جـ ١ ص ١٣١.
(نسمع) بالنون على بناء الفعل للفاعل، أو بالياء على بناءه للمفعول، وكذا قوله: "ولا نفهم" كما أفاده في الفتح (دويّ صوته) مفعول به لنسمع على الأول، ونائب فاعل على الثاني.
والدَّويُّ -بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء- وحكي ضم الدال، وصوب القاضي عياض الفتح.
قال الخطابي: الدوي صوت مرتفع متكرر لا يُفْهَمُ، وإنما كان كذلك لأنه نَادَى من بعد، ويقال: الدوي بُعْدُ الصوت في الهواء وعُلُوُّه، ومعناه: صوت شديد لا يفهم منه شيء، كدوي النحل.
وقال الشيخ قطب الدين: هو شدة الصوت وبعده في الهواء، مأخوذ من دوي الرعد، ويقال: هو شدة صوت لا يفهم، فلما دَنَا فُهِمَ كلامه، فلهذا قال: "فلما دنا فإذا هو يسأل" وقال الجوهري: دوي الريح: حَفِيفُها، وكذلك دَوِيُّ النحل والطائرِ. اهـ. "عمدة" جـ ١ ص ٣٦٦.
(ولا نفهم ما يقول) بالضبط المذكور آنفًا، و"ما" موصولة، و"يقول" صلتها، والعائد محذوف، أي لا نفهم الكلام الذي يقوله (حتى دنا)، "حتى" هنا للغاية بمعنى "إلى" أي: إلى أن دنا، أي قَرُبَ من مجلسهم (فإِذا هو يسأل)، "إذا" هنا للمفاجأة، وهي تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناه
стр. 3257
الحال لا الاستقبال، وهي حرف، وقيل: ظرف مكان، وقيل: ظرف زمان. وقوله "هو" مبتدأ، وجملة "يسأل" خبره (عن الإسلام) أي عن شرائع الإسلام. ويحتمل أنه يسأل عن حقيقة الإسلام. وإنما لم يذكر له الشهادة، لأنه عَلمَ أنه يَعْلَمُهَا أو عَلمَ أنه إنما يسأل عن الشرائع
الفعلية، أو ذَكَرَها ولم ينقَلها الراوي لشهرتهَا.
وإنما لم يذكر الحج إمّا لأنه لم يكن فُرِضَ بَعْدُ، أو الراوي اختصره، ويؤيد الثاني ما أخرجه البخاري في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال: "فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فدخل فيه باقي المفروضات، بل المندوبات". قاله في الفتح، وسيأتي مزيد بسط على هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
(فقال له رسول الله ﷺ : "خمس صلوات") يجوز فيه الرفع والنصب والجر؛ أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدإ محذوف، أي هي خمس صلوات، وأما النصب فعلى تقدير "خذ" خمس صلوات، أو نحوها، وأما الجر فعلى أنه بدل من الإسلام، وفيه حذف أيضا، أي إقامة خمس صلوات، لأن عين الصلوات الخمس ليست عين الإسلام، بل إقامتها من شرائع الإسلام. أفاده العيني.
وفيه أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس، خلافًا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحى، أو صلاة العيد، أو الركعتين بعد المغرب. قاله في "الفتح" جـ ١ ص ١٣٢.
стр. 3258
(قال) الرجل السائل (هل علي غيرهن)، "هل" للاستفهام، "وعليّ" جار ومجرور خبر مقدم، و"غيرهن" مبتدأ مؤخر.
والمعنى: هل يجب عَلَيّ غير هذه الصلوات الخمس من جنس الصلاة، وإلا لا يصح النفي في الجواب ضرورة أن الصوم والزكاة غيرهن. أفاده السندي.
(قال) ﷺ (لا) أي ليس يجب عليك شيء غيرهن (إلا أن تَطَّوَّع)
استثناء من قوله "لا".
و"تطوع" بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوع بتاءين، فأدغمت الثانية في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، كما قال في الخلاصة:
وَمَا بِتَاءَيْن ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ العِبَرْ
وهل المحذوفة هي الزائدة، لزيادتها، أو الأصلية، لأن الزائدة جيء بها لإفادة معنى، فلو حُذفَت لَفَاتَ الغرض الذي زيدت من أجله، فيه خلاف بين البصريين والكَوفيين، ويجوز إظهار التاءين أيضًا من غير إدغام. وقال النووي: والمشهور التشديد.
ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك. واستدل به من قال إن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
стр. 3259
(قال) ﷺ (وصيام شهر رمضان) عطف على "خمس" بالأوجه الثلاثة (قال) الرجل (هل عليّ غيره؟) من جنس الصيام (قال) ﷺ (لا) يجب عليك غيره (إلا أن تطوع) بالضبط المتقدم ومعناه، قال الراوي: (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة) أي بَيَّنَ له في جملة ما بَيَّن من الفرائض، وجوب الزكاة.
وكان الراوي -وهو طلحة بن عبيد الله- نسي ما نص عليه رسول الله ﷺ والتبس عليه، فقال: وذكر له الزكاة.
وفيه أن من التبس عليه شيء من الألفاظ ينبغي له أن يشير في لفظه إلى ما يُنِبىءُ عنه، كما فَعَل الراوي هنا. أفاده البدر العيني ﵀. "عمدة" جـ ١ ص ٢٦٨.
وفي رواية إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني بما فَرَضَ اللُه عليّ من الزكاة، قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام.
قال الحافظ: فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجْملَت، منها بيانُ نُصُب الزكاة، فإنها لم تفسر في الروايتين، وكذا أَسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيان أن المُتَمَسِّك بالفرائض نَاجٍ، وإن لم يفعل النوافل. اهـ. "فتح" جـ ١ ص ١٣٢.
(قال) الرجل (هل عليّ غيرهما) أي غير الزكاة من الحقوق المتعلقة بالمال (قال) ﷺ (لا) أي لا يجب عليك غيرها (إلا أن تطوع)
стр. 3260
بالضبط المتقدم ومعناه، قال طلحة: (فأدبر الرجل) من الإدبار، وهو التَّوَلِّي، أي ذهب مُوَلِّيًا دُبُرَهُ إليهم (وهو يقول) جملة حالية من الرجل (والله) وفي رواية إسماعيل بن جعفر، فقال: والذي أكرمك (لا أزيد على هذا) أي لا أزيد على هذا الذي ذكرتَ لي (ولا أنقص منه) من باب قَتَلَ من النقص، وفي لغة ضعيفة من الإنقاص رباعيًّا.
