٥ - (أم عطية) نُسيبة -بالتصغير- ويقال: نَسيبة -بفتح النون كما ضبطه ابن ماكولا- بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصارية.
روت عن النبي ﷺ ، وعن عمر.
وعنها أنس بن مالك، ومحمد، وحفصة ابنا سيرين، وعبد الملك ابن عمير، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، وعلي بن الأقمر، وأم شراحيل. قال ابن عبد البر: كانت تغزو مع رسول الله ﷺ تمرض المَرْضى وتداوي الجَرحى، شهدت غسل بنت النبي ﷺ ، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت. روى لها الجماعة (١).
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم بصريون إلا شيخه فنيسابوري.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن عَمْرًا، وأم عطية هذا الباب أول محل ذُكرَا فيه من هذا الكتاب.
شرح الحديث
(عن محمَّد) بن سيرين، أنه (قال: قالت أم عطية) نُسيبة ﵂ (كُنَّا لا نَعُدُّ) أي في زمن النبي ﷺ مع علمه، وبهذا يُعطى الحديثُ حكم الرفع.
وهذا كما قال الحافظ ﵀ مصير من المصنف كالبخاري إلى أن هذه الصيغة تُعَدُّ في المرفوع، ولو لم يصرح الصحابي بذكر زمن
стр. 2872
النبي ﷺ . وبه جزم الحاكم وغيره، خلافا للخطيب. قاله في الفتح (١).
وقال السيوطي في ألفية الحديث:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْع فِي الصَّوَابِ … نَحْو منَ السُّنَّة منْ صَحَابِي
كَذَا أُمِرْنَا وكَذَا كُنَّا نَرَى … في عَهْدهِ أوْ عَنْ إضَافَةٍ عَرَى
ثَالثُهَا إنْ كانَ لا يَخْفَى وَفِي … تَصْريحه بعلْمهِ الخُلْفُ نُفِي
(الكدرة والصفرة) أي الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار.
قال العلامة بدر الدين العيني ﵀:
ألوان الدم ستة: السَّواد، والحُمرة، والصُّفرة، والكُدْرَة، والخُضْرة، والتُرْبيَّة.
أما الحمرة فهو اللون الأصلي للدم، إلا عند غلبة السواد يَضرِبُ إلى السواد، وعند غلبة الصفراء يضرب إلى الصفراء، وأما الصفرة فَهي من ألوان الدم إذا رقّ، وقيل: هي كصفرة البيض، أو كصفرة القَزِّ، وفي فتاوى قاضيخان: الصفرة تكون كون القَزِّ، أو لون البُسْر، أو لون التِّبن، وأما التُّرْبية فهي التي تكون على لون التُّراب، وهو نوع من الكُدْرة، وهي بضم التاء المثناة من فوق، وسكون الراء، وكسر الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر الحروف، ويقال لها: الترابية. انتهى كلام العيني باختصار (٢).
وسيأتي اختلاف العلماء في حكم هذه الألوان إن شاء الله تعالى.
(شيئا) أي من الحيض، وهذا إذا كان في غير زمن الحيض، أما فيه فإنها تعد حيضا، وبهذا يجمع بين حديث الباب، وبين حديث عائشة الذي أخرجه مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة المدني، عن أمه -
стр. 2873
اسمها مَرْجَانَةُ- مولاة عائشة، قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدِّرَجَة فيها الكُرسُف فيه الصفرة، فتقول: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة.
والدِّرَجة: بكسر أوله وفتح الراء والجيم، جمع دُرْج -بالضم فالسكون- وضبطه ابن عبد البر بالضم ثم السكون، وقال: إنه تأنيث دُرْج، المراد به ما تحتشي به المرأة من قُطنة وغيرها لتَعْرِفَ هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا.
والكُرْسُفُ -بضم فسكون- القطن.
فيحمل حديث عائشة ﵂ على ما إذا رأت الصفرة والكدرة في أيام الحيض، وحديث أم عطية المذكور في الباب على ما إذا رأت في غير أيام الحيض.
وقد صرحت أم عطية بهذا المعنى، فعند أبي داود من طريق قتادة، عن حفصة، عن أم عطية: "كنا لا نعد الكدرة، والصفرة بعد الطهر شيئا". أفاده الحافظ (١).
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم عطية ﵂ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف: أخرجه هنا -٧/ ٣٦٨ - بهذا السند فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ د ق).
فأخرجه (خ) في الحيض عن قتيبة، عن إسماعيل بن علية، عن
стр. 2874
أيوب، عن محمَّد بن سيرين عنها.
وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن إسماعيل، به.
وأخرجه (ق) فيه عن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر عن أيوب، به.
قال محمَّد بن يحيى: ثنا محمَّد بن عبد الله الرَّقاشيُّ، ثنا وهيب، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية، ﵂، قال محمَّد بن يحيى: وهيب أولاهما عندنا بهذا.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا رَوَى ابن ماجه عن محمَّد بن يحيى -وهو الذهلي- أنه رَجَّحَ رواية وهيب، عن أيوب، عن حفصة، عنها، على غيرها. لكن رجح البخاري رواية إسماعيل بن علية، فأخرجها في الصحيح، قال الحافظ ﵀: وما ذهب إليه البخاري من تصحيح رواية إسماعيل أرجح، لموافقة معمر له، ولأن إسماعيل أحفظ الحديث أيوب عن غيره، ويمكن أن أيوب سمعه منهما. انتهى (١).
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في الصفرة والكدرة وغيرها من الألوان:
قال أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى:
اختلف أهل العلم في الكدرة والصفرة تراهما المرأة في أيام الحيض:
فقالت طائفة: الكدرة والصفرة في أيام الحيض تُترَك لها الصلاة والصوم، وممن قال بهذا: يحيى الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
стр. 2875
وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: الصفرة والكدرة إذا كانت واصلة بالحيض بقية من الحيض، لا تصلي حتى ترى الطهر الأبيض.
