعيه فإنها شاذة مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف (١).
وسيأتي الكلام على حديث مسح اليدين في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.
(ثم رد عليه) أي على الرجل المُسَلِّم (السلامَ) فيه استحباب الطهارة للسلام.
стр. 2665
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي جهيم ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٩٥/ ٣١١ - والكبرى -١٨٠/ ٣٠٧ - بالسند المذكور فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في الصلاة عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عمير، به.
وأخرجه (م) في الطهارة تعليقا قال: وقال الليث .. فذكره.
وأخرجه (د) فيه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، به.
وأخرجه الشافعي، والبغوي في شرح السنة عن طريقه، والدارقطني وابن خزيمة، وابن الجارود.
المسألة الرابعة: في بيان فوائده:
من فوائد هذا الحديث: جواز التيمم في الحضر لمن لم يجد الماء، وهو مذهب المصنف ﵀، ومثله البخاري فقد ترجم في الصحيح [باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الصلاة]، وسيأتي
تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن بعضهيم استدل به على جواز التيمم على الحجر، وهو مذهب الحنفية، ووجَّهَه بأن حيطان المدينة مبنية بالحجارة السود، وسيأتي تحقيق البحث في ذلك في باب ٢٠٢ حديث ٣٢١ إن شاء الله
تعالى.
стр. 2666
ومنها: أنه استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين، والليث، والأوزاعي, لأنه ﷺ تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فوت الردّ، وإن كان ليس شرطا، ومنع من ذلك مالك، والشافعي، وأحمد.
ومنها: أن فيه دلالة على جواز التيمم للنوافل كالفرائض، وأبْعَدَ بعضهم فَخَصَّه بالفرائض.
ومنها: أن التيمم: مسح الوجه واليدين، واختلف في المراد باليدين فقيل: الكفان، وقيل: إلى المرفقين، والراجح الأول، وسيأتي تحقيق ذلك في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: كراهة ذكر الله تعالى على غير طهارة، وهو للتنزيه بدليل حديث عائشة ﵂: "أنه فيكان يذكر الله على كل أحيانه" رواه مسلم.
أما دعوى النسخ -كما قاله بعضهم- فغير صحيحة لعدم معرفة التاريخ, ولإمكان الجمع يحمل الكراهة على التنزيه.
المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في جواز التيمم في الحضر:
قال العلامة ابن قدامة في المغني:
فصل: فإن عدم الماء في الحضر بأن انقطع الماء عنهم، أو حُبس في مصر فعليه التيمم والصلاة. وهذا قول مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وقال أبو حنيفة في رواية عنه: لا يصلي, لأن الله تعالى شرط السفر لجواز التيمم فلا يجوز لغيره، وقد روي عن أحمد: أنه سئل عن رجل حُبسَ في دار، وأغلق عليه الباب بمنزلة الضيف، أيتيمم؟ قال: لا.
стр. 2667
ولنا ما روى أبو ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليمسه بشرفه، فإن ذلك خير" أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح (١)، فيدخل تحت عمومه محل النزاع.
وقال ابن المنذر في الأوسط: اختلف أهل العلم في التيمم في الحضر لغير المريض، وللمريض لا ماء بحضرته، ولو وصل إلى الماء لَتَوَضَّأ، فقالت طائفة: إذا خاف ذوات الصلاة تيمم وصلى، حكى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عمن في القبائل من أطراف الفسطاط، فخشي إن توضأ أن تطلع عليه الشمس قبل أن يبلغ الماء؟ قال: يتيمم، ويصلي، قال: وقد كان مرة من قوله في الحضر: يعيد إذا توضأ.
وسئل الأوزاعي عمن انتبه من نومته وغفلته، وهو جنب فأشفق إن اغتسل وتوضأ طلعت الشمس أو غابت، قال: يتيمم، ويصلي الصلاة قبل فوات وقتها، قال الوليد: فذكرت ذلك لإبراهيم بن محمَّد الفزاري، فأخبرني عن سفيان أنه قال: يتيمم ويصلي، قال الوليد: فذكرت ذلك لمالك، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم فقالوا: بل يغتسل، وإن طلعت عليه الشمس، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء الآية ٤٣] الآية، فهذا واجد للماء، وكان في عذر من نومه، وغفلته، ونسيانه معذور بها، وحكى الوليد ذلك عن الليث.
وكان الحسن يقول في مريض بحضرته ماء، وحضرت الصلاة، وليس عنده من يناوله، وخشي فوت الوقت، قال: يتيمم ويصلي، وقال الوليد: ولا أعلم إلا أني سمعت أبا عمرو يقول: إذا لم يجد المقيم
стр. 2668
ماء تيمم وصلى، ولا إعادة عليه، إلا في الوقت، واحتج بحديث ابن عمر: أنه أقبل من الجُرُف، فلما كان بالِمرْبَد حضرته صلاة العصر، فنزل فتيمم، وصلى العصر.
قال الجامع: لكن قوله: ولا إعادة عليه إلا في الوقت، لا دليل عليه لأنه احتج بفعل ابن عمر، وابن عمر دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يُعِد كما ذكره البخاري في الصحيح، وسيأتي قريبًا. قال ابن المنذر: وقالت طائفة: لا يجوز للحاضر غير المريض التيمم بحال، فإن فعل كانت عليه الإعادة، هذا قول الشافعي، وأبي ثور. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: قضيتُ الحاجة في بعض هذه الشعاب، أتمسح بالتراب وأصلي؟ قال: لا (١).
وقال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: "باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوات الوقت" وبه قال عطاء، وقال الحسن: في المريض عنده الماء، ولا يجد من يُناوله: يتيمم. وأقبل ابن عمر من أرضه بالجُرُف، فحضرت العصر بمرْبَد النَّعَم فصلى، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة فلم يُعدْ. ثم أورد حديث الباب.
وقال أبو محمَّد بن حزم ﵀ في المُحَلَّى: ويتيمم من كان في الحضر صحيحا إذا كان لا يقدر على الماء إلا بعد خروج وقت الصلاة، ولو أنه على شفير البئر والدلو في يده، أو على شفير النهر والساقية والعين، إلا أنه يوقن أنه لا يتم وضوءه أو غسله حتى يطلع أول قرن الشمس، وكذلك السجون والخائف.
قال بُرْهانُ ذلك ما حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا
стр. 2669
عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمَّد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمَّد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضِّلنا على الناس بثلاث -فذكر فيها-: وجُعلت لنا الأرض مسجدا، وجُعلت تُربتها لنا طَهورا إذا لم نجد الماء".
ثم ذكر ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ : "فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جَوَامع الكلم، ونُصرتُ بالرُّعب، وأُحلَّت لي الغنائمُ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأُرسلتُ إلى الناس كافة، وخُتم بي النبيون" فهذا عموم دخل فيه الحاضر والبادي.
فإن قيل: فإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ..﴾ [النساء الآية ٤٣] وقال رسول الله ﷺ : "لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" فلم يُبح للجنب أن يقرب الصلاة حتى يغتسل، أو يتوضأ إلا مسافرًا.
