وأُصْبحَ مضارع أصْبَحَ، وهي من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، ومعناها اتصاف المخبر عنه بالخبر في الصباح، ويحتمل أن تكون تامة (مُطَّليًا) اسم فاعل من "طلَى" ثلاثيا، من باب رَمَى، أو من اطَّلَى يَطَّلي، اطِّلاءً، من باب الافتعال، يقال: طَلَيْتُه بالنُّورة، أو غيرها: لَطَخْتُهُ بها، واطليت: افتعلت منه: إذا فعلته لنفسك، ولا يذكر معه المفعول، قال العلامة السندي ﵀: فيحتمل أن يكون "مَطْليًا" بفتح الميم وسكون الطاء، وتشديد الياء: اسم مفعول من طَلَيْتُهُ، أو بضم الميم، وتشديد الطاء، وتخفيف الياء، اسم فاعل من "اطَّلَيْتُ" والثاني هو المضبوط، وهو خبر "أصبح" إن كان ناقصا أو حال من ضميره إن كان تاما. انتهى (١).
(بقَطرَان) قال الفيومي ﵀: والقَطِرَان: ما يَتَحَلَّل من شَجَر الأبْهَل، ويُطْلَى به الإبلُ وغيرها، وقَطْرَنْتُها: إذا طليتها، وفيه لغتان فتح القاف، وكسر الطاء، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: آية ٥٠] والثانية: كسر القاف، وسكون الطاء. انتهى (٢).
وقال السندي: دُهْنٌ يُسْتَحْلَبُ من شجر يُطْلَى به الأجْرَبُ، والكلام كناية عن صيرورته أجرب. انتهى (٣). (أحَبُّ إليَّ من أن أصبح محرما أنضخ) بخاء معجمة، أي يَفُورُ مني رائحة الطيب، قال البدر العيني ﵀: ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: آية ٦٦] وهذا هو المشهور، وضبطه بعضهم بالحاء المهملة، قاله الإسماعيلي، وكذا ضبطه عامة من حدثنا، وهما متقاربان في المعنى، وقال ابن الأثير: وقد اختلف في أيهما أكثر، والأكثر:
стр. 3012
بالعجمة أقل من المهملة، وقيل: بالمعجمة: الأثرُ يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة: الفعلُ نَفْسُهُ، وقيل: بالمعجمة: ما فُعِلَ مُتَعَمَّدًا، وبالمهملة من غير تعمد، وذكر صاحب المطالع، عن ابن كيسان أنه بالمهملة لما رَقَّ، كالماء، وبالمعجمة لما ثَخُنَ، كالطيب، وقال النووي: هو بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل: عكسه، وقال ابن بطال: من رواه بالخاء -أي المعجمة- فالنضخ عند العرب كاللطخ يقال: نضخ ثوبه بالطيب، هذا قول الخليل، وفي كتاب الأفعال: نَضَخَتِ العينُ بالماء نَضخًا: إذا فَارَتْ، واحتج بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾، ومن رواه بالحاء -أي المهملة- فقال صاحب العين: نَضَحَت العينُ بالماء إذا رَأيْتَها تَفُورُ، وكذلك العين الناظرة إذا رأيتها مُغْرَوْرَقةً، وفي الصحاح: قال أبو زيد: النضخ بالإعجام: الرش، مثل النضح بالإهمال، وهما بمعنى. وقال الأصمعي: يقال: أصابه نَضْخ من كذا وهو أكثر من النضح بالمهملة، انتهى. عمدة القاري جـ ٣ ص ٢١٤.
(طيبًا) منصوب على التمييز، قال محمَّد بن المنتشر (فدخلت على عائشة) ﵂ (فأخبرتها بقوله) أي قول ابن عمر هذا، وللمصنف في الحج: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام، فقال:
لأنْ أطَّليَ بالقطران أحب إليَّ، فذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد كنت أطيب رسول الله ﷺ .. الحديث.
فدل على أنه سأل أوَّلا ابنَ عمر عن حكم الطيب للمحرم، ثم سأل عائشة (فقالت) رَدًّا عليه حيث خالف رأيه النص (طَيَّبْتُ رسولَ الله ﷺ فطاف على نسائه) كناية عن الجماع، وقال الإسماعيلي: يحتمل أن يُراد به الجماع، وأن يراد به تجديد العهد بهنّ.
قال الحافظ: والاحتمال الأول يرجحه حديث أنس: "كان النبي
стр. 3013
- ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة" قال قتادة: قلت لأنس: أوَ كانَ يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين، فقدلها: "فطاف" مثل قوله: "يدور". انتهى كلام الحافظ بتصرف.
(ثم أصبح محرما) وفي رواية للبخاري، وهي رواية للمصنف في الحج: زيادة "ينضخ طيبا" وبها يتم رد عائشة على ابن عمر ﵄.
قال الحافظ: وظاهره أن عين الطيب بقيت بعد الإحرام، قال الإسماعيلي: بحيث إنه صار كأنه يتساقط منه الشيء بعد الشيء. انتهى.
وكتَبَ السنديُّ ما نصه: "ثم أصبح محرمًا" أي بعد أن اغتسل بقرينة أنه طاف على النساء، وقد بقي أثر الطيب، كما يُعلم من رَدِّ عائشة قولَ ابن عمر بذلك، وقد جاء صريحا أيضا، فاستدل به المصنف
على أن بقاء أثر الطيب لا يمنع صحة الاغتسال، وهذا هو الظاهر من هذا الحديث، وقد جَوَّز بعضهم أنه تَطَيَّبَ ثانيا بعد الاغتسال، وما بقي من آثار الطيب بعد الإحرام كان أثرا للثاني إذ بقاء أثر الأول بعد الاغتسال على وجه الكمال، والسُّبوغ بعيد. انتهى (١).
وفي هذا الحديث استحباب الطيب عند الإحرام، وإن كان يَبْقى أثره بعد الإحرام، وإنما يحرم استعماله بعده ابتداء، وبه يقول جماعة من الصحابة والتابعين، وجماهير المحدثين، والفقهاء، فمن الصحابة: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة ﵃، وهو مذهب الثوري، والشافعي، وأبي يوسف، وأحمد بن حنبل، وداود، وغيرهم.
стр. 3014
وقال آخرون بمنعه، وحكي عن جماعة من الصحابة والتابعين، ومنهم ابن عمر، والزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن.