قال العلامة الفَيُّومِيُّ: نَقَصَ نَقْصًا من باب قتل، ونُقْصَانًا، وانْتَقَصَ: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدًا حقَّهُ، وانتقصته مثله. اهـ. "المصباح" جـ ٢ ص ٦٢١.
قال الجامع عفا الله عنه: وما هنا من المتعدي، حذف مفعوله، أي لا أنقص منه شيئًا، كما بُيِّنَ في رواية إسماعيل بن جعفر "لا أتطوع شيئًا، ولا أنقُصُ مما فرض الله عليّ شيئًا".
وفي هذا الحديث جواز الحلف في الأمر المهم.
(قال رسول الله ﷺ : أفلح) أي فاز وظَفِرَ ببُغْيَتِهِ، من الإفلاح، وهو الفوز والبقاء، وقيل: هو الظَّفَرُ وإدراكَ البُغْيَة، وَقيل: إنه عبارة
стр. 3261
عن أربعة أشياء: بَقَاء بلا فَنَاء، وغَنَاءٌ بلا فَقْرٍ، وعزّ بلا ذُلٍّ، وعلْم بلا جَهْل، قالوا: ولا كَلمَةَ في اللغة أجمعُ للخيرات منهَ، والعرب تقول لكل من أصاب خيرًا: مُفْلِح، وقال ابن دُرَيْد: أفلح الرجل، وأنجح: أدرك مطلوبه. قاله البدر العيني.
(إن صدق) جواب "إنْ" محذوف دل عليه السابق، أي أفلح.
ووقع في رواية مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة: "أفلح وأبيه إن صدق"، أو "دَخَلَ الجنةَ وأبيه إن صدق"، ولأبي داود مثله، لكنه بحذف "أو".
وفي قوله "أفلح إن صدق" ردٌ على المرجئة حيث إنه شَرَطَ في إفلاحه أن لا ينقص من الفرائض شيئًا. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث طلحة ﵁ هذا.
المسألة الأولى: في درجته:
حديث طلحة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف ﵀:
أخرجه المصنف هنا في "المجتبى" (٤٥٨) وفي "الكبرى" (٣١٩) عن قتيبة، عن مالك، وفي "الصوم" في "المجتبى" (٢٠٩٠) و"الكبرى" (٢٤٠٠) عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر، وفي "الإيمان" في "المجتبى" (٥٠٢٨) عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن عمه أبي سهيل عن أبيه، عن طلحة ﵁.
стр. 3262
والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الإيمان"، وفي "الشهادات"، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك به، وفي الصوم، وفي ترك الحِيَلِ عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، به.
وأخرجه مسلم في "الإيمان" عن قتيبة، عن مالك به، وعن قتيبة، ويحيى بن أيوب كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به.
وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك به، وفي الصلاة، والأيمان، والنذور عن أبي الرَّبيعِ سليمان بن داود، عن إسماعيل بن جعفر، به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، ومنها: أنها خمس صلوات في اليوم والليلة، ومنها: أن الصوم ركن من أركان الإسلام، وهو في كل سنة شهر واحد، ومنها: أن الزكاة ركن من أركان الإسلام ومنها: أن قيام الليل ليس واجبًا، وهو إجماع في حق الأمة، وكذا في
حقه ﷺ على الأصح.
ومنها: عدم وجوب صلاة العيدين، وقال الإصطخري من أصحاب الشافعي صلاة العيدين فرض كفاية والحديث يرد عليه.
ومنها: عدم وجوب صوم عاشوراء وغيره سوى رمضان، وهذا
стр. 3263
مجمع عليه الآن، واختلفوا أنّ صوم عاشوراء كان واجبًا قبل رمضان، أم لا؟ فعند الشافعي في الأظهر: ما كان واجبًا، وعند أبي حنيفة كان واجبًا، وهو وجه للشافعي.
ومنها: أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابًا، وتَمَّ عليه الحول، ومنها: أن من أتى بالخصال المذكورة، وواظب عليها صار مفلحًا بلا شك، ومنها: أنّ السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلم علم الدين والسؤال عن الأكابر أمر مندوب.
ومنها: جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة؛ لأن الرجل حلف هكذا بحضرة النبي ﷺ ، ولم يُنْكِر عليه، ومنها: صحة (١) الاكتفاء بالاعتقاد الجازم من غير نظر ولا استدلال خِلافَ ما قرره علماء الكلام من وجوب النظر والاستدلال، وهو مذهب باطل لا دليل عليه من النصوص.
ومنها: أن فيه الردَّ على المرجئة حيث إنه شَرَطَ في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال المفروضة عليه، ومنها: أن فيه استعمالَ الصدق في الخبر المُستقبل، وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخُلْف مخالفته في المستقبل، فيجب على هذا أن يكون الصدق في
стр. 3264
الخبر الماضي، والوفاء في المستقبل، وفي هذا الحديث ما يَرُدُّ عليه مع قوله تعالى: ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ذكر هذه الفوائد البدر قاله العيني في "عمدة القاري" جـ ١ ص ٢٦٩.
المسألة الخامسة: في قوله: (أفلح إِن صدق) كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر له المنهيات، ولا جميع الواجبات؟
وأجيب بأنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فأدبر الرجل، وهو يقول: لا أزيد، ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئًا، فعلى عموم قوله "بشرائع الإسلام"، وقَولِهِ "مما فرض الله عليّ" يزول الإشكال.
وأما قول ابن بطال: يحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ قبلَ وُرُود فرائض النهي، فقال الحافظ: هو عجيب منه، لأنه جزم بأن السائلَ ضِمَامٌ، وأقْدَمُ ما قيل فيه أنه وَفَدَ سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كانَ أكثر المنهيات واقعًا قبل ذلك. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة:
أن إثبات الفلاح له في عدم النقص واضح، فكيف يصح ذلك في عدم الزيادة؟
وقد أجاب النووي ﵀ بأنه أثبت له الفلاح، لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مُفْلِحًا، لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى. أفاده. في "الفتح" جـ ١
стр. 3265
ص ١٣٣. والله تعالى أعلم.
المسألة السابعة:
كيف أقرَّ النبيُّ ﷺ الرجلَ على حلفه، وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟
أجيب بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلح، وإن كان غيره أكثر فلاحًا منه.
وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صَدَرَ منه على طريق المبالغة في التصديق والقبول، أي قبلت كلامك قبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول.
