"ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه"، وللإسماعيلي ما هو أصرح من ذلك.
ولفظه كما قال الحافظ، من طريق هارون الحَمَّال، عن أبي معاوية: "إنما يكفيك أن تضرب بيدك على الأرض، ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك" (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الأظهر أن الترتيب غير واجب في التيمم بخلاف الوضوء، عملا بهذه الروايات المصرحة بتأخير الوجه عن الكفين، وأما تأويل "ثم" بمعنى الواو فخروج عن الظاهر بلا داع إليه، وأما الوضوء فقد تقدم ترجيح وجوب الترتيب عملا بملازمة النبي ﷺ ، فقد روى وضوءَه ﷺ جماعة على كيفيات، فما نَقَلَ أحد أنه خالف الترتيب. والله أعلم.
(فقال عبد الله) بن مسعود لعمار (أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟) وإنما لم يقنع عمر بقول عمار لكونه أخبره أنه كان معه في تلك الحال، وحضر معه تلك القصة حيث قال له كما في الرواية السابقة ٣١٩: "أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنت وأنا في سرية، فأجنبنا، فلم نجد الماء" الحديث، ومع ذلك لم يتذكر ذلك أصلا، ولهذا قال لعمار: "اتق الله يا عمار" كما في الرواية ٣١٦، فقال: "يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره، قال: لا، ولكن نُوَليك من ذلك ما توليت".
قال النووي ﵀: معنى قول عمر: "اتق الله يا عمار" أي فيما ترويه، وتثبت فيه، فلعلك نسيتَ، أو اشتبه عليك، فإني كنت معك، ولا أذكر شيئا من هذا، ومعنى قول عمار: "إن شئت لا أحدث به" أي إن رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على
стр. 2732
التحديث به وافقتك، وأمسكت، فإني قد بلغته، فلم يبق عَلَيَّ فيه حرج، فقال عمر: "نوليك ما توليت" أي لا يلزم من كوني لا أذكره أن لا يكون حقا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به.
وبهذا يتضح عذر عمر في عدم قبوله لقول عمار، وأما ابن مسعود فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمار، فلهذا جاء عنه أنه رجع عن الفُتيا بذلك، كما أخرجه ابن أبي شعيبة بإسناد فيه انقطاع عنه (١). وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي موسى الأشعوي ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا -٢٠١/ ٣٢٠ - والكبرى -١٨١/ ٣٠٨ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م د).
فأخرجه (خ) مطولا في الطهارة عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، وعن محمَّد بن سلام، عن أبي معاوية، وعن بشر بن خالد، عن غندر، عن شعبة، وزاد يعلي بن عبيد.
وأخرجه (م) فيه عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد ابن عبد الله بن نمير، ثلاثتهم عن أبي معاوية، وعن أبي كامل فضيل بن حسين، عن عبد الواحد بن زياد.
وأخرجه (د) فيه عن محمَّد بن سليمان الأنباري، عن أبي معاوية خمستهم عن الأعمش، عن شقيق، عن أبي موسى ﵁.
стр. 2733
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: مشروعية التيمم للجنب، وهو ما ترجم له المصنف، وهو مذهب جمهور أهل العلم، ويأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
ومنها: جواز المناظرة لأهل العلم تَوَصُّلا إلى الحق، لا للمراء والجدال.
ومنها: الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه إقناعا للخصم، فإن أبا موسى قال لعبد الله لما قال له: أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمار: "دعنا من قول عمار، فكيف تصنعون بهذه الآية؟ ".
المسألة الخامسة: في بيان مذاهب أهل العلم في التيمم للجنب.
أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم للجنب عند عدم الماء، ولم يخالف في ذلك أحد من السلف، ولا من الخلف، إلا ما جاء عن عمر ابن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي، وقيل: إن عمر، وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت بجوازه الأحاديث الصحيحة.
ثم إذا صلى الجنب بالتيمم، ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بالإجماع، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن التابعي، أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﷺ للجنب بغسل بدنه إذا وجد
الماء، أفاده الشوكاني (١).
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2734
٢٠٢ - بَابُ التَّيَمُّمِ بالصَّعِيدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم بالصعيد.
والصَّعيد: وجه الأرض ترابا كان أو غيره، قال الزجاج: ولا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك، ويقال: الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي على وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق، وتجمع على صُعُد بضمتين، وصُعُدات، مثل طريق، وطُرُق وطُرُقات.
قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: آية ٦] أنه التراب الطاهر الذي على وجه الأرض، أو خرج من باطنها (١).
وقال العلامة ابن منظور: والصَّعيد: المرتفع من الأرض، وقيل: الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة، وقيل: ما لم يخالطه رَمْل، ولا سَبَخَة، وقيل: وجه الأرض، لقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: آية ١٤٠] وقال جرير (من الوافر):
إِذَا تَيْمٌ ثَوَتْ بِصَعيد أِرْض … بَكَتْ منْ خُبْثِ لُؤْمِهمُ الصَّعِيدُ
وقال في آخرين (من الكامل):
وَالأطْيَبينَ منَ التُّرَاب صَعيدًا
وقيل: الصعيد: الأرض، وقيل: الأرض الطيبة، وقيل: هو كل تراب طيب، وفي التنزيل: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: آية ٨] الصعيد التراب، وقال غيره: هي الأرض المستوية (٢).
стр. 2735
٣٢١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: "يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ". فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) بن سُويد المروزي أبو الفضل لقبه شاه راوية ابن المبارك، ثقة من [١٠] مات سنة ٢٤٠، وله ٩٠ سنة تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي الإمام ثقة ثبت فقيه عالم جَوَاد مجاهد، اجتمعت فيه خصال الخير، من [٨] مات سنة ١٨١، وله ٦٣، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (عوف) بن أبي جَميلة الأعرابي العبدي البصري، ثقة رمي بالقدر، والتشيع، من [٦] مات سنة ٦ أو ١٤٧، وله ٨٦ سنة، تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٤ - (أبو رجاء) عمْران بن ملْحَان -بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة- ويقال: ابن تيم العطاردي مشهور بكنيته، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، مخضرم ثقة مُعَمَّر.
стр. 2736
أدرك زمن النبي ﷺ ولمِ يَرَه، ورَوَى عن عمر، وعلي، وعمران بن حصين، وابن عباس، وسَمُرَة بن جُندب، وعائشة.
وعنه أيوب، وجرير بن حازم، وعوف الأعرابي، وعمران القصير، ومهدي بن ميمون، وأبو الأشهب، وحماد بن نجيح، وسَلْم ابن زَرير، وسعيد بن أبي عروبة، والجَعْد أبو عثمان، والحسن بن ذكوان وآخرون.
وثقه ابن معين، وأبو زرعة وابن سعد، وقال: وله رواية, وعلم بالقرآن، وأمَّ قومه أربعين سنة، وتُوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، قال: وقال الواقدي: توفي سنة ١١٧، قال: وهذا عندي وَهَم، وقال الذهلي: مات قبل الحسن، لا أدري في أي سنة، غير أني أتوهمه سنة ١٠٧، وقال أبو حاتم: جاهلي فَرَّ من النبي ﷺ ثم أسلم بعد الفتح، وأتى عليه ١٢٠ سنة، وقال البخاري: قال أشعث بن سوّار: بلغ ١٢٧ سنة، وقال البخاري: يقال: مات قبل الفرزدق والحسن، ومات الحسن سنة ١١٠، وقال ابن عبد البر: كان ثقة، وكانت فيه غفلة، وكانت له عبادة، وعُمِّر طويلا أزيد من مائة سنة وعشرين سنة. مات سنة ١٠٩، في أول خلافة هشام.