وفرق بعضهم بين الصفرة والكدرة تراه المرأة ثم ترى دما، وبين أن ترى الدم، ثم ترى بعد ذلك متصلا به صفرة، أو كدرة، فقال: إذا رأت كدرة، أو صفرة قبل أن ترى قبلها لم يُعْتَدّ به، وإنما الدم الذي يُعْتَدُّ به ما جاء عن النبي ﷺ : "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة"، والصفرة والكدرة في آخر الدم من الدم, لأنه الدم إذا كان دما سائلا كان حكمه حكم الدم حتى ترى النَّقَاء، هذا قول أبي ثور، وحسنه ابن المنذر.
قال ابن المنذر: وقد روينا عن غير واحد أنهم كانوا لا يعدون الكدرة والصفرة بعد الاغتسال، وخروج أيام الحيض شيئا، ولا يرون ترك الصلاة لذلك، ورأى أكثرهم أن عليها الوضوء، وروينا عن علي بن أبي
طالب أنه قال: إذا رأت المرأة بعد الطهر ما يريبها مثل غُسالة اللحم، أو مثل غسالة السمك، أو مثل القطرة من الرعاف، فإنما ذلك رَكْضَة من ركضات الشيطان في الرَّحم، فلتنتضح بالماء، ولتوضأ ولتصلي. وقالت أم عطية: كنا لا نعد الترية (١) شيئًا الكدرة والصفرة بعد الغسل.
قال: وممن كان يقول في المرأة ترى الصفرة بعد الطهر تتوضأ وتصلي: النخعي وحماد، وقال عطاء: كذلك إذا رأت ذلك في غير وقت حيضة، وكان سفيان الثوري يقول في الصفرة تراها بعد أيام حيضها: يكفيها منه الوضوء، وبه قال عبد الرحمن بن مهدي، والأوزاعي، وكان سعيد بن المسيب يقول: تغتسل وتصلي، وبه قال أحمد بن حنبل. وحكي عن النعمان قال: إذا رأت بعد الحيض وبعد
стр. 2876
انقطاع الدم العمرة أو الصفرة يوما، أو اثنين، أو ما يجاوز العشر فهو من حيضها، وكذلك الكدرة ولا تطهير حتى ترى البياض خالصا، وإن لم تر دما أيام الحيض،، ورأت الصفرة والحمرة، والكدرة فهو حيض. وقال يعقوب: هو حيض إلا الكدرة، فلا أراها حيضا، إلا أن تكون بعد حمرة أو صفرة، أو دم فهي من الحيض،، وإذا كانت ابتداء لم أرها حيضا، وكذلك النفاس ليس يختلف النفاس والحيض في شيء إلا في عدد الأيام. انتهى كلام ابن المنذر باختصار (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي قول من قال: إن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وبعد الاغتسال لا يعتد به، عملا بحديث الباب، فإنه نص في هذا، ففي رواية أبي داود بسند صحيح،
عن أم عطية ﵂ قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا". فهذا بيان صريح أن ما كان بعد الطهر من الصفرة والكدرة لا يعتد به، ومفهومه أنه إن كان قبل الطهر فهو حيض، وهذا هو الذي مال إليه البخاري في صحيحه حيث قيد الترجمة بغير أيام الحيض، فقال: "باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض". وبهذا يجمع بين هذا، وبين حديث عائشة ﵂: "لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاء" فإنه لما كان قبل الطهر. فتبصر. والله أعلم.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
قَالَا: أَنُجَامِعُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ؟ فَتَمَعَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَمَعُّرًا شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ غَضِبَ، فَقَامَا فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَدِيَّةَ لَبَنٍ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمَا فَرَدَّهُمَا فَسَقَاهُمَا، فَعُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِمَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه ثقة ثبت من [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي البصري القاضي بمكة ثقة إمام حافظ من [٩] مات سنة ٢٢٤، وله ٨٠ سنة، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار أبو سلمة البصري ثقة أثبت الناس في ثابت، من كبار [٨] تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٤ - (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمَّد البصري ثقة عابد من [٤] تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك أبو حمزة الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم بصريون، إلا شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثا.
стр. 2879
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، أنه (قال: كانت اليهود) بالدال المهملة اسم للقبيلة، وقيل: إنما اسم القبيلة يهوذا يعني بالذال المعجمة، فعرب بقلب الذال دالا، وتقدم تمام الكلام فيه في ١٨١/ ٢٨٨ (إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهن، ولم يشاربوهن) أي لم يفعلوا ذلك معهن تقذرا (ولا يجامعوهن في البيوت) أي لا يخالطوهن، ولا يساكنوهن في البيوت، وليس المراد المجامعة في الفرج (فسألوا النبي ﷺ ) أي الصحابة، وليس الضمير لليهود، وقد صرح به مسلم فقال:
"فسأل أصحاب النبي ﷺ النبيَّ ﷺ "، أي سألوه عما يفعله اليهود (فأنزل الله جوابًا عن سؤالهم (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾) أي الحيض، فإن المحيض مصدر ميمي، أي حكم الاستمتاع في حالة الحيض (﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾) أي المحيض بمعنى الدم السائل، لا بمعنى الستَيلان: قَذَر، ففيه استخدام، وإنما كان أذى لقُبح لونه، ورائحته، ونجاسته، وإضراره (الآية) بالنصب، ويحتمل الرفع، والجر، أي اقرء الآية بتمامها، أو تُقْرأ الآيةُ بتمامها، أو اقرأ إلى آخر الآية (فأمرهم رسول الله ﷺ أن يؤاكلوهن، ويشاربوهن، ويجامعوهن في البيوت، وأن يصنعوا كل ضىء) من أنواع الاستمتاع، كالمباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالقبلة وغيرها (ما خلا الجماع) وعند مسلم "إلا النكاح" ورواية المصنف موضحة لمعنى النكاح.