وقال ابن المُنَيِّر: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ، لأنه كان وَافِدَ قومه ليَتَعَلَّمَ ويُعَلِّمَهُم.
قال الحافظ: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر، فإنَّ نصها "لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا".
وقيل: مراده بقوله "لا أزيد، ولا أنقص" أي لا أغَيِّرُ صفةَ الفرض، كمن ينقص الظهر مثلًا ركعة، أو يزيد المغرب. لكن يعكر عليه كما قال الحافظ لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر. والله أعلم. "فتح" جـ ١ ص ١٣٣. والله تعالى أعلم.
стр. 3266
المسألة الثامنة:
أنه لمَ لَمْ يذكر الحج في هذا الحديث؟ وأجيب بأنه حينئذ لم يُفْرَضِ الحجُّ، أَو لأن الرجل سأل عن حاله حيث قال: هل علي غيرها؟ فأجاب ﷺ بما عرف من حاله؛ ولعله ممن لم يكن الحج واجبًا عليه، وقيل: لم يأت في هذا الحديث بالحج كما لم يُذكَر في بعضها الصومُ، وفي بعضها الزكاةُ، وقد ذُكرَ في بعضها صلةُ الرحم، وفي بعضها أداءُ الخمس، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصانًا، وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من اقتصر على ما حفظه،. فأدَّاه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح، لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة. انظر "عمدة القاري" جـ ١ ص ٢٦٩.
وقد ذكر هناك قاعدة أصولية تركتها لعدم كونها جارية على طريقة المحدثين (١). والله تعالى أعلم.
المسألة التاسعة:
أنه قد اختَلفَ العلماءُ في أن الشروع في التطوع هل يوجب إتمامه، أم لا؟ وسبب اختلافهم في هذا هو الاستثناء الواقع في هذا الحديث في
стр. 3267
قوله "إلا أن تطوع".
قال الحافظ في "الفتح": واستُدِلَّ بهذا علي أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل، قال القرطبي: لأنه نَفَى وجوبَ شيء آخر إلا ما تطوع به، والاستثناء من النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فَيَتَعَيَّنُ أن يكون المراد إلا أن تشرع في تطوع، فيلزمك إتمامه.
وتعقبه الطيبي بأن ما تمسك به مغالطة، لأن الاستثناء هنا من غير الجنس، لأن التطوع لا يقال فيه عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء، إلا إن أردت أن تطوع فذلك لك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلًا. كذا قال.
وحرف المسألة دائرة على الاستثناء، فمن قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما رَوَى النسائيُّ وغيره "أن النبي ﷺ كان أحيانًا ينوي صوم التطوع، ثم يفطر"، وفي البخاري: أنه أمر جُوَيْريَةَ بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه، فدل على أن الشَروع في العبادة لا يستلزم الإتمام -إذا كانت نافلة- بهذا النص في الصوم، وبالقياس في الباقي.
فإن قيل: يَرِدُ الحج، قلنا: لا، لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده، فكيف في صحيحه. وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه. والله أعلم.
قال الجامع: في قوله: امتاز بلزوم المضي في فاسده نظر، لأنه لا
стр. 3268
دليل على هذا. فتبصر.
قال الحافظ: على أن في استدلال الحنفية نظرًا لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام، بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما، وأيضًا فإن الاستثناء من النفي عندهم ليس للإثبات، بل مسكوت عنه، وقوله "إلا أن تطوع" استثناء من قوله "لا" أي لا فرض عليك غيرها. اهـ. "فتح" جـ ١ ص ١٣٢.
قال الجامع عفا الله عنه. الذي يترجح عندي أن من شَرَعَ في نفل الصلاة يلزمه إتمامه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وأما إذا أفسده فليس عليه القضاء لعدم دليل على ذلك، وأما من شَرَعَ في نفل الصوم فله الفطر، لما تقدم أنه ﷺ كان ينو صومًا ثم يفطر، ولحديث الجويرية المتقدم، ولا يجب عليه القضاء، لما رواه البخاري من حديث أبي جُحَيفة ﵁ قال: "آخى النبي ﷺ بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمَّ الدرداءُ مُتَبَذِّلةً، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال: كُلْ، فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل … " الحديث. فقد استحسن ﷺ فعل سلمان ولم يُلْزِم أبا الدرداء بالقضاء.
والحاصل أن الصلاة يلزم إتمامها بالشروع للآية المتقدمة، وأما الصوم وإن كانت الآية تشمله إلا أن الأدلة خصصته.
وأما قياس الصلاة على الصوم في هذا التخصيص، كما قاله
стр. 3269
الحافظ فغير واضح. فتأمل.
وأما ما قاله ابن عبد البر من أن من احتج بهذه الآية على منع إبطال النوافل بعد الشروع فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء، وقال آخرون: لا تبطلوا بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك، النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر، أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب، وهم لا يقولون بذلك. اهـ. فمردود بكون العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما قاله الشوكاني، وبأن ما ذكره من الصوم إنما جاز الفطر فيه -وإن كانت الآية تشمله- للنصوص الواردة بذلك. والله أعلم، ومنه التوفيق، هو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 3270
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (نوح بن قيس) بن رَبَاح الأزدي، أبو رَوْحٍ البصري، أخو خالد، صَدُوق رُمِيَ بالتشيع، توفي سنة ١٨٣ أو ١٨٤، من [٨].
وفي "تت": الحُدّاني -بضم الحاء المهملة، وتشديد الدال المهملة-، ويقال: الطَّاحيُّ، قال أحمد وابن معين في رواية عثمان الدارمي عنه: ثقة، وقال أَبو داود: ثقة، بلغني عن يحيى أنه ضَعَّفَهُ، وقال مرة: يتشيع، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن شاهين في
الثقات: قال ابن معين: هو شيخ صالح الحديث، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال ابن سعد: نوح بن قيس الحُدَّاني كان ينزل سُوَيقَةَ طاحية فنسب إليها. اهـ. أخرج له الجماعة إلا البخاري.
٣ - (خالد بن قيس) بن رباح الأزدي الحداني البصري، صدوق يُغَرِّب، من [٧].
وفي "تت": قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن شاهين في الثقات: قال ابن المديني: ليس به بأس، وقال الأزدي: خالد بن قيس عن قتادة فيها مناكير، روى عنه أخوه نوح، ونوح صدوق. اهـ. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي في "شمائله"، وابن ماجه.
