← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

النحاة. (الوتر واجب) جملة من مبتدإ وخبر في محل نصب مقول القول، أي صلاةُ الوتر واجبة (قال المخدجي: فَرُحْتُ) أي ذهبت، يقال: رَاحَ يَرُوحُ رواحًا، وتَرَوَّحَ مثله، يكون بمعنى الغُدُوِّ وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] أي ذهابها ورجوعها، وقد يَتَوَهَّمُ بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح والغدوّ يستعملان عند العرب في المسير أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، قاله الأزهري وغيره. اهـ. "المصباح". (إِلى عبادة بن الصامت) الأنصاري الخزرجي الصحابي الجليل ﵁، والجار والمجرور متعلق برُحْتُ (فاعترضته) أي تَصَدَّيْتُ له، واستقبلته (وهو رائح إِلى المسَجد) أي ذاهب إلى المسجد، والجملة في محل نصا على الحال (فأخبرته بالذي قال أبو محمد) من كون الوتر واجبًا (فقال عبادة) بن الصامت ﵁ رَدًّا على أبي محمد (كذب أبو محمد) أي أخطأ فيما قاله من وجوب الوتر، فالمراد بالكذب هنا هو الخطأ، لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع سواء كان عمدًا أو خطأ. قال في المصباح: الكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب

стр. 3292

أهل السنة، والإثم يَتْبَعُ العَمْدَ. اهـ وفي المنهل: والعَرَبُ تُطلقُ الكذبَ على الخطأ، يقولون: كَذَبَ سَمْعِي، وكَذَبَ بَصَري، أي أخَطأ، والإثم منوط بالتعمد. اهـ. والحاصل أن عبادة ﵁ لا يريد بهذا الكلام أن أبا محمد تعمد الكذب، لأنه صحابي لا يتعمد الكذب، وإنما أراد الخطأ في الفتوى. ثم ذكر عبادة مستنده في الردّ عليه، فقال: (سمعت رسول الله ﷺ ) والجملة تعليلية؛ أي لأني سمعت إلخ، ولأبي داود: "أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ " (يقول: خمس صلوات) مبتدأ سوغه كونه مضافًا، وخبره جملة "كتبهن الله"، ويحتمل أن تكون الجملة صفة لخمس في محل رفع، والخبر جملة قوله "من جاء بهن … " إلخ. (كتبهن) أي افترضهن (على العباد) المكلفين (من جاء بهن) يحتمل أن تكون "مَنْ" شرطية جوابها جملة "كان"، وأن تكون موصولة مبتدأ، خبرها جملة "كان" أيضًا، والجملة في محل رفع خبر بعد خبرٍ، إنْ كانت جملة "كتبهن" خبرًا، أو خبرٌ إن كانت صفة (لم يضيع) من التضييع، أو من الإضاعة (منهن شيئًا) أي من الأركان والشروط (استخافًا بحقهن) منصوب على أنه مفعول لأجله، أي لأجل استخفافه بما وجب لهن من حق، واحترز به عمَّا إذا ضَيَّعَ ذلك سهوًا

стр. 3293

ونسيانًا، فإنه لا يمنع من دخول الجنة، لقوله ﷺ : "إنَّ الله تجاوز لي عن أمتي، الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" رواه أحمد والبيهقي وابن حبان (١). ولأبي داود "خمس صلوات افترضهن الله ، مَنْ أحْسَنَ وضوءهن، وَصَلاهن لوقتهن، وأتَمَّ ركوعهن، وخشوعهن" (كان له عند الله عهد) العهد في الأصل اليَمين، والأمانة، والذِّمَّةُ، والحفظ. والمراد به هنا: الوعد المُوَثَّق المحفوظَ عند الله. وسمي وعد الله عهدًا لكونه موثقًا، حيث إنه لا يُخْلفُ الميعاد (أن يدخله الجنة) من الإدخال، والمراد به الإدخال أوَّلًا، قَال السندي: وهذا يقتضي أن المُحَافِظَ على الصلوات يوفق للصالحات بحيث يدخل الجنة ابتداء اهـ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥]. واستَدَلَّ به عبادةُ بن الصامت ﵁ على عدم وجوب الوتر، ووجه الاستدلال أنه لما رتَّب ﷺ دخول الجنة على أداء الصلوات الخمس عُرِفَ أن ما عداهن ليس واجبًا، إذ لو وجب لمنع تركه من دخول الجنة. وقد اختلف العلماء في وجوب الوتر وعدمه، وسنذكر اختلافهم

стр. 3294

مع أدلتهم وترجيح عدم الوجوب بأدلته في "كتاب قيام الليل"، في "باب الأمر بالوتر" رقم (٢٧/ ١٦٧٥) إن شاء الله تعالى. (ومن لم يأت بهن) أي لم يصلهن أصلًا، أوصلاهن ولكِن مع تضييع حقوقهن (فليس له عند الله) (عهد) أي وعد موثق (إِن شاء عذبه) بتضييعه ما وجب عليه بعدله (وإن شاء أدخله الجنة) بفضله . وفيه دليل لمن يقول: إن تارك الصلاة كسلًا داخل تحت المشيئة، وهو مذهب الجمهور، ويأتي تحقيق الخلاف في المسألة في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبادة بن الصامت ﵁ هذا صحيح. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: هو صحيح ثابت لم يُخْتَلَف عن مالك فيه، ثم قال: والمخْدَجِيُّ مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال الشيخ تقي الدين القشيري ﵀: انظر إلى تصحيحه لحديثه مع حكمة بأنه مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، ولحديثه شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد. ورواه أيضًا أبو داود عن الصنابحي. اهـ. "نيل" جـ ٢

стр. 3295

ص ١٧. قال الجامع: الظاهر أن تصحيح ابن عبد البر له لشواهده، فلا ينافي حكمه بالجهالة. والله أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: ذكره هنا (٤٦١)، وفي "الكبرى" في (٣٢٢) بهذا السند. المسألة الثالثة: في ذكر من أخرجه معه: أخرجه أبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن القعنبي، عن مالك، بسند المصنف، وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن بشار، عن ابن أبي عَدِيّ، عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان نحوه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، وابن السكن. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: أنه دليل على ما كان عليه القوم من البحث عن العلم والاجتهاد في الوقوف على الصحيح منه، وطلب الحجة، وترك التقليد المؤدي إلى ذهاب العلم. ومنها: أنه حجة على من قال من السلف بوجوب الوتر، وهو مذهب الحنفية، وسيأتي الكلام علية مستوفى في "كتاب الوتر" إن شاء الله تعالى.