قلنا: نعم، قال الله تعالى، وقال رسول الله ﷺ ما ذكرتم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: آية٦] فكانت هذه الآية زائدة حكما، واردة بشرع ليس في الآية التي ذكرتم بل فيها إباحة أن يقرب الصلاة الجنب دون أن يغتسل، وهو غير عابر سبيل، لكن إذا كان مريضا لا يجد الماء، أو عليه فيه حرج، وكانت هذه الآية أيضا زائدة
стр. 2670
حكما على الخبر الذي لَفْظُهُ: "لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" ثم جاء الخبران اللذان ذكرنا بزيادة، وعموم على الآيتين والخبر المذكور، فدخل في هذين الخبرين: الصحيح المقيم إذا لم يجد الماء، وكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فرض جمع بعضه إلى بعض، وكله من عند الله تعالى. وقولنا هذا هو قول مالك، وسفيان، والليث.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتيمم الحاضر، لكن إن لم يقدر على الماء إلا حتى يفوت الوقت تيمم، صلى، ثم أعاد، ولابد إذا وجد الماء، وقال زفر: لا يتيمم الصحيح في الحضر البَتَّة، وإن خرج الوقت، لكن يصبر حتى يخرج الوقت ويجد الماء، فيصلي حينئذ. قال أبو محمَّد بن حزم ﵀: أما قول أبي حنيفة والشافعي فظاهر الفساد, لأنه لا يخلو أمْرُهُمَا له بالتيمم من أن يكونا أمراه بصلاة هي فرض الله تعالى عليه، أو بصلاة لم يفرضها عليه، ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن قال مقلدهما: أمراه بصلاة هي فرض عليه، قلنا: فَلمَ يُعيدُها بعد الوقت إن كان قد أدَّى فرضه؟ وإن قالوا: بل أمراه بصلاة ليست فرضا عليه، أقرَّا بأنهما ألزماه ما لا يلزمه، وهذا خطأ.
وأما قول زفر فخطأ, لأنه أسقط فرض الله تعالى في الصلاة في الوقت الذي أمر الله تعالى بأدائها فيه، وألزمه إيّاها في الوقت الذي حرم الله تعالى تأخيرها إليه.
قال أبو محمَّد: والصلاة فرض معلق محدود، والتأكيد فيها أعظم من أن يجهله مسلم، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" فوجدنا هذا الذي حضرته الصلاة هو مأمور بالوضوء وبالغسل إن كان جنبا، وبالصلاة، فهذا عجز عن الغسل والوضوء سقطا
عنه، وقد نصَّ ﵇ على أن الأرض طهورٌ إذا لم يجد الماء وهو غير قادر عليه، فهو باق عليه، وهو قادر على الصلاة، فهي باقية عليه، وهذا بَيِّنٌ والحمد لله رب العالمين.
стр. 2671
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة: أن المذهب الراجح هو مذهب من قال بجواز التيمم لمن كان في الحضر إذا فقد الماء، وخاف فوت الوقت، أو تعذر عليه الاستعمال لمرض أو غيره، وأنه لا قضاء عليه لتلك الصلاة التي صلاها بذلك التيمم والله أعلم.
٣١٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ؟ قَالَ عُمَرُ: لَا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا، فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَصَلَّيْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ" فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
وَسَلَمَةُ شَكَّ، لَا يَدْرِي فِيهِ الْمِرْفَقَيْنِ، أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
стр. 2672
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (محمَّد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بُندار أحد مشايخ الستة، ثقة من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (محمَّد) بن جعفر الهُذلي البصري المعروف بغُندر ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غَفْلَةً من [٩] مات سنة ٣ أو ١٩٤ تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن عابد من [٧] مات سنة ١٦٠ وتقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (سلمة) بن كُهيل بن حُصين الحضرمي التِّنْعيّ (١) أبو يحيى الكوفي، دخل على ابن عمر، وزيد بن أرقم، وروى عن أبي جُحيفة، وجُندب بن عبد الله، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وغيرهم.
وعنه سعيد بن مسروق الثوري، وابنه سفيان، والأعمش، وشعبة وغيرهم.
قال أحمد: سلمة بن كهيل متقن للحديث، وقيس بن مسلم متقن للحديث، ما نُبالي إذا أخذت عنهما حديثهما، ووثقه ابن معين، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة ثبت في الحديث، وكان فيه تشيع قليل، وهو من ثقات الكوفيين، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون ذكي، وقال أبو حاتم: ثقة متقن، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثَبْتٌ على تشيعه، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال ابن المبارك عن سفيان: ثنا سلمة بن كهيل، وكان ركنا من الأركان، وشد قبضته، وقال ابن مهدي: لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة: منصور، وسلمة، وعمرو بن مرة، وأبى حَصين، وقال أيضا: أربعة في الكوفة لا يُختَلَف
стр. 2673
في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، فذكره منهم. وقال جرير: لمَاَ قدمَ شعبةُ البصرةَ، قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشِّيعة: الحكم، وسَلَمَة بن كُهَيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور، وقال يحيى بن سلمة بن كهيل: وُلد أبي سنة ٤٧، ومات يوم عاشوراء سنة ١٢١، وكذا قال غير واحد، وقيل: ١٢٢، وقيل:
١٢٣، قال ابن المديني في العلل (١): لم يلق سلمةُ أحدا من الصحابة إلا جُندبًا، وأبا جُحَيفة.
وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود: هو أحب إليَّ من حبيب بن أبي ثابت، وقال: كان يتشيع، وقال النسائي: هو أثبت من الشيباني والأجلح أخرج له الجماعة (٢).
٥ - (ذَرّ) -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء- بن عبد الله بن زُرارة المُرْهبي الهمداني أبو عمر الكوفي.
روى عن عبد الله بن شداد بن الهاد، وسعيد بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، والمسيب بن نَجَبَة، ووائل بن مَهَانَةَ، ويُسَيع الحضرمي، وغيرهم.
وعنه ابنه عمر، والأعمش، ومنصور، والحكم بن عتيبة، وزُبيد اليامي، وسلمة بن كُهيل، وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم.
стр. 2674
قال أحمد: ما بحديثه بأس، ووثقه ابن معين، والنسائي، وابن خراش، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو داود: كان مرجئا وهَجَرَهُ إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير للإرجاء، وقال ابن حبان: كان من عباد أهل الكوفة، وكان يقص، وقال البخاري: صدوق في الحديث، وكذا قال الساجي، وزاد: كان يرى الإرجاء، وثقه ابن نمير، وقال أحمد: لم يسمع من عبد الرحمن بن أبزى (١) أخرج له الجماعة.
٦ - (ابن عبد الرحمن) هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي.
روى عن أبيه، وابن عباس، وواثلة.
وعنه جعفر بن أبي المغيرة، وطلحة بن مصرف، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث (٢) أخرج له الجماعة.