٤ - (قتادة) بن دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت
стр. 3271
من [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس بن مالك) الصحابي ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رجاله موثقون، وكلهم بصريون، إلا شيخه فبَغْلاني، وفيه رواية الراوي عن أخيه، وأن نوحًا وخالدًا هذا الباب أول محل ذكرهما من الكتاب، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁، أنه (قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ) لم أجد تسمية هذا الرجل (فقال: يا رسول الله كم افترض الله على عباده؟ قال) ﷺ (افترض على عباده صلوات خمسًا) هكذا في بعض النسخ "خمسًا" بالنصب بدلا من "صلوات"، وفي بعضها "خمس" بالرفع، قال السندي: فهو إما مرفوع بتقدير "هي خمس"، أو جملتها خمس، أو منصوب لكن حذف الألف
خطًّا على دَأبِ كتابة أهل الحديث، فإنهم كثيًرا ما يكتبون المنصوب بلا ألف. اهـ.
(قال) الرجل (يا رسول الله هل قبلهن) متعلق بفعل محذوف،
стр. 3272
أي افترض قبلهن أي الصلوات الخمس (أو) افترض (بعدهن شيئًا) بالنصب مفعولًا للفعل المقدر، وفي الهندية "شيء" بالرفع، وعليه يكون مبتدأ مؤخرًا خبره الظرف قبله. (قال) ﷺ (افترض الله على عباده صلوات خمسًا) يعني أنه لم يفترض عليهم غير الخمس لا قبلها ولا بعدها (فحلف الرجل لا يزيد علية شيئًا) ذكَّر الضميرَ بالتأويل بالمذكور، أي لا يزيد على المذكور من الصلوات الخمس لا قليلًا، ولا كثيرًا، ومثله قوله (ولا ينقص منه شيئًا، قال رسول الله ﷺ إِن صدق) أي فيما قاله، من الالتزام بما ذكر من غير زيادة ولا نقص، وقوله (ليدخلن الجنة) جواب قسم مقدر، أي والله ليدخلن الجنة، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه جواب القسم تقديره "دخل الجنة"،
أو الجواب جملة القسم بتقدير الفاء، أي: "فوالله ليدخلن الجنة".
تنبيه:
هذا الحديث من أفراد المصنف، وهو صحيح، ولم يخرجه إلا في هذا الموضع. وفوائده تقدمت في الحديث السابق. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3273
٥ - بَابُ البَيْعَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المبايعة على أداء الصلوات الخمس.
والبيعة: -بفتح فسكون- بذل الطاعة للإمام، قاله المناوي (١) وقال الراغب: وَبَايَعَ السلطان: إذا تَضَمَّنَ بَذْلَ الطاعة له بما رضخ له، ويقال لذلك بَيْعَة، ومُبَايَعَة. اهـ (٢).
٤٦٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَبِيبُ الأَمِينُ: عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ "، فَرَدَّدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدَّمْنَا أَيْدِيَنَا، فَبَايَعْنَاهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَعَلَامَ؟ قَالَ: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا
стр. 3274
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ"، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً "أَنْ لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا".
رجال الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد الخافظ، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، وتقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (أبو مسهر) عبد الأعلى بن مُسْهِر الغَسَّاني الدمشقي، ثقة فاضل من كبار [١٠].
وفي تهذيب الكمال: ذكره ابن سعد في الطبقة السابعة من أهل الشام، وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد بن حنبل: كان عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروانُ، والوليدُ، وأبو مسهر. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: رَحِمَ اللهُ أبا مسهر، ما كان أثبته، وجَعَلَ يُطْرِيه.
وقال أبو الحسن الميموني: وذكر يوما -يعني أحمد بن حنبل- أبا مسهر الشامي، فقال: كَيّسٌ، عالم بالشاميين، قلت: وبالنسب؟ قال: نعم، زَعَمُوا. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأحمد بن عبد الله العجلي: ثقة. وقال أحمد بن أبي الحواري عن يحيى بن معين: ما رأيت منذ خرجت من بلادي أحدًا أشبه بالمشْيَخَةِ الذين أدركتهم من أبي مسهر، والذي يحدث وفي البلد أولى
стр. 3275
منه فهو أحمق.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجَانِّي: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّ الذي يحدث بالبلد وبها من هوَ أولى منه بالحديث أحمق، إذا رأيتني أحدث ببلدة فيها مثل أبي مسهر، فينبغي لِلِحَيتي أن تُحْلَقَ، وأمَرّ يَدَهُ على لحيته.
وقال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مسهر: وُلِدَ لي، والأوزاعيُّ حي، وجالستُ سعيدَ بنَ عبد العزيز ثنتي عشرة سنة، وما كان أحد من أصحابه أحفظ لحديثه مني، غير أني نسيت.
وقال في موضع آخر: سمعت أبا مسهر يقول: قال سعيد بن عبد العزيز: ما رأيت أحسن مسألة منك بعد سليمان بن موسى. وقال أيضا قال لي سعيد: ما شَبَّهْتُكَ في الحفظ إلا بجَدِّكَ أبى ذُرَامَةَ، ما كان يسمع شيئًا إلا حفظه.
وقال أبو زرعة الدمشقي: قال محمد بن عثمان التَّنُوخيُّ: ما بالشام مثل أبي مسهر، وذكر أبا مسهر، فقال: كان أحفظ الناس، فقلت له: قال يحيى بن معين: منذ خرجت من باب الأنبار إلى أن رجعت لم أرَ مِثلَ أبي مسهر. قال: صَدَقَ، وجعل يُثْنِي عليه. وقال فَيَّاض بن زُهَير عن يحيى بن معين: من ثَبَّتهُ أبو مسهر من الشاميين فهو ثَبْت.
وقال أبو زرعة الدمشقي أيضًا: رأيت أبا مسهر يحضر المسجد الجامع بأحسن هيئة في البياض والساج والخف، ويَعْتَمُّ على شامية
стр. 3276
طويلة بعمامة سوداء عَدَنِيَّة.
وقال عبد الملك بن الأصبغ عن مروان بن محمد: أين أنا من أبي مسهر، كان سعيد بن عبد العزيز يسند أبا مسهر معه في صدر المجلس، وأنا بين يدي سعيد في طيلساني عشرون رُقْعَةً.