стр. 3296

ومنها: أنَّ من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله تعالى إذا كان موحدًا مؤمنًا بما جاء به النبي ﷺ مصدقا به، وإن لم يعمل. قال ابن عبد البر: وهذا يرد قول المعتزلة والخوارج بأسرهم، ألا تَرَى أن المُقِرَّ بالإسلام في حين دخوله فيه، يكون مسلمًا قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقد نيته، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافرًا إلا برفع ما كان به مسلمًا؛ وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده. والله أعلم اهـ. "تمهيد" جـ ٢٣ ص ٢٩٠. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3297

٧ - بَابُ فَضْلِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل الصلوات الخمس. ٤٦٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَكَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا". رجال الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث الفَهْمي الإمام، ثقة ثَبْت حُجَّة فقيه، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثر، من [٥]، تقدم في ٧٣/ ٩٠. ٤ - (محمد بن إِبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي،

стр. 3298

أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد، توفي سنة ١٢٠ على الصحيح، من [٤]، تقدم في ٦٠/ ٧٥. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة، مكثر، توفي سنة ٩٤، من [٣]، تقدم في ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رجاله ثقات أجلاء، اتفقوا على الإخراج لهم، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني، وليثًا فمصري. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ابن الهادي، ومحمد بن إبراهيم، وأبا سلمة. ومنها: أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأنه ممن اشتهر بكنيته. ومنها: أن أبا هريرة رئيس المكثرين السبعة رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 3299

(أرأيتم) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب، ومعناه أخبروني، ويُرْوَى "أرأيتكم" بالكاف والميم، ولا محل لهما من الإعراب. قاله البدر العيني (لو أن نهرًا) قال الطيبي: لفظ "لو" يقتضي أن يدخل على الفعل، وأن يُجَاب، لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا، والتقدير: لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا. والنهر -بفتح الهاء وسكونها- ما بين جَنْبَتَيِ الوادي، سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٥، وعمدة جـ ٥ ص ١٥. (بباب أحدكم) جار ومجرور في محل نصب صفة لنهر، أي نهرًا كائنًا بباب أحدكم (يغتسل منه) جملة في محل نصب على الحال من نهر، أو صفة له بعد صفة (كل يوم) منصوب على الظرفية متعلق بيغتسل (خمس مرات) مفعول مطلق ليغتسل على النيابة، أي اغتسالًا خمس مرات (هل يَبْقَى) من البقاء مضارع بَقِيَ ثلاثيًا، وللبخاري "يبقي" من الإبقاء رباعيًا (من درنه) متعلق بيبقى. والدرن -بفتح الدال والراء-: الوسخ، قال في الفتح: وقد يطلق الدَّرَنُ على الحَبِّ الصغار التي تحصل في بعض الأجساد. قال الجامع. لم أجد هذا الإطلاق في "ق" ولا في "اللسان"، ولا في "المصباح"، ولا في "المختار"، لكن قال في "المعجم الوسيط": الدَّرَن من أمراض الرئتين مُحْدَثَةٌ. اهـ. فعلى هذا كونه مرادًا في الحديث

стр. 3300

بعيد، فتدبر. والله أعلم. (شيء) بالرفع فاعل يبقى (قالوا: لا يَبْقَى من درنه) بعد هذه الاغتسالات المتكررة (شيء) من الوسخ (قال) ﷺ (فكذلك) وعند البخاري: "فذلك"، والفاء داخلة في جواب شرط مقدر، واسم الإشارة راجع إلى الاغتسال المفهوم، أي إذا أقررتم أن هذا الاغتسال لا يُبْقي من درنه شيئًا، وصح لَدَيْكُم هذا، فهو (مثْلُ الصلَوات الخمس) المثْلُ -بكسر فسكون، وبفتحتين، ويقال أيضًا: المَثِيل وزان كَرِيم: الشَّبيَهُ، وقيل: المثل بكسر فسكون: الشِّبْه، والمثل بفتَحتين: الوصف. أفَاده في "المصباح". فمعنى الحديث أنَّ ما ذكره من الاغتسال شبيه بالصلوات الخمس، أو ما ذكر من إزالة الوسخ على وجه أبلغ صفة الصلوات الخمس. وجملة قوله (يمحو الله بهن الخطايا) في محل نصب على الحال من الصلوات، أي حال كونه مُزِيلًا بهذه الصلوات الخمس خطايا المصلي. قال السندي ﵀: إن قلت من أيِّ التشبيه هذا التشبيُه؟ قلت: هو من تشبيه الهيئة بالهيئة، ولا حاجة فيه إلى تكلف اعتبار تشبيه الأجزاء بالأجزاء، فلا يقال: أيُّ شيء يُعْتَبَرُ مثلًا للنهر في جانب الصلاة اهـ. وقال في "الفتح": وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس.

