Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
فقال له: اسكت وَيْحَكَ. قال عمرو بن علي: الأثْبَاتُ من أصحاب قتادة: ابن أبي عروبة، وهشام، وشعبة، وهَمَّام.
وقال ابن المبارك: همام ثَبْت في قتادة، وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع يقول: همام حفظه رديء، وكتابه صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة، ربما غَلِطَ في الحديث.
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: لا بأس به. قال: وسئل أبي عن همام وأبان؛ من تُقَدِّم منهما؟ قال: همام أحب، ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط.
قال: وسألت أبي عن همام؟ فقال: صدوق، في حفظه شيء، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة، وأبان العطار، في قتادة. وقال ابن عدي: أخبرني إسحاق بن يوسف أظنه عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه قال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادة، فلم يعدله همام،
فنقم عليه.
قال ابن عدي: وهمام أشهر وأصدق من أن يذكر له حديث، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير. وقال ابن أبي خيثمة: قال عبد الرحمن بن مهدي: ظَلَمَ يحيى بنُ سعيد همامَ ابنَ يحيى، لم يكن له به علم ولا مجالسة.
وقال الحسن بن علي الحُلْوَاني: سمعت عفان يقول: كان همام لا
стр. 3327
يكاد يرجع إلى كتابه، ولا ينظر فيه، وكان يخالف فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعدُ، فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نُخْطِىُء كثيرًا، فنستغفر الله تعالى. انتهى.
قال الحافظ: وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل. وقال أبو بكر البَرْدِيجِي: همام صدوق يكتب حديثه، ولا يحتج به، وأبان العطار أمثل منه. وقال العجلي: بصري ثقة، وقال الحاكم: ثقة حافظ، وقال الساجي: صدوق سىء الحفظ؛ ما حدث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء، توفي سنة ١٦٣، وقيل سنة ١٦٤. اهـ. أخرج له الجماعة. تت. جـ ١١ ص ٦٧ - ٧٠.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، رأس [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن؛ يسار البصري، الإمام الحجة، من [٣]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٦ - (حريث بن قبيصة) ويقال: قبيصة بن حريث -وهو الأشهر- الأنصاري البصري، صدوق، توفي سنة ١٦٧، من [٣].
وفي "تت": روى عن سلمة بن المُحَبّق، وعنه الحسن البصري،
стр. 3328
قال البخاري: في حديثه نظر، وقال الترمذي في حديث حريث بن قبيصة عن أبي هريرة: رواه بعض أصحاب الحسن عنه، عن قبيصة بن حريث، والمشهور هو قبيصة بن حريث. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في طاعون الجارف، والجارف سنة سبع وستين.
وجهله ابن القطَّان، وقال النسائي: لا يصح حديثه، وذكر أبو العرب التميمي أن أبا الحسن العجلي قال: قبيصة بن حريث تابعي ثقة، وأفرط ابن حزم، فقال: ضعيف مطروح. اهـ. أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. تت. جـ ٨ ص ٣٤٥ - ٣٤٦.
٧ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁، وتقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأنهم موثقون، وأنهم بصريون، إلا شيخه فحراني، وأبا هريرة فمدني.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ قتادة عن الحسن عن حريث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حريث بن قبيصة) أو قبيصة بن حريث الأنصاري، أنه (قال: قَدِمت المدينة) يقال: قَدمَ الرجل البلدة يَقْدَمُها، من باب تَعِبَ، قُدُومًا، ومَقْدَما -بفتح الميم وَالدال-: إذا دخلها. والمدينة: عَلَم
стр. 3329
بالغَلَبَةِ على مدينة الرسول ﷺ ، كما قال ابن مالك:
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالغَلَبَهْ … مُضَافٌ أوْ مَصْحُوب "ألْ" كالعَقَبَه
(قال) حريث (قلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا) إنما دعا بذلك ليستفيد من الجلوس معه، ففي صحيح البخاري من حديث أبي موسى ﵁ مرفوعًا "مَثَلُ الجليس الصالح، والجليس السوء، كمثل صاحب المسك، وكِيرِ الحَدَّاد، لا يَعْدَمُك من صاحب المسك، إما أن تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحَدَّاد يُحِرق بيتك أو ثوبك، أو تجَدُ منه ريحًا خَبِيَثة".
(فجلست إِلى أبي هريرة ﵁، قال) حريث (فقلت) لأبي هريرة (إِني دعوت الله أن يُيَسِّرَ لي جليسًا صالحًا) فيه إشارة إلى أن الله تعالى استجاب دعاءه (فحَدِّثْني بحديت سمعتَهُ من رسول الله ﷺ ، لَعَلَّ الله أن ينفعني به، قال) أبو هريرة ﵁ (سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن أول ما يحاسب) بالبناء للمفعول (به) الباء سببية، ويحتمل كونها بمعنى "عن"، أي أول شيء يحاسب به العبد من أعماله، أو أول شيء يحاسب عنه العبد من الأعمال (العبد) بالرفع على أنه نائب الفاعل (بصلاته) قال السندي: الباء زائدة، تدل عليه الرواية الآتية. اهـ. وهي خبر "إن" أي إن أول عمل يحاسب عنه العبد هي الصلاة. ولمراد بها الصلاة المفروضة بدليل قوله "فإن انتقص من فريضته شيء".