قال السندي ﵀: ظاهره أنه يحل الانتفاع بما تحت الإزار ما عدا الجماع، كما قال محمَّد -يعني ابن الحسن، صاحب أبي حنيفة رحمهما الله- ووافقه قوم، لكن الجمهور على منعه، والأول أقوى
стр. 2880
دليلا، والثاني أحوط، وأوفق باتباع النبي ﷺ . انتهى. وقد مضى تحقيق الخلاف في ذلك برقم ١٨٠/ ٢٨٥، فراجعه.
(فقالت اليهود: ما يَدعُ) أي يترك (رسول الله ﷺ ) هذا من الرواية بالمعنى، وإلا فَهُم لا يعترفون برسالته، وفي رواية أبي داود: "ما يريد هذا الرجل أن يَدَعَ شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه" (فقام أسيد بن حضير) -بالتصغير فيهما- الأنصاري الأوسي، أسلم قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير، وكان ممن شهد العقبة الثانية، وبدرا، والمشاهد بعدهما (وعباد بن بشر) من بني عبد الأشهل من الأنصار، أسلم بالمدينة على يد مصعب أيضا، وشهد بدرا، وأبلى يوم اليمامة، واستشهد بها (فأخْبَرَا رسولَ الله ﷺ ) أي بما قالت اليهود، وعن أبي داود "فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا (قالا: أنجامعهن في المحيض) أي أتأمرنا بمخالفة اليهود فيهن المخالفة التامة، فنجامعهن في حالة الحيض، وإنما حملهما على ما قالاه شدة بغضهما لليهود، وإدخال الغيظ عليهم في ذلك (فتَمَعَّر) بفتحات وتشديد العين، أي تغير رسول الله ﷺ (تمعرا شديدا) وأصل التمعر: قِلَّةُ النَّضارة، وعدم إشراق اللون، ومنه المكان الأمْعَر، وهو الجَدْب الذي ليس فيه خصْب. وإنما تغير رسول الله ﷺ من قولهما هذا لمخالفته نص القرآن، قاله في المنهل (١).
(حتى ظننا أن) "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفا، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وَإِنْ تُخَفَّفْ أنَّ فَاسْمُهَا اسْتكَنْ … والخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ
وإنْ يكُنْ فعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْريفُهُ مُمْتَنعَا
فَالأحْسَنُ الفَصْلُ بقَدْ أَوْ نَفي، أَوْ … تَنفيس أو لوْ وقَليلٌ ذكْرُ لوْ
стр. 2881
ولكون الفعل متصرفا غير دعاء، فقد فصله هنا بقد، فقال (قد وجد عليهما) وجد: كَوَعَدَ، وَوَرِمَ، يقال: وَجَدَ عليه يَجِد -بكسر عين المضارع- ويَجُد -بالضم- ولَا نظير له، وَجْدًا، وجدَةً: غضب، قاله في "ق" أي أنه ﷺ قد غضب على أسيد وعَبّاد (فاستقبل رسول الله ﷺ ) بالرفع على أنه فاعل، ويجوز النصب على المفعولية (هدية لبن) بالنصب والرفع على الوجهين السابقين. يعني أنه جاء رسول الله ﷺ هديةٌ من لبن، بعث بها بعض أصحابه إليه (فبعث في آثارهما) أي أرسل ﷺ وراءهما مَن يَرُدُّهُمَا، والآثار: جمع أثَر، مثل سَبَب وأسباب، والمراد آثار أقدامهما (فردهما) المرسَلُ (فسقاهما) ﷺ ذلك اللبن، وإنما خصهما بذلك تطييبا لخاطرهما، حيث ظنا أنه غضب عليهما (فعُرف) بالبناء للمفعول أي عرف الناس (أنه لم يغضب عليهما) وعند مسلم: "فعرفا أنه لم يغضب عليهما" فالفاء سببية، أي فبسبب ذلك عُرفَ عدم غضبه عليهما.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا أخرجه مسلم في الصحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا ٨/ ٣٦٩ - والكبرى -١٦١/ ٢٨١ أو في التفسير من الكبرى ٣٨/ ١١٠٣٧، عن إسحق بن إبراهيم عن سليمان بن حرب. وفي عشرة النساء، من "الكبرى" ٤٦/ ٩٠٩٧ ببعضه أيضا عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م د ت ق):
стр. 2882
فأخرجه (م) في الطهارة عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه (د) فيه، وفي النكاح عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه (ت) في التفسير عن عبد بن حميد، عن سليمان بن حرب، وعن محمَّد بن عبد الأعلى، عن عبد الرحمن بن مهدي، وقال: حسن صحيح، ثلاثتهم عن حماد به.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: تحريم وطء الحائض، وهو مجمع عليه، ومستحله كافر.
ومنها: جواز الاستمتاع بالحائض بكل أنواع الاستمتاع ما عدا الوطء
ومنها: سماحة دين الإسلام، حيث أحل الاستمتاع المذكور.
ومنها: عدم مقابلة المسلم بما يسؤه، وإن أساء، فإنه ﷺ ما كلمهما، بل سكت.
ومنها: مشروعية الغضب على من ارتكب ما لا يليق به.
ومنها: أنه لا يصح إغاظة العَدُوِّ بما يخالف الشرع.
ومنها: مشروعية قبول الهدية، وتفريقها عدى غير المُهدَى إليه.
ومنها: أنه لا ينبغي استمرار الغضب على المسلم، إذا لم يوجد ما يقتضي ذلك.
ومنها: استحباب سكوت التابع عند غضب المتبوع تَأدُّبًا معه.