стр. 3301

وقال الطيبي: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب، لأنهم لم يقتصروا في الجواب علي "لا" بل أعادوا اللفظ تأكيدًا. وقال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماءُ الكثيرُ، فكذلك الصلوات تطهر العبَد عن أقذار الذنوب حتى لا تُبْقِي له ذنبًا إلا أسقطته. انتهى. وظاهره أن الخطايا في الحديث ما هو أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن قال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة، لأنه شبه الخطايا بالدَّرَن، والدرنُ صغيرٌ بالنسبة إلى ما هو أكبر منَه من القُرُ وح والخُرَاجَات. انتهى. قال الحافظ: وهو مبني على أن المراد بالدرن في الحديث الحب، والظاهر أن المراد به الوسخ، لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتَّنَظُّفُ. اهـ. فتح. قال الجامع: إطلاق الدرن على الحب المذكور ليس معروفًا كما سبق، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، بل الأولى أن المراد به الوسخ، ولا سيما وقد جاء التصريح به في حديث أبي سعيد الخدري، فقد أخرج البزار والطبراني بإسناد لا بأس به، كما قال الحافظ من طريق عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أرَأيْتَ لو أنَّ رَجُلًا كان لهُ مُعْتَمَلٌ، وبين منزله ومعتمله خمسةُ أنهار، فإذا انطلق إلى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ ما شاء اللهُ، فأصابه وَسَخٌ،

стр. 3302

أو عَرَقٌ، فكلما مَرَّ بنهر اغتسل منه … " الحديث. ولهذا قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تَسْتَقِلُّ بتكفير جميع الذنوب، وهو مشكل، لكن رَوَى مسلم قبله حديث العلاء عن أبي هريرة مرفوعًا "الصلواتُ الخمسُ كفارة لما بينها ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ" فعلى هذا المُقَيَّدِ يُحْمَلُ ما أطْلِقَ في غيره. وقال ابن بزيزة في شرح الأحكام: يتوجه على حديث العلاء إشكال يَصْعُبُ التخلصُ منه، وذلك أن الصغائر بنص القرآن مُكَفَّرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟ انتهى. قال الحافظ: وقد أجاب شيخنا الإمام البُلْقِيِنيُّ بأن السؤال غير وارد، لأن مراد الله "إن تجتنبوا" أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تُكَفَّرُ ما بينها، أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. انتهى. وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه بحمد الله سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يُعَدَّ مجتنبًا للكبائر، لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها. والله أعلم. وقد فصل البلقيني أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يَصْدُر منه من

стр. 3303

صغيرة وكبيرة؛ فقال: تنحصر في خمسة: أحدها: أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يُعَاوَضُ برفع الدرجات. ثانيها: أن يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تكَفَّرُ عنه جزمًا. ثالثها: مثله لكن مع الإصرار، فلا تكفر، إذا قلنا: إن الإصرار على الصغائر كبيرة. رابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر. خامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر، يحتمل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفر الكبائر، بل تكفر الصغائر، ويحتمل أن لا تكفر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح، لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يعمل به، فهنا لا تكفر شيئًا، إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمحض الكبائر، أو تكفر الصغائر، فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة، لِدَوَرَانه بين الفصلين، فلا يعمل به، ويؤيده أن مقتضى تجنب الكبائر، ومقتضى "ما اجتنبت الكبائر" أن لا كبائر، فيُصَانُ الحديثُ عنه. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ١٦. وقال السندي ﵀ عند قوله "يمحو الله بهن الخطايا": ما نصه: خصها العلماء بالصغائر، ولا يَخْفَى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر في إزالة الدرن، إذِ النَّهرُ المذكور لا يُبْقِي من الدرن شيئًا

стр. 3304

أصلًا، وعلى تقدير أن يُبْقِي فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير الكبير، فاعتبار بقاء الكبائر وارتفاع الصغائر قلب لما هو المعقول نظرًا إلى التشبيه، فلعل ما ذكروا من التخصيص مبني على أن للصغائر تأثيرًا في درن الظاهر فقط، كما يدل عليه ما ورد من خروج الصغائر من الأعضاء عند الوضوء بالماء بخلاف الكبائر؛ فإن لها تأثيرًا في دَرَن الباطن، كما جاء أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل في قلبه نقطةٌ سوداءُ، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وقد عُلمَ أنَّ أثَرَ الكبائر تُذْهبُهَا التوبةُ التي هي الندامة بالقلب، فكما أن الغسلَ إنما يذهب بدرن الظَاهر دون الباطن فكذلك الصلاة. فتفكر. والله أعلم اهـ. كلام السندي جـ ١ ص ٢٣١. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف ﵀: أخرجه ﵀ هنا في "المجتبى" (٤٦٢)، وفي "الكبرى" (٣٢٣) أيضًا بسند "المجتبى"، وزاد بعده: قال أبو عبد الرحمن: ابنُ الهاد اسمه يزيد ابن عبد الله بن أسامة بن الهادي، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن

стр. 3305

عبد الرحمن ابن عوف، وأبو هريرة اسمه عبد عمرو، ويقال: عبد شمس، ويقال: سُكَين، وقال سفيان بن حسين عن الزهري، عن المُحَرَّرِ بن أبي هريرة قال: اسم أبي عبد عمرو بن عبد غَنْم. أنبأنا محمد بن يحيى، عنُ بكَير بن بَكَّار، عن عمر بن علي بن مُقَدَّم، عن سفيان بن حُسَين، عن الزهري. قال أبو عبد الرحمن: وَبكْرُ بن بَكَّار ليس بالقوي في الحديث، وسُفْيَانُ بنُ حسين ليس بالقوي في الزهري خاصة، وفي غيره لا بأس به. اهـ. (١) والله تعالى أعلم. المسأله الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، فأخرجه البخاري في الصلاة عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن قتيبة، عن ليث، وبكر بن مضر- أربعتهم عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁. وأخرجه الترمذي في الأمثال عن قتيبة، عن الليث، وبكر عن ابن الهاد به. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده:

стр. 3306

منها: بيان فضل الصلوات الخمس، وهو الذي ترجم له المصنف ﵀. ومنها: ضرب المثل في التعليم زيادة في الإيضاح؛ إذ فيه تشبيه المعقول بالشيء المحسوس. ومنها: حرص النبي ﷺ في تعليم أمته، وشدة رأفته بهم، كما قال الله تعالى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3307