وقال أبو حاتم الرازي: ما رأيت ممن كَتَبْنَا عنه أفصح من أبي مسهر، وما رأيت أحدًا في كورة من الكُوَرِ أعظم قدرًا، ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، وكنت أرَىَ أبا مسهر إذا خرج إلى المسجد اصطَّف الناس يسلمون عليه ويقبلون يده.
وقال أحمد بن علي بن الحسن البصري: سمعت أبا داود، وقيل له: إن أبا مسهر كان متكبرًا في نفسه، فقال: كان من ثقات الناس، رَحِمَ الله أبا مسهر لقد كان من الإسلام بمكان، حُمِلَ على الِمحْنَة فَأبَى، وحُمِلَ على السيف فمدَّ رأسه وجُرِّدَ السيفُ فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حُمِلَ إلى السجن، فمات.
وقال أبو حاتم بن حبان: كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان، ممن عُنِي بأنساب أهل بلده وأنبائهم، وإليه يرجع أهل الشام في الجرح والعدالة لشيوخهم.
وقال محمد بن سعد: كان رَاوِيَةً لسعيد بن عبد العزيز وغيره من الشاميين، وكان أشْخِصَ من دمشق إلى عبد الله بن هارون -يعني المأمون- وهو بالرَّقَّةِ، فسَأله عن القرآن؟ فقال: هو كلام الله، وأبي أن
стр. 3277
يقول: مخلوق، فدعا له بالسيف والنَّطع ليضرب عنقه، فلما رأى ذلك، قال: مخلوق، فتركه من القتل، وقال: أما إنك لو قلت ذاك قبل أن أدعو لك بالسيف لقبلت منك، ورددتك إلى بلادك وأهلك، ولكنك تخرج الآن فتقول: قلت ذلك فَرَقًا من القتل، أشخصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتى يموت، فأشخص من الرَّقَّة إلى بغداد في شهر ربيع الآخر من سنة (٢١٨) فحُبِس قبل إسحاق بن إبراهيم، فلم يلبث في الحبس إلا يسيرًا حتى مات فيه في غُرَّة رجب سنة (٢١٨) فأخرج ليُدْفَنَ، فشهده قوم كثير من أهل بغداد.
وُلِدَ أبو مسهر في صفر سنة (١٤٠) ومات سنة (٢١٨) وله ٧٨ سنة. أخرج له الجماعة.
٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التَّنُوخيُّ الدمشقي، ثقة إمام، سَوَّاه أحمد بالأوزاعي، وقَدَّمَه أبو مسهر لكنهَ إختلط في آخر عمره، من [٧].
وفي "تت": سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى أبو محمد، ويقال: أبو عبد العزيز الدمشقي؛ قرأ القرآن على ابن عامر ويزيد بن أبي مالك، وسأل عطاءَ بنَ أبي رباح. قال أحمد: ليس بالشام رجل أصح حديثًا من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء، ووثَّقه ابن معين وأبو حاتم، والعجلي.
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لِدُحَيْم: مَنْ بَعْدَ عبد الرحمن
стр. 3278
ابن يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي، وسعيد، قال: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجةَ: محمدُ بنُ إسحاق منهم؟ قال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف إلا نَفَرًا: منهم الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وقال أبو حاتم: كان أبو مسهر يقدم سعيد بن عبد العزيز على الأوزاعي، ولا أقدم بالشام بعد الأوزاعي على سعيد أحدًا، وقال مروان بن محمد: كان علم سعيد في صدره، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال أبو مسهر: كان قد اختلط قبل موته.
وقال الحاكم: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة، في التقدم والفضل، والفقه، والإمامة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال أبو جعفر العامري: رأى أنسًا، وكان فاضلا دَيِّنًا وَرعًا، وكان مفتي أهل دمشق، وقال ابن حبان في الثقات: كان من عُبَّادِ أهل الشام وفقهائهم ومتقنيهم في الرواية.
وقال الآجري عن أبي داود: تَغَيَّرَ قبل موته، وكذا قال حمزة الكناني، وقال البخاري في تاريخه: قال علي عن الوليد بن مسلم: أحدثكم عن الثقات: صفوان بن عَمْرو، وابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، وقال الدُّوري عن ابن معين: اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه، فيقول: لا أجيزها، لا أجيزها.
ولد سنة ٩٠، وتوفي سنة ١٦٧، وقيل: ١٦٨. أخرج له الجماعة.
стр. 3279
٤ - (ربيعة بن يزيد) الدمشقي، أبو شُعَيبٍ الإيادي القَصِيرُ، ثقة عابد، توفي سنة ١٢١ أو ١٢٣، من [٤]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ١٠٩/ ١٤٨.
٥ - (أبو إِدريس الخَوْلاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، كان عالم الشام بعد أبي الدرداء، وتقدم في ٧٢/ ٨٨.
٦ - (أبو مسلم الخَوْلاني) عبد الله بن ثُوَب -بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة- وقيل: بإشباع الواو، وقيل: ابن أثْوَب -وزان أحْمَر- ويقال: ابن عوف، أو ابن مِشْكَم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف الشامي الزاهد، ثقة عابد، من [٢].
وفي "تت": اليماني الزاهد الشامي، رَحَلَ إلى النبي ﷺ ، فمات النبي ﷺ وهو في الطريق، فلقي أبا بكر، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة، توفي زمن يزيد بن معاوية، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين، له في الكتب حديثٌ واحد عن عوف بن مالك. وعند الترمذي آخر عن معاذ.
وقال ابن عبد البر: أدرك الجاهلية، وأسلم قبل وفاة النبي ﷺ ، وهو معدود في كبار التابعين، وكان ناسكا عابدا، له كرامات.
ورَوَى ابن سعد في الطبقات عن شُرَحْبِيلَ بن مسلم، أن الأسود بن
стр. 3280
قيس ذا الحمار تَنَبَّأ في اليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد ذلك مرارًا، فأمر بنار عظيمة، فأجِّجَتْ، ثم ألقي فيها، فلم تضره، فأمره بالرحيل، فأتى المدينة، وقد مات النبي ﷺ ، واستخلف أبو بكر فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم. اهـ. أخرج له مسلم، والأربعة.
٧ - (عوف بن مالك) الأشجعي، أبو حَمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابي مشهور، من مُسْلمَة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة ٧٣، وأخرج له الجماعة، وتقدمَ فيَ ٥٠/ ٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، ومنها: أن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أنهم شاميون إلا شيخه؛ فنسائي. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ربيعة، وأبو إدريس، وأبو مسلم.