قال الحافظ ﵀: حَكَى ابن سعد أن اسمه عُطارد بن برز، وتبعه ابن حبَّان، فذكره كذلك في الثقات فيمن اسمه عطارد، وقال ابن أبي حاتم: عمران بن ملحان، ويقال: عمران بن تَيم، وهو أصح،
وقال البخاري في الأوسط: ملْحان ما أراه يصح، وقال في الكبير: قال أحمد: هو عمران بن عبد الله (١). أخرج له الجماعة.
٥ - (عمران بن حصين) بن عُبيد بن خلف بن عبد نهم بن سالم بن
стр. 2737
غاضرة بن سلُول بن كعب بن عمرو الخزاعي، أبو نُجيد أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر.
روى عن النبي ﷺ ، وعن معقل بن يسار.
وعنه ابنه نُجيد، وأبو الأسود الديلي، وأبو رجاء العُطاردي، وربعي بن حراش، ومطرف ويزيد ابنا عبد الله بن الشِّخِّير، والحكم بن الأعرج، وزَهْدَم الجَرْمي، وصفوان بن مُحْرز، وعبد الله بن رَبَاح
الأنصاري، وآخرون. له ١٣٠ حديثًا، اتفقا على ٨ وخ ٤، وم ٩.
استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة، ثم استعفاه، ومات بها سنة ٥٢، وكان الحسن البصري يحلف بالله ما قدمها راكب خير من عمران ابن حصين، وكذا قال ابن سيرين، وسياق النسب هنا من عند ابن عبد البر، وكذا ذكره ابن الكلبي ومن تبعه أن عبد بن نهم بن حذيفة بن يهم بن غاضرة، وقال ابن سعد: استقضاه زياد، ثم استعفاه، وكانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي، وقال ابن البرقي: كان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وحكى ابن منده قولا أنه مات سنة ٥٣ (١). أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزيين، وهما شيخه وشيخ شيخه، وبصريين، وهم الباقون.
شرح الحديث
(عن أبي رجاء) عمران بن ملحان العُطاردي (قال: سمعت عمران ابن حصين) الصحابي الجليل ﵁ (أن رسول الله ﷺ ) يحتمل
стр. 2738
كون "أنَّ" بفتح الهمزة، وهي في تأويل المصدر مفعول لمحذوف حال من مفعول سمعت، أي سمعت عمران ذاكرا رؤية رسول الله ﷺ ، ويحتمل كونها بكسر الهمزة، والجملة محكي بقول محذوف حال أيضا أي سمعته قائلا: "إن رسول الله ﷺ رأى رجلا .. الخ" (رأى رجلا) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميته، ووقع في شرح العمدة للشيخ سراج الدين بن المُلقِّن ما نصه: هذا الرجل هو خَلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، أخو رفاعة شهد بدرا، قال ابن الكلبي: وقتل يومئذ، وقال غيره: له رواية, وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي ﷺ ، قال الحافظ: أما على قول ابن الكلبي فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه القصة لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف، فكيف يحضر هذه القصة بعد قتله؟ وأما على قول غير ابن الكلبي فيحتمل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النبي ﷺ لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة، أو متصلة لكن نقلها عنه صحابي آخر ونحوه. وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين من قال: إنه قتل ببدر، إلا أن تجيء رواية عن تابعي مخضرم وصرح فيها بسماعه منه فحينئذ يلزم أن يكون عاش بعد النبي ﷺ لكن لا يلزم أن يكون هو صاحبَ هذه القصة، إلا أن وردت رواية مخصوصة بذلك، ولم أقف عليها إلى الآن. انتهى كلام الحافظ (١).
(معتزلا) أي منفردا عن الناس (لم يُصَلِّ مع القوم) جملة في محل نصب صفة ثانية لرجل، أو على الحال (فقال) رسول الله ﷺ (يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء) بالبناء على الفتح على أنه اسم "لا" التي لنفي الجنس، وخبرها محذوف
لدلالة المقام عليه، كما قال ابن مالك:
стр. 2739
وشَاعَ في ذَا البَاب إسْقَاطُ الخَبَرْ … إذَا المُرَادُ مَعْ سُقُوطه ظَهَرْ
تقديره معي، أو موجود، ويحتمل أن تكون "لا" عاملة عمل "ليس"، و"ماء" اسمها مرفرع، والخبر مقدر أيضا، والجملة في محل نصب على الحال (قال) ﷺ (عليك بالصعيد) "عليك" اسم فعل منقول من الجار والمجرور، كما قال ابن مالك:
والفعْلُ منْ أسْمَائه عَلَيكَا … وَهكَذا دُونَكَ مَعْ إلَيْكا
ومعنى "عليك" الزم، وهو يتعدى بنفسه، فيقال: عليك زيدا، وقد يتعدى بالباء، كهذا الحديث، وكحديث "عليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلا، وقد صرح العلامة الرضي بأنها زائدة،
لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل لضعف عمله (١).
و"الْ" في الصعيد للعهد المذكور في الآية الكريمة ويؤخذ منه الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام, لأنه أحاله على الكيفية المعلومة من الآية ولم يصرح له بها، قاله في الفتح جـ ١ ص ٥٣٨.
أي عليك باستعمال الصعيد (فإنه يكفيك) أي يُجزئك في إسقاط الفرض، وفيه دلالة على أن المتيمم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء، وقال الحافظ: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "يكفيك" أي للأداء، فلا يدل على ترك القضاء. اهـ.
قال الجامع: ولكن الظاهر هو الأول. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث عمران بن حصين ﵄ هذا متفق عليه.
стр. 2740
الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
ذكره المصنف هنا -٢٠٢/ ٣٢١ - والكبرى -١٨٢/ ٣١٠ - بهذا السند فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (خ) في الطهارة عن عبدان، عن ابن المبارك بسند المصنف مختصرا، وأخرجه (خ م) مطولا.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: أن فيه مشروعية التيمم للجنب.
ومنها: جواز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ , لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلوما عندهم، لكنه صريح في الآية عن الحدث الأصغر بناء على أن المراد بالملامسة ما دون الجماع، وأما الحدث أكبر ليست صريحة فيه، فكأنه كان يعتقد أن الجنب لا يتيمم، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النبي ﷺ عن هذا الحكم، ويحتمل أنه كان لا يعلم مشروعية التيمم أصلا فكان حُكمُهُ حُكم فاقد الطهورين.
ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا رأى فعلا مُحتملا أن يسأل فاعله عن الحال فيه ليوضح له وجه الصواب.
ومنها: التحريض على الصلاة في الجماعة، وأن ترك الشخص لها بحضرة المصلين معيب على فاعله بغير عذر.