ومنها: مشروعية الملاطفة والمؤانسة بعد الغضب.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم ذكر اختلاف العلماء في مباشرة الحائض، وترجيح قول من قال: إنه يحل له الاستمتاع بجميع أجزائها ما عدا الإيلاج في الفرج، وإن كان الأولى أن لا يباشرها إلا ما فوق الإزار احتياطا، برقم ١٨٠/ ٢٨٥ فارجع إليه تزدد علما.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2883
٩ - بَابُ مَا يَجبُ عَلَى مَنْ أتَى حَليلَتَهُ فِي حَالِ حَيْضِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِنَهْيِ اللهِ تَعَالَى
٣٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي الرَّجُلِ يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، "يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ"، أَوْ "بِنِصْفِ دِينَارٍ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن علي) أبو حفص الفلاس الصَّيْرَفي البصري ثقة حافظ من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصري ثقة ثبت من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة البصري من [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (الحكم) بن عُتيبة أبو محمَّد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه ربما دلَّس من [٥] تقدم في ٨٦/ ١٠٤.
٥ - (عبد الحميد) بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي أبو عمر المدني ثقة من [٤] توفي بحَرَّان في خلافة هشام، وتقدم في ١٨٢/ ٢٨٩.
стр. 2884
٥ - (مقْسَم) بن بُجرة -بضم فسكون- ويقال: نَجْدَة -بفتح فسكون- أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى ابن عباس للزومه له، صدوق يرسل من [٤] وتقدم في ١٨٢/ ٢٨٩.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁ تقدم ٢٧/ ٣١.
فائدة: قال يحيى بن سعيد القطان: لم يسمع الحكم عن مقْسَم إلا خمسة أحاديث: حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض، ذكره في تهذيب التهذيب في ترجمة الحكم جـ ٢ ص ٤٣٤، ونظمته بقولي:
اعْلَم بأنَّ حكَمًا قَدْ سَمِعَا … عَنْ مقْسَم خَمْسًا فَقَطْ فَاسْتَمعَا
حَديثُ وتْر وَقُنُوت وَجَزَا … صَيْد وَعَزمَةُ الطَلاق أنْجِزَا
وَرَجُلٌ جَامَعَ زَوْجًا حَائضَا … قَدْ عَدَّهَا القَطَّانُ يَحْيَى المُرتَضَى
ذَكَرَهُ الحافظُ في التَّهْذيب … فَأَتْقنَنَّ الحِفْظَ بالتَّهْذِيبِ
والحديث مضى مستوفى الشرح برقم ١٨١/ ٢٨٩، فراجعه تزدد علمًا.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (عبيد الله بن سعيد) اليَشْكُري أبو قُدَامَة السَّرَخْسيّ، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سنين من [١٠] تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدَّسْتوائي البصري، وقد سكن اليمن، صدوق رُبما وهم من [٩] تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٣ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي الإمام الحجة من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٤ - (هشام) بن أبي عبد الله -سَنْبر- أبو بكر البصري الدستوائي، ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار [٧] تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٥ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريُّ البصري، أبو مسعود ثقة من [١٠] تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٦ - (خالد بن الحارث) الهُجَيمي البصري ثقة ثبت من [٨] تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٧ - (يحيى بن أبي كثير) اليمامي، أبو نَصْر الطائي مولاهم، ثقة ثبت يدلس ويرسل [٥] تقدم ٢٣/ ٢٤.
٨ - (أبو سلمه) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الفقهاء ثقة مكثر من [٣] تقدم في ١/ ١.
٩ - (زينب بنت أبي سلمة) رَبيبَة النبي ﷺ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٢.
١٠ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٢.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم شرح الحديث مستوفى برقم ١٧٩/ ٢٨٣ - وأذكر هنا بعض تفسير الألفاظ الغريبة تذكيرًا لما مضى،
стр. 2887
فأقول:
قوله (فانسللت) أي ذهبت في خُفْية (ثياب حيضتي) بالفتح والكسر، الفتح على أنه مصدر، ومعناه ثيابي التي ألبسها زمن الحيض، والكسر على أنه هيئة، والمعنى ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض (أنفست؟) روي بفتح النون، وكسر الفاء، وبضم النون وكسر الفاء، والمعنى: أحضت؟ (في الخميلة) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم،: القطيفة، وقال النووي: قال أهل اللغة: هو كل ثوب له خمل من أي لون كان، وقيل: هو الأسود فقط.
وإن شئت تمام شرح الحديث، وبيان متعلقاته، فارجع إلى الرقم المذكور، تستفد.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2888
١١ - بَابُ نَوْمِ الرَّجُلِ مَعَ حَلِيلَتِهِ فِي الشِّعَارِ الوَاحِدِ وَهِيَ حَائِضٌ
الحليلة هي الزوجة، كالحليل للزوج، سُمِّيا بذلك لأن كل واحد منهما يُحلُّ من صاحبه مَحَلا لا يحله غيره. قاله في المصباح.
والشِّعار بالكسر: ما وَليَ الجَسَدَ من الثياب، والدِّثارُ -بوزنه-: ما يُلبس فوق الشعار.
٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خِلَاسًا يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ، وَأَنَا طَامِثٌ، أَوْ حَائِضٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ، غَسَلَ مَكَانَهُ، وَلَمْ يَعْدُهُ، وَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ يَعُودُ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، غَسَلَ مَكَانَهُ، وَلَمْ يَعْدُهُ، وَصَلَّي فِيهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت من [١٠]، تقدد في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان أبو سعيد ثقة ثبت [٩] تقدم في ٤/ ٤.
стр. 2889
٣ - (جابر بن صُبح) الرَّاسبيُّ، أبو بشر البصري صدوق [٧] تقدم في ١٧٩/ ٢٨٤.
٤ - (خلاس) بن عَمْرو الهَجَري البصري، ثقة يرسل [٢] تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
والحديث مضى مشروحا بما يكفي ويشفي، برقم ١٧٩/ ٢٨٤، فارجع إليه تزدد علمًا. والله ولي التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2890
١٢ - مُبَاشَرَةُ الحَائِضِ
٣٧٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَشُدَّ إِزَارَهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيية) بن سعيد، مر قريبا.