وادعى بعضهم أن هذا الطيب كان للنساء لا للإحرام، وادعى أن في هذه الرواية تقديما وتأخيرا التقدير: "فيطوف على نسائه ينضخ طيبا، ثم يصبح محرما" وجاء ذلك في بعض الروايات. والطيب يزول بالغسل، لا سيما أنه ورد أنه كان يغتسل عند كل واحدة منهن (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ادعى هذا البعض غير صحيح، يرده قول عائشة ﵂: "طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" ويأتي للمصنف برقم ٢٦٨٥ من كتاب الحج، وقولها: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم ادَّهَنَ بأطيب ما يجده حتى أرى وَبيصه في رأسه ولحيته" ويأتي برقم ٢٧٠٠.
فقد صرحت أن تطيُّبَهُ للإحرام، لا للنساء. فتفطن. والله أعلم.
وسيأتي تمام البحث في المسألة في كتاب الحج إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه:
أخرجه المصنف هنا ١٣/ ٤١٧ بهذا السند، وفي الحج ٢٧٠٤، عن حميد بن مسعدة، عن بشر بن المفضل، عن شعبة، عن إبراهيم، به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م).
стр. 3015
فأخرجه (خ) في الطهارة عن محمَّد بن بشار، عن ابن أبي عديّ، ويحيى بن سعيد كلاهما عن شعبة، وعن أبي النعمان، عن أبي عوانة.
وأخرجه (م) في الحج عن سعيد بن منصور، وأبي كامل الجَحْدَريّ، كلاهما، عن أبي عوانة، وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، وعن أبي كريب، عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، أربعتهم عن إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة ﵂.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ذكره المصنف من أن ابقاء أثر الطيب بعد الغسل لا يضر.
ومنها: جواز التطيب عند الإحرام بما يبقى أثره بعده، وتقدم الخلاف فيه، وسيأتي في الحج إن شاء الله تعالى أيضا.
ومنها: رد الصحابة بعضهم على بعض إذا خالف الاجتهاد النص.
ومنها: مشروعية خدمة الزوجة لزوجها.
ومنها: استحباب مجامعة الرجل زوجته عند إرادة الإحرام.
ومنها: جواز الطواف على نسائه، إذا أذنت صاحبة النوبة. والله أعلم.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 3016
١٤ - بَابُ إزَالَةِ الجُنُبِ الأذَى عَنْهُ قَبْلَ إفَاضَةِ المَاء عَلَيْهِ
٤١٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا. قَالَتْ: هَذِهِ غِسْلَةٌ لِلْجَنَابَةِ.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (محمَّد بن علي) بن ميمون الرَّقّي أبو العباس العطار، ثقة -١١ - .
روى عن أبيه، والحسن بن بشر البجلي، وسعيد بن منصور، وأبي داود الطيالسي، ومحمد بن يوسف الفرْيابي، وغيرهم.
وعنه النسائي، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم وغيرهم.
وثقه النسائي، وقال مسعود بن ناصر: سألت الحاكم عنه؟ فقال: إمام أهل الجزيرة في عصره، ثقة مأمون، وقال علي بن محمَّد بن أحمد ابن مالك الرَّقي: ثنا محمَّد بن علي بن ميمون العطار الشيخ الجليل.
стр. 3017
قال أبو علي الحراني: ولد سنة ١٩٣، ومات سنة ٢٦٨، أخرج له المصنِّف فقط.
٢ - (محمَّد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم أبو عبد الله الفريابي (١) نزيل قَيْسَارية (٢) من ساحل الشام، ثقة، فاضل [٩] أدرك الأعمش، وروى عن فطر بن خليفة، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة،
والأوزاعي، وجرير ابن حازم، ونافع مولى ابن عمر، والثوري، وغيرهم.
وعنه البخاري، وروى عنه هو، والباقون بواسطة أحمد بن حنبل، وإسحاق الكَوْسَج، ومحمد بن يحيى، وعيسى بن محمَّد، وغيرهم.
قال حرب عن أحمد: الفريابي سمع من سفيان بالكوفة، وصحبه، وكتبت عنه أنا بمكة، وقال الفضل بن زياد عن أحمد: كان رجلا صالحا وقال أبو عمير بن النحاس: سألت ابن معين قلت: أيهما أحب إليك، كتابُ الفريابي، أو كتابُ قبيصة؟ قال: كتاب الفريابي، وقال ابن أبي خيثمة: سُئلَ ابنُ معين عن أصحاب الثوري أيهم أثبت؟ فقال: هم خمسة: القطان، ووكيع، وابن المبارك، وابن مهدي، وأبو نعيم،
وأما الفريابي، وأبو حذيفة، وقبيصة، وعبيد الله بن موسى، وأبو أحمد الزبيري، وعبد الرزاق، وأبو عاصم، والطبقة فهم كلهم في سفيان بعضهم قريب من بعض، وهم ثقات كلهم دون أولئك في الضبط والمعرفة، وقال الدوري، وعثمان الدارمي، عن ابن معين: نحو ذلك
стр. 3018
في الفريابي. وقال العجلي: الفريابي ثقة، وهو، ويحيى بن آدم، والزبيري، وقبيصة، ومعاوية ثقات، ووكيع وأبو نعيم، والأشجعي، والقطان، وابن مهدي، أثبت الناس في حديث سفيان منهم. وقال أبو بشر الدولابي عن البخاري: ثنا محمَّد بن يوسف، وكان من أفضل أهل زمانه، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن الفريابي، ويحيى بن يمان؟ فقال: الفريابي أحبُّ إليّ، وقال السلمي: سألت الدارقطني: إذا اجتمع قبيصة والفريابي مَنْ تُقَدِّمُ منهما؟ قال: الفريابي نفضله ونشكره. وقال محمَّد بن سهل بن عسكر: خرجنا مع محمَّد الفريابي للاستسقاء، فرفع يديه، فما أرسلهما حتى مُطرنا، وقال البخاري: رأيت قوما دخلوا على الفريابي، فقيل له: يا أبا عبد الله إن هؤلاء مرجئة، فقال: أخرجوهم، فتابوا، ورجعوا، قال العجلي: كانت سنة كوفية، قال: وقال بعض البغداديين: أخطأ محمَّد بن يوسف في ١٥٠ حديثا من حديث سفيان، وقال ابن عدي: له إفرادات
عن الثوري، وله حديث كثير عن الثوري، وقد يقدم الفريابي في الثوري على جماعة مثل عبد الرزاق، ونظرائه، قالوا: الفريابي أعلم بالثوري منهم، ورحل إليه أحمد قاصدا، فلما قرب من قيسارية نُعيَ
إليه، فعدل إلى حمص. والفريابي فيما يتبين صدوق لا بأس به، وأنكر عليه ابن معين حديثه عن ابن عيينة، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: "الشَّعْرُ في الأنف أمان من الجُذام" وقال: هذا باطل.