ومنها: الملاطفة والرفق في الإنكار لمن رأى منكرا.
ومنها: أن الصعيد كاف في إسقاط الفرض، فلا قضاء على من صلى بالتيمم، لصريح قوله: "فإنه يكفيك".
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في معنى "الصعيد"، وهل
стр. 2741
يجوز التيمم بغير التراب؟
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في الاستذكار: وأما الصعيد فقيل: وجه الأرض، وقيل: بل التراب خاصة، والطيب الطاهر لا خلاف في ذلك.
وأما اختلاف العلماء في الصعيد، فقال مالك وأصحابه: الصعيد: وجه الأرض، ويجوز التيمم عندهم على الحصباء، والجبل، والرمل والتراب، وكل ما كان وجه الأرض.
وقال أبو حنيفة وزفر: يجوز التيمم بالنُّوْرة، والحجر، والزِّرنيخ، والجص، والطين، والرّخام، وكل ما كان من الأرض. وقال الأوزاعي: يجوز التيمم على الرمل. وقال الثوري، وأحمد بن حنبل: يجوز التيمم بغبار الثوب واللبد. ولا يجوز عند مالك، وقال ابن خويز منداد: يجوز التيمم عندنا على الحشيش إذا كان ذلك على وجه الأرض، واختلفت الرواية عن مالك في التيمم على الثلج فأجازه مرة، وكرهه أخرى، ومنع منه.
ومن الحجة لمذهب مالك في هذا الباب قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: آية ٤٠] و ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: آية ٨]، والجرز: الأرض الغليظة التي لا تنبت شيئا، وقوله ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" فكل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم به، وقال ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على صعيد واحد" أي أرض واحدة، وقال الشافعي، وأبو يوسف: الصعيد التراب، ولا يجوز عندهم التيمم بغير التراب، وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي غبار، أو نحوه، فأما الصخرة الغليظة والرقيقة، والكثيب الغليظ فلا يقع اسم الصعيد عليه.
وقال أبو ثور: لا يتيمم إلا على تراب، أو رمل.
стр. 2742
قال أبو عمر ﵀: أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز واختلفوا فيما عداه، وقد قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا، وجعلت تربتها طهورا" وروى هذا جماعة من حفاظ العلماء عن الصحابة، عن النبي ﷺ وهو يقضي على رواية من روى: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ويفسرها. والله أعلم (١).
وقال العلامة ابن رشد ﵀ بعد ذكر الخلاف السابق ما نصه: والسبب في اختلافهم شيئان:
أحدهما: اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة، حتى أن مالكا وأصحابه حملهم على دلالة اشتقاق هذا الاسم أعني الصعيد، أن يجيزوا التيمم في إحدى الروايات عنهم على الحشيش والثلج، قالوا: لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية أعني من جهة صعوده على الأرض، وهذا ضعيف.
والسبب الثاني: إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور، وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو قوله: ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" فإن في بعض رواياته: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وفي بعضها: "جعلت لي الأرض مسجدا، وجعلت لي تربتها طهورا".
وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يُقضَى بالمطلق على المقيد، أو بالمقيد على المطلق؟ والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق، وفيه نظر، ومذهب أبي محمَّد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد, لأن المطلق فيه زيادة معنى، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق، وحمل
стр. 2743
اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز عنده التيمم إلا بالتراب، ومن قضى بالمطلق على المقيد، وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى.
وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف، إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد، فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج والحشيش والله الموفق للصواب (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي في هذه المسألة ما ذهب إليه ابن حزم لأمرين:
الأول: المعنى الذي ذكره هو، وهو أن في تقديم المطلق على المقيد عملا بالزائد. وقال العلامة القرطبي ﵀: إنه ليس من باب المطلق والمقيد بل من باب النص على بعض أشخاص العموم، كما في
قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: آية ٦٨].
والثاني: أن فيه موافقة لأصل مشروعية التيمم، وهو الترخيص والتوسيع، فلو كلف الناس طلب التراب فقط لكان فيه إحراج ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فإذا حمل معنى الصعيد على أعم من التراب كان معنى الترخيص والتوسيع أظهر وأوضح.
والحاصل أن التيمم بكل ما كان من جنس الأرض جائز ترابا كان أو حجرا أو غيرهما. انظر فيما كتبه الناقد الجهبذ أبو محمَّد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه الحافل المُحَلَّى جـ ٢ ص ١٥٨ - ١٦١.
* * * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 2744
٢٠٣ - بابُ الصَّلَوَاتِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلوات الكثيرة بتيمم واحد.
٣٢٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن هشام) بن يزيد الجزري أبو أمية الحرَّاني، ثقة -١٠ - روى عن جده لأمه عَتَّاب بن بشير، ومحمد بن سلمة الحرَّاني، وعبد الملك الماجشون، وسليمان بن أبي كريمة، وابن عيينة، وأبي بكر
ابن عياش، ومَخْلَد بن يزيد، وغيرهم.
وعنه النسائي، ومحمد بن عوف الطائي، وبَقيّ بن مَخْلَد، وآخرون.
قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات بسواد الكوفة، وهو ذاهب إلى الحج سنة ٢٤٥، أخرج له المصنف فقط.
٢ - (مخلد) بن يزيد القرشي الحَرَّاني، صدوق له أوهام، من كبار [٩] تقدم في ١٤١/ ٢٢٢.
стр. 2745
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة من كبار [٧] تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني البصري الحجة الثبت من [٥] تقدم في ٤٢/ ٤٨.
٥ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو، ويقال: عامر بن نابل بن
مالك بن عبيد بن علقمة بن سعد، الجرمي البصري، أحد الأعلام ثقة فاضل كثير الإرسال، قال العجلي: فيه نصب يسير -٣ - .
روى عن ثابت بن الضحاك الأنصاري، وسُمُرَة بن جُندب، وأبي زيد عمرو بن أخطب، وعمرو بن سلمة الجرمي، ومالك بن الحويرث وزينب بنت أم سلمة، وأنس بن مالك، وغيرهم.
وعنه أيوب وخالد الحَذَّاء، وأبو رجاء سلمان مولى أبي قلابة، ويحيى بن أبي كثير، وأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، وغيرهم.
وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وثقه العجلي، وقال عمر بن عبد العزيز: لن تزالوا بخير يا أهل الشام ما دام فيكم هذا، يعني أبا قلابة، وأرادوه للقضاء فهرب إلى الشام، مات سنة ١٠١، وقيل: ١٠٧، أو ١٠٦، أخرج له الجماعة.
٦ - (عَمْرو بن بُجْدان) العامري حديثه في البصريين.
روى عن أبي ذر الغفاري، وأبي زيد الأنصاري.
وعنه أبو قلابة.
قال ابن المديني: لم يرو عنه غيره، وذكره ابن حبان في الثقات، قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: عمرو بن بجدان معروف؟ قال: لا، وقال القطان: لا يعرف، وقال الذهبي في الميزان: مجهول الحال
стр. 2746
أخرج له الأربعة.
وفي التقريب: تفرد عنه أبو قلابة من الثانية لا يعرف حاله، لكن في التلخيص: وثقه العجلي، وقد غفل ابن القطان، فقال: إنه مجهول. اهـ جـ ١ ص ١٥٤.