٢ - (أبو الأحوص) سَلام بن سُلَيم الحَنَفي مولاهم الكوفي ثقة متقن صاحب حديث من [٧] مات سنة ١٧٩، وتقدم في ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي ثقة عابد اختلط بآخره [٣] تقدم ٣٨/ ٤٢.
٤ - (عمرو بن شرَحْبيل) الهَمْداني أبو مَيْسَرَة الكوفي ثقة عابد مخضرم ١٨٠/ ٢٨٥.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
والحديث مضى مستوفى الشرح برقم ١٨٠/ ٢٨٥، فارجع إليه تزدد علمًا. والله ولي التوفيق.
стр. 2891
٣٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا حَاضَتْ، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَتَّزِرَ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا.
رجال الإسناد: ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعرووف بابن راهويه الإمام الحجة [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضَّبي الكوفي، نزيل الرَّيّ ثقة تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر أبو عَتَّاب -بالمثناة- الكوفي ثقة حجة من [٥] تقدم في ٢/ ٢.
٤ - (إبراهيم) بن يزيد، أبو عمران النخعي الكوفي ثقة فقيه يرسل [٥] تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٥ - (الأسود) بن يزيد أبو عمران النخعي الكوفي ثقة ثبت [٢] تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
والحديث مضى مشروحا برقم ١٨٠/ ٢٨٦ فارجع إليه تستفد، والله ولي التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2892
١٣ - ذِكْرُ مَا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُهُ إذَا حَاضَتْ إحْدَى نِسَائِهِ
٣٧٥ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ -وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ- عَنْ صَدَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ مَعَ أُمِّي وَخَالَتِي، فَسَأَلَتَاهَا: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ إِذَا حَاضَتْ إِحْدَاكُنَّ؟ قَالَتْ: كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا حَاضَتْ إِحْدَانَا أَنْ تَتَّزِرَ بِإِزَارٍ وَاسِعٍ، ثُمَّ يَلْتَزِمُ صَدْرَهَا وَثَدْيَيْهَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (هَنَّاد بن السَّريّ) بن مُصعب التميمي، أبو السري الكوفي، ثقة [١٠] تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - (أبو بكر بن عَيَّاش) -بتحتانية مشددة، وآخره شين معجمة- بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحَنَّاط، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] تقدم في ٩٨/ ١٢٧.
٣ - (صدقة بن سعيد) الحنفي الكوفي.
روى عن جُميع بن عُمير، وبلال بن المنذر، ومصعب بن شيبة العبدري. وعنه ابنه أبو حماد المفضلُ، والثوري، وزائدة، وأبو بكر بن
стр. 2893
عياش وعبد الواحد بن زياد، وأيوب بن حاتم، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: عنده عجائب، وضعفه ابن وضَّاح، وقال الساجي: ليس بشيء. وفي التقريب: مقبول من [٦] أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه (١).
٤ - (جُميع بن عُمير) -بتصغير الاسمين- بن عَفَّاق التيمي، أبو الأسود الكوفي، من بني تيم الله بن ثعلبة.
روى عن عائشة، وابن عمر، وأبي بردة بن نيار.
وعنه الأعمش، وأبو إسحاق الشيباني، وابنه محمَّد بن جميع، وحكيم بن جبير، وعدَّة منهم العوّام بن حَوْشَب، ولكن قال: عن جامع بن أبي جميع، وقال مرة: أخبرني ابن عم لي يقال له: مُجَمِّع.
قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: كوفي تابعي من عتق الشيعة، محله الصدق، صالح الحديث، وقال ابن عدي: هو كما قال البخاري في أحاديثه نظر، وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد. وروى
عن هشيم، عن العوام بن حوشب، عن عمير بن جميع، قال الخطيب في "رافع الارتياب": قلب أبو سفيان الحميري اسمه عن هشيم، وقد رواه عمرو بن عون عن هشيم، عن العوام، عن جميع بن عمير على الصواب. انتهى. وله عند الأربعة ثلاثة أحاديث، وقد حسَّن الترمذي بعضها، وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس، كان يقول: أن الكراكي تفرخ في السماء، ولا يقع فراخها، رواه ابن حبان في كتاب الضعفاء بإسناده، وقال: كان رافضيا يضع الحديث، وقال الساجي: له أحاديث مناكير، وفيه نظر، وهو صدوق، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال أبو العرب الصقلي: ليس يتابع أبو الحسن على هذا (٢).
وفي التقريب: صدوق يخطئ، ويتشيع من [٣].
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
стр. 2894
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم كوفيون، فهو مسلسل بالكوفيين، إلا عائشة ﵂ فمدنية.
ومنها. أن صدقة وجُمَيْعا هذا أولُ محل ذكرهما من هذا الكتاب.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ حديثًا.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنف من بين الستة وهو ضعيف؛ لأن في سنده صدقة، وشيخه، وقد تقدم كلام الأئمة فيهما، وشرحه واضح. والله أعلم.
٣٧٦ - أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِنٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، وَاللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ بُدَيَّةَ، وَكَانَ اللَّيْثُ يَقُولُ: نَدَبَةَ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ، إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ يَبْلُغُ أَنْصَافَ الْفَخِذَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ.
فِى حَدِيثِ اللَّيْثِ: تَحْتَجِزُ بِهِ.
стр. 2895
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصري، قاضيها ثقة فقيه من [١٠] تقدم في ٩/ ٩.
٢ - (عبد الله بن وهب) بن مسلم أبو محمَّد القرشي مولاهم المصري ثقة حافظ عابد [٩] تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيلي، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة، إلا أن في روايته عن الزهري وَهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار [٧] تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (الليث) بن سعد أبو الحارث الفهمي المصري ثقة ثبت فقيه [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "والليث" بالجر عطفًا على "يونس"، ويقدر قبل قوله: "عن ابن شهاب" لفظ "كلاهما" أي يونس، والليث يرويان عن ابن شهاب.
٥ - (ابن شهاب) الزهري الإمام الحجة [٤] تقدم في ١/ ١.