стр. 3330
فإن قيل: إن هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "أولُ ما يُقْضَى بين الناس يوم القيامة في الدماء".
أجيب بأن حديث الباب محمول على حق الله تعالى، وحديث الشيخين محمول على حقوق الآدميين فيما بينهم، وقيل: حديث الباب مِنْ تَرْكِ العبادات، وحديثُهُمَا مِنْ فِعْلِ السيئات.
وقيل: المحاسبة غيرُ القضاء، فيكون المحاسبة أولًا في الصلاة، ويكون القضاء أولًا في الدماء، وقيل: حديث الباب مضطرب الإسناد، فلا يقاوم حديث الصحيحين. أفاده في المرعاة جـ ٤ ص ٢٧٥.
قال الجامع: في القول الأخير نظر، لما يأتي من دفع الاضطراب، فأولى الأجوبة أولها. فإن قيل: فأيُّهُمَا يقدّم، محاسبةُ العباد على حق الله تعالى، أو محاسبتهم على حقوقهم؟
فالجواب أنَّ هذا أمر توقيفي، وظواهر الأحاديث دالة على أن الذي يقع أولًا المحاسبة على حقوق الله تعالى قبل حقوق العباد. أفاده العراقي في شرح الترمذي. انظر "تحفة الأحوذي" جـ ٢ ص ٤٦٣.
(فإِن صَلُحَت) بفتح اللام، وضمها، أي إن صلحت الصلاة بأدائها صحيحة، أو بوقوعها مقبولة (فقد أفلح) أي فاز بمقصوده، يقال: أفلح الرجل بالهمزة: فَازَ، وظفِرَ. قاله في "المصباح".
стр. 3331
(وأنجح) أي قُضيَتْ حاجتُهُ، يقال: أنجح. الرجل: إذا قضيت حاجته، ويقال أيضًا. نَجَحَ ثلاثيًا، ونَجَحَتْ الحاجةُ، وأنجحت: إذا قُضِيَت. أفاده في المصباح أيضًا.
وقال القاري: "فقد أفلح" أي فاز بمقصوده، "وأنجح" أي ظفر بمطلوبه، فيكون فيه تأكيد، أو فازَ بمعنى خَلَصَ من العقاب، "وأنجح": أي حصل له الثواب. اهـ. "مرقاة" جـ ٣ ص٤٢١.
(وإِن فسدت) الصلاةُ، بأن لم تُؤَدَّ، أوْ أدِّيَت غيرَ صحيحة، أو غير مقبولة (فقد خاب) بِحِرْمَان المَثُوبَة (وخَسِرَ) بوقوع العقوبة، وقيل: معنى "خاب": نَدِمَ "وخَسِرَ" أَي صار محرومًا من الفوز والخلاص قبل العذاب.
(قال هَمَّامٌ) يعني ابن يحيى الراوي عن قتادة (لا أدري هذا) الآتي هل هو (من كلام قتادة، أو) هو (من) جملة (الرواية) المرفوعة المتصلة الإسناد.
والظاهر أن همامًا شك في كون الآتي من تمام الحديث مرفوعًا متصلًا، أو من رواية قتادة مرسلًا. ولا يريد أنه من كلام قتادة، فإنَّ سياق الحديث يأبى ذلك. وسيأتي في الرواية الآتية من طريق أبي العَوَّام عن قتادة متصلًا مرفوعًا كله من دون شك.
(فإِن انتقص) بمعنى "نقص" اللازم، يقال: نقص نقصًا، من
стр. 3332
باب قَتَلَ، ونقصانًا، وانتقص: ذَهَب منه شيء بعد تمامه، ونقصته، يتَعَدّى، ولا يتعدَّى، هذه اللغةُ الفصيحةُ، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]. وفي لغة ضعيفة يتعدَّى بالهمزة والتضعيف، ولم يَأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نَقَصتُ زيدًا حَقَّهُ وانتقصتُ مثله. قاله في المصباح.
(من فريضته شيء) أي من الفرائض (قال) الله تعالى لملائكته (انظروا هل لعبدي) في صحيفته (من) زائدة (تطوع) أي نافلة قبلية، أو بعدية، أو غيرهما (فيكمّل) بتشديد الميم، من التكميل، أو بتخفيفها، من الإكمال، وبناءِ الفعل للفاعل، أو المفعول، وهو الأظهر، وهو منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية في جواب الاستفهام، كما قال ابن مالك:
وَبَعْدَ فَا جَوابِ نَفْيٍ أوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أنْ" وَستْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ويجوز رفعه على الاستئناف.
قال الطيبي: الظاهر النصب، على أنه من كلام الله تعالى جوابًا للاستفهام، ويؤيده رواية أحمد "فَكَمِّلُوا بِها فَرِيضَتَهُ".