٧ - (عبد الرحمن بن أبْزَى) -بفتح الهمزة وسكون الباء- الخُزاعي مولى نافع بن عبد الحارث مختلف في صحبته، استخلفهُ نافع بن عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر، وقال لعمر: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، ثم سكن الكوفة.
روى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعلي، وعمر، وعمار، وأبي بن كعب، وغيرهم.
وعنه ابنه سعيد، وعبد الله بن أبي المُجالد، والشعبي، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال ابن أبي داود: لم يُحَدّث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من التابعين إلا ابن أبزى.
стр. 2675
وقال البخاري: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ ، وصلى خلفه، وقال ابن عبد البر: استعمله عليّ علَى خراسان. وذكره ابن سعد فيمن مات رسول الله ﷺ وهم أحداث الأسنان، وممن جزم بأن له صحبة خليفة بن خياط، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، وأبو عروبة، والدارقطني، والبرقي، وبَقيّ بن مَخْلَد، وغيرهم، وفي صحيح البخاري من حديث ابن أبي المجالد أنه سأل عبد الرحمن بن أبزى وابن أبي أوفى عن السلف، فقالا: كنا نصب المغانم مع النبي ﷺ .. الحديث. وقال ابن سعد: أنا أبو عاصم، أنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أنه صلى مع النبي ﵌، فكان إذا خفض لا يكبر" (١) أخرج له الجماعة.
٨ - (عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين ابن الوَديم بن ثَعلَبَة بن عوف بن حارثة بن عامر بن ثامر بن عنس، كذا قال ابن سعد، العنسي أبو اليَقْظان مولى بني مخزوم، وأمه سُمَيَّة من لَخْم، وكان ياسر قدم من اليمن إلى مكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، فزوجه مولاته سُمَيَّة، فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، وأسلم عمار وأبوه قديما، وكانوا ممن يعذب في الله، وقَتَلَ أبو جهل سمية، فهي أول شهيدة في الإسلام، وعن مسدد قال: لم يكن في المهاجرين مَن أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر.
قال الجامع عفا الله عنه: في كلام مسدد هذا نظر، وكذا في قول أبي بكر السيوطي في ألفية المصطلح:
وَمَا سِوىَ الصِّدِّيق مِمَّنْ هَاجَرَا … مَنْ وَالدَاهُ أسْلَمَا قَدْ أُثِرَا
стр. 2676
لأن كلا من القولين يعارض الآخر، وقد ثبت أن كثيرا من المهاجرين أسلم آباؤهم وأمهاتهم، مثل أولاد العباس، وأولاد أبي بكر، وأولاد أم سلمة، وغيرهم ممن حوتهم كتب السير، فتفطن.
روى عمار ﵁ عن النبي ﷺ ، وعن حذيفة بن اليمان.
وعنه ابنه محمَّد، وابن ابنه سلمة بن محمَّد على خلاف فيه، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وغيرهم.
شهد بدرا والمشاهد كلها، وآخى النبي ﷺ بينه وبين حذيفة، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أول من أظهر إسلامه سبعة، فذكر فيهم عمارا، وأمه سُمَيَّة.
وهو أول من بَنَى مسجدا يصلى فيه، ولما استأذن على النبي ﷺ قال: "ائذنوا له مرحبا بالطيّب المُطَيَّب" وفي رواية استأذن على علي فقال: ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن عمارا مُلىء إيمانا إلى مشاشه" (١)، وعن ربعي (٢) بن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار" وقال الحسن: قال عمرو بن العاص، وفي رواية عثمان ابن أبي العاص قال: رجلان مات رسول الله ﷺ وهو يحبهما: ابن مسعود، وعمار. وتواترت الروايات عن النبي ﷺ أنه قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"، روي ذلك عن عمار، وعثمان، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباس، في آخرين.
стр. 2677
وقال الواقدي: والذي أُجمعَ عليه في قتل عمار أنه قتل مع علي بصفّين سنة ٣٧، وه وابن ٩٣، ودفن هناك بصفين، وروى العَوَّام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسيّ، عن أبي وائل، قال: رأى أبو ميسرة عمرُو بنُ شرحبيل، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله في المنام أنه أدخل الجنة، فهذا هو بقباب مضروبة، قال: فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذي الكلاع، وحوشب، وكان قتل مع معاوية، قال: فأين عمار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قال: وقد قتل بعضهم بعضا؟ قالوا: نعم، إنهم لقوا الله، فوجدوه واسع المغفرة، قال: فما فعل أهل النَّهْروان؟ قال: لقوا مرحا. ومناقبه كثيرة جدّا (١) أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفيين وهم الباقون، وفيه رواية صحابي، عن صحابي، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، وهم سلمة، وذَرّ، وابن عبد الرحمن بن أبزى، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن) سعيد (ابن عبد الرحمن بن أبزى) الخُزاعي الكوفي (عن أبيه) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الصحابي ﵁، وهو صحابي صغير، وكان في زمان عمر رجلا، وولي على خراسان لعلي ﵁ (أن رجلا) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميته، وفي رواية الطبراني: أنه من أهل البادية، وعند البخاري من رواية سليمان بن حرب، عن شعبة: "أن عبد الرحمن بن أبزى شهد ذلك".
стр. 2678
(أتى عمر) بن الخطاب ﵁ في خلافته (فقال: إني أجْنَبْتُ) بفتح الهمزة أي: صرت ذا جنابة، من أجنب الرباعي، ويقال: جَنُب -بضم النون والكسر كما في اللسان- ثلاثيا أيضا (فلم أجد الماء) إما مطلقا، أو يريد الكافي للغسل (فقال عمر) ﵁ مجيبا لسؤاله (لا تُصَلِّ) زاد في رواية "حتى تَجدَ الماءَ" وهذا مذهب مشهور عن عمر ﵁: أنه لا يتيمم الجنب، ووافقه على ذلك
ابن مسعود ﵁، وقيل: إن ابن مسعود رجع عنه، وسنحقق الخلاف بين العلماء في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى (فقال له عمار ابن ياسر) ﵁ مُذكِّرًا له، حيث خالف فتواه السنةَ (يا أمير المومنين أما تَذْكُرُ) الهمزة للاستفهام، و "ما" للنفي (إذ أنا وأنت) "إذ" ظرف متعلق بتذكر، وهو مضاف إلى الجملة الاسمية، أي: ألَا تذكر وقت كوننا (في سرية) فَعيلة بمعنى فاعلة، وهي القطعة من الجيش، سميمت بذلك لأنها تَسْري في خُفية، والجمع سرايا، وسَريَّاتٌ مثل عَطيَّة وعطيَّات (١).
وقال ابن منظور: والسَّريَّة: ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة.