٨ - بَابُ الحُكْمِ فِي تَارِكِ الصَّلاةِ أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على بيان الحكم في تارك الصلاة. ٤٦٣ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (الحسين بن حريث) الخُزَاعِيُّ مولاهم أبو عَمَّار المروزي، ثقة، توفي سنة ٢٤٤، من [١٠]، وتقدم في ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّينَانِيُّ، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت ربما أغْرَبَ، توفي سنة ١٩٢ في ربيع الأول، من كبار [٩]، وتقدم في ٨٢/ ١٠٠. ٣ - (الحسين بن واقد) المروزي أبو عبد الله القاضي، ثقة له أوهام، توفي سنة ١٥٩، وقيل: ١٥٧، من [٧]. وفي "تت": أبو عبد الله قاضي مَرْوَ، مولى عبد الله بن عامر بن

стр. 3308

كريز، قيل لابن المبارك: مَن الجماعةُ؟ قال: محمد بن ثابت، والحسين ابن واقد، وأبو حمزة السُكَّرِيُّ. قال أحمد بن شبويه: ليس فيهم من الإرجاء شيء. وقال أحمد بن حنبل: ليس به بأس، وأثنى عليه. ووثقه ابن معين. وقال أبو زرعة والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن حبان: كان على قضاء مَرْوَ، وكان من خيار الناس، وربما أخطأ في الروايات. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: مَا أنْكَرَ حديثَ حُسين بن واقد عن أبي المُنِيب. وقال العُقَيلي: أنكر أحمد بن حنبل حديثه. وقال الأثرم: قال أحَمد: في أحاديثه زيادة لا أدري أي شيء هي؟ ونفض يده، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث، وعن أبي داود: ليس به بأس، وقال الساجي: فيه نظر، وهو صَدُوق يَهِم، قال أحمد: أحاديثه ما أدري أيش هي؟ وكَنَاهُ الأكثرون أبا علي. والله أعلم. اهـ. "تت" بتصرف. أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. ٤ - (عبد الله بن بُرَيَدَة) بن الحُصَيب الأسْلَمِيُّ، أبو سهلٍ المروزي قاضيها، ثقة، توفي سنة ١٠٥، وقيل: بل سنة ١١٥، عن ١٠٠ سنة، من [٣]، وتقدم في "الحيض" ٢٥/ ٣٩٣. ٥ - (بريدة) بن الحصيب أبو سهل الأسلمي الصحابي الجليل ﵁ توفي بمرو سنة ٦٣، وتقدم في ١٠١/ ١٣٣. والله تعالى أعلم.

стр. 3309

لطائف هذل الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات ومنها: أنه مسلسل بالمراوزة. ومنها: أن رواته اتفقوا عليهم إلا حسين بن واقد فأخرج له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. ومنها: أن حسين بن واقد هذا الباب أول محل ذكره في هذا الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن بُرَيدَةَ) الأسلمي (عن أبيه) بُرَيدة بن الحُصَيب ﵁ أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ العهد") يُطلَق العهدُ، كما في "مختار الصحاح"- على الأمَاِن، واليَمِينِ، والمَوْثِقِ، والذِّمّة، والحِفَاظِ، والوَصِيَّة. والظاهر أن الأمان هو المناسب هنا، أي الأمان الذي (بيننا) أهل الإسلام (وبينهم) غيَر أهلِ الإسلام، يعني أن الأمر الذي يكون سببًا لأمن الشخص إذا تمسك به، فلا يجوز التعرض له بشيء، هي (الصلاة) أي أداؤها.

стр. 3310

(فمن تركها) أي لم يؤدّها (فقد كفر) وخَرَجَ عن الأمان، فَحَلَّ قتله، على اختلاف بين العلماء في معنى كفره، هل كُفْرٌ مخرج عن المِلَّة، كما قال به بعضهم، أو هو كفر دون كفر، كما قال به الآخرون؟ وسنحقق الكلام على ذلك في مسائل الحديث التالي إن شاء الله تعالى. وقال السندي في شرحه: قوله (إِنَّ العهد) أي العمل الذي أخذ الله تعالى عليه العهد والميثاق من المسلمين، كيف وقد سبق أن النبي ﷺ بايعهم على الصلوات الخمس، وذلك من عهد الله تعالى (الذي بيننا وبينهم) أي الذي يفرق بين المسلمين والكافرين، ويتميز به هؤلاء عن هؤلاء صورة على الدوام (الصلاة) وليس هناك عَمَلٌ على صفتها في إفادة التمييز بين الطائفتين على الدوام (فقد كفر) أي صورة وتشبهًا بهم، إذ لا يتميز إلا المصلي، وقيل: يُخَافُ عليه أن يؤديه إلى الكفر، وقيل: كَفَرَ، أي أبِيحَ دمه، وقيل: المراد مَنْ تَرَكَهَا جَحْدًا، وقال أحمد: تارك الصلاة كافر؛ لظاهر الحديث. والله أعلم اهـ. ما قاله السندي جـ ١ ص ٢٣١، ٢٣٢. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة ﵁ هذا حديث صحيح.

стр. 3311

المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٦٣) وفي "الكبرى" (٣٢٩) بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه الترمذي وابن ماجه؛ فأخرجه الترمذي في "الإيمان" عن أبي عمَّار الحسين بن حريث، ويوسف بن عيسى- كلاهما عن الفضل بن موسى، وعن أبي عمَّار ومحمود بن غَيْلان- كلاهما عن علي بن الحسين ابن واقد، وعن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ومحمود بن غيلان- كلاهما عن علي بن الحسن بن شقيق- ثلاثتهم عن الحسين بن واقد به. وقال: حسن صحيح غريب. وأخرجه أحمد والحاكم. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إِلاَّ تَرْكُ الصَّلَاةِ" (١).