(به) أي التطوع (ما نقص من الفريضة) أي مقداره، وضمير "نقص" راجع إلى الموصول على أنه لازم، أو إلى العبد، فيكون
стр. 3333
متعديًا، أي ما نقصه العبد من الفريضة.
ثم إن ظاهر الحديث يدل على أن مَنْ فاتته الصلاة المفروضة، وصلى تطوعًا يحسب له التطوع موضع الفريضة. وقيل: بل ما نقص من خشوع الفريضة، وآدابها يُجْبَرُ بالتطوع، وَرُدَّ بأنَّ قوله: "ثم يكون سائر عمله على ذلك" لا يناسبه، إذ ليس في الزكاة إلا فرض أو فضل، فكما تكمل فرض الزكاة بفضلها، كذلك في الصلاة، وفضل الله أوسع.
وقال العراقي في شرح الترمذي: يحتمل أن يُرَادَ به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله فيها، وإنما فعله في التطوع، ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضًا من فروضها وشروطها، ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رَأسًا، فلم يُصَلّهِ، فيعوض عنه من التطوع، والله تعالي يقبل من التطوعات الصحيَحة عوضًا عن الصلوات المفروضات. انتهى.
وقال ابن العربي: الأظهر عندي أنه يكمل بفضل التطوع ما نقص من فرض الصلاة، وأعدادها، لقوله "ثم الزكاة كذلك، وسائر الأعمال"، وليس في الزكاة إلا فرض، أو فضل، فكما يكمل فروض الزكاة بفضلها كذلك الصلاة، وفضل الله أوسع، وكرمه أعمّ وأتمّ. اهـ. منقولًا من "المرعاة" جـ ٤ ص ٣٧٦.
стр. 3334
قال الجامع: الأظهر عندي أن يراد به ما هو أعم من ترك الفرض رأسًا، أو الشروط، أو الهيئات، لعموم النص. والله أعلم.
(ثم يكون سائر عمله) أي باقي عمله، من سَئِر الشيُء سُؤْرًا بالهمزة، من باب شَرِبَ: بَقِيَ، فهو سائر، قاله الأزهري، واتفق أهل اللغة على أنَّ سائرَ الشيء باقيه، قليلًا كان أو كثيرًا، قال الصغاني: سائرُ الناس: باقِيهم، وليس معناه جميعُهُم، كما زَعَم من قَصُرَ بَاعُه، وجَعْلُهُ بمعنى الجَميعِ من لَحْن العوامّ، ولا يجوز أن يكون مشتقًا من سور البلد، لاختلاف المادتين. أفاده في المصباح.
يعني أن باقي أعماله من الصوم والزكاة والحج، وغيرها تكون (على نحو ذلك) أي على مثل ما ذكر في الصلاة، فيُنظَرُ أوّلًا إلى الفريضة؛ فإن كانت كاملة، وإلا ينظر إلى تطوعاته، فيكمل ما انتقصه من فريضته منها. والله تعالى أعلم.
ولما وقع اختلاف على قتادة بَيَّنَهُ بقوله (خالفه) أي خالف هَمَّامًا في روايته عن قتادة (أبو العَوَّامِ) فاعل خالف، وهو عمران بن دَاوَر -بفتح الواو بعدها راء- القَطَّان البصري، ومخالفته له حيث إنه جَعَلَهُ عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، كما بين روايته بقوله:
٤٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ -يَعْنِي ابْنَ زِيَادِ بْنِ مَيْمُونٍ- قَالَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْهُ -أَخْبَرَنَا
стр. 3335
أَبُو الْعَوَّامِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ وُجِدَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، يُكَمِّلُ لَهُ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَةٍ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ سَائِرُ الأَعْمَالِ تَجْرِى عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (أبو داود) سليمان بن سَيْف بن يحيي بن دِرْهم الطائي مولاهم الحَرَّاني، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٧٢، من [١١]، انفرد به المصنف، وتقدم في ١٠٣/ ١٣٦.
٢ - (شعيب بن بيان بن زياد بن ميمون) الصَّفَّار القَسْمِليُّ البصري، صدوق يخطىء، من [٩].
وفي "تت": وقال الجُوزَجَانِيُّ: له مناكير، وقال العقيلي: يحدث عن الثقات بالمناكير، وكان يغلب على حديثه الوهم، ذكره ابن حبان في الثقات، ولم ينسبه، بل قال: شعيب بن بيان، يروي عن يزيد المزي، عن الحسن، وعنه عبد الله بن الحارث، قال الحافظ: فما أدري
стр. 3336
هو ذا، أم غيره؟. انفرد به النسائي، فأخرج له حديث الباب، فقط. اهـ. جـ ٤ ص ٣٤٩، ٣٥٠.
٣ - (أبو العَوَّاِم) بتشديد الواو- عمران بن دَاوَر القَطَان البصري، صدوق يَهِمُ، ورمي برأى الخوارج