وفي التهذيب: وأما السرية: من سَرَايَا الجيوش، فإنها فعيلة بمعنى فاعلة، سميت سرية لأنها تَسري ليلا في خُفية، لئلَا ينذَرَ بهم العدو، فيَحذَرُوا أو يمتنعوا، يقال: سَرَّى قائدُ الجيش سرية إلى العدو، إذا جَرّدَها وبعثها إليهم، وهو التَّسْريَة، وفي الحديث: "يَرُدُّ مُتَسَرِّيهم على قاعدهم". المُتَسَرِّي: الذي يخرج في السَّريّة، وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، وجمعها السرايا، سُمُّوا بذلك لأنهم يكونون
стр. 2679
خلاصةَ العسكر، وخيارَهم، من الشيء السَّريّ: النفيس، وقيل: سُمّوا بذلك لأنهم يُنَفَّذُون سرّا، وخُفْية، وليس بالوجه لأن لام السِّرِّرَاءٌ، وهذه ياء (١).
(فأجنبنا) أي أصابتنا جنابة (فلم نجد الماء) للغسل (فأما أنت فلم تُصَلِّ) لعدم وجدانك الماء، مع اعتقاد عدم صحة التيمم للجنب (وأما أنا فتمعكت في التراب) أي تَحكَّكْتُ في التراب، من قولهم: معَك
الأديمَ: إذا حكّه، وفي المصباح: مَعكْتُهُ في التراب مَعْكًا، من باب نفع: دلكته به، ومعَّكته تمعيكًا، فتمعك: أي مرَّغته، فتمرغ (٢).
وفي الرواية الآتية: "فتمرغت" أي تقلبت.
وهذا من عمار ﵁ استعمال للقياس، واجتهاد منه، حيث قاس الطهارة الترابية على المائية في التفرقة فيها بين الحدث الأكبر الذي يعمم فيه البدن بالماء، والحدث الأصغر الذي يجزئ فيه بعض
الأعضاء، ولهذا قال ابن دقيق العيد ﵀: إن الحديث فيه دليل على القياس, لأنه لم ينكر عليه قياسه، وإنما بَيَّنَ له أن الرخصة خصصت هذه الأعضاء في الحدث الأكبر، كما هو الحال في الحدث
الأصغر.
وفي الفتح: ويستفاد من هذا الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمن النبي ﷺ ، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه، وإن لم يصب الحق، وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة، وفي تركه أمر عمر أيضا بقضائها مُتَمَسّك لمن قال: إن فاقد الطهورين لا يصلي، ولا قضاء عليه اهـ (٣).
стр. 2680
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الأخير خلاف الصواب، بل الصواب أنه يصلي، ولا قضاء عليه، كما يأتي تحقيقه في ٢٠٤/ ٣٢٣ إن شاء الله تعالى.
(فصليت فأتينا النبي ﷺ ) أي بعد الرجوع (فذكرنا ذلك له) أي بَيَّنَّا عَمَل كُلّ منّا للنبي ﷺ (فقال) ﷺ (إنما كان يكفيك) أي لاستباحة الصلاة بالتيمم، وفي الرواية الآتية: "إنما كان يكفيك هكذا".
قال الحافظ ﵀: فيه دليل على أن الواجب في التيمم هي الصفة المشروحة في هذا الحديث، والزيادة على ذلك لو ثبت بالأمر دلت على النسخ، ولزم قبولها, لكن إنما وردت بالفعل فتحملُ على
الأكمل، وهذا هو الأظهر من حيث الدليل (١).
(فضرب النبي ﷺ يديه إلى الأرض) المراد من اليدين: الكفان بدليل الرواية الآتية "وضرب بكفيه الأرض" (ثم نفخ فيهما) وفي رواية "ثم أدناهما من فيه" وهو كناية عن النفخ، وفيهما إشارة إلى أنه كان نفخا خفيفا، وفي رواية "تفل فيهما"، والتَّفْلُ: قال أهل اللغة: هو دون
الْبَزْق، والنَّفْثُ دونه.
قال الحافظ ﵀: وسياق هؤلاء يدل على أن التعليم وقع بالفعل، ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد، وللإسماعيلي من طريق يزيد بن هارون وغيره، كلهم عن شعبة أن التعليم وقع بالقول،
ولفظهم: "إنما كان يكفيك أن تضرب الأرض بيدك" زاد يحيى "ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك".
واستُدلَّ بالنفخ على استحباب التخفيف للتراب، وعلى سقوط استحباب التكرار في التيمم؛ لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف. قاله
стр. 2681
في الفتح (ثم مسح بهما وجهه وكفيه) فيه أن الذي يجزئ في التيمم مسح الوجه والكفين فقط، وهذا هو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى.
(وسلمة) بن كهيل مبتدأ خبره قوله (شك لا يدري فيه) أي في الحديث (إلى المرفقين، أو إلى الكفين) يعني أن سلمة شك في روايته عن ذَرّ، هل قال: ثم مسح بهما وجهه، ويديه إلى المرفقين، أو قال: وجهه ويديه إلى الكفين. ومعنى "إلى الكفين": إلى نهاية الكفين. وسيأتي ٢٠٠/ ٣١٩ أن شعبة قال: كان يقول -يعني سلمة- الكفين والوجه والذراعين، فقال له منصور: ما تقول؟ فإنه لا يذكر الذراعين غيرك، فشك سلمة، فقال: لا أدري ذكر الذراعين أم لا؟.
نال الجامع: فدل هذا على أن ذكر الذراعين غير صحيح لعدم تيقنه، ومخالفة غيره من الثقات في ذلك. وأما ما قاله في المنهل العذب: من أنها زيادة ثقة مقبولة فغير صحيح. فتفطن.
(فقال عمر: نُوَلِّيك ما تَوَلَّيتَ) هذا مختصر من الرواية الآتية، "فقال: اتق الله يا عمار، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره، قال: لا, ولكن نوليك من ذلك ما توليت" ومعنى "نوليك" .. الخ: من التولية أي نجعلك واليًا على ما تصديت له من تبليغ هذا الحكم، ورضيته لنفسك، وذلك لأنه لم يجزم بخطئه ولم يتذكر القصة، فجوّز النسيان على نفسه، كما جوّز الوَهَمَ على عمار، فليس له أن يفتي به بخلاف عمار حيث جزم به، فله التبليغ، والفتوى به. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمار ﵁ هذا متفق عليه.
стр. 2682
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند الصنف: أخرجه هنا -١٩٥/ ٣١٢ - عن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن ذَرّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، عن عمار ﵁، وفي ١٩٨/ ٣١٦ والكبرى - ١٧٧/ ٣٠٢ - عن محمَّد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى كلاهما عن عبد الرحمن، وفي ١٩٩/ ٣١٧ والكبرى ١٧٨/ ٣٠٤ - عن عمرو بن يزيد، عن بهز، عن شعبة، عن الحَكَم قال: سمعت ذرا يحدث عن ابن أبزى، عن أبيه، وقد سمعه -يعني الحكم- من ابن أبزى، عن أبيه، عنه. وفي ٢٠٠/ ٣١٩ والكبرى -١٧٩/ ٣٠٥ - عن عبد الله بن محمَّد بن تميم، عن حجاج بن محمَّد، عن شعبة، عن الحكم، وسلمة كلاهما عن ذر، به، وفي الكبرى: عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عَزْرَةَ، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبيه، به. وهو في رواية ابن الأحمر.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف:
أخرجه (خ م ت ق) فأخرجه (خ) في الطهارة عن آدم، وحجاج بن منهال، ومحمد بن كثير، وسليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم -فَرَّقَهم- وعن بندار، عن غندر، ستتهم عن شعبة، عن الحكَم، عن
ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وقال تعليقا: وقال النضر -يعني ابن شُمَيل- عن شعبة، عن الحكم، عن ذرّ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، قال الحكم: وقد سمعته من ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه.