стр. 3312

رجال الإسناد: خمسة ١ - (أحمد بن حرب) بن محمد بن علي بن حَيَّان بن مَازِن الطائي الموْصِلِيُّ، صدوق، توفي سنة ٢٦٣، وله ٩٠ سنة، من [١٠]، أخرج له النسائي، وتقدم في ١٠٢/ ١٣٥. ٢ - (محمد بن ربيعة) الكِلابِيُّ الكوفي ابن عمِّ وكيع، صدوق، توفي بعد سنة ١٩٠، من [٩]. وفي "تت": قال الدُّورِي عن ابن معين: ليس به بأس، وعنه: ثقة صدوق، وقال أبو داود: ثقة، رفيق أبي نعيم إلى البصرة، وقال أبو حاتج: صالح الحديث، ووثقه محمد بن إبراهيم بن فرنة، والدارقطني، وابن حبان، وقال الساجي: فيه لِينٌ، وتبعه الأزْدِيّ، ونقل عن عثمان ابن أبي شيبة، قال: جاءنا محمد بن ربيعة، فطلبَ إلينا أن نكتب عنه، فقلنا: نحن لا نُدْخِلُ في حديثنا الكذابين، وهذا جرح غير مفسر لا يقدح فيمن ثبتت عدالته. وقال ابن سعد: توفي ببغداد، زاد غيره: بعد عَبْدَة بن سليمان. اهـ. أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة. "تت". باختصار وتصرف جـ ٩ ص ١٦٣. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج نسب إلى جده، الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، كان يدلس ويرسل،

стр. 3313

من [٦]، تقدم في ٢٨/ ٣٢. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم المكي، صدوق يدلس، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، وتقدم في ٣١/ ٣٥. ٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رجاله كلهم وثقوا، وأنهم ما بين مَوْصِلِيّ، وكوفي، وَمكِّيَّيْن، ومدني. ومنها: أن محمد بن ربيعة، هذا الباب أول محل ذكره من الكتاب. ومنها: أن جابرًا أحد المكثرين السبعة رَوَى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر) بن عبد الله ﵄، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس بين العبد) المسلم، ومثله المسلمة (وبين الكفر) كرر "بين" لمزيد التأكيد (إِلا ترك الصلاة) "ترك": اسم ليس مؤخرًا، والظرف خبرها مقدمًا، ويتعلق بمحذوف، تقديره: "ليس غير

стр. 3314

ترك الصلاة واصلًا بين العبد وبين الكفر". والمعنى أنه يوصله إليه، وبهذا التقدير يزول الإشكال، فإنّ المتبادر أن الحاجز بين الإيمان والكفر فعلُ الصلاة لا تركُها. وقيل: المعنى: الفارق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة، لوجوده في الكافر دون المؤمن، فإنّ من حق ما به الفرق أن يوجد في أحد الطرفين دون الآخر، فترك الصلاة فارق بينهما لتحققه في الكافر دون المؤمن. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: مثل هذه العبارة كما يستعمل في المانع الحائل بين الشيئين، كذلك يستعمل في الوسيلة المفضية لأحدهما إلى الآخر، والحديث من هذا القبيل، فلا يرد أن الحائل بينهما هي الصلاة، فإنها تمنع العبد من الوصول إلى الكفر لا تركها. فليتأمل. ومثل هذا قول القائل بينك وبين مرادك الاجتهادُ، وليس هو نظيَر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١]، انتهى. ولفظ مسلم "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". قال النووي: معناه أن الذي يمنع. من كفره كونه لم يترك الصلاة، فإذا ترك لم يبق بينه وبين الشرك حائل بل دخل فيه. ثم إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله

стр. 3315

تعالى، وقد يفرق بينهما، فيكون الكفر أعم من الشرك. اهـ. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٦٤) وفي "الكبرى" (٣٣٠) بالسند المذكور هنا. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي غَسَّانَ المِسْمَعِيّ مالك بن عبد الواحد، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير عنه. وأخرجه أبو داود في "السنة" عن أحمد بن حنبل، والترمذي في "الإيمان" عن هَنَّاد بن السَّريّ، وابن ماجه في "الصلاة" عن علي بن محمد- ثلاثتهم عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عنه وأخرجه أحمد والدارمي، وأبو نعيم في "الحلية". المسألة الرابعة: في فوائده: منها: تعظيم شأن الصلاة، وأنها هي الفارق بين المؤمن والكافر.

стр. 3316

ومنها: أنها سبب الأمن للعبد؛ فإن تركها زال أمنه وحل قتله، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دِمَاءَهُم وأموالَهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله". ومنها: إطلاق لفظ الكفر على تارك الصلاة، على اختلاف في معناه، كما سنذكره بعدُ. المسألة الخماسة: في ذكر أقوال أهل العلم في تارك الصلاة: ذكر النووي ﵀ في شرح مسلم تفصيلَ المسألة فقال: وأما تارك الصلاة؛ فإن كان منكرًا لوجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين خارج عن ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يَبْلُغُهُ فيها وجوب الصلاة عليه. وإن كان تركه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها، كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه: فذهب مالك والشافعي رحمهما الله والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر، بل يفسق، ويستتاب، فإن تاب، وإلا قتلناه حدًا، كالزاني المحصن، ولكنه يُقْتَلُ بالسيف.