٧ - (أبو ذر) جُندب بن جُنادة بن قيس بن عمرو بن هليل بن صريم ابن حرام بن غفار، وقيل: اسمه بُرير بن جنادة، وقيل: ابن جندب بن عبد الله، وقيل: ابن السكن، وكان أخا عَمْرو بن عَبَسَة لأمه.
روى عن النبي ﷺ .
وعنه أنس بن مالك، وابن عباس، وخالد بن وهبان.
وروي مرفوعًا: "ما أظَلَّت الخضْراء، ولا أقَلَّت الغبراء أصدق لَهْجَة من أبي ذر"، حسنه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (١)، وعن علي: "أبو ذر وعاء مُلئَ علمًا، وأُوكي عليه فلم يخرج منه شيء"، وذكر الآجري عن أبي داود: أنه لم يشهد بدرا، ولكنَّ عمر ألحقه بهم، يعني في العطاء. وكان يوازي ابنَ مسعود في العلم. روى ٢٨١ حديثا، اتفق (خ م) على ١٢، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) ١٩ حديثا مات بالرَّبَذَة سنة ٣٢، وصَلَّى عليه ابن مسعود، ومات بعده بيسير. أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات غير مَخْلد، فصدوق له أوهام، وعمرو بن بُجْدان، فمختلف فيه.
ومنها: أن شيخه هذا أولُ محلّ ذُكر فيه، وكذا مخلد بن يزيد، وأبو قلابة، وعَمْرو بن بُجْدان، وأبو ذر ﵁.
стр. 2747
شرح الحديث
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري ﵁ (قال: قال رسول الله ﷺ ) هذا طرف من حديث طويل ساقه أبو داود في سننه بسنده عن أبي ذر ﵁، قال: "اجتمعت غُنَيمَة عند رسول الله ﷺ "، وفي رواية "غنيمة من الصدقة"، فقال: "يا أبا ذر ابدُ فيها، فبدوت إلى الرَّبَذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمس والسّتّ، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: أبو ذر، فسكتُّ، فقال: ثَكلَتك أمُّك يا أبا ذر، لأمِّك الويلُ" فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعُسٍّ فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترتُ بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عَنِّي جبلا، فقال: "الصعيد الطيب وَضُوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك، فإن ذلك خير لك".
(الصعيد) مبتدأ، تقدم اختلاف العلماء في معناه، في أول الباب السابق ٢٠٢ (الطيب) أي الطاهر، المطهر (وضوء المسلم) بفتح الواو لأن التراب بمنزلة الماء في صحة التطهر به، وقيل: بضم الواو، أي
استعمال الصعيد على الوجه المخصوص كوُضوء المسلم، فهو تشبيه بليغ، وعلى كل فيه أن التيمم رافع للحدث، لا مبيح فقط، خلافا لمن قال بذلك، وعليه فيصلي به ما يشاء من فرض ونفل، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في ذلك، مع الترجيح في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
(وإن لم يجد الماء عشر سنين) يعني إلى مدة طويلة، فالمراد منه التكثير لا التحديد، ومعناه أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى، وإن بلغت مدة عدم الماء عشر سنين، وليس معناه أن التيمم دفعة واحدة تكفيه لعشر سنين.
وفيه دليل على أن خروج الوقت لا ينقض التيمم، وأن التيمم جائز قبل دخول الوقت.
стр. 2748
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث أبي ذرّ ﵁ صحيح.
قال الحافظ في التلخيص ما نصه: واختلف فيه على أبي قلابة، فقيل: هكذا -يعني عن عمرو بن بُجْدان- وقيل: عنه عن رجل من بني عامر، وهذه رواية أيوب عنه، وليس فيها مخالفة لرواية خالد، وقيل عن أيوب عنه عن أبي المهلب، عن أبي ذر، وقيل عنه بإسقاط الواسطة، وقيل في الواسطة محْجَن أو ابن محجن، أو رجاء بن عامر، أو رجل من بني عامر، وكلها عند الدارقطني، والاختلاف فيه كله على أيوب، ورواه ابن حبان والحاكم من طريق خالد الحذاء، وصححه أيضا أبو حاتم، ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان، وقد وثقه العجلي، وغفل ابن القطان، فقال: إنه مجهول، وفي الباب عن أبي هريرة رواه البزار، قال: حدثنا مقدم بن محمَّد، ثنا عمي القاسم بن يحيى، ثنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، رفعه: "الصعيد وَضُوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليُمسه بشرته فإن ذلك له خير"، وقال: لا نعلمه عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ورواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه مطولا، أخرجه في ترجمة أحمد بن محمَّد بن صدقة، وساق فيه قصة أبي ذر، وقال: لم يروه إلا هشام، عن ابن سيرين، ولا عن هشام إلا القاسم، تفرد به مقدم، وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل: إن إرساله أصح. اهـ كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الحديث صحيح، وممن صححه الترمذي، والحاكم، وابن حبان، وأبو حاتم، وابن دقيق العيد (٢). والله أعلم.
стр. 2749
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٢٠٣/ ٣٢٢ - والكبرى -١٨٣/ ٣١١ بهذا السند فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أش جه معه: أخرجه (د ت).
فأخرجه (د) في الطهارة عن عمرو بن عون، ومسدد، كلاهما عن خالد بن عبد الله، عن خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجدان، عن أبي ذر ﵁.
وأخرجه (ت) فيه عن ابن بشار، ومحمود بن غيلان، كلاهما عن أبي أحمد الزُّبَيري عن سفيان، عن خالد الحذَّاء به، وقال: حسن صحيح، وقد روي هذا الحديث أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، ولم يسمه.
وأخرجه ابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلوات بتيمم واحد، وسيأتي اختلاف أهل العلم في المسألة التالية.
ومنها: أن التيمم رافع للحدث لا مبيح له على الراجح كما سيأتي.
ومنها: أن وجود الماء ناقض للتيمم، لقوله في آخر الحديث كما تقدم عند أبي داود: "فإذا وجدت الماء فأمسَّهُ جلدك".
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في أداء الصلوات الكثيرة بتيمم واحد:
اختلف العلماء في التيمم هل تُصلَّى به صلوات كالوضوء بالماء أم هو لازم لكل صلاة؟
стр. 2750
فقالت طائفة: يتمم لكل صلاة، روي هذا القول عن علي، وابن عمر، وابن عباس، والنخعي، وقتادة، والشعبي، وبه قال ربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقالت طائفة: يصلي بالتيمم الواحد الصلوات ما لم يحدث، وهو قول الحسن، وابن المسيب، والزهري، ورُوي عن ابن عباس، وأبي جعفر، وبه يقول سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، ويزيد بن هارون.
وقالت طائفة: إن من صلى الصلوات في أوقاتها يتيمم لكل صلاة، وإذا فاتته صلوات صلاها بتيمم واحد، وهو قول أبي ثور، أفاده ابن المنذر (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح المذاهب عندي المذهب الثاني:
فيصلي المتيمم بتيممه ما شاء من الصلوات، الفرض والنفل، ما لم ينتقض تيممه يحدث، أو وجود ماء، لحديث الباب: "الصعيدُ وَضُوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين".