٦ - (حبيب مولى عروة) الأعور المدني مقبول [٣] تقدم ١٨٠/ ٢٨٧.
٧ - (بُدية) -بموحدة أولها مع التصغير- ويقال: نُدْبة -بضم أولها- ويقال: بفتحها، وسكون الدال بعدها موحدة، مقبولة [٣]، ويقال: إن لها صحبة تقدمت ١٨٠/ ٢٨٧.
٨ - (ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، تقدمت ١٤٦/ ٢٣٦.
قال الجامع: تقدم شرح الحديث مستوفى، وكذا ذكر متعلقاته برقم ١٨٠/ ٢٨٧ - فارجع إليه تستفد. والله ولي التوفيق.
стр. 2896
١٤ - بَابُ مُؤَاكَلَةِ الحَائِضِ والشُّرْبِ مِنْ سُؤرِهَا
٣٧٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: هَلْ تَأْكُلُ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا وَهِيَ طَامِثٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُونِي، فَآكُلُ مَعَهُ، وَأَنَا عَارِكٌ، كَانَ يَأْخُذُ الْعَرْقَ، فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ، فَأَعْتَرِقُ مِنْهُ، ثُمَّ أَضَعُهُ، فَيَأْخُذُهُ فَيَعْتَرِقُ مِنْهُ، وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنَ الْعَرْقِ، وَيَدْعُو بِالشَّرَابِ فَيُقْسِمُ عَلَيَّ فِيهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَآخُذُهُ، فَأَشْرَبُ مِنْهُ، ثُمَّ أَضَعُهُ، فَيَأْخُذُهُ فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَيَضَعُ فَمَهُ حَيْثُ وَضَعْتُ فَمِي مِنَ الْقَدَحِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيية) بن سعيد تقدم قريبًا.
٢ - (يزيد بن المقدام) بن شريح بن هانئ الحارثي الكوفي صدوق من [٩] تقدم في ١٧٧/ ٢٧٩.
٣ - (المقدام) بن شُريح بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي ثقة [٦] تقدم في ٨/ ٨.
стр. 2897
٤ - (شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي أبو المقدام الكوفي، مخضرم ثقة، قُتل مع ابن أبي بكرة بسجستان، تقدم ٨/ ٨.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
تنبيه: وقع في بعض نسخ "المجتبى" هنا خطأ في السند، حيث قال: "عن أبيه شُريح"، والصواب كما في بعض النسخ: "عن أبيه، عن شريح"، بزيادة "عن" فتنبه.
قال الجامع: تقدم الحديث مستوفًى الشرح برقم ١٧٧/ ٢٨٠ وقوله: (طامث) أي حائض (عارك) أي حائض (العرق) بفتح العين وسكون الراء: العظم الذي أخذ منه معظم اللحم، وبقي عليه بقية من اللحم (فأعترق منه) أي آكل من ذلك العرق. وإن أردت تمام الشرح فراجع الرقم المذكور، تستفد. وبالله التوفيق.
٣٧٨ - أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَضَعُ فَاهُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشْرَبُ مِنْهُ، وَيَشْرَبُ مِنْ فَضْلِ شَرَابِي، وَأَنَا حَائِضٌ.
стр. 2898
رجال الإسناد: سبعة
١ - (أيوب بن محمَّد الوَزَّان) أبو محمَّد الرَّقِّي، ثقة تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٢ - (عبد الله بن جعفر) بن غيلان الرّقّي أبو عبد الرحمن القرشي مولاهم، ثقة لكنه تغير بآخره، فلم يفحش اختلاطه [١٠] تقدم في ١٧٧/ ٢٨٠.
٣ - (عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الرَّقّي أبو وهب الأسدي ثقة فقيه ربما وهم [٣] أو تقدم بالرقم المذكور.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمَّد كوفي ثقة [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا الحديث مضى مشروحا برقم ١٧٨/ ٢٨٠. وبالله التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2899
١٥ - الانْتِفَاعُ بِفَضْلِ الحَائِضِ
٣٧٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَاوِلُنِي الإِنَاءَ فَأَشْرَبُ مِنْهُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُعْطِيهِ فَيَتَحَرَّى مَوْضِعَ فَمِي، فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن منصور) الخُزاعي الجَوَّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم في ٢٠/ ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمَّد الكوفي ثم المكي، ثقة ثبت حجة [٨] تقدم في ١/ ١.
٣ - (مِسْعر) بن كِدَام الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم في ٨/ ٨.
والباقون تقدموا في السند السابق، وكذا الحديث مضى مشروحًا بالرقم المتقدم. والله ولي التوفيق.
стр. 2900
٣٨٠ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، وَسُفْيَانُ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ مِنَ الْقَدَحِ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَأَتَعَرَّقُ مِنَ الْعَرْقِ، وَأَنَا حَائِضٌ فَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ.
رجال الإسناد: سبعة
كلهم تقدموا في السند السابق، إلا محمود بن غيلان المروزي، أبا أحمد، ثقة ثبت [١٠] تقدم في ٣٣/ ٣٧. ووكيعا، وهو ابن الجراح الكوفي ثقة حافظ ثبت [٩] تقدم في ٢٣/ ٢٥.
وكذا الحديث مضى مشروحا برقم ١٧٨/ ٢٨٢، فارجع إليه تستفد. والله ولي التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2901
١٦ - بَابُ الرَّجُلِ يَقْرَأ القُرْآنَ، وَرَأسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأتِهِ وَهيَ حَائِضٌ
٣٨١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَأْسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا، وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (علي بن حُجْر) السَّعدي المروزي ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - (سفيان) بن عيينة تقدم قريبا.
٤ - (منصور) بن عبد الرحمن الحَجَبي المكي ثقة [٥] تقدم في ١٥٩/ ٢٥١.
٥ - (أمه) صفية بنت شيبة بن عثمان العبدرية، لها رؤية، تقدمت بالرقم المذكور.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت قريبا.