وأخرجه (م) في الطهارة عن إسحاق بن منصور، عن النضر بن
стр. 2683
شميل كما تقدم، وعن عبد الله بن هاشم، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن الحكم، عن ذَرّ بهذا، قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال شعبة: وحدثني سلمة، عن ذر بهذا.
وأخرجه (د) فيه عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى به، وعن محمَّد بن العلاء، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن سلمة، عن ابن أبزى عن عمار، ولم يذكر أبا مالك، وعن محمَّد بن بشار، عن محمَّد بن جعفر، وعن علي بن سهل الرَّمْلي، عن حجاج بن محمَّد كلاهما عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، وعن مُسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن الحكم كلاهما عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وعن محمَّد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن عَزْرَةَ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه مختصرا، وعن موسى بن إسماعيل، عن أبان، قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني مُحَدِّث، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر،: أن رسول الله ﷺ : "إلى المرفقين" قال أبو داود: ورواه وكيع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه. ورواه جرير، عن الأعمش، عن سلمة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه. ورواه شعبة، عن حُصين، عن أبي مالك، قال: سمعت عمارا يخطب.
وأخرجه (ت) فيه عن أبي حفص عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع بإسناده: "أن النبي ﷺ أمر بالتيمم للوجه والكفين" وقال: حسن صحيح.
стр. 2684
وأخرجه (ق) فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه به، وبعضهم يزيد على بعض في الحديث (١).
المسألة الرابعة: حق هذا الحديث كما قال السندي: أن يذكر تحت ترجمة "باب التيمم للجنابة" وهي ستأتي، ولعل المصنف أخذ جواز التيمم في الحضر من تيمم النبي ﷺ للتعليم في الحضر، وذلك أنه عَلَّمَه تعليما مطلقا، بحيث لم يخص به سفرا من حضر، فلو كان التيمم لا يجوز إلا في السفر لبَيَّنه له، وقال: إن هذا التيمم بهذه الكيفية خاص بمن كان في السفر، والله أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان فوائده:
منها: أنه يدل على جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ .
قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد ﵀ عند قوله "فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة" ما نصه: كأنه استعمال لقياس لابد فيه من تقدم العلم بمشروعية التيمم، وكأنه لما رأى أن الوضوء خاص ببعض الأعضاء، وكان بدله -وهو التيمم- خاصا وجب أن يكون بدل الغسل الذي يعم جميع البدن عاما لجميع البدن.
قال أبو محمَّد بن حزم الظاهري: في هذا الحديث إبطال القياس، لأن عمارا قَدَّر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم الغسل للجنابة، إذ هو بدل منه، فأبطل رسول الله ﷺ ذلك، وأعلمه أن لكل شيء حكمه المنصوص عليه فقط.
стр. 2685
قال ابن دقيق العيد: والجواب عما قال: أن الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من بطلان الخاص بطلان العام، والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا القياس شيء آخر، وهو أن الأصل -الذي هو الوضوء- قد أُلغي فيه مساواة البدل له، فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء,. فصار مساواة البدل للأصل مُلْغى في محل النص، وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع.
بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلا على صحة أصل القياس، فإن قوله ﷺ : "إنما كان يكفيك كذا وكذا" يدل على أنه لو فعله لكفاه، وذلك دليل على صحة قولنا: لو كان فعله لكان مصيبا, ولو كان فعله لكان قائسا للتيمم للجنابة على التيمم للوضوء على تقدير أن
يكون اللمس المذكور في الآية ليس هو الجماع, لأنه لو كان عند عمار هو الجماعَ لكان حكم التيمم مُبَيَّنا في الآية، فلم يكن يحتاج إلى أن يتمرغ، فإذن فعله ذلك يتضمن اعتقادَ كونه ليس عاملا بالنص، بل بالقياس، وحكمَ النبي ﷺ بأنه كان يكفيه التيمم على الصورة المذكورة، مع ما بينا من كونه لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنص. اهـ (١)
وكتب العلامة الصنعاني ﵀ على قوله: "فإذن فعله ذلك الخ" ما نصه: أقول: تمرغه قد يتضمن أنه فعله اعتمادا على القياس، إذ لو عمل بالنص لما جاوز أعضاء التيمم, لأن النص قد بين كمية الأعضاء التي تطهير بالتراب في جنابة ووضوء، فلما تمرغ دل على أنه قاس الجنابة على الحدث الأصغر في أنه يرفعها التراب كما يرفعه، وإلحاق التراب بالماء في عموم البدل، فأقر ﷺ القياس الأول ونفى الثاني.
стр. 2686
ويحتمل أنه قد علم الحكم، وهو أن التراب يرفع الجنابة من الآية، وحمل الملامسة على الجماع، وحمل قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة الآية ٦] على أنه بيان لكمية الأعضاء في تيمم الوضوء وكيفيته، وأنه أحيل بيان كيفيته وكميته عن الجنابة على القياس على الماء، فعم بالتمرغ البدن قياسا للتراب على الماء بجامع أنه يطهر مثله، فأبطل ﷺ هذا القياس، وأبان له أن الحكم في ذلك في الوضوء والغسل واحد، وأن النص قد شمل الأمرين، وأنه أخطأ في القياس مع وجود النص، وعلى كل تقدير لم تتم لأبي محمَّد الحجة بالحديث على بطلان القياس من حيث هو، وإبطاله ﷺ له ليس إلا لاختلاله، والمفهوم اعتباره كما سبقت الإشارة إليه (١).
ومنها: أن المجتهد إذا أخطأ لا يلام على خطأه.
ومنها: أن من عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة.
ومنها: أن الضربة الواحدة تكفي لمسح الوجه واليدين.
ومنها: أن التكرار لا يشرع في مسح التيمم.
ومنها: أن المشروع في مسح اليدين هما الكفان فقط، فلا يشرع مجاوزتهما.
ومنها: أن المجتهد إذا خالفه مجتهد، ولكن لم يقتنع بحجته لا ينبغي له أن يمنع ذلك المجتهدَ عن الفتوى بما ثبت لديه من الدلائل، وإن كان إماما, لأن عمر قَرَّر عمارا على ما ادَّعاه من النص، وفوضه إليه،
مع كونه لم يَقْنع به، حيث إنه ذكر له قصة تتعلق به، ولم يَتذكَّرها، فجوز النسيان عليه، كما جوز الخطأ على عمار. والله أعلم.