روى عنه البخاري ٢٦ حديثا، قال الفريابي: ولدتُ سنة ١٢٠، ومات في ربيع الأول سنة ٢١٢، أخرج له الجماعة.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي ثقة ثبت [٥] تقدم ١٧/ ١٨.
стр. 3019
٥ - (سالم) بن أبي الجَعْد رافع الغطفاني الكوفي ثقة يرسل [٣] تقدم ٦١/ ٧٧.
٦ - (كُرَيب) بن أبيْ مسلم الهاشمي مولاهم المدني أبو رشْدين ثقة [٣] تقدم ١٦١/ ٢٥٣.
٧ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١.
٨ - (ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين خالة ابن عباس ﵄ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦.
والحديث تقدم برقم ١٦١/ ٢٥٣ مشروحًا.
وقوله: "هذه غِسْلَةٌ للجنابة" هكذا النسخة المصرية، والغِسْلَة، فِعْلَة بالكسر للهيئة، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وَفَعْلَةٌ لمرَّة كَجَلْسَهْ … وفِعْلَةٌ لهَيْئَة كَجِلْسَهْ
أي هذه الصفة المذكورة في هذا الحديث هي صفة اغتساله ﷺ من الجنابة، وفي النسخة الهندية: "هذه غُسْلُهُ من الجنابة" وكَتَبَ في الهامش برمز نسخة: "هذا غَسْلَةُ الجَنَابَة"، والمعنى واحد. والله أعلم.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 3020
١٥ - بَابُ مَسْحِ اليَدِ بِالأرْضِ بَعْدَ غَسْلِ الفَرْجِ
٤١٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَمْسَحُهَا، ثُمَّ يَغْسِلُهَا، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ يَتَنَحَّى فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ.
رجال الإسناد: سبعة
كلهم تقدموا في السند الماضي غير اثنين:
١ - (محمَّد بن العلاء) أبو كُريب الهَمْداني الكوفي ثقة ثبت [١٠] تقدم ٩٥/ ١١٧.
٢ - (أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضرير الكوفي ثقة [٩] تقدم في ٢٦/ ٣٠.
والحديث أيضا تقدم مشروحا برقم ١٦١/ ٢٥٣. فراجعه تستفد. والله أعلم.
стр. 3021
١٦ - بَابُ الإبْتِدَاءِ بِالوُضُوءِ فِي غُسْلِ الجَنَابَةِ
٤٢٠ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعْرَهُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) المروزي راوية ابن المبارك ثقة [١٠] تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك أبو عبد الرحمن الإمام الحجة [٨] تقدم ٣٢/ ٣٦.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني ثقة فقيه [٥] تقدم ٤٩/ ٦١.
٤ - (أبوه) عروة بن الزبير الفقيه المدني الثقة المثبت [٣] تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت ٥/ ٥.
والحديث مضى مُستوفى الشرح ١٥٦/ ٢٤٧.
وقولها: "ثم يخلل" الخ، بيان وتفصيل لما أجمل في قولها: "ثم اغتسل". والله أعلم.
стр. 3022
١٧ - بَابُ التَّيَمُّنِ فِي الطُّهُورِ
٤٢١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ.
وَقَالَ بِوَاسِطٍ: فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
رجال الإسناد: ستة
أما سويد بن نصر، وعبد الله بن المبارك فقد تقدما في السند الماضي.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أشعث بن أبي الشَّعثاء) سُليمِ بنِ الأسود المُحَاربي الكوفي ثقة [٦] تقدم في ٩٠/ ١١٢.
٥ - (أبوه) أبو الشَّعثاء سُليمُ بنُ الأسود بن حنظلة المُحاربي الكوفي ثقة من كبار [٣] تقدم في ٩٠/ ١١٢.
٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] تقدم في ٩٠/ ١١٢.
٧ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
стр. 3023
والحديث مضى مشروحا برقم ٩٠/ ١١٢ فارجع إليه تستفد علمًا.
وقوله: "وقال بواسط: في شأنه كله"، فاعل "قال" هو "الأشعث"، وفي الرواية السابقة برقم ٩٠/ ١١٢، قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسط يقول: "يحب التيامن، فذكر شأنه كُلَّه، ثم سمعته بالكوفة يقول: يحب التيامن ما استطاع".
وواسط: اسم بلد بالعراق، سمي به لأنه تَوَسَّطَ الإقليم، قاله في المصباح.
يعني أن الأشعث بن أبي الشعثاء حَدَّث بهذا الحديث عدَّة مرات، فسمعه شعبة مرة يقول: "كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره، وتنعله، وترجله" ومرة سمعه بواسط يزيد: "في شأنه كله"، ومرة
سمعه يقول: "يحب التيامن ما استطاع".
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
رجال هذا الإسناد: تسعة
١ - (عمْران بن يزيد بن خالد) هو عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم بن أبي جميل القرشي، ويقال: الطائي مولاهم، أبو عمر، ويقال: أبو عمرو الدمشقي، ويقال: إنه مولى أم حبيبة بنت أبي سفيان، ويقال: مولى مالك بن عوف النَّصْري، أخو هاشم بن خالد، وقد ينسب إلى جده -كما هنا- ويقال: عمران بن يزيد بن خالد. صدوق -١٠ - .
روى عن معروف الخياط، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن أبي الرجال، وشعيب بن إسحاق، ومخلد بن حسين، وغيرهم.
وعنه النسائي، والعمري، وابن قتيبة، وحرب الكرماني، والحسن ابن سفيان، والباغندي، وغيرهم.
قال أبو زرعة: كلتبت عنه حديثا واحدا، عن رُدَيْح بن عطية، وقال أبو حاتم: كتبت عنه في الرحلة الثانية، وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات
سنة ٢٤٤، أخرج له المصنف فقط (١).
٢ - (إسماعيل بن عبد الله بن سَمَاعَه) العدوي مولى آل عمر الرملي وقد ينسب إلى جده، ثقة قديم الموت من [٨] تقدم في ١٣٤/ ٢٠١.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الإمام الحجة [٧] تقدم في ٥٤/ ٥٦.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل [٥] تقدم في ٢٣/ ٢٤.
стр. 3026
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته، وهو المشهور ثقة مكثر [٣] تقدم في ١/ ١.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت ٥/ ٥.
٧ - (عمرو بن سعد) الفَدَكيُّ، ويقال: اليمامي، مولى غفار، ويقال: مولى عثمان، ثقة -٦ - .
روى عن محمَّد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن شعيب، ونافع مولى ابن عمر، وزياد النميري، ويزيد الرقاشي.
وعنه يحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عمار، والأوزاعي، وعمر ابن راشد، وعبد الله بن غَزْوان.
قال أبو زرعة الرازي: دمشقي ثقة يروي عن (١) الأوزاعي، ويحيى ابن أبي كثير، ذكره ابن حبان في الثقات، أخرج له أبو داود، والمصنف وابن ماجه.