وكذا الحديث مضى مستوفى الشرح هناك فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته. والله ولي التوفيق.
стр. 2902
١٧ - بَابُ سُقُوطِ الصَّلاة عَنِ الحَائِضِ
٣٨٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ عَائِشَةَ: أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا نَقْضِي، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن زرارة) بن واقد الكلابي، أبو محمَّد النيسابوري، ثقة ثبت [١٠] تقدم في ٣٦٨.
٢ - (إسماعيل بن علية) أبو بشر البصري ثقة ثبت تقدم في ١٨/ ١٩.
٣ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني البصري ثقة حجة تقدم في ٤٢/ ٤٨.
٤ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر الجَرْمِيُ البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال من [٣] تقدم في ٣٢٢.
٥ - (معاذة) بنت عبد الله العدوية أم الصَّهْبَاء البصرية ثقة من [٣] تقدمت في ٤١/ ٤٦.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
стр. 2903
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم بصريون إلا شيخه فنيسابوري، وإلا عائشة ﵂ فمدنية، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، أيوب، وأبو قلابة، ومعاذة.
شرح الحديث
(عن معاذة العدوية) البصرية معدودة في فقهاء التابعين، أنها (قالت: سألت امرأة عائشة) ﵂، المرأة المبهمة هي معاذة الراوية نفسها، كما بينها مسلم في صحيحه, وغيره "قالت: سألت عائشة" (أتقضي الحائض الصلاة؟) وهذا تفسير للسؤال الصادر منها، وللبخاري "أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت" بفتح أول "تجزي": أي تقضي، وصلاتها بالنصب مفعوله، ويروى "أتُجزئ" بضم أوله، وهمز آخره: أي أتكفي المرأةَ الصلاةُ الحاضرة وهي طاهرة، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض، فصلاتها على هذا بالرفع على الفاعلية، وقال الحافظ: والأول أشهر، يعني رواية "تَجزي" بالفتح، وفي رواية عند مسلم: "قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ " (فقالت) عائشة ﵂ (أحرورية أنت؟) الهمزة للاستفهام الإنكاري، وحرورية خبر مقدم، وأنت مبتدأ مؤخر.
قال البدر العيني ﵀: فائدة تقديم الخبر: الدلالة على الحصر أي أنت حرورية لا غير.
الحَرُوريَّة: نسبة إلى حَرُورَاء -بفتح الحاء، وضم الراء المهملتين، وبعد الواو الساكنة راء أيضا- بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنها بالمد، قال المبرد: النسبة إليها حروراوي، وكذا كل ما كان في آخره تأنيث ممدودة، ولكن قيل الحروري بحذف الزوائد، ويقال لمن يعتقد
стр. 2904
مذهب الخوارج: حروري, لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي بالبلدة المذكورة، فاشتهروا بالنسبة إليها، وهم فِرَق كبيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دل عليه القرآن، ورَدُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقا، قاله الحافظ (١).
وقال البدر العيني ﵀: وكبار فرق الحرورية: ستة: الأزارقة (٢) والصفرية (٣)، والنجدات (٤)، والعجاردة (٥)، والإباضية (٦)، والثعالبة، والباقون فروعهم، وهم الذين خرجوا على علي ﵁، ويجمعهم القول بالتَّبرّي من عثمان، وعلي ﵄، ويُقَدّمُون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، وكان خروجهم على عهد علي ﵁ لما حَكَّمَ أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، وأنكروا على علي في ذلك، وقالوا: شككت في أمر الله، وحَكَّمْتَ عدوك، وطالت خصومتهم، ثم أصبحوا يوما وقد خرجوا وهم ثمانية آلاف، وأميرهم عبد الله بن الكواء، فبعث إليهم عليٌ عبد الله بن عباس، فناظرهم، فرجع منهم ألفان، وبقيت ستة آلاف، فخرج إليهم علي فقاتلهم، وكانوا يشددون في الدين، ومنه قضاء الصلاة على الحائض، قالوا: إذ لم يسقط في كتاب الله تعالى عنها على أصلها، وقد قلنا: إن حروراء: اسم قرية، وهي ممدودة، وقال بعضهم: بالقصر أيضا، حكاه أبو عبيد، وزعم
стр. 2905
أبو القاسم الفوراني أن حروراء هذه موضع بالشام، وفيه نظر, لأن عليا ﵁ إنما كان بالكوفة، وقتاله لهم إنما كان هناك، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام, لأن الشام لم يكن في طاعة علي ﵁، وعلى ذلك أطبق الؤرخون. انتهى كلام العيني (١).
وإنما قالت لها عائشة ﵂: "أحرورية أنت" لأن طائفة
من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع فظنتها منهم. أو لأن هذا السؤال فيه تنطع،
والتنطع من عادة الخوارج، أو أرادت زجرها بذلك، لما في صورة السؤال من رائحة الاعتراض، حيث قالت كما في الرواية السابقة: "ما بَالُ".
وقال الحافظ ﵀ عند الكلام على الحرورية ما حاصله: وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دَلَّ عليه القرآن، ورَدُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقا, ولهذا استفهمت عائشة معاذةَ استفهام إنكار، وزاد مسلم في رواية عاصم عن معاذة: "فقلت: لا, ولكني أسأل" أي سؤالا مجردا لطلب العلم، لا للتعنت، وفهمت عائشة عنها طلب الدليل، فاقتصرت في الجواب عليه دون تعليل.
والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام: أن الصلاة تتكرر فلم يجب قضاؤها للحرج، بخلاف الصيام، ولمن يقول بأن الحائض مخاطبة بالصيام أن يفرق بأنها لم تخاطب بالصلاة أصلا.
وقال ابن دقيق العيد: اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء لكونها لم تؤمر به يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها أخذت إسقاط القضاء من إسقاط الأداء، فيتمسك به
стр. 2906
حتى يُوجد المعارض، وهو الأمر بالقضاء، كما في الصوم.