ولأن الطهارة إذا كملت، وجاز أن يصلي بها المرء ما شاء من النوافل، فكذلك له أن يصلي بها ما شاء من المكتوبة، إذ ليس بين طهارته للمكتوبة، وطهارته للنافلة فرق في شيء من أبواب الصلاة، وغيرُ جائز أن يقال له إذا صلى نافلة أنت طاهر، ويمنع من أن يصلي المكتوبة, لأنه غير طاهر، فالذين خوطبوا بالتيمم في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ الآية، المحدثون الذين خوطبوا في أولها عند القيام إلى الصلاة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، وليس ذلك على من كان طاهرا في باب الوضوء والتيمم، مع أن الطهارة المجمع عليها لا يجوز نقضها إلا بسنة أو إجماع، وقد أجمع أهل العلم على أن الأحداث التي تنقض
стр. 2751
طهارة المتوضئ بالماء، تنقض طهارة المتوضئ بالصعيد، وأجمعوا على أن المتيمم إذا قدر على الماء (١) مثل دخوله في الصلاة أن طهارته تنتقض، فوجب تسليم ذلك لإجماعهم، إلا حرف شاذ عن بعضهم لا معنى له، أفاده ابن المنذر ﵀ (٢).
والحاصل أن الأصح جواز الصلوات، فرضها ونفلها بالتيمم الواحد. والله أعلم.
المسألة السادسة: اختلف أهل العلم هل ينتقض التيمم بوجود الماء، أم لا؟
ذهب الجمهور إلى أن وجود الماء ينقضها، وذهب قوم إلى أن الناقض لها الحدث، وأصل الخلاف: هل وجود الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب؟ أو يرفع ابتداء الطهارة به؟ فمن رأى أنه يرفع استصحاب الطهارة قال: إنه ينقضها، فإن حد الناقض هو الرافع للاستصحاب.
ومن رأى أنه يرفع ابتداء الطهارة به قال: لا ينقضها إلا الحدث.
وقد احتج الجمهور لمذهبهم بالحديث الثابت، وهو حديث: "ما لم يجد الماء" قال ابن رشد: والحديث محتمل، فإنه يمكن أن يقال: إن قوله: "ما لم يجد الماء" يمكن أن يفهم منه فإذا وجد الماء انقطعت هذه الطهارة وارتفعت، ويمكن أن يفهم منه: فإذا وجد الماء لم تصح ابتداء الطهارة، والأقوى في عضد الجمهور هو حديث: "فإذا وجدتَّ الماء فأمسَّهُ جلدك" فإن الأمر محمول عند جمهور المتكلمين على الفور، وإن كان أيضا قد يتطرق إليه الاحتمال المتقدم، فتأمل هذا.
стр. 2752
قال الجامع: عندي أن الاحتمال الأول هو المتعين، فإن قوله: "فأمسه جلدك" يدل على وجوب استعمال الماء حال وجوده سواء كان المتيمم حصل له حدث أم لا، فدل على أن وجود الماء يبطل التيمم. فتبصر.
قال ابن رشد: وقد حمل الشافعي تسليمه أن وجود الماء يرفع هذه الطهارة، أن قال: إن التيمم ليس رافعًا للحديث، أي ليس مفيدًا للمتيمم الطهارة الرافعة للحديث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط مع بقاء الحدث، وهذا لا معنى له، فإن الله سماه طهارة، وقد ذهب قوم من أصحاب مالك هذا المذهب، فقالوا: إن التيمم لا يرفع الحدث, لأنه لو رفعه لم ينقضه إلا الحدث، والجواب أن هذه الطهارة وجود الماء في حقها هو حدث خاص بها على القول بأن الماء ينقضها.
واتفق القائلون بأن وجود الماء ينقضها على أنه ينقضها قبل الشروع في الصلاة، وبعد الصلاة، واختلفوا هل ينقضها طُرُؤُّهُ في الصلاة؟ فذهب مالك، والشافعي، وداود إلى أنه لا ينقض الطهارة في الصلاة، وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وغيرهما إلى أنه ينقض الطهارة في الصلاة، وهم أحفظ للأصل, لأنه أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة، وبمثل هذا شَنَّعُوا على مذهب أبي حنيفة فيما يراه من أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء، مع أنه مستند في ذلك إلى الأثر (١)، فتأمل هذه المسألة فإنها بينة، ولا حجة في الظواهر التي يُرام الاحتجاج بها لهذا المذهب من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمَّد: آية ٣٣] فإن هذا لم يُبطل الصلاة بإرادته، وإنما أبطلها طُرُّو الماء كما لو أحدث (٢).
стр. 2753
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن وجود الماء ناقض للتيمم، وأن الراجح أيضا نقضه مطلقا في الصلاة أو خارجها، فتبصر. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2754
٢٠٤ - بَابُ فيمَنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ وَلا الصَّعِيدَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم من لم يجد الماء ولا الصعيد.
٣٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، وَنَاسًا يَطْلُبُونَ قِلَادَةً كَانَتْ لِعَائِشَةَ نَسِيَتْهَا فِي مَنْزِلٍ نَزَلَتْهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَصَلُّوا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، قَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة حجة من [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
стр. 2755
٢ - (أبو معاوية) محمَّد بن خازم -بالخاء والزاي المعجمتين- الكوفي ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] تقدم في ٢٦/ ٣٠.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني ثقة فقيه ربما دلس من [٥] تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني أحد الفقهاء السبعة ثقة مشهور من [٢] تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين أم عبد الله الصديقة بنت الصديق ﵄ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم مدنيون إلا شيخه، فمروزي، نزل نيسابور، وأبا معاوية فكوفي، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن خالته، وفيه عائشة من المكثرين السبعة،
وفيه الإخبار، والإنباء، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: بعث رسول الله ﷺ أُسَيدَ ابن حُضير) -بتصغير الاسمين- بن سِمَاك بن عَتِيك الأنصاري الأشهلي أبو يحيى صحابي جليل مات سنة ٢٠، أو ٢١، تقدمت ترجمته في ١٩٤/ ٣١٠ (وناسا) اسم وضع للجمع كالقوم، والرهط، واحده إنسان، من غير لفظه، مشتق من ناسَ يَنُوس: إذا تَدَلَّى وتحرّك، ويطلق على الجن والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: آية ٥ - ٦] وتقدم تمام البحث فيه برقم ١٩١/ ٣٠٥.