стр. 2687
المسألة السادسة: في بيان مذاهب العلماء في كيفية التيمم:
قال الحافظ أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في كيفية التيمم، فقالت طائفة: يبلغ به الوجه واليدين إلى الآباط، هكذا قال الزهري، واحتج بحديث عمار الآتي ١٩٦/ ٣١٤.
وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وبه قال ابن عمر، والحسن، والشعبي، وسالم، وروي عن جابر، وقال النخعي: أعْجَبُ إليَّ أن يبلغ به إلى المرفقين، وهو قول مالك، والليث، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وسفيان، والشافعي، وأصحاب الرأي وقال أبو ثور: ضربتان أحب إليّ.
قال ابن المنذر ﵀: من حجة بعض القائلين بهذا القول: أحاديث ثلاث:
أحدها: حديث ابن عمر، ثم ساق بسنده إلى نافع، قال: انطلق مع ابن عمر إلى ابن عباس في حاجة، فكان من حديثه يومئذ أن النبي ﷺ بال، قال: فمرَّ عليه رجل، فسلم عليه، فلم يرد ﵇، حتى ضرب بيديه على الحائط، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فسمح بهما ذراعيه، ثم رد السلام" (١).
والثاني: ما رواه الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبيه، عن أبي الحُويرث عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن أبي الصِّمة: "أن النبي ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه" (٢).
والثالث: ما رواه الرَّبيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن أسلع،
стр. 2688
قال: "كنت مع النبي ﷺ ، فأصابتني جنابة، فقال: يا أسلع قم فارحل لي فقلت: أصابتني جنابة، فسكت، فنزلت آية التيمم، فأراني التيمم، فضرب بيديه على الأرض ثم نفضهما، فمسح وجهه، ثم ضرب بيديه الأرض ثانية، فمسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما" (١).
وقالت طائفة: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، وروي هذا القول عن علي.
وقالت طائفة: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول عطاء، ومكحول، والشعبي، وروي عن ابن المسيب، والنخعي، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث عمار المذكور الذي اتفق عليه الشيخان.
قال ابن المنذر: وأما الأخبار التي رويت عن عمار التي فيها ذكر اختلاف أفعالهم حين نزلت آية التيمم، قبل أن يأتوا النبي ﷺ فيعلمهم صفة التيمم، فإنما فعلوه عند نزول الآية احتياطا، فلما جاؤوه علمهم فقال لعمار: "إنما كان يكفيك هكذا" وفي قوله: "إنما كان يكفيك هكذا" دليل على أن الفعل الذي كان منهم كان قبل أن يُعلمهم، والدليل على صحة هذا القول أن عمارًا علَّمَهُم بعد النبي ﷺ في ولايته أيام عمر على الكوفة التيممَ ضربةً للوجه والكفين.
قال: وأما الأخبار الثلاثة التي احتج بها من رأى التيمم ضربتان: فمعلولة كلها, لا يجوز أن يحتج بشيء منها.
فحديث ابن عمر في سنده محمَّد بن ثابت، لم يرفعه غيره، وقد دفع غير واحد من أهل العلم حديثه، قال يحيى بن معين: محمَّد بن ثابت ليس بشيء، وهو الذي روى حديث نافع، عن ابن عمر في
стр. 2689
الضربتين يضعف، وقال البخاري: محمَّد بن ثابت أبو عبد الله البصري، في حديثه عن نافع، عن ابن عمر في التيمم خالفه أيوب، وعبيد الله، وابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: فعله.
وأما ما ورواه الشافعي: ففيه إبراهيم بن محمَّد، كَذَّبهُ ابن معين، وابن أبي مريم، ونهى عنه مالك، واتهمه يحيى بن سعيد، وتركه ابن المبارك، وتكلم فيه أحمد، قال: كان يأخذ حديث الناس فيجعله في
كتبه.
وأما حديث الرَّبيع بن بدر: فإسناده مجهول, لأن الرَّبيع وأباه وجده لا يعرفون برواية الحديث، والأسلع غير معروف، فالاحتجاج بهذا الحديث يسقط هن كل وجه، انتهى كلام ابن المنذر (١) باختصار وتصرف.
وقال الحافظ ﵀: عند قوله: "يكفيك الوجه والكفان" ما نصه: ويستفاد من هذا اللفظ أن ما زاد على الكفين ليس بفرض، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن خزيمة، ونقله ابن الجهم، وغيره عن مالك، ونقله الخطابى عن أصحاب الحديث، وقال النووي: رواه أبو ثور، وغيره عن الشافعي في القديم، وأنكر ذلك الماوردي، وغيره، قال: وهو إنكار مردود, لأن أبا ثور إمام ثقة، قال: وهذا القول وإن كان مرجوحا -يعني مذهبا- فهو القوي في الدليل، هكذا قال في شرح المهذب، وأحْسَنَ في المقال، ولكنه قال في شرح مسلم في الجواب عن هذا الحديث: إن المراد به بيان صورة الضرب للتعليم وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم.
قال الحافظ: وتعقب بأن سياق القصة يدل على أن المراد به بيان
стр. 2690
جميع ذلك, لأن ذلك هو الظاهر من قوله: "إنما يكفيك" وأما ما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك مشترط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر، وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة لذلك مع وجود هذا النص.
قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ عين التحقيق والإنصاف، وما عداه جمود واعتساف.
وقال قبل ذلك، عند قول البخاري: "باب التيمم للوجه والكفين" ما نصه: أي هو الواجب، وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعَمّار، وما عداهما فضعيف، أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه.
فأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط.
فأما رواية المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال، وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ فكل تيمم صح للنبي ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به.
ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد. اهـ كلام الحافظ (١) وهو كلام نفيس جدّا.
стр. 2691
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الراجح قول من قال: إن التيمم بضربة واحدة للوجه والكفين فقط، ولا يشرع المجاوزة إلى المرفقين، لعدم صحة الدليل على ذلك. والله أعلم.
٣١٣ - أَخْبَرَنَي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ خُفَافٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: أَجْنَبْتُ وَأَنَا فِي الإِبِلِ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ تَمَعُّكَ الدَّابَّةِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ التَّيَمُّمُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن عبيد بن محمَّد) بن واقد المحاربي أبو جعفر، أو أبو يعلى النَّحَّاس الكوفي صدوق من [١٠] مات ٢٥١، وقيل: قبل ذلك تقدم ١٤٤/ ٢٢٦.
٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن من [٧] مات ١٧٩, تقدم ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السَّبيعي الكوفي، ثقة عابد من [٣] اختلط بآخره مات ١٢٩، وقيل قبل ذلك، تقدم ٣٨/ ٤٢.
стр. 2692
٤ - (ناجية بن خُفاف) بضم الخاء المعجمة، وبفاءين بينهما ألف، العَنَزيّ الكوفي، عن عمار مقبول من [٣].