٨ - (نافع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] تقدم في ١٢/ ١٢.
٩ - (ابن عمر) عبد الله ﵄ تقدم في ١٢/ ١٢.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ وقوله (وعن عمرو بن سَعْد الفدكي) عطف على يحيى بن أبي كثير، فالأوزاعي، يروي هذا الحديث بطريقين: طريق عائشة، عن شيخه يحيى، عن أبي سلمة،
стр. 3027
عنها، وطريق ابن عمر عن شيخه عمرو بن سعد، عن نافع (عن نافع) المدني مولى ابن عمر ﵄ (عن ابن عمر أن عمر) بن الخطاب ﵁ (سألَ رسولَ الله ﷺ عن) كيفية (الغسل من الجنابة) قال المصنف (واتَّسقت الأحاديث) أي انتظمت الروايتان، فالجمع لما فوق الواحد، يعني أن حديث عائشة، وحديث ابن عمر اتفقا (على هذا) أي على معنى هذا اللفظ الآتي، وإلا فالظاهر من السياق أن المذكور هو متن حديث عائشة ﵂, لقوله في آخره: فهكذا كان غسل رسول الله ﷺ ، اللهم إلا أن يقال: هكذا كان غسله الثابت عنه قولا، وفعلا، والله أعلم.
(يبدأ) بيان لكيفية غسله (فَيُفْرِغُ) من الافراغ أي يَصُبُّ (على يده اليمنى) والمراد كله، وذلك للتنظيف (مرتين أو ثلاثا، ثم يدخل يده اليمنى) أي كفه (في الإناء) ليَغْترف منه (فيصب بها) أي بيده (على فرجه، ويدُهُ اليسرى على فرجه) جملة من مبتدأ وخبر في محل النصب على الحال، أي والحال أن يده اليسرى موضوعة على فرجه، ليغسله بها (فيغسل ما هنالك) أي الأذى الذي في الفرج (حتى يُنَقيَه) من الإنقاء،
أو من التنقية، وهو التنظيف (ثم يضع يده اليسرى على التراب) مبالغة في نظافة يده (إن شاء) أي إن احتاج إلى ذلك، وقال السندي: فيه إشارة إلى أنه يفعله أحيانا، ويتركه أحيانا، وكان حسب ما يقتضيه
الوقت، أو لبيان الجواز، اهـ شرحه جـ ١ ص ٢٠٦.
(ثم يصب) الماء (على يده اليسرى) فيغسلها (حتى ينقيها، ثم) بعدَ أن يُزيل ما على فرجه من الأذى (يغسل يديه) أي كفيه (ثلاثا، ويستنشق) أي يجعل الماء في أنفه، ثم يَجْذبُهُ بريحه (ويمضمض) أي يجعل الماء في فمه فيحركه (ويغسل وجهه وذراعيه) تثنية ذراع، قال في المصباح: الذراع: اليد من كل حيوان، لكنها من الإنسان من المرفق إلى
стр. 3028
أطراف الأصابع، وهو مؤنث، ويُذَّكرُ بقلة (١).
والظاهر أن المراد بغسل الذراع غسل كل اليد، فيغسل الكفين أيضا (ثلاثا ثلاثا) أي غَسَلَ كلَّ واحد من وجهه وذراعيه ثلاث مرات، وفيه استحباب التثليث في وضوء الغسل (حتى إذا بلغ رأسه) أي مَسْحَ رأسه (لم يمسح، و) لكن (أفرغ عليه) أي صب على رأسه (الماء) وهذا محل الترجمة، ففيه بيان أنه لا يشرع مسح الرأس في الوضوء للغسل، اكتفاء بصب الماء عليه، ولكن سبق أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة، فإما أن يقال: ذاك عموم يُخَصُّ بهذا، أو يقال: لعله تارة يفعل هذا، وتارة ذلك لبيان الجواز، وفيه أن المسح يحصل في ضمن الغسل، وأن الضمني كاف في سقوط التكليف، وعلى هذا لو فرض أن الواجب مسح الرجلين، كما تقول الرافضة، فهو يتأدى بغسلهما دون العكس، فالغسل أحوط والله أعلم، قاله السندي ﵀ جـ ١ ص ٢٠٦.
قال الجامع عفا الله عنه: الأولى حمله على اختلاف الأوقات، فتارة عمل بهذا، وتارة بهذا، لبيان الجواز. ويؤيد هذا العمل ما في الرواية الأخرى في حديث ميمونة ﵂ "يتوضأ وضوءه للصلاة غير رجليه" الحديث، فإن ظاهره أنه ما ترك مسح الرأس وإلا لاستثنته كما استثنت غسل الرجلين، فدل على أنه كان يمسح الرأس في بعض الأوقات. والله أعلم.
(فهكذا كان غسل رسول الله ﷺ ، فيما ذكر) بالبناء للمفعول، أي فيما ذكر الصحابة الذين شهدوا غسله كعائشة، وغيرها.
والظاهر أن قوله: "فهكذا" الخ من قول بعض الرواة غير عائشة، وليس من كلامها, لقوله: "فيما ذكر".
стр. 3029
تنبيه: هذا الحديث من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ أبو الحباج المزي في تحفته جـ ٦ ص ١٩١، جـ ١٢ ص ٣٧٣.
وهو حديث صحيح الإسناد كما قال الشيخ الألباني جـ ١ ص ٩٠ من صحيح النسائي.
وبقية مباحث الحديث تقدمت في أبواب الغسل من كتاب الطهارة، فارجع إليها، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 3030
١٩ - بَابُ اسْتِبْرَاء البَشْرَةِ فِي الغُسْلِ منَ الجَنَابَةِ
٤٢٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلُ رَأْسَهُ بِأَصَابِعِهِ، حَتَّى إِذَا خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأَ الْبَشَرَةَ غَرَفَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (علي بن مسهر) القرشي الكوفي قاضي الموصل ثقة له غرائب بعد ما أضر [٨] تقدم ٥٢/ ٦٦.
وأما هشام وأبوه، وعائشة فتقدموا قبل حديثين.
وتقدم شرح الحديث وما يتعلق به مستوفًى في ١٥٢/ ٢٤٣، والأبواب التي بعده، فراجعها تزدد علما.
وقولها: "حتى إذا خُيِّلَ إليه" بالبناء للمفعول بمعنى قولها فيما تقدم
стр. 3031
١٦/ ٤٢٠، "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته" ومعنى: استبرأ البشرة: أي تيقن وصول الماء إلى البشرة، يقال: استبرأت الشيء طلبت آخره لقطع الشبهة قاله الزمخشري، اهـ المصباح.