стр. 2756
(يطلبون قلادة) القلادة: ما يجعل في العُنُق من حُليّ ونحوه، وقد تقدم أن القلادة من جَزعَ ظَفَار، وأنها استعارتها عائشة من أسماء أختها ﵄، فقوله هنا (كانت لعائشة) فيه تجوز، إذ هي تستعملها الآن بالعارية (نسيتها في منزل نَزَلَتْهُ) ولأبي داود: "أضلتها عائشة" وتقدم في حديث عمار: "فانقطع عقدها من جزع ظَفَار" ولا تنافي بين هذه الروايات, لأن النسيان يطلق على معنى ترك الشيء ذُهولا والإضلال هو الفقدان، ويكون سبب نسيانها وفقدانها انقطاع تلك العقد عن عنقها من غير شعورها (فحضرت الصلاة) وهي الصبح كما تقدم (وليسوا على وضوء) بضم الواو أي ليسوا متوضئين (ولم يجدوا ماء) لكون المَحَلِّ ليس فيه ماء (فَصَلَّوا بغير وضوء) فيه دليل على وجوب الصلاة على فاقد الطهورين, لأنهم صلوا معتقدين وجوب الصلاة عليهم، فأقرَّهم النبي ﷺ علي ذلك، ولو كانت الصلاة غير واجبة حينئذ لأنكر عليهم، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وجمهور أهل الحديث، وأكثر أصحاب مالك. كما سيأتي تحقيق الخلاف في ذلك مع الترجيح إن شاء الله تعالى (فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ) أي شَكَوْا ما أصابهم من الصلاة بغير وضوء (فأنزل الله آية التيمم) المراد بها آية المائدة على الأرجح، وتقدم الخلاف في المراد بها مُستوفىً في ١٩٤/ ٣١٠، فارجع إليه تزدد علما (قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا) وهذا يدل على أن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، وأن ضياع عقدها كان مرتين، وأما نزول آية التيمم فهي في المرة الثانية، وقد تقدم تحقيق ذلك كله. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم ما يتعلق بهذا الحديث من المسائل برقم ١٩٤/ ٣١٠، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته هنا، وإنما نذكر هنا ما
стр. 2757
يتعلق بما ترجم له الصنف ﵀، وهي بيان اختلاف العلماء فيمن لم يجد الماء والصعيد، فنقول:
اعلم: أن المصنف ﵀ أورد حديث عائشة ﵂ هذا استدلالا على أن فاقد الطهورين يصلي ولا يعيد الوضوء.
قال العلامة السندي ﵀: ثم إن الظاهر أن مراد المصنف بالترجمة أن من لم يجد ماء ولا ترابًا يصلي ولا يعيد.
ووجه الاستدلال بالحديث تنزيل عدم مشروعية التيمم مَنزلَة عدم التراب بعد المشروعية، إذ مرجعهما إلى تعذر التيمم، وهو المؤثر ها هنا، قال: وهذا هو الموافق لظاهر قوله ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" إذ الصلاة على حاله غاية ما يستطيع الإنسان في تلك الحالة، وغيرُ المستطاع ساقط، ولا يسقط به المستطاع إلا بدليل هو الموافق للقياس والأصول، فإن سقوط تكليف الشرط لتعذره لا يستلزم سقوط تكليف المشروط، لا حالا ولا أصلا، كستر العورة، وطهارة الثوب، والمكان، وغير ذلك، فإن شيئا من ذلك لا يسقط به طلب الصلاة عن الذمة، ولا يتأخر، بل يصلي الإنسان، ولا يعيد، والطهارة كذلك، بل تعذرُ الركن لا يُسقط تكليف باقي الأركان، فكيف الشرط، كما إذا تعذر غسل بعض أعضاء الوضوء لعدم المحل فإنه يغسل الباقي، ولا يسقط الوضوء، وكما إذا عجز عن القراءة في الصلاة، وكذا من عجز عن القيام وغيره.
قال: بل قد عُلم سقوطُ الطهارة تخفيفا بالنظر إلى المعذور، فالأقرب أنه يصلي ولا يعيد كما يميل إليه المصنف، وكذا البخاري في صحيحه. اهـ كلام السندي (١).
стр. 2758
وقال الحافظ ﵀: عند قول البخاري في صحيحه: "بابٌ إذا لمِ يجد ماء ولا ترابا" ما نصه: قال ابن رُشَيد: كأن المصنف نَزَّلَ فَقْد شَرْعية التيمم منزلة فقد التراب بعد شرعية التيمم، فكأنه يقول: حكمهم في عدم المطهر الذي هو الماء خاصة كحكمنا في عدم المُطَهِّرَين الماء والتراب، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة, لأن الحديث ليس فيه أنهم فقدوا التراب، وإنما فيه أنهم فقدوا الماء فقط، ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين، ووجهه أنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ .
وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وجمهور المحدثين، وأكثر أصحاب مالك، لكن اختلفوا في وجوب الإعادة، فالمنصوص عن الشافعي وجوبها، وصححه أكثر أصحابه، واحتجوا بأنه عذر نادر، فلم يسقط الإعادة، والمشهور عن أحمد، وبه قال المُزَني، وسحنُون، وابن المنذر: لا تجب، واحتجوا بحديث الباب, لأنها لو كانت واجبة لبَيَّنَها النبي ﷺ ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وتُعُقِّبَ بأن الإعادة لا تجب على الفور، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا فلابد من دليل على وجوب الإعادة.
وقال مالك، وأبو حنيفة في المشهور عنهما: لا يصلي، لكن قال أبو حنيفة، وأصحابه: يجب عليه القضاء، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وقال مالك فيما حكاه عنه المدنيون: لا يجب عليه القضاء.
وهذه الأقوال الأربعة هي المشهورة في المسألة. وحكى النووي في شرح المهذب عن القديم: تستحب الصلاة وتجب الإعادة، وبهذا تفسير الأقوال خمسة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
стр. 2759
قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي قول من قال بوجوب الصلاة على فاقد الطهورين، وعدم وجوب الإعادة عليه.
قال أبو محمَّد بن حزم رحمه الله تعالى: ومن كان مَحْبوسًا في حضر، أو سفر بحيث لا يجد ترابا ولا ماء، أو كان مصلوبا، وجاءت الصلاة فليصل كما هو، وصلاته تامة، ولا يعيدها سواء وجد الماء في الوقت، أو لم يجده إلا بعد الوقت.
بُرْهانُ ذلك قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: آية ١٦] وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: آية ٢٨٦] وقول رسول الله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: آية ١١٩] فصح بهذه النصوص أنه لا يلزمنا من الشرائع إلا ما استطعنا، وأن ما لم نستطعه فساقط عنا، وصح أن الله تعالى حَرَّمَ علينا ترك الوضوء أو التيمم للصلاة إلا أن نضطر إليه، والممنوع من الماء والتراب مضطر إلى ما حُرِّمَ عليه من ترك التطهر بالماء أو التراب، فسقط عنه تحريم ذلك عليه، وهو قادر على الصلاة بتوفيتها أحكامها، وبالإيمان (١)، فبقي عليه ما قدر عليه، فإذا صلى كما ذكرنا فقد صلَّى
كما أمره الله تعالى، ومن صلَّى كما أمره الله تعالى فلا شيء عليه، والمبادرة إلى الصلاة في أول الوقت أفضل لا ذكرنا قَبْل.
ثم ذكر اختلاف العلماء في المسألة إلى أن قال: وأما من قال: لا يصلي أصلا فإنهم احتجوا بقول رسول الله ﷺ : "لا تُقبلُ صلاة من أحدث حتى يتوضأ" وقال ﵇: "لا يقبل الله صلاةً بغير طهور" قالوا: فلا نأمره بما لم يقبله الله تعالى, لأنه في وقتها غير متوضئ ولا متطهر، وهو بعد الوقت محرم عليه تأخير الصلاة عن وقتها.