стр. 3317

وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل ﵀، وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي ﵁. وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمُزَنِيّ صاحب الشافعي ﵏ إلى أنه لا يكفر، ولا يُقْتَل، بل يعزر، ويُحْبَسُ حتى يصلي. واحتج من قال بكفره بظاهر حديثي الباب، وبالقياس على كلمة التوحيد. واحتج من قال: لا يقتل، بحديث "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث … " وليست الصلاة فيه. واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وبقوله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"، "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة"، "ولايَلْقَى الله تعالى عبد غير شاكّ، فيُحْجَبَ عن الجنة"، "حُرِّمَ على النار من قال لا إله إلا الله"، وغير ذلك. واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس

стр. 3318

حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم، وأموالَهم"، وتأولوا قوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" علي معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبةَ الكافر، وهي القتلُ، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أنَّ فعلَهُ فعلُ الكفار. والله أعلم. انتهى ما كتبه النووي في "شرح مسلم" جـ ٢ ص ٧٠، ٧١. وكتب العلامة أبو الوليد محمد بن رشد في "بداية المجتهد" ما نصه: وأما الواجب على من تَرَكَهَا عَمْدًا، وأمِرَ بها، فَأبَى أن يصليها لا جُحودًا لِفَرضِهَا، فإن قومًا قالوا: يُقْتَلُ، وقومًا قالوا: يُعَزَّر ويُحْبَس. والذين قَالوا: يقتل، منهم من أوجب قتله كفرًا، وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك، ومنهم من أوجبه حَدًا، وهو مذهب مالك والشافعي. وأبو حنيفة (١) وأصحابه وأهل الظاهر، ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يصلي. والسبب في هذا الاختلاف اختلاف الآثار، وذلك أنه ثبت عنه ﵊ أنه قال: "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفرٌ بعد إيمان، أوزنًا بعد إحْصَان، أو قتلُ نفس بغير نفس" (٢). وذكر حديثي الباب. ثم قال:

стр. 3319

فمن فَهِمَ من الكفر ها هنا الكفَر الحقيقي جَعَلَ هذا الحديث كأنه تفسير لقوله ﵊: "كفر بعد إيمان"، ومن فَهِمَ ها هنا التغليظ والتوبيخ، أي إن أفعاله أفعال كافر، وإنه في صورة كافر، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرِق السارقُ حين يسرق، وهو مؤمن". متفق عليه، لم يَرَ قتله كفرًا. وأما من قال: يُقْتَلُ حدًا فضعيف، ولا مستند له إلا قياس شبْهُ ضعيف إن أمكن، وهو تشبيه الصلاة بالقتل في كون الصلاة رأَسَ المأمورات، والقتلِ رأسَ المنهيات. وعلى الجملة فاسم الكفر إنما ينطلق بالحقيقة على التكذيب، وتارك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب إلا أن يتركها مُعْتَقدًا لتركها هكذا، فنحن إذن بين أحد أمرين: إما إن أردنا أن نفهم من الحَديث الكفر الحقيقي، يجب علينا أن نتأول أنه أراد ﵊ مَنْ تَركَ الصلاةَ معتقدًا لتركها فقد كفر، وإما أن يُحْمَل اسم الكفر على غير موضوعه الأول، وذلك على أحد المعنيين: إما على أنَّ حكمه حكم الكافر، أعني في القتل وسائر أحكام الكفار، وإن لم يكن مكذبًا، وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ والردع له، أي أن فاعل هذا يشبه الكافر في الأفعال، إذا كان الكافر لا يصلي، كما قال ﵊: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". وحمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع أحكامه لا يجب

стр. 3320

المصير إليه إلا بدليل، لأنه حكم لم يثبت بعدُ في الشرع من طريق يجب المصير إليه، فقد يجب إذا لم يدل عندنا على الكفر الحقيقي الذي هو التكذيب، أن يدل على المعنى المجازي لا على معنى يوجب حكمًا لم يثبت بعدُ في الشرع، بل يثبت ضده، وهو أنه لا يحل دمه؛ إذ هو خارج عن الثلاث الذين نص عليهم الشرع، فتأمل هذا، فإنه بَيِّن، والله أعلم. أعني أنه يجب علينا أحد أمرين: إمَّا أن نُقَدِّرَ في الكلام محذوفًا إن أردنا حمله على المعنى الشرعي المفهوم من اسم الكفر، وإما أن نحمله على المعنى المُستعَار، وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع أحكامه -مع أنه مؤمن- فشيء مفارق للأصول، مع أن الحديث نص في حق من يجب قتله كفرًا أو حدًا، لذلك صار هذا القول مضاهيًا لقول من يُكَفِّرُ بالذنوب. انتهى ما كتبه ابن رشد جـ ١ ص ٩٠، ٩١. وقال العلامة المحقق الشوكاني ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم في كلام النووي: والحق أنه كافر يقتل، أمَّا كفره فلأن الأحاديث قد صحت أنَّ الشارع سَمَّى تاركَ الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاةَ، فتركها مقتضٍ لجواز الإطلاق، ولا يلزمنا شيء من المعاَرضَات التي أوْرَدَ هَا القائلون بأنه لا يكفر، لأنا نقول: لا يُمْنَعُ أن يكون بعضُ أنواع الكفر غيرَ مانع من المغفرة، واستحقاقِ الشفاعةِ، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي

стр. 3321

سماها الشارع كفرًا، فلا مُلْجِىَء إلى التأويلات التي وقع الناس في مَضِيقهَا. وَأمَّا أنه يقتل فَلأنَّ حديث "أمرت أن أقاتل الناس … " يقضي بوجوب القتل، لاستلزام المقاتلة له، وكذلك لمحائر الأدلة، ولا أوضح من دلالتها على المطلوب، وقد شرط الله في القرآن للتخلية التوبةَ وإقامةَ الصلاة وإيتاءَ الزكاة، فقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فلا يُخَلَّى من لَمْ يُقم الصلاة. وفي صحيح مسلم: "سيكون عليكم أمراء، فتعرفون، وتنكرون، فمن أنكر فقد بَرِىَء ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، فقالوا: ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صَلَّوا". فجعل الصلاة هي المانعة من مقاتلة أمراء الجور. وكذلك قوله لخالد بن الوليد حين استأذنه في قتل رجل منافق: "لعله يصلي … " الحديث، فجعل المانع من القتل نفس الصلاة. وحديث "لا يحل دم امرىء مسلم … " لا يعارض مفهومُهُ المنطوقاتِ الصحيحةَ الصريحةَ. انتهى ما قاله الشوكاني "نيل" جـ ٢ ص ١٣، ١٤. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العلامة الشوكاني هو التحقيق الواضح الذي تجتمع به الأدلة من غير تكلف.