والبَشَرَةُ: ظاهر الجلد، والجمع البَشَر، مثل قَصَبَة، وقَصَب، قاله في المصباح أيضًا.
٤٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (الضحاك بن مَخْلَد) بن مسلم بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، قيل: إنه مولى بني شيبان، وقيل: من أنْفسهم، ثقة ثبت -٩ - .
روى عن يزيد بن أبي عُبيد، وأيمن بن نابل، وشبيب بن بشر، وحنظلة بن أبي سفيان، وغيرهم.
стр. 3032
وعنه جرير بن حازم، وهو من شيوخه، والأصمعي، والخُرَيبي، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وآخرون.
وثقه ابن معين، والعجلي، وقال: كثير الحديث، وكان له فقه، وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليَّ من رَوْح بن عُبَادة، وقال محمَّد بن عيسى الزَّجَّاج: قال لي أبو عاصم: كل شيء حدثتك حدثوني به وما دلست قط، وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها، وقال عُمر بن شَبَّة: والله ما رأيت مثله، وقال ابن خراش: لم يُرَ في يده كتاب قط، وقال الآجري عن أبي داود: كان يحفظ قدر ألف حديث من جيد حديثه، وكان فيه مزاح. وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عقلت أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدا قط، وقال الخليلي: متفق عليه زُهْدًا وعلمًا وديانةً وإتقانًا، قيل: إنه لُقِّبَ النَّبيلَ لأن الفيل قدم البصرة، فخرج الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: مالك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضًا، فقال له: أنت النبيل، وقيل: لأنه كان يلبس جيد الثياب، وقيل: لأن شعبة حلف أن لا يحدث أصحاب الحديث شهرًا، فبلغ أبا عاصم، فقال له: حدث وغلامي حرّ، وقيل لأنه كان كبير الأنف.
روى إسماعيل بن أحمد والي خراسان، عن أبيه، عن أبي عاصم، أنه تزوج امرأة، فلما أراد أن يُقَبِّلَهَا قالت له: نَحِّ ركبتك عن وجهي، فقال: ليس هذا ركبة، هذا أنف.
وقال ابن قانع: ثقة مأمون، ورَوَى الدارقطني في غرائب مالك من طريق علي بن نصر الجَهْضَمي، قال: قالوا لأبي عاصم: إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال: هاتوا من سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه إنما كان قدم علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه، وسألوه أن يأمر مالكا أن يحدثهم،
стр. 3033
فأمره، فسمعته في ذلك الوقت، قال علي بن نصر: وكان ذلك في حياة ابن جريج, لأن أبا عاصم خرج من مكة إلى البصرة في حياة ابن جريج، ثم لم يعد إلى مكة حتى مات، وهذا يدل على أن أبا عاصم مكي تحول إلى البصرة.
قال عمرو بن علي، وغيره، عن أبي عاصم: وُلدتُ سنة ١٢٢، قيل: مات سنة ٢١١، وقيل: ٢١٢، وقيل: ٢١٣، وقيل: ٢١٤، والصحيح ٢١٢، أخرج له الجماعة.
٣ - (حنظلة بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان الجُمَحيُّ المكي ثقة حجة من [٦] تقدم في ١٢/ ١٢.
٤ - (القاسم) بن محمَّد المدني ثقة فقيه [٣] تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) ﵂ تقدمت ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أنهم ما بين بصريين، وهما ابن المثنى، والضحاك، ومكي وهو حنظلة، والضحاك أيضا مكي -كما مرّ آنفًا- ومدنيين وهما القاسم، وعائشة.
ومنها: رواية الراوي، عن عمته.
ومنها: أن فيه القاسم أحد الفقهاء السبعة، المجموعين في قول بعضهم:
стр. 3034
إذَا قيلَ مَنْ في العلْمِ سَبْعَةُ أبْحُر … مَقَالتُهُمْ لَيْسَتْ عَن الحَقِّ خَارجَهْ
فَقُلْ: هُمْ عُبيدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسمٌ … سَعيدٌ أبُو بَكْرٍ سُليْمَانُ خَارِجَهْ
ومنها: أن فيه عائشة من المكثرين السبعة، المجموعين في قول الجلال السيوطي في ألفية الأثر:
والمكثرونَ في روَايَة الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَليهِ ابنُ عُمَرْ
وأنَسٌ والبَحْرُ كالخُدْريِّ … وجَابرٌ وَزَوْجةُ النَّبيِّ
ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول الستة المجموعين في قولي:
اشْتَرَكَ الأئمَّةُ الوُعَاةُ … ذَوُو الأُصُول السِّتةُ الحُمَاةُ
في تسْعَةٍ منَ الشُّيُوخ المَهَرَهْ … النَّاقدينَ الحَافظينَ البَرَرَهْ
أولئكَ الأشَجُّ وابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ المُثَنَّى وَابنُ بَشَّاركَذَا … ابنُ العَلاءِ وزيَادٌ يُحْتَذَى
وهذا كله تقدم غير مرة، وإنما أعدته تذكيرًا، لطول العهد به.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل) أي أراد أن يغتسل، كما بينته رواية الإسماعيلي من طريق بُندار، عن أبي عاصم بلفظ: "كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة .. " (دعا بشيء) أي طلب شيئا، فالباء زائدة (نحو الحلاب) بكسر الحاء المهملة، وتخفيف اللام، وموحدة،: إناءٌ يسع قدر حَلَب الناقة، أو هو إناء يُحلَب فيه، كالمحْلَب، أي طلب إناء قريبًا من الإناء الذي يسمى الحلاب، وقد وصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر في شبر، أخرجه
стр. 3035
أبو عوانة في صحيحه عنه، وفي رواية لابن حبان: "وأشار أبو عاصم بكفيه" فكأنه حَلَّقَ بشبريه يصف به دَوْره الأعلى. وفي رواية للبيهقي "كَقْدر كُوز يسع ثمانية أرطال (فأخذ) الماء (بكفه، بدأ) هكذا في رواية المصنف "بدأ" بدون فاء، وفي رواية البخاري "فبدأ" (بشق رأسه الأيمن) أي نصف، أو جانب رأسه الأيمن. والشق: بالكسر النصف، والجانب، كما في المصباح. يعني أنه غسل نصف رأسه الأيمن أوّلا (ثم) ثَنَّى بغسل نصفه (الأيسر) وفيه استحباب تقديم الأيمن في غسل الرأس (ثم أخذ) الماء (بكفيه) بالتثنية، وأشار به -كما قال الحافظ- إلى الغَرْفَة الثالثة، كما صرحت به رواية أبي عوانة (فقال بهما) أي قَلَب بكفيه أي صب ما فيهما (على رأسه) وللبخاري على وسط رأسه، وإطلاق القول على الفعل شائع في كلامهم.