وفي "تت" ناجية بن كعب الأسدي، ويقال: ابن خفاف العنزي، أبو خُفَاث الكوفي، ويقال: إنهما اثنان. روى عن ابن مسعود، وعلي، وعمار. وعنه أبو إسحاق، وأبو حسان الأعرج، ووائل بن داود، وأبو السَّفَر الهَمْداني، ويونس بن أبي إسحاق.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ناجية بن كعب صالح، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال يعقوب بن شيبة في حديث أبي إسحاق، عن ناجية، عن عمار في التيمم: رواه جماعة عن أبي إسحاق، فقال زائدة عنه: ناجية، ولم ينسبه، وقال أبو الأحوص: عن ناجية أبي خُفَاف، وقال أبو بكر بن عياش عن ناجية العنزي، وقال ابن عيينة وإسرائيل: عن ناجية بن كعب، فقال علي بن المديني: قول ابن عيينة: ناجية بن كعب غلط وإنما هو ناجية بن خفاف العنزي، قال علي: وأما ناجية بن كعب فهو أسدي، قال علي: وناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي لم يسمع هذا الحديث عندي من عمار, لأن ناجية هذا لقيه يونس بن أبي إسحاق، وليس هو بالقديم. وقال الخطيب أبو بكر: قال ابن عيينة، وإسرائيل، ومُعَلَّى بن هلال، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، وهو وَهَم، قال: وأحسب أبا إسحاق رواه لهم عن ناجية غير منسوب، فظنوه ناجية بن كعب. انتهى.
وقد رواه أبو نعيم، وخلف بن هشام، ومحمد بن عُبيد المُحَاربيّ، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي، في قصة وفاة أبي طالب، وروى الترمذي بهذا الإسناد قول أبي جهل للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك .. الحديث، وهذا جميع ما له عندهم.
стр. 2693
قال الحافظ ﵀: فيلخص من أقوال هؤلاء الأئمة أن الراوي عن عمار حديث التيمم هو ناجية بن خُفَاف أبو خفاف العَنَزي، وهو الذي رَوَى عن ابن مسعود، وعنه أبو إسحاق، وابنه يونس بن أبي إسحاق، وغيرهما، وأما ناجية بن كعب الأسدي، فهو الراوي عن علي بن أبي طالب، فقد قال ابن المديني أيضا: لا أعلم أحدا روى عنه غير أبي إسحاق، وهو مجهول، وقال العجلي: ناجية بن كعب كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الجُوزجاني: مذموم، وفرق البخاري، وابن أبي حاتم، عن أبيه، ومسلم في الطبقات, وغير واحد بين ناجية بن كعب الأسدي، وبين ناجية بن خفاف العنزي، وذكر ابن منده ناجية بن خفاف في الصحابة، وقال: لا تصح له صحبة (١)، أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف.
٥ - (عمار بن ياسر) ﵁ تقدم في ٣١٢.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته ثقات غير ناجية، وقد وثقه العجلي، وابن حبان، وأنهم كوفيون، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. وأن ناجية بن خُفاف هذا أوَّلُ محلٍّ ذُكر فيه.
شرح الحديث
(عن عمار بن ياسر) ﵁ أنه (قال: أجنبت) أي أصابتني جنابة (وأنا في الإبل) جملة في محل نصب على الحال، ولا ينافي هذا ما تقدم من قوله: "في سَريَّة" لاحتمال أن يكونوا في السفر يتناوبون رعاية الإبل (فلم أجد الماء) للغسل (فتمعكت في التراب) أي تقلبت فيه (تمعك الدابة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك فقال: إنما كان
стр. 2694
يجزيك) بفتح الياء ثلاثيا، أي يكفيك، وقال المجد ﵀: جزى الشيء يجزي: كفى، وعنه: قضى، وأجزى كذا عن كذا: قام مقامه، ولم يكف، وأجزى عنه، مُجْزَى فلان ومُجْزاته -بضمهما وفتحهما-: أغنى عنه لغة في الهمزة (١). يعني أن أجزى لغة في أجزأ مهموز الأخير.
(من ذلك) أي بدل ما صنعته، متعلق بما قبله (التيممُ) بالرفع فاعل يجزي، وأل للعهد الحضوري، أي التيمم الذي أراه كيفيته في ذلك الوقت. والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: المسائل المتعلقة بالحديث تقدمت في الحديث الماضي.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (محمَّد بن يحيى بن عبد الله) بن خالد بن فارس بن ذؤيب، الذهلي، الحافظ أبو عبد الله النيسابوري الإمام.
روى عن عبد الرحمن بن مهدي، وبشر بن عمر الزهراني، ومحمد ابن بكر البُرْساني، ووهب بن جرير بن حازم، وأزهر بن سعد، وغيرهم.
وعنه الجماعة، سوى مسلم، ولم يصرح البخاري به، بل تارة يقول: ثنا محمَّد بن عبد الله، وتارة محمَّد بن خالد، ولم يقل في موضع ثنا محمَّد بن يحيى، وأبو صالح المصري، وعبد الله بن محمَّد النفيلي، وسعيد بن منصور، وهم من شيوخه، وأبو موسى محمَّد بن المثنى، وهو أكبر منه، ومحمد بن إسحاق الصغاني، ومحمود بن غيلان المروزي، ومحمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن عوف، وغيرهم.
قال محمَّد بن سهل بن عسكر: كنا عند أحمد بن حنبل، فدخل الذهلي، فقام إليه أحمد فتعجب الناس منه، ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله واكتبوا عنه، وعن محمَّد بن أحمد بن الجَرَّاح: قال: دخلت على أحمد فقال لي: تريد البصرة؟ قلت: نعم، قال: فإذا أتيتها فالزم محمَّد بن يحيى، قال: فليكن سماعك منه، فإني ما رأيت أحدا أعلم بحديث الزهري منه، ولا أصح كتابا منه، وقال محمَّد ابن داود المصّيصيّ: كنا عند أحمد، فذكر محمَّد بن يحيى حديثا فيه ضعف، فقال له أحمد: لا تذكر مثل هذا، فخَجلَ، فقال له أحمد: إنما قلت هذا إجلالا لك يا أبا عبد الله، وقال أحمد أيضا: ما قدم علينا رجل أعلم بحديث الزهري من محمَّد بن يحيى، وقال أبو بكر بن
стр. 2697
زكريا: وهو عندي إمام في الحديث، وسئل أحمد عن محمَّد بن يحيى، ومحمد بن رافع؟ فقال: محمَّد بن يحيى أحفظ، ومحمد بن رافع أورع. وعنه: لَوْ أنَّ محمَّد بن يحيى عندنا لجعلناه إماما في الحديث. وقيل لابن معين: لمَ لا تجمع حديث الزهري؟ فقال: كفانا محمَّد بن يحيى جمع حديث الزهري، وقال زنجويه: كنت أسمع مشايخنا يقولون: الحديث الذي لا يعرفه محمَّد بن يحيى لا يُعبأُ به، وقال أبو حاتم: محمَّد بن يحيى إمام زمانه. وقال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين، وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال أيضا في مشيخته: ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث، وقال ابن خزيمة: ثنا محمَّد ابن يحيى الذهلي إمام أهل عصره بلا مدافعة. وقال الذهلي: قال لي علي بن المديني: أنت وارث الزهري، وقال إبراهيم بن موسى الرازي: من أراد الزهري لم يستغن عن محمَّد بن يحيى، وقال الدارقطني: من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف فلينظر في علَل حديث الزهري لمحمد بن يحيى، وقال الحسين بن الحسن بن سفيان: سمعت الذهلي يقول: لَمَّا دخلت البصرة استقبلتني جنازة يحيى بن سعيد القطان، ولو بدأت بالبصرة لم يفتني أبو أسامة. مات سنة ٢، وقيل: ٢٥٦، وقيل: سنة ٧، وقيل: ٨، وصوبه الخطيب، قال: وبلغني أن وفاته في أحد الربيعين منها، وبلغ ٨٦ سنة، وروى عنه البخاري ٣٤ حديثًا، أخرج له الجماعة إلا مسلمًا.