стр. 3322

والحاصل أنَّ تارك الصلاة كافر بنص الحديث، ولكنه كفر دون كفر إذا لم يقترن بالجحد القلبي، فإذا مات يُصَلَّى عليه، ويُدفَنُ في مقابر المسلمين، ويَرِثُ، ويُورَثُ. والله أعلم. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل يصلي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أوْ لا يُصَلَّي، هل يُصَلَّى عليه؟ فأجاب ﵀ بأن مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه. اهـ. مجموع الفتاوى جـ ٢٤ ص ٢٨٧. والله تعالى أعلم. تنبيه: اختلفوا هل يجب قتله لترك صلاة واحدة، أو أكثر؛ فالجمهور أنه يقتل بتركها، والأحاديث قاضية بذلك، والتقييد بالزيادة على الواحدة لا دليل عليه. قال الإمام أحمد ﵀: إذا دعي إلى الصلاة، فامتنع، وقال: لا أصَلِّي حتى خرج وقتها وجب قتله. وهكذا حكم تارك ما يتوقف صحة الصلاة عليه من وضوء، أو غسل، أو استقبال القبلة، أو ستر العورة، وكلِّ ما كان شرطًا، أو ركنًا. راجع نيل الأوطار جـ ٢ ص ١٥. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3323

٩ - بَابُ المُحَاسَبَةِ عَلَى الصَّلاةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على المحاسبة على أداء الصلاة. ٤٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ، هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: فَقُلْتُ: إِنِّي دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَحَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ بِصَلَاتِهِ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ، وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ". قَالَ هَمَّامٌ: لَا أَدْرِي هَذَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ، أَوْ مِنَ الرِّوَايَةِ، "فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَيُكَمَّلُ بِهِ مَا نَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى

стр. 3324

نَحْوِ ذَلِكَ". خَالَفَهُ أَبُو الْعَوَّامِ. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (أبو داود) سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم الحَرَّاني، ثقة حافظ، من [١١]، من أفراد المصنف، وتقدم في ١٠٣/ ١٣٦. ٢ - (هارون بن إِسماعيل) أبو الحسن (الخَزَّاز) بمعجمات -نسبة إلى بيع الخَزّ، وأصله اسم دَابَّة، ثم أطلق على الثوب المتَّخَذِ من وَبَرِها- البصري، ثقة، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]. وفي "تت": قال أبو حاتم: محله الصدق، كان عنده كتاب عن علي بن المبارك، وكان تاجرًا، وقال أبو داود: لا بأس به، سمعت الحسن بن علي يقول: الخَزَّاز شيخ ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ. ٣ - (همام) بن يحيى بن دينار العَوْذِي البصري، ثقة ربما وهم، من [٧]. وفي "تت": قال عمر بن شبة عن عَفَّان: كان يحيى بن سعيد يعترض على هَمَّام في كثير من حديثه، فلما قَدمَ معاذ نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هَمَّامًا في كثير مما كان يحيى يُنْكِرُهُ، فكفَّ يحيى بعدُ عنه. وقال أحمد بن سِنَان عن يزيد بن هاورن: كان قويًّا في الحديث،

стр. 3325

وقال صالح بن أحمد عن أبيه: هَمَّام ثبت في كل المشايخ. وقال الأثرم عن أحمد: كان عبد الرحمن يرضاه، وقال أبو حاتم عن أحمد: سمعت ابن مهدي يقول: همام عندي في الصدق مثل ابن أبي عروبة. وقال ابن محرز عن أحمد: همام ثقة، وهو أثبت من أبان العَطَّار في يحيي بن أبي كثير. وقال الدُّوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يَرْوي عن أبان، ولا يَروي عن همام، وهمام عندنا أفضل من أبان، وعن ابن معين: ثقة صالح، وهو أحب إليّ في قتادة من حماد بن سَلَمة، وعنه قال: همام في قتادة أحب إليّ من أبي عَوَانَة، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: مثْلَهُ، وزاد، قلت: همام أحب إليك في قتادة، أو أبان؟ قال: ما أَقربهما كلاهما ثقتان. وقال علي بن المديني لمَّا ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وسعيد أعلمهم به، وشعبة أعلمهم بما سمع عن قتادة مما لم يسمع، قال: ولم يكن همام عندي بدون القوم فيه، ولم يكن ليحيى فيه رأي، وكان ابن مهدي حسن الرأي فيه، وقال ابن عَمَّار: كان يحيى ابن سعيد لا يَعْبَأ بِهَمَّام، ويقول: ألا تعجبون من عبد الرحمن يقول: مَنْ فَاتَهُ شعبةُ يَسْمَعُ من همام؟، وقال عمرو بن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن همام، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. قال: وسمعت إبراهيم بن عرعرة قال ليحيى: ثنا عفان، ثنا همام،

стр. 3326

فقال له: اسكت وَيْحَكَ. قال عمرو بن علي: الأثْبَاتُ من أصحاب قتادة: ابن أبي عروبة، وهشام، وشعبة، وهَمَّام. وقال ابن المبارك: همام ثَبْت في قتادة، وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع يقول: همام حفظه رديء، وكتابه صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة، ربما غَلِطَ في الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: لا بأس به. قال: وسئل أبي عن همام وأبان؛ من تُقَدِّم منهما؟ قال: همام أحب، ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط. قال: وسألت أبي عن همام؟ فقال: صدوق، في حفظه شيء، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة، وأبان العطار، في قتادة. وقال ابن عدي: أخبرني إسحاق بن يوسف أظنه عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه قال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادة، فلم يعدله همام، فنقم عليه. قال ابن عدي: وهمام أشهر وأصدق من أن يذكر له حديث، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير. وقال ابن أبي خيثمة: قال عبد الرحمن بن مهدي: ظَلَمَ يحيى بنُ سعيد همامَ ابنَ يحيى، لم يكن له به علم ولا مجالسة. وقال الحسن بن علي الحُلْوَاني: سمعت عفان يقول: كان همام لا