ثانيهما: -قال: وهو أقرب- أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم لتكرار الحيض منهن عنده ﷺ ، وحيث لم يُبَيِّنْ دلَّ على عدم الوجوب، لا سيما، واقترن بذلك الأمر بقضاء الصوم، كما في رواية عاصم عن معاذة، عند مسلم. انتهى كلام الحافظ (١).
(قد كنا نحيض عند رسول الله ﷺ ) وفي رواية مسلم: "قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله ﷺ " وفي رواية له "قد كُنَّ نساءُ رسول الله ﷺ يحضن".
أي قد كنا معاشرَ أزواج النبي ﷺ نحيض عنده، وفي بيوته، مع اطلاعه ﷺ على حالنا زمن الحيض، وتركنا للصلاة (فـ) ـمع ذلك (لا نقضي) ما فاتنا منها (ولا نؤمر بقضائها) أي لا يأمرنا ﷺ بقضاء تلك الصلاة.
والاستدلال بقولها: "فلم نكن نقضي" أوضح من الاستدلال بقولها: "فلم نؤمر به" لأن عدم الأمر بالقضاء هنا قد ينازع في الاستدلال به على عدم الوجوب، لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على
وجوب القضاء. أفاده الحافظ.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا -١٧/ ٣٨٢ - بهذا السند، وفي الصوم -٦٤/ ٢٣١٨ - عن علي بن حُجر، عن علي ابن مُسهر، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ، عن قتادة عن مُعاذَة، عنها.
стр. 2907
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرج (خ م د ت ق)، فأخرجه (خ) في الحيض عن موسى بن إسماعيل، عن همام، عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة ﵂. وأخرجه (م) فيه عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد - وعن محمَّد بن المثنى، عن غُندر، عن شعبة -كلاهما عن يزيد الرِّشك، وعن أبي الربيع، عن حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، وعن عبد بن حُمَيد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول- ثلاثتهم عن معاذة، عنها.
وأخرجه (د) فيه عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب به، وعن الحسن بن عمرو، عن سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن معاذة به، ولم يذكر أبا قلابة. وأخرجه (ت) فيه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: سقوط الصلاة عن الحائض أداءً وقضاءً، وهو الذي أراده المصنف بالترجمة.
ومنها: سؤال أهل العلم لمن كان يجهل أمرا من أوامر الشرع.
ومنها: استفسار العالم السائلَ عن وجه سؤاله هل هو مسترشد أم معارض للحكم؟ فإن جواب المسترشد ليس كجواب المعارض.
ومنها: ذكر الدليل في محل الجواب, لأنه يكون كافيا عن طلب الدليل، إذ لو أجابت عائشة بالحكم ربما طالبتها السائلة بالدليل، فتحتاج إلى ذكره مرة أخرى.
стр. 2908
المسألة الخامسة: في أقوال أهل العلم في صلاة الحائض وصومها:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على إسقاط فرض الصلاة عن الحائض في أيام حيضها، وكذا الصوم، ثم أجمعوا على أن عليها الصوم بعد الطهر، ونَفَى الجميعُ عنها وجوبَ الصلاة، فثبت قضاء الصوم عليها بإجماعهم، وسقط عنها فرض الصلاة لاتفاقهم، انتهى بتغيير (١).
وحكى ابن عبد البر ﵀ عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة. وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به، فأنكرت عليه أم سلمة ﵂, لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب، كما قاله الزهري، وغيره، ومستند الإجماع هذا الحديث الصحيح.
وكان قوم من قدماء السلف يأمرون الحائض إذا دخل وقت الصلاة أن تتوضأ، وتستقبل القبلة تذكر الله تعالى كيلا تَتَعَوَّد البطالة وترك الصلاة، وقال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين، واستحبه بعضهم، وقال بعضهم: هو أمر تركه مكروه عند جماعة.
وقال النووي ﵀ في شرح المهذب: مذهبنا ومذهب جمهور العلماء من السلف والخلف أنه ليس على الحائض وضوء ولا تسبيح ولا ذكر في أوقات الصلوات، ولا في غيرها، وممن قال بهذا الأوزاعي، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، حكاه عنهم ابن جرير. وعن الحسن البصري قال: تتطهر وتُسبح، وعن أبي جعفر قال: كنا نأمر النساء الحُيَّض أن يتوضأن في وقت الصلاة، ويجلسن، ويذكرن الله ، ويسبحن، وهذا الذي قالاه محمول على
стр. 2909
الاستحباب عندهما، فأما استحباب التسبيح فلا بأس به، وإن كان لا أصل له على هذا الوجه المخصوص، وأما الوضوء فلا يصح عندنا، وعند الجمهور، بل تأثم إن قصدت العبادة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح في هذا مذهب الجمهور، وما عداه من الأقوال تنطع، وتشريع ما لم يأذن الله به، فلا ينبغي الالتفات إليه، فلو كان فيما قالوه خير لكان الله أمر به، ولسنَّه النبي ﷺ ، ولكان الصحابة وأزواج النبي ﷺ أسرع الناس إليه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ فالفلاح كل الفلاح في التمسك بما ثبت عمن أنزل الله عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. رزقنا الله التمسك بهديه، وجنبنا الابتداع في شرعه بما لم يأذن به الله تعالى، إنه ولي ذلك.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 2910
١٨ - بَابُ اسْتِخَدَامِ الحَائِضِ
٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ". فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أُصَلِّي. فَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِكِ". فَنَاوَلَتْهُ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيّ البصري ثقة ثبت تقدم ٦٤/ ٨٠.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (يزيد بن كيسان) اليشكري أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين -مصغرا- الكوفي صدوق يخطئ [٦] تقدم في ١٧٣/ ٢٧٠.
٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي ثقة [٣] مات على رأس المائة.
٥ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
والحديث مضى مشروحا برقم ١٧٣/ ٢٧٠ فارجع إليه تستفد. وبالله التوفيق.