٢ - (يعقوب بن إبراهيم) (ع) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري أبو يوسف المدني نزيل بغداد.
روى عن أبيه، وشعبة، وابن أخي الزهري، والليث، وأبي أويس وغيرهم. (١)
стр. 2698
وعنه ابن أخيه عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، وأحمد، وعلي، وإسحاق، وابن معين، والمسندي، وغيرهم.
وثقه ابن معين، والعجلي، وابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الذهلي: روى عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، وعن أصحاب الزهري، فكثرت روايته لحديث الزهري، ومدار حديثه على ابنه يعقوب، وكان قد سمع هو، وَأخوه سعد الكتب، فمات أخوه قبل أن يُكتب عنه كثيرًا جدًا، وبقي يعقوب، فكتبَ عنه الناسُ، فوجدوا عنده علما جليلا، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا يقدم على أخيه في الفضل والورع والحديث، وكان أصغر من أخيه سعد بأربع سنين، مات في شوال سنة ٢٠٨ (١) أخرج له الجماعة.
٣ - (إبراهيم بن سعد) الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد.
روى عن أبيه، وصالح بن كيسان، والزهري، وهشام بن عروة، وصفوان بن سليم، ومحمد بن إسحاق، وشعبة، ويزيد بن الهاد، وخلق.
روى عنه الليث، وقيس بن الربيع، وهما أكبر منه، ويزيد بن الهاد، وشعبة، وهما من شيوخه، والقعنبي، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وابناه يعقوب، وسعد، وجماعة.
قال أحمد: ثقة، وقال أيضا: أحاديثه مستقيمة، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: كان وكيع كَفَّ عن حديث إبراهيم بن سعد، ثم حدَثَ عنه بعدُ. قلت: لمَ؟ قال: لا أدري، إبراهيم ثقة. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حجة، وقال أيضا: إبراهيم أحب إليّ في
стр. 2699
الزهري من ابن أبي ذئب، وقال أيضا: إبراهيم أثبت من الوليد بن كثير، ومن ابن إسحاق، وقال الدُّوري: قلت ليحيى: إبراهيم أحب إليك في الزهري، أو الليث؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال ابن معين أيضا، والعجلي، وأبو حاتم: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وقال علي بن الجعد: سألت شعبة، عن حديث لسعد بن إبراهيم؟ فقال لي: فأين أنت عن ابنه؟ قلت: وأين ذا؟ قال: نازل على عمارة بن حمزة، فأتيته، فحدثني. وقال البخاري: قال لي إبراهيم بن حمزة: كان عند إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه، وقال صالح جزرة: حديثه عن الزهري ليس بذاك, لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهري. قال الدوري عن ابن معين في حديث جمع القرآن ليس أحد حدَّث به أحسن من إبراهيم بن سعد، وقد حدث مالك بطرف منه. وقال أبو داود: وَلِيَ بيتَ المال ببغداد، وقال ابن خراش: صدوق. ونقل الخطيب أن إبراهيم كان يُجيز الغناء بالعُود، وولي قضاء المدينة. وقال ابن عدي: هو من ثقات المسلمين حدث عنه جماعة من الأئمة، ولم يتخلف أحد في الكتابة عنه، وقول من تَكَلَّم فيه تحامُل، وله أحاديث صالحة مستقيمة عن الزهري وغيره.
ولد سنة ١٠٨، ومات سنة ٢، أو ٨٣ وهو ابن ٧٣، وقيل: ٧٥ وقيل: مات سنة ٧٤، وقيل: ٧٥ (١) أخرج له الجماعة.
٤ - (صالح) بن كَيْسان، المدني أبو محمَّد، ويقال: أبو الحارث، مُؤدِّب أولاد عمر بن عبد العزيز، رأى ابن عمر، وابن الزبير وقال ابن معين: سمع منهما، وروى عن سليمان بن أبي حَثْمَةَ، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرهم.
стр. 2700
وعنه مالك، وابن إسحاق، وابن جريج، ومعمر، وإبراهيم بن سعد، وحماد، وسليمان بن بلال، وغيرهم.
قال مصعب الزبيري: كان جامعًا من الحديث والفقه والمروءة. وقال حرب: سئل عنه أحمد، قال: بخ بخ. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح أكبر من الزهري، وقال إسماعيل القاضي، عن ابن المديني: صالح أسن من الزهري، قد رأى ابن عمر، وابن الزبير، وقال ابن معين: صالح أكبر من الزهري، سمع من ابن عمر، وابن الزبير. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: معمر أحب إلي، وصالح ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: حدثني أحمد بن العباس، عن ابن معين قال: ليس في أصحاب الزهري أثبت من مالك، ثم صالح بن كيسان، وقال يعقوب: صالح ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: صالح أحب إليّ من عُقيل، لأنه حجازي، وهو أسنّ، رأى ابن عمر، وهو ثقة، يُعَدُّ في التابعين. وقال النسائي وابن خراش: ثقة. وقال العجلي: ثقة، ووقع في كتاب الزكاة من صحيح البخاري: صالح أكبر من الزهري، أدرك ابن عمر، وقال ابن حبان في الثقات: كان من فقهاء المدينة، والجامعين للحديث والفقه من ذوي الهيئة والمروءة، وقد قيل: إنه سمع من ابن عمر، وما أراه محفوظا، وقال الخليلي في الإرشاد: كان حافظا إماما، روى عنه من هو أقدم منه، عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يحكي عنه، وهو من أقرانه، وقال ابن عبد البر: كان كثير الحديث ثقة حجة فيما حَمَلَ.
قال هيثم بن عدي: مات في زمن مروان بن محمَّد، وقال ابن سعد عن الواقدي: مات بعد الأربعين ومائة، وقيل: مَخْرجَ محمَّد بن عبد الله بن حسن، وكان ثقة كثير الحديث، وقال الحاكم: مات صالح
ابن كيسان وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وكان قد لقي جماعة من