стр. 2760
قال أبو محمَّد: هذا كان أصح الأقوال لولا ما ذكرنا من أن النبي ﷺ أسقط عنا ما لا نستطيع مما أمرنا به، وأبقى علينا ما نستطيع، وأن الله تعالى أسقط عنا ما لا نقدر عليه وأبقى علينا ما نقدر عليه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: آية ١٦] فصح قوله ﵇: "لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" و"لا يقبل الله صلاة إلا بطهور" إنما كلف ذلك من يقدر على الوضوء أو الطهور بوجود الماء أو التراب، لا من لا يقدر على وضوء ولا تيمم، هذا هو نص القرآن والسنن, فلما صح ذلك سقط عنا تكليف ما لا نطيق من ذلك، وبقي علينا تكليف ما نطيق، وهو الصلاة، فإن ذلك كذلك فالمصلي كذلك مُؤدٍّ ما أمر به فلا قضاء عليه، ومن أدى ما أمربه فلا قضاء عليه.
فكيف وقد جاء في هذا نص، ثم ذكر حديث عائشة ﵂ المذكور في هذا الباب، وقال: فهذا أُسيد وطائفة من الصحابة مع حكم الله تعالى ورضاء نبيه ﷺ ، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى. باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله أبو محمَّد رحمه الله تعالى هو التحقيق الحقيق بالقبول، وما عداه لا يؤيده منقول ولا معقول. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 2761
٣٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنَّ مُخَارِقًا أَخْبَرَهُمْ، عَنْ طَارِقٍ: أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يُصَلِّ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "أَصَبْتَ". فَأَجْنَبَ رَجُلٌ آخَرُ فَتَيَمَّمَ، وَصَلَّى، فَأَتَاهُ، فَقَالَ نَحْوَ مَا قَالَ لِلآخَرِ -يَعْنِي: "أَصَبْتَ"-.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي بصري ثقة من [٨] تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي ثم البصري الحجة الثبت -٧ - تقدم في ٢٤/ ٤٦.
٤ - (مُخارق) بضم الميم، بن خليفة بن جابر بن عبد الله ويقال: ابن عبد الرحمن الأحْمَسيّ أبو سعيد الكوفي ثقة -٦ - .
روى عن طارق بن شهاب. وعنه سعيد، وإسرائيل، وابن حي، وحصين بن عمر، وشريك، وأبو يحيى التيمي والسفيانان.
قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: مخارق ثقة ثقة. قال عبد الله: وسألت يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة، وقال النسائي:
стр. 2762
مخارق بن عبد الرحمن ثقة. وقال أبو حاتم: مخارق بن عبد الله بن جابر، ويقال: ابن خليفة ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: كوفي ثقة أخرج له البخاري، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي (١).
٥ - (طارق) بن شهاب بن عبد شمس بن هلال بن سلمة بن عوف ابن خُثيم البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي.
رأى النبي ﷺ ، وروى عنه مرسلا، وعن الخلفاء الأربعة، وبلال وحذيفة، وخالد بن الوليد، والمقداد، وسعد، وابن مسعود، وأبي موسى، وأبي سعيد، وكعب بن عُجرة، وغيرهم.
وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وقيس بن مسلم، ومخارق الأحمسي وعلقمة بن مَرْثَد، وسماك بن حرب، وجماعة.
قال إسحاق بن منصور: عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو داود: رأى النبي ﷺ . ولم يسمع منه شيئا، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليست له صحبة، والحديث الذي رواه "أيّ الجهاد أفضل" مرسل، قلت له: أدخلتَهُ في مسند الوحدان؟ قال: لما حكى من رؤيته النبي ﷺ ، وقال العجلي: طارق بن شهاب الأحمسي من أصحاب عبد الله، وهو ثقة. مات سنة ٢، أو ٨٣، وقيل: ١٢٣، وهو وَهَم. أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأن مخارقا وطارقا، هذا أول محلّ ذكرهما، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
стр. 2763
شرح الحديث
(عن طارق) بن شهاب (أن رجلا) لم يسم (أجنب) أي أصابته جنابة (فلم يُصَلّ) لعدم الماء، والظاهر أن هذا كان قبل مشروعية التيمم (فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له) أي كونه لم يُصَلِّ بسبب الجنابة، مع عدم الماء (فقال) ﷺ (أصبت) أي حيث عمل باجتهاده، وهذا يؤيد ما قلناه أن هذا كان قبل شرع التيمم لأنه ثبت أنه ﷺ قال للذي اعتزل عن الناس وهم يصلون لكونه جنبا: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" وتقدم برقم ٣٢١.
والحاصل أن تصويب فعله هذا إنما هو بالنسبة لعمله باجتهاده، وإن كان مخطئا بعدم صلاته عند فقده الطهور، فلا ينافي ما تقدم مما قررناه من أن المصنف كالإمام البخاري يرى وجوب الصلاة على فاقد الماء والصعيد، حيث أوردا حديث عائشة الدالَّ على أنهم صَلَّوْا بغير وضوء فقررهم عليه، ولو لزم التنافي لقدم حديث عائشة لصحته بخلاف حديث طارق لإرساله.
(فأجنب رجل آخر، فتيمم وصلى) وهذا ظاهر في كونه بعد شرع لتيمم (فأتاه) أي النبي ﷺ ، أي فذكر له ذلك (فقال) ﷺ له (نحو ما قال) أي الكلام الذي قاله (للآخر) أي الذي ترك الصلاة ثم بَيَّن المَقُولَ بقوله (يعني أصبت) والعناية من بعض الرواة، ذكرها لإيضاح معنى "ما".
والحاصل أنه ﷺ قال لكل منهما: "أصبت" لكونهما عملا باجتهاد فكل منهما مصيب من هذه الحيثية، وإن كان الأول مخطئا من حيث تركه الصلاة، فالذي يظهر من إيراد المصنف لهذا الحديث بعد إيراد حديث عائشة ﵂ تضعيف هذا الحديث لكونه مرسلا، وأنه لا ينافي حديث عائشة ﵂, لكونه أصح والله أعلم.
стр. 2764
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى في درجته: حديث طارق بن شهاب حديث صحيح الإسناد إلا أنه مرسل, لأنه رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه فهو تابعي كما تقدم.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكره من هذا الكتاب:
ذكره المصنف هنا فقط وهو من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره. والله أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ .
ومنها: أن المجتهد لا يعاتب فيما اجتهد فيه، وإن لم يصب, لأنه مكلف ببذل وسعه فيما يعلم، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
ومنها: أن العالم وإن عمل باجتهاده فلا يستغني عن مراجعة النصوص ليثبت عليه إن وافق اجتهاده لها، أو يرجع عنه إذا لم يوافق والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2765
كِتَابُ المِيَاهِ
стр. 2766
٢ - كتابُ المياه
وفي النسخة الهندية (كتابُ المياه منَ المُجْتَبَى)
المياه: جمع كثرة لاء، وجمع القلة أمْوَاه.