стр. 3327

يكاد يرجع إلى كتابه، ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعدُ، فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نُخْطِىُء كثيرًا، فنستغفر الله تعالى. انتهى. قال الحافظ: وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل. وقال أبو بكر البَرْدِيجِي: همام صدوق يكتب حديثه، ولا يحتج به، وأبان العطار أمثل منه. وقال العجلي: بصري ثقة، وقال الحاكم: ثقة حافظ، وقال الساجي: صدوق سىء الحفظ؛ ما حدث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء، توفي سنة ١٦٣، وقيل سنة ١٦٤. اهـ. أخرج له الجماعة. تت. جـ ١١ ص ٦٧ - ٧٠. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، رأس [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (الحسن) بن أبي الحسن؛ يسار البصري، الإمام الحجة، من [٣]، تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٦ - (حريث بن قبيصة) ويقال: قبيصة بن حريث -وهو الأشهر- الأنصاري البصري، صدوق، توفي سنة ١٦٧، من [٣]. وفي "تت": روى عن سلمة بن المُحَبّق، وعنه الحسن البصري،

стр. 3328

قال البخاري: في حديثه نظر، وقال الترمذي في حديث حريث بن قبيصة عن أبي هريرة: رواه بعض أصحاب الحسن عنه، عن قبيصة بن حريث، والمشهور هو قبيصة بن حريث. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في طاعون الجارف، والجارف سنة سبع وستين. وجهله ابن القطَّان، وقال النسائي: لا يصح حديثه، وذكر أبو العرب التميمي أن أبا الحسن العجلي قال: قبيصة بن حريث تابعي ثقة، وأفرط ابن حزم، فقال: ضعيف مطروح. اهـ. أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. تت. جـ ٨ ص ٣٤٥ - ٣٤٦. ٧ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁، وتقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأنهم موثقون، وأنهم بصريون، إلا شيخه فحراني، وأبا هريرة فمدني. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ قتادة عن الحسن عن حريث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن حريث بن قبيصة) أو قبيصة بن حريث الأنصاري، أنه (قال: قَدِمت المدينة) يقال: قَدمَ الرجل البلدة يَقْدَمُها، من باب تَعِبَ، قُدُومًا، ومَقْدَما -بفتح الميم وَالدال-: إذا دخلها. والمدينة: عَلَم

стр. 3329

بالغَلَبَةِ على مدينة الرسول ﷺ ، كما قال ابن مالك: وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوب "ألْ" كالعَقَبَه (قال) حريث (قلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا) إنما دعا بذلك ليستفيد من الجلوس معه، ففي صحيح البخاري من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعًا "مَثَلُ الجليس الصالح، والجليس السوء، كمثل صاحب المسك، وكِيرِ الحَدَّاد، لا يَعْدَمُك من صاحب المسك، إما أن تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحَدَّاد يُحِرق بيتك أو ثوبك، أو تجَدُ منه ريحًا خَبِيَثة". (فجلست إِلى أبي هريرة ﵁، قال) حريث (فقلت) لأبي هريرة (إِني دعوت الله أن يُيَسِّرَ لي جليسًا صالحًا) فيه إشارة إلى أن الله تعالى استجاب دعاءه (فحَدِّثْني بحديت سمعتَهُ من رسول الله ﷺ ، لَعَلَّ الله أن ينفعني به، قال) أبو هريرة ﵁ (سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن أول ما يحاسب) بالبناء للمفعول (به) الباء سببية، ويحتمل كونها بمعنى "عن"، أي أول شيء يحاسب به العبد من أعماله، أو أول شيء يحاسب عنه العبد من الأعمال (العبد) بالرفع على أنه نائب الفاعل (بصلاته) قال السندي: الباء زائدة، تدل عليه الرواية الآتية. اهـ. وهي خبر "إن" أي إن أول عمل يحاسب عنه العبد هي الصلاة. ولمراد بها الصلاة المفروضة بدليل قوله "فإن انتقص من فريضته شيء".

стр. 3330

فإن قيل: إن هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "أولُ ما يُقْضَى بين الناس يوم القيامة في الدماء". أجيب بأن حديث الباب محمول على حق الله تعالى، وحديث الشيخين محمول على حقوق الآدميين فيما بينهم، وقيل: حديث الباب مِنْ تَرْكِ العبادات، وحديثُهُمَا مِنْ فِعْلِ السيئات. وقيل: المحاسبة غيرُ القضاء، فيكون المحاسبة أولًا في الصلاة، ويكون القضاء أولًا في الدماء، وقيل: حديث الباب مضطرب الإسناد، فلا يقاوم حديث الصحيحين. أفاده في المرعاة جـ ٤ ص ٢٧٥. قال الجامع: في القول الأخير نظر، لما يأتي من دفع الاضطراب، فأولى الأجوبة أولها. فإن قيل: فأيُّهُمَا يقدّم، محاسبةُ العباد على حق الله تعالى، أو محاسبتهم على حقوقهم؟ فالجواب أنَّ هذا أمر توقيفي، وظواهر الأحاديث دالة على أن الذي يقع أولًا المحاسبة على حقوق الله تعالى قبل حقوق العباد. أفاده العراقي في شرح الترمذي. انظر "تحفة الأحوذي" جـ ٢ ص ٤٦٣. (فإِن صَلُحَت) بفتح اللام، وضمها، أي إن صلحت الصلاة بأدائها صحيحة، أو بوقوعها مقبولة (فقد أفلح) أي فاز بمقصوده، يقال: أفلح الرجل بالهمزة: فَازَ، وظفِرَ. قاله في "المصباح".
следующие страницы →