قال العلامة ابن منظور ﵀: قال ابن الأثير ﵀: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام، واللسان فتقول: قال بيده: أي أخذ، وقال برجله: أي مَشَى قال الشاعر
(من الطويل):
وَقَالَتْ لَهُ العَيْنَان سَمْعًا وَطاعَةً … وَحَدَّرَتَا كَالدُّرِّ لمَّا يُثَقَّبِ
أي أومأت، "وقال بالماء على يده" أي قَلَبَهُ، وقال بثوبه: أي رفعه، وكل ذلك على المجاز والاتساع، كما رُوي في حديث السهو، قال: "ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: "صدق" رُوي أنهم أومئُوا برؤسهم
أي نعم، ولم يتكلموا، قال: ويقال: قال بمعنى أقبل، وبمعنى مالَ واستَرَاحَ، وضرب، وغلَب، وغير ذلك. انتهى لسان جـ ٥ ص ٣٧٨٠.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد نظمْتُ من معاني "قال"، ما ذكره في القاموس فقلتُ:
стр. 3036
تَجِيءُ قَالَ لمَعَان تُجْتَلى … تَكَلَّمَ اسْتَراحَ مَاتَ أقْبَلا
وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا … وللتَّهيُّوء لِفعْل يُجْتَبَى
فَجُملةُ المعَانِ قُلْ ثَمَانيَهْ … فَاحْفَظْ فَإنَّهَا مَعَان غَاليَهْ
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان موضعه من الكتاب: أخرجه المصنف هنا -١٩/ ٤٢٤ - بالسند المذكور، فقط.
المسأله الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م د) أخرجوه كلهم في الطهارة عن طريق المصنف.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: العناية بغسل الرأس، حيث شُرعَ فيه التثليث، مبالغة في التنقية، وهو الذي أراده المصنف بإيراد الحديث تحت ترجمة "باب استبراء البشرة .. الخ".
ومنها: أنه يستحب إعداد الإناء الذي فيه الماء ليغتسل منه.
ومنها: استحباب التثليث في غسل الرأس.
ومنها: استحباب البداءة بالشق الأيمن، ثم الأيسر، ثم الصبّ على وسط رأسه.
ومنها: مداومة النبي ﷺ علي هذه الكيفية، لقولها: "كان".
ومنها: استحباب البداءة بالميامن في التطهر، وبذلك ترجم عليه ابن خزيمة، والبيهقي.
ومنها: الاجتزاء بالغسل بثلاث غرفات، وترجم عليه ابن حبان (١).
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 3037
٢٠ - بَابُ مَا يَكْفِي الجُنُبَ مِنْ إفَاضَةِ المَاءِ عَلَيْهِ
٤٢٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ (ح) وَأَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْغُسْلُ، فَقَالَ: "أَمَّا أَنَا فَأُفْرِغُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا". لَفْظُ سُوَيْدٍ.
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليَشكُري، أبو قدامة السَّرخْسيُّ نزيل نيسابور ثقة مأمون سنين [١٠] تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ثقة ثبت [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي البصري ثقة حجة [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (سويد بن نصر) المروزي راوية عبد الله بن المبارك [١٠] ثقة تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٥ - (عبد الله) بن المبارك أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي ثقة ثبت [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
стр. 3038
٦ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي ثقة عابد مكثر اختلط بآخره [٣] تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٧ - (سليمان بن صُرَد) بضم المهملة وفتح الراء - بن الجَوْن الخُزاعي، أبو مطرف الكوفي، صحابي قتل بعين الوَرْدَة سنة ٦٥، وتقدم في ١٥٨/ ٢٥٠.
٨ - (جُبير بن مُطْعم) بن عدي بن نَوْفَل بن عبد مناف القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب مات سنة ٨ أو ٥٩، وتقدم في ١٥٨/ ٢٥٠.
والحديث تقدم مشروحًا برقم ١٥٨/ ٢٥٠، فارجع إليه تستفد.
وقوله: "لفظ سويد" خبر لمحذوف أي هذا اللفظ لفظ سويد بن نصر، وأما عبيد الله بن سعيد فرواه بالمعنى، وقد تقدم في ١٥٨/ ٢٥٠ للمصنف من رواية قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق بلفظ:
"تَمَارَوْا في الغسل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعض القوم: إنِّي لأغسل كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا، فأفيضُ على رأسي ثلاث أكُفّ".
وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
٤٢٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُخَوَّلٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا.
стр. 3039
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمَّد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة [١٠] تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري ثقة ثبت [٨] تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام [٧] تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (مُخَوَّل) بوزن محمَّد، وقيل: مِخْوَل بكسر، فسكون، ففتح واو، ابن راشد أبو راشد بن أبي المجالد الكوفي الحَنَّاط، ثقة، نسب إلى التشيع -٦ - .
روى عن أبي جعفر محمَّد بن علي بن الحسين، ومسلم البَطينُ، وأبي سعد المدني.
وعنه شعبة، والثوري، وجعفر الأحمر، وشريك، وأبو عوانة.
قال الميمونى عن أحمد: ما علمت إلا خيرا، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال العجلي: ثقة من غُلاة الكوفيين، وليس بكثير الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات،
وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي جعفر، وكان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال الدارقطني: مُخَوَّل بن راشد، ومجاهد بن راشد ثقتان، وقال الآجري، عن أبي داود: شيعي، وقال ابن شاهين في الثقات: قال
محمَّد بن عمار: كوفي ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وليس له في البخاري غير حديث واحد توبع عليه عنده، أخرج له الجماعة.
стр. 3040
٥ - (أبو جعفر) محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الباقر المدني الفاضل ثقة من [٤] تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَميّ الصحابي ﵁ تقدم ٣١/ ٣٥.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر ﵁ أخرجه أيضا البخاري، ومعناه واضح مما تقدم. والله أعلم.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
وعنه الجماعة، سوى مسلم، وابن خزيمة، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة، قال الزعفراني: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي، قال لي: من أيّ العرب أنت؟ فقلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها الزعفرانية، قال: أنت سيد هذه القرية. وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال: كان راويًا للشافعي، وكان يحضر أحمد، وأبو ثور عند الشافعي، وهو الذي يتولى القراءة عليه، وقال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو ثقة، وسُئل أبي، فقال: صدوق، وقال أبو عمر الصَّدَفيّ: سألت العُقَيليَّ عنه، فقال: ثقة من الثقات مشهور، لم يتكلم فيه أحد بشيء. قال: وسألت عنه أبا علي صالح بن عبد الله الطرابلسي، فقال: ثقة ثقة. وقال ابن عبد البر: يقال: إنه لم
يكن في وقته أفصح منه، ولا أبصر باللغة، ولذلك اختاروه لقراءة كتب الشافعي، وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق، فتركه، وتفقه للشافعي، وكان نبيلا ثقة مأمونا. مات يوم الاثنين في ربيع الآخر سنة ٢٥٩، وقيل: في رمضان سنة ٢٦٠، أخرج له البخاري، والأربعة.