قال الفيّومي: الماء أصله مَوَه، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع حرفان خفيَّان، فقلبت الهاء همزة، ولم تقلب الألف لأنها أعلت مرة، والعرب لا تجمع على الحرف إعلالين، ولهذا يُرَدُّ إلى أصله في الجمع والتصغير، فيقال: مياه، ومُوَيه، وقالوا: أمْوَاه أيضا مثل باب وأبواب، وربما قالوا: أمواء بالهمز على لفظ الواحد. انتهى (١)
أي هذا كتاب تذكر فيه أحكام المياه، وقوله: "من المجتبى" أي حال كون كتاب المياه مني جملة الكتب التي تذكر في الكتاب المسمى بـ"المجتبى" أي المختار، سمِّيَ به لأنه انتخبه من سننه الكبرى، ويسمى أيضا بـ "المجتنى"، وتقدم الكلام عليه مستوفى في مقدمة هذا الشرح.
стр. 2767
قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ (١)
وقال : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٣)
بدأ المصنف ﵀ كتاب الطهارة بآية الطهارة ثم أتبعها بأحاديث الطهارة من حديث رقم ١، إلى حديث رقم ٣٢٤.
فكل هذه الأحاديث مُبَيِّنَةٌ لمعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ..﴾ [المائدة: آية ٦]، لأن الآية سيقت لبيان الوضوء والغسل والتيمم الذي يكون نائبا عنهما عند فقد الماء، وعدم القدرة على استعماله، فما ذكره من هذه الأحاديث في الأبواب السابقة كلها بيان وتوضيح للآية المذكورة, لأن الأحاديث شارحة للآية، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: آية ٤٤]، ولبعضهم:
فَهُوَ المُبَيِّنُ للكتَاب وإنَّما … نَطَقَ النَّبيُّ لنَا به عَنْ رَبَّه
ثم إنه شرع يبين أدلة أحكام المياه، فصَدَّرَ الكتاب بالآيات المذكورة، ثم أتبعها بالأحاديث لما ذكرناه.
فإن قيل: إن كثيرا من أحاديث كتاب المياه ذكرها المصنف في كتاب الطهارة فلماذا أعادها هنا؟
أجيب بأنه إنما ذكرها هناك استطرادًا وتبعًا، فلم يكتف بذلك، بل وضع لها هذا الكتاب ليبحث عنها أصالة، ولو ترك تكرارها، كما فعل في الكبرى لكان أولى. والله أعلم.
стр. 2768
شرح الآيات الكريمات
(قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ظاهر الآية أن الماء مُنَزَّل من نفس السماء، فلا حاجة إلى ادعاء المجاز في معنى السماء، فيقال: إن المراد بالسماء هو السحاب, لأن السماء يطلق على كل ما علاك، فالصحيح أن الماء ينزل من السماء، ثم من السحاب، وأما ما يعتقده الفلاسفة من أن المطهر من بُخَار البحر بواسطة السحاب، حتى قال الهُذَلي [من الطويل]:
شَرِبْنَ بماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفْعَتْ … مُتَى لُجَج خُضْر لهُنَّ نَئيجُ
فباطل يخالف ظواهر الكتاب والسنة.
(طهورا) قال العلامة القرطبي ﵀: "ماء طهورا" يتطهر به
كما يقال: وَضوء للماء الذي يُتوضأ به، وكل طَهُور طاهر، وليس كل طاهر طهورًا، فالطَهور -بفتح الطاء-: الاسم، وكذلك الوَضُوء
والوَقُود، وبالضم: المصدر، وهذا هو المعروف في اللغة، قاله ابن الأنباري، فَبَيَّن أنَّ الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه، مطهر لغيره، فإن الطَّهُور مبالغة في طاهر، وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهرا مطهرا، وإلى هذا ذهب الجمهور.
وقيل: إن "طهورا" بمعنى طاهر، وهو قول أبي حنيفة، وتعلق بقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: آية ٢١] يعني طاهرا، وبقول الشاعر [من الطويل]:
خَليْليَّ هَلْ في نَظْرةٍ بَعْدَ تَوْبَة … أُدَاوي بهَا قَلْبي عَلَيَّ فُجُورُ
إِلَى رُجَّحِ الأكْفَالِ غِيد مِنَ الظِّبَا … عذَاب الثَّنَايَا ريّقُهُنَّ طَهُورُ
فوصف الريق بأنه طهور، وليس بمطهر، وتقول العرب: رجل
стр. 2769
نَؤُوم، وليس ذلك بمعنى مُنيم لغيره, وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه.
وأجيب عن هذا بأن وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب، وعن خساس الصفات، كالغلّ والحَسَد، فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب، وأوضار الاعتقادات الذميمة، فَجَاءُوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة بصفات التسليم، وقيل لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: آية ٧٣] ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته ورحمته في الآخرة. وأما قول الشاعر:
..... … ريّقُهُنَّ طَهُورُ
فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعُذُوبته، وتعلقه بالقلوب، وطيبه في النفوس، وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور.
وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازات الشعرية، فإن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون. ألا ترى إلى قول بعضهم (من الطويل):
ولَوْ لَمْ تُلامِسْ صَفْحَةَ الأرْضِ رجْلُهَا … لَمَا كُنْتُ أدْري عِلَّةً للتَّيمُّم
وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه (١).
وقال العلامة الفيومى: وطَهُور قيل: مبالغة، وأنه بمعنى طاهر، والأكثر أنه لوصف زائد، قال ابن فارس: قال ثعلب: الطَّّهُور هو الطاهر في نفسه المُطَهِّر لغيره، وقال الأزهري أيضا: الطهور في اللغة:
стр. 2770
هو الطاهر المطهر، قال: وفعول في كلام العرب لمعان: منها فَعُول لما يُفْعل به، مثل الطَّهور لما يُتَطَهَّر به، والوَضوء لما يُتوضأ به، والفَطُور لما يُفطر عليه، والغَسول لما يُغتسل به، ويُغسل به الشيء، وقوله ﷺ : "هو الطَّهُور ماؤه" أي هو الطاهر المطهر، قاله ابن الأثير، قال: وما لم يكن مطهرا فليس بطَهور. وقال الزمخشري: الطَّهور: البليغ في الطهارة، قال بعض العلماء: ويُفهم من قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره, لأن قوله: "ماء" يفهم منه أنه طاهر، لأنه ذُكر في معرض الامتنان، ولا يكون ذلك إلا بما يُنتفَعُ به، فيكون طاهرا في نفسه، وقوله: "طهورا" يُفهَم منه صفة زائدة على الطهارة وهي الطهورية.
فإن قيل: فقد ورد طَهور بمعنى طاهر كما في قوله: ريّقُهُنَّ طَهُورُ.
فالجواب: أنَّ وروده كذلك غير مُطَّرد، بل هو سماعي، وهو في البيت مبالغة في الوصف، أو واقع موقع طاهر لإقامة الوزن، ولو كان طهور بمعنى طاهر مطلقا لقيل: ثوب طَهُور، وخَشَب طَهُور، ونحو
ذلك، وذلك ممتنع (١).
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من هذا أنَّ كون الطهور بمعنى الطاهر المطهِّر هو قول أكثر أهل اللغة، وخلافه ضعيف يبطله قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: الآية ١١] حكَى الزجاج أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر، فنزلوا عليه، وبقي المؤمنون لا ماء لهم، فأنزل الله المطر ليلة بدر، والذي في سيرة ابن إسحاق وغيره: أن المؤمنين هم الذين سبقوا