ومنها: أن شيخه من أفراده؛ لم يرو عنه غيره من أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي مسلم) عبد الله بن ثُوَب، وقيل غيره (الخَوْلاني) -بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو- نسبة إلى خَوْلان قبيلة نَزَلَت الشامَ، أنه (قال: أخبرني الحبيب الأمين) فعيل بمعنى مفعول، أي: المحبوب
стр. 3281
المأمون، زاد في رواية مسلم "أما هو فحبيب إليّ، وأما هو عندي فأمين" (عوف بن مالك) بالرفع بدل من الحبيب، أو عطف بيان له (الأشجعي) نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عَيْلان، قبيلة مشهورة. قاله في "اللباب" جـ ١ ص ٦٤.
(قال) بدل من أخبرني، أو في محل نصب على الحال من الحبيب (كنا عند رسول الله ﷺ ) ولمسلم وأبي داود "كنا عند رسول الله ﷺ تسعة، أو ثمانية، أو سبعة"، (فقال) رسول الله ﷺ (ألا تبايعون) "ألا" هنا للعرض والتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحَثٍّ، وتختص "ألا" هذه بالجملة الفعلية، نحو، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١٣]. قاله ابن هشام في مغنيه جـ ١ ص ٦٦ ففيه الحث على مبايعته ﷺ .
(رسول الله ﷺ ) مفعول "تبايعون"، وإنما قال: "رسول الله" ولم يقل "تبايعوني" تنبيهًا على أن العلة الباعثة على المبايعة هي الرسالة. وجملة " ﷺ " يحتمل أن تكون منه ﷺ ، وأن تكون من غيره. أفاده السندي.
(قال الجامع): الظاهر الثاني، والله تعالى أعلم.
(فرددها) أي المقالة؛ أي كرر النبي ﷺ مقالته المذكورة (ثلاث مرات) تأكيدًا عليهم، قال عوف (فقدّمنا) من التقديم، أي مددنا (أيدينا) للمبايعة امتثالًا لأمره ﷺ (فبايعناه) أي أردنا مبايعته،
стр. 3282
(فقلنا: يا رسول الله قد بايعناك) وإنما قالوا ذلك لظنهم نسيانه ﷺ كونهم مبايعين له، حيث إنهم كانوا قريبي عهد بالمبايعة؛ ففي رواية أبي داود "وكنا حديث عهد ببيعة"، فأرادوا تذكيره بذلك، أو أنهم أرادوا أن يستوضحوا ما هي البيعة المطلوبة منهم الآن؟ كما يدل عليه قولهم (فعلام) أي على أي شيء نبايعك، فـ "ما" استفهامية، وحذفت ألفها تخفيفًا، لكونها مجرورة، وتلحقها هاءُ السكت في الوقف، كما قال في "الخلاصة":
ومَا في الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … ألِفُها وأوْلِهَا الها إِنْ تَقِفْ
وفي بعض النسغ "فعلاما" بإثبات الألف، وفي رواية أبي داود: "فعلام نبايعك".
(قال) ﷺ (على أن تعبدوا الله) متعلق بمحذوف، أي تبايعوني على عبادة الله تعالى، أي طاعته (ولا تشركوا به شيئًا) يحتمل أن يكون "شيئًا" مفعولًا به، أي لا تشركوا به شيئًا من الأشياء من غير فرق بين حيّ وميت وجَمَاد وحيوان، ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي لا تشركوا به شيئًا من الشرك الأكبر، والأصغر، والجليّ، والخَفيّ، (والصلوات الخمس) عطف على قوله "أن تعبدوا الله"، أي وعلىَ إقامة الصلوات الخمس، زاد في رواية أبي داود "وتسمعوا، وتطيعوا"، قال عوف ﵁ (وأسرَّ) من الإسرار أي أخفى النبي ﷺ (كلمة خَفيَّة) أي لم يجهر بها كما جهر بما تقدم، وقوله (أن لا تسألوا الناس شيئًا) في تأويل المصدر بدل من "كلمة"، أو خبر لمحذوف؛ أي هي عدم سؤال الناس شيئًا.
стр. 3283
والمراد بالسؤال: السؤال المتعلق بالأمور الدنيوية، فلا يتناول السؤال للعلم وأمور الدين، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وقال في "المنهل": والحكمة في إسرار النهي عن السؤال أن يختص به بعضهم دون بعض، لأنَّ منَ الناس مَنْ لابُدَّ له من السؤال لحاجته، ومنهم الغني عنه بماله، أو بالتَعفف، اهـ. جـ ٩ ص ٢٨٠.
زاد في رواية مسلم، وأبي داود في آخر الحديث: "قال" يعني عوفًا "فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه".
والله أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عوف بن مالك ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٦٠) وفي "الكبرى" (٣٢٠) فقط.
المسألط افالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. فأخرجه مسلم في "الزكاة" عن عبد الله بن عبد الرحمن، وسَلَمَة بن شَبيب، كلاهما عن مَرْوَان بن محمد الدمشقي.
стр. 3284
وأخرجه أبو داود في "الزكاة" أيضا عن هشام بن عمَّار، عن الوليد بن مسلم.
وأخرجه ابن ماجه في "الجهاد" عن هشام بن عَمَّار، عن الوليد، كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلانِيّ، عن أبي مسلم الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: بيانُ ما كان عليه النبي ﷺ من الحرص على نشر الدعوة وتبليغ الأحكام كُلَّمَا وَجَدَ إلى ذلك سبيلًا.
ومنها: مشروعية التعاهد على البر والتقوى.
ومنها: التنفير من سؤال الناس، ولو يسيرًا. وقد وردت أحاديث في التحذير عن المسألة:
منها: حديث ابن عمر ﵄: أنّ النبي ﷺ قال "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يَلْقَى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَةُ لَحْمٍ". أي قطعة لحم. رواه الشيخان والمصنف.
ومنها: حديث سَمُرَة بن جُنْدُبَ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال. "إنما المسائل كُدُوح يَكْدَحُ بها الرجلُ وَجْهَهُ، فمن شاء أبْقَى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يَجِدَ منه بُدًا". رواه أبو داود والمصنف والترمذي. وقال: حسن صحيح.
стр. 3285
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الناس تَكَثُّرًا فإنما يسأل جَمْرًا، فليستقلَّ أو ليستكثر". رواه مسلم وابن ماجه.
ومنها: حديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سَألَ مسألة عن ظَهْرِ غنِىً استكَثَر بها من رَضْف (١) جهنم"، قالوا: وما ظهر غنى؟ قال "عَشَاءُ ليلة". رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد.