٢ - (عفان) بن مسلم بن عبد الله الصَّفَّار أبو عثمان البصري مولى عَزْرَةَ بن ثابت الأنصاري، سكن بغداد، ثقة ثبت، من كبار -١٠ - .
روى عن داود بن أبي الفُرَات، وشعبة، ووُهَيب، وهَمَّام بن يحيى، وغيرهم.
وعنه البخاري، وروى هو، والباقون عنه بواسطة إسحاق بن منصور، وأبي قُدَامة السَّرَخْسيّ، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، وحجاج بن الشاعر، وأبو خيثمة، وغيرهم.
قال العجلي: عفان بصري ثقة ثبت صاحب سنة، وكان على مسائل معاذ بن معاذ، فجعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف على
стр. 3043
تعديل رجل، فلا يقول: عدل ولا غير عدل، فأبي، وقال: لا أبطل حقا من الحقوق. وقال حنبل بن إسحاق: وأمر المأمون إسحاق بن إبراهيم الطاهري أن يدعو عفّان إلى القول بخلق القرآن، فإن لم يجب فاقطع عنه رزقه، وهو خمسمائة درهم في الشهر (١)، فاستدعاه، فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: آية ١]، حتى ختمها، فقال: مخلوق هذا؟ قال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إن لم يجب اقطع رزقه،
فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: آية ٢٢]، وخرج ولم يجب. وقال الحسين بن حيان: سألت أبا زكرياء: إذا اختلف أبو الوليد، وعفان في حديث حماد بن سلمة، فالقول قول من؟ قال: عفان، قلت: وفي حديث شعبة؟ قال: القول قول عفان، قلت: وفي كل شيء؟ قال: نعم عفان أثبت وأكيس، وأبو الوليد ثبت ثقة، قلت: فأبو نعيم؟ قال: عفان أثبت. وقال المُفَضَّل الغَلابي: ذكر له -يعني لابن معين- عفان، وثبته، فقال: قد أخذت عليه الخطأ في غير حديث، وقال عمر بن أحمد الجوهري، عن جعفر بن محمَّد الصائغ: اجتمع علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وعفان، فقال عفان: ثلاثة يضعفون في ثلاثة: علي بن المديني في حماد بن زيد، وأحمد بن حنبل في إبراهيم بن سعد، وأبو بكر بن أبي شيبة في شريك، قال علي: ورابعهم معهم، قال عفان: ومن ذاك؟ قال: عفان في شعبة. قال عمر بن أحمد: وكل هؤلاء أقوياء ليس فيهم ضعيف، ولكن قال هذا على وجه المزاح. وقال إسحاق بن الحسن عن أحمد بن حنبل: ما رأيت الألفاظ في كتاب أحد من أصحاب
стр. 3044
شعبة أكثر منها عند عفان، يعني: أنبأنا، وأخبرنا، وسمعت، وحدثنا، يعني شعبة. وقال حنبل عن أحمد: عفان، وحَبَّان، وبهز، هؤلاء المتثبتون. وقال: قال عفان: كنت أوقف شعبة على الأخبار، قلت له: فإذا اختلفوا في الحديث يُرْجَع إلى مَن؟ قال: إلى قول عفان، وهو في نفسي أكبر، وبهز أيضا، إلا أن عفان أضبط للأسامي، ثم حبان. وقال يحيى بن سعيد القطان: كان عفان وحبان وبهز يختلفون إليَّ، فكان عفان أضبط القوم للحديث، عملت عليهم مرة في شيء، فما فطن لي أحدٌ إلا عفان. وقال الآجري، عن أبي داود: عفان أثبت من حبان، وقال الآجري: قلت لأبي داود: بلغك عن عفان أنه يُكَذِّبُ وهب بن جرير؟ فقال: حدثني عباس العنبري، سمعت عليا يقول: أبو نعيم، وعفان، صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يَدَعُون أحدا إلا وقعوا فيه. وقال حسان بن الحسن المُجَاشعيّ سمعت ابن المديني يقول: قال عفان: ما سمعت من أحد حديثًا إلا عرضته على غير شعبة، فإنه لم يمكني أن أعرض عليه، قال: وذُكر عنده عفان، فقال: كيف أذكر رجلا شك في حرف، فيضرب على خمسة أسطر، قال:
وسمعت عليا يقول: قال عبد الرحمن: أتينا أبا عوانة، فقال: مَنْ على الباب؟ فقلنا: عفان، وبهز، وحبان، يقول: هؤلاء بلاء من البلاء، قد سمعوا يريدون أن يعرضوا، وقال الحسن الزعفراني: قلت لأحمد: مَنْ تابع عفان على كذا وكذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى متابعة أحد؟. وقال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى بن معين عن عفان، وبهز، أيهما كان أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة، فقيل له: إن ابن المديني يزعم أن
عفان أصح الرجلين، فقال: كانا جميعا ثقتين صدوقين. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت يحيى بن معين يقول: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جريج، والثوري، وشعبة، وعفان. وقال
стр. 3045
الدوري: سمعت ابن معين يقول: كان عفان أثبت من زيد بن الحباب، وقال: عفان والله أثبت من أبي نعيم في حماد بن سلمة. وقال محمَّد بن العباس النسائي: سألت ابن معين: مَنْ أثبتُ، عبدُ الرحمن بنُ مهدي، أو عفانُ؟ قال: كان عبد الرحمن أحفظ لحديثه، وحديث الناس، ولم يكن من رجال عفان في الكتاب، وكان عفان أسن منه. وقال عمرو بن علي: رأيت يحيى يوما حدث بحديث، فقال له عفان: ليس هو هكذا، فلما كان من الغد أتيت يحيى فقال: هو كما قال عفان، ولقد سألت الله أن لا يكون عندي على خلاف ما قال عفان. وقال ابن معين: كان يحيى إذا تابعه عفان على شيء ثبت عليه، وإن كان خطأ، وإذا خالفه في حديث عن حماد رجع عنه يحيى، لا يُحَدِّث به أصلا، وقال الحسن الزعفراني: رأيت يحيى بن معين يعرض على عفان ما سمعه من يحيى القطان، وقال القظي (١): عفان أثبت من القطان، وقال محمَّد بن عبد الرحمن بن فهم: سمعت يحيى بن معين يقول: عفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي. قال: وسمعت ابن معين يقول: ما أخطأ عفان قط إلا مرة، أنا لقنته إياه، فأستغفر الله قال ابن فهم: وما سمعت يحيى بن معين يستغفر الله قط إلا ذلك اليوم، وقال خلف بن سالم: ما رأيت أحدا يحسن الحديث إلا رجلين بهز وعفان، وقال أحمد: لزمته عشر سنين، وقال أبو حاتم: ثقة إمام متقن وقال ابن عدي بعد أن حكى قول سليمان بن حرب: هذا عفان كان يضبط عن شعبة، والله لو جَهِدَ جُهْدَهُ أن يضبط عن شعبة حديثا واحدا ما قدر عليه، كان بَطيئًا رَديءَ الفهم، ولقد دخل قبره وهو نادم على رواياته عن شعبة. قال ابن عدي: عفان أشهر وأصدق، وأوثق من أن يقال فيه شيء، فإن أحمد كان يرى أن يكتب عنه ببغداد الإملاء من قيام، وأحمد أروى الناس عنه، ولا