وقد أورد المنذري في الترغيب والترهيب أحاديث كثيرة فراجعه جـ ٢ ص ٢ - ١٤.
وقد اختلف العلماء في حَدِّ الغِنَى الذي يمنع عن المسألة لاختلاف الآثار في ذلك، وسنذكر الأقوال مع ترجيح الراجح منها في كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى.
(ومن فوائد الحديث) ما ذكره النووي ﵀ في الزيادة التي في مسلم وأبي داود، وهي "فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحَدًا يناوله إياه". قال: وفيه الأخذ بالعموم، لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحملوه على العموم. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (قتيبة) بن سعيد الثَقَفِيُّ البَغْلانِي، ثقة ثبت، من [١٠]، وتقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت، من [٥]، تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٤ - (محمد بن يحيى بن حَبَّان) بن مُنْقِذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من [٤]، تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٥ - (ابن مُحَيرِيز) هو عبد الله بن محيريز بن جُنَادَة بن وَهْب الجُمَحي المكي، كان يَتِيمًا في حجْر أبي مَحْذُورَةَ بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابد، توفي سنة ٩٩، وقيل بعدها، من [٣].
وفي "تت": الجمحي أبو محيريز المكي من رَهْط أبي محذورة، نَزَلَ الشامَ وسكَنَ بيتَ المقدس.
قال أبو زرعة: أبو محيريز المقدم -يعني على خالد بن معدان، وكان الأوزاعي لا يذكر خمسة من السلف إلا ما ذكر فيهم ابن محيريز، ورفع ذكْرَه وفضله. قال: دُحَيم: ورأيته أجَلَّ أهل الشام عند أبي زرعة بعد أبَي إدريس وأهل الطبقة، وقال ضمرة عن الأوزاعي كان ابن أبي زكريا يَقْدَمُ فلسطين، فَيلْقَى ابنَ محيريز فتتصاغر إليه نفسه لما يَرَى من فضل
стр. 3288
بن محيريز، وقال رجاء بن حَيْوَةَ: كان أهل المدينة لَيَرَوْنَ ابن عمر فيهم أمَانًا، وإنَّا نَرَى ابنَ محيريز فينا أمانًا.
وعن الأوزاعي قال: من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من خيار المسلمين. قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال ضمرة بن ربيعة: مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في "الثقات". اهـ أخرج له الجماعة.
٦ - (المُخْدَجِيُّ) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة بعدها جيم: نسبة إلى مُخْدَج بن الحارث أبي بَطْن، كما قاله المجد في "ق"، وهو أبو رُفَيع، وقيل: اسمه رُفَيع -بالتصغير فيهما- مقبول من [٣]. وفي "تت": أبو رفيع، وقيل: رفيع المخدجي، عن عبادة بن الصامت، وعنه عبد الله بن محيريز، ذكره ابن حبان في الثقات. اهـ، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، هذا الحديث فقط.
٧ - (أبو محمد) الأنصاري صحابي، قيل اسمه: مسعود بن زيد بن سبيع من بني النجار، قاله الخطابي، وقيل: اسمه قَيْس بن عبَاَية بن عبيد بن الحارث الخَوْلاني، حليف بني حارثة بن الحارث بن الأوس، وقيل: غير ذلك، سكن دمشق، وقيل: داريا، ويقال: إنه
ممن شَهِدَ بَدْرًا، ومات بالمغرب، ويقال: كان عَمًا ليحيى بن سعيد الأنصاري، وذكره يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في البدريين،
стр. 3289
وسمَّاه مسعودَ بن أوس بن صرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار.
وقال أبو سعيد بن يونس: شَهِدَ فتحَ مصر، وقال ابن سعد: تُوُفِّيَ في خلافة عمر، وزعم ابن الكلبي أنه شهد صِفِّين مع علي، ورَوَىَ محمد بن نصر في كتاب الوتر من طريق أبي محيريز، عن أبي رافع قال: تذاكرنا الوتر، فقال رجل من الأنصار يكنى أبا محمد من الصحابة. أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٨ - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أصْرَم بن فِهْر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري، أبو الوليد المدني، أحد النقباء ليلة العقبة، شَهِدَ بَدْرًا فما بعدها، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مَرْثَد.
وقال محمد بن كعب القُرَظِيّ: هو أحد من جَمَعَ القرآن في زمن النبي ﷺ ، رواه البخاري في تاريخه الصغير، قال: وأرسله عمر إلى فلسطين لِيُعَلِّمَ أهلها القرآن، فأقام بها إلى أن مات.
وقال ابن سعد عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرَّمْلَة سنة ٣٤، وهو ابن ٧٢ سنة، قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بَقِيَ حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن عدي، وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس.
قال ابن حبان: هو أول من ولي القضاء بفلسطين، وقال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. اهـ. تت جـ ٥ ص ١١١، ١١٢، أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
стр. 3290
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، إلا المُخْدَجِيّ، فمقبول، وأنهم ما بين بغلاني، وهو قتيبة، ومدنيين، وهم مالك ويحيى ومحمد بن يحيي، وشاميين وهم الباقون. وفيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: يحيى، ومحمد، وابن محيريز، والمخدجي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن) عبد الله (ابن محيريز) الجُمَحي المكي نَزِيلِ بيتِ المقدس، (أن رجلًا من بني كِنانة) بكسر الكاف، وتخفيف النون: اسم لِعِدَّة قبائل من قبائل العرب، انظر التفاصيل في "اللباب" جـ ٣ ص ١١١، ١١٢.
(يُدْعَى) أي يسمى (المُخْدَجِيّ) بصيغة اسم المفعول: نسبة إلى مُخْدَج بن الحارث (سمع رجلًا بالشام يُكْنَى) -بتخفيف النون من الكناية، ويجوز تشديدها من التكنية مبنيًا للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير يعود إلى رجل، وهو المفعول الأول، والثاني قوله (أبا محمد) الأنصاري، وتقدم الخلاف في اسمه، صحابي سكن دمشق، وقيل: دَارِيا، ﵁ (يقول) جملة في محل نصب على الحال من رجل، لكونه موصوفًا، أو مفعول ثان لِسَمِعَ على رأي بعض
стр. 3291
النحاة.
(الوتر واجب) جملة من مبتدإ وخبر في محل نصب مقول القول، أي صلاةُ الوتر واجبة (قال المخدجي: فَرُحْتُ) أي ذهبت، يقال: رَاحَ يَرُوحُ رواحًا، وتَرَوَّحَ مثله، يكون بمعنى الغُدُوِّ وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] أي ذهابها ورجوعها، وقد يَتَوَهَّمُ بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح والغدوّ يستعملان عند العرب في المسير أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، قاله الأزهري وغيره. اهـ. "المصباح".
(إِلى عبادة بن الصامت) الأنصاري الخزرجي الصحابي الجليل ﵁، والجار والمجرور متعلق برُحْتُ (فاعترضته) أي تَصَدَّيْتُ له، واستقبلته (وهو رائح إِلى المسَجد) أي ذاهب إلى المسجد، والجملة في محل نصا على الحال (فأخبرته بالذي قال أبو محمد) من كون الوتر واجبًا (فقال عبادة) بن الصامت ﵁ رَدًّا على أبي محمد (كذب أبو محمد) أي أخطأ فيما قاله من وجوب الوتر، فالمراد بالكذب هنا هو الخطأ، لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع سواء كان عمدًا أو خطأ.
قال في المصباح: الكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب
стр. 3292
أهل السنة، والإثم يَتْبَعُ العَمْدَ. اهـ
وفي المنهل: والعَرَبُ تُطلقُ الكذبَ على الخطأ، يقولون: كَذَبَ سَمْعِي، وكَذَبَ بَصَري، أي أخَطأ، والإثم منوط بالتعمد. اهـ.
والحاصل أن عبادة ﵁ لا يريد بهذا الكلام أن أبا محمد تعمد الكذب، لأنه صحابي لا يتعمد الكذب، وإنما أراد الخطأ في الفتوى.
ثم ذكر عبادة مستنده في الردّ عليه، فقال: (سمعت رسول الله ﷺ ) والجملة تعليلية؛ أي لأني سمعت إلخ، ولأبي داود: "أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ " (يقول: خمس صلوات) مبتدأ سوغه كونه مضافًا، وخبره جملة "كتبهن الله"، ويحتمل أن تكون الجملة صفة لخمس في محل رفع، والخبر جملة قوله "من جاء
بهن … " إلخ.
(كتبهن) أي افترضهن (على العباد) المكلفين (من جاء بهن) يحتمل أن تكون "مَنْ" شرطية جوابها جملة "كان"، وأن تكون موصولة مبتدأ، خبرها جملة "كان" أيضًا، والجملة في محل رفع خبر بعد خبرٍ، إنْ كانت جملة "كتبهن" خبرًا، أو خبرٌ إن كانت صفة (لم يضيع) من
التضييع، أو من الإضاعة (منهن شيئًا) أي من الأركان والشروط (استخافًا بحقهن) منصوب على أنه مفعول لأجله، أي لأجل استخفافه بما وجب لهن من حق، واحترز به عمَّا إذا ضَيَّعَ ذلك سهوًا
стр. 3293
ونسيانًا، فإنه لا يمنع من دخول الجنة، لقوله ﷺ : "إنَّ الله تجاوز لي عن أمتي، الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" رواه أحمد والبيهقي وابن حبان (١).
ولأبي داود "خمس صلوات افترضهن الله ، مَنْ أحْسَنَ وضوءهن، وَصَلاهن لوقتهن، وأتَمَّ ركوعهن، وخشوعهن" (كان له عند الله عهد) العهد في الأصل اليَمين، والأمانة، والذِّمَّةُ، والحفظ. والمراد به هنا: الوعد المُوَثَّق المحفوظَ عند الله. وسمي وعد الله عهدًا لكونه موثقًا، حيث إنه لا يُخْلفُ الميعاد (أن يدخله الجنة) من الإدخال، والمراد به الإدخال أوَّلًا، قَال السندي: وهذا يقتضي أن المُحَافِظَ على الصلوات يوفق للصالحات بحيث يدخل الجنة ابتداء اهـ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥].
واستَدَلَّ به عبادةُ بن الصامت ﵁ على عدم وجوب الوتر، ووجه الاستدلال أنه لما رتَّب ﷺ دخول الجنة على أداء الصلوات الخمس عُرِفَ أن ما عداهن ليس واجبًا، إذ لو وجب لمنع تركه من دخول الجنة.
وقد اختلف العلماء في وجوب الوتر وعدمه، وسنذكر اختلافهم
стр. 3294
مع أدلتهم وترجيح عدم الوجوب بأدلته في "كتاب قيام الليل"، في "باب الأمر بالوتر" رقم (٢٧/ ١٦٧٥) إن شاء الله تعالى.
(ومن لم يأت بهن) أي لم يصلهن أصلًا، أوصلاهن ولكِن مع تضييع حقوقهن (فليس له عند الله) (عهد) أي وعد موثق (إِن شاء عذبه) بتضييعه ما وجب عليه بعدله (وإن شاء أدخله الجنة) بفضله .
وفيه دليل لمن يقول: إن تارك الصلاة كسلًا داخل تحت المشيئة، وهو مذهب الجمهور، ويأتي تحقيق الخلاف في المسألة في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبادة بن الصامت ﵁ هذا صحيح.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: هو صحيح ثابت لم يُخْتَلَف عن مالك فيه، ثم قال: والمخْدَجِيُّ مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث.
قال الشيخ تقي الدين القشيري ﵀: انظر إلى تصحيحه لحديثه مع حكمة بأنه مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، ولحديثه شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد. ورواه أيضًا أبو داود عن الصنابحي. اهـ. "نيل" جـ ٢
стр. 3295
ص ١٧.
قال الجامع: الظاهر أن تصحيح ابن عبد البر له لشواهده، فلا ينافي حكمه بالجهالة. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
ذكره هنا (٤٦١)، وفي "الكبرى" في (٣٢٢) بهذا السند.
المسألة الثالثة: في ذكر من أخرجه معه:
أخرجه أبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك، بسند المصنف، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن بشار، عن ابن أبي عَدِيّ، عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان نحوه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"،
وابن السكن. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: أنه دليل على ما كان عليه القوم من البحث عن العلم والاجتهاد في الوقوف على الصحيح منه، وطلب الحجة، وترك التقليد المؤدي إلى ذهاب العلم.
ومنها: أنه حجة على من قال من السلف بوجوب الوتر، وهو مذهب الحنفية، وسيأتي الكلام علية مستوفى في "كتاب الوتر" إن شاء الله تعالى.