стр. 3046
أعلم لعفان إلا أحاديث مراسيل عن الحمادين وغيرهما وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، والثقة قد يَهمُ في الشيء، وعفان لا بأس به، صدوق، وقد رحل أحمد بن صالح المصري من مصر إلى بغداد، وكانت رحلته إلى عفان خاصة، قال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي وابن معين يقولان: أنكرنا عفان في صفر سنة ١٩، وفي رواية سنة ٢٠، ومات بعد أيام، وقال ابن سعد: كان مولده سنة ١٣٤ وقال: مات سنة ٢٢٠، وكذا قال أبو داود، وزاد: شهدت جنازته، وفيها أرخه غير واحد، وقيل: سنة ١٩، قال الخطيب: والصحيح الأول. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث ثبتًا حجة، وقال ابن خراش: ثقة من خيار المسلمين، وقال ابن قانع: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات، أخرج له الجماعة.
٣ - (وُهَيب) بن خالد بن عَجْلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري صاحب الكرابيس، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلا بآخره -٧ - .
روى عن حميد الطويل، وأيوب، وخالد الحَذَّاء، وداود بن أبي هند، ومنصور بن صفية، وموسى بن عقبة، وغيرهم.
وعنه إسماعيل بن علية، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وبهز، وحبان بن هلال، وصفان، وغيرهم.
قال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، وقال الفضل بن زياد: سألت أحمد عن وهيب، وابن علية إذا اختلفا؟ قال: كان عبد الرحمن يختار وهيبا، قلت: في حفظه؟ قال: في كل شيء، وإسماعيل ثبت وقال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: مَنْ أثبت شيوخ البصريين؟ قال: وهيب، وذكر جماعة. وقال ابن المديني، عن ابن مهدي: كان من أبصر أصحابه بالحديث والرجال. وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد ذكره، فأحسن الثناء عليه، وقال: يونس بن حبيب،
стр. 3047
عن داود: ثنا وهيب، وكان ثقة، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: ما أنقى حديثه، لا يكاد تجده يحدث عن "الضعفاء" وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة، ويقال: إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه، وكان يقال: إنه يخلف حماد بن سلمة، وقال ابن سعد: كان قد سُجنَ فذهب بصره، وكان ثقة كثير الحديث حجة، وكان يملي من حفظه، وكان أحفظ من أبي عوانة، وقال الآجري عن أبي داود: تغير وهيب بن خالد، وكان ثقة، وقال ابن المديني: قال يحيى بن سعيد: إسماعيل أثبت من وهيب، ومات وهو ابن ٥٨ سنة، مات سنة ١٦٥، وقيل: ١٦٩، أخرج له الجماعة.
٤ - (منصور بن عبد الرحمن) بن طلحة بن الحارث العَبْدَريّ الحَجَبيُّ المكي، ثقة من [٥] تقدم في ١٥٩/ ٢٥١.
٥ - (أمه صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية لها رؤية وسماع من النبي ﷺ تقدمت ١٥٩/ ٢٥١.
٦ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥.
والحديث أيضا مضى مشروحًا برقم ١٥٩/ ٢٥١, فارجع إليه تزدد علمًا. والله ولي التوفيق.
وقوله: (فرصة) بكسر الفاء، وسكون الراء، وفتح الصاد المهملة: أي قطعة من قطن أو صوف، وقوله: (ممسكة) بصيغة اسم المفعول المضعف، أي مَطْليَّةَ بالمسك، وقولها (سَبَّحَ) أي قال: سبحان الله، تعجبا من عدم فهمها لمراده. وقولها (فأخدتها) بضم التاء من قول عائشة ﵁. وقولها (وجبدتها) أي جررتها إليَّ من الجَبْذ، لغة في الجذب. والله أعلم.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 3048
٢٢ - بَابُ الغُسْلِ مَرَّة وَاحِدَة
٤٢٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتِ: اغْتَسَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَدَلَكَ يَدَهُ بِالْحَائِطِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي ابن راهويه المروزي، ثم النيسابوري ثقة حجة [١٠] تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة ثبت [٨]، تقدم ٢/ ٢.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي أبو محمَّد ثقة ثبت يدلس [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي مولاهم الكوفي ثقة يرسل [٣]، تقدم في ٦١/ ٧٧.
стр. 3049
٥ - (كريب) مولى ابن عباس المدني ثقة [٣] تقدم في ١٦١/ ٢٥٣.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١.
٧ - (ميمونه) بنت الحارث زوج النبي ﷺ ﵂ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦.
والحديث مضى مشروحا برقم ١٦١/ ٢٥٣ فارجع إليه تستفد.
ومحل الاستدلال منه قولها: (ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده) حيث أطلق ولم يُذكر معه عددٌ، والأصل عدمه، وأيضا لو كان هناك عدد لذكر كما تقدم في غسل رأسه ووضوئه، والله أعلم.
* * *
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 3050
٢٣ - بَابُ اغْتِسَالِ النُّفَسَاءِ عِنْدَ الإحْرَامِ
٤٢٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَحَدَّثَنَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي، ثُمَّ اسْتَثْفِرِي، ثُمَّ أَهِلِّي".
رجال الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن علي) الفَلاس البصرث ثقة ثبت [١٠] تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (محمَّد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري ثقة ثبت [١٠] تقدم في ٦٤/ ٨١.
٣ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرَقيُّ أبو يوسف الكوفي ثقة [١٠] تقدم في ٢١/ ٢٢.
٤ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري ثقة ثبت حجة [٩] تقدم في ٤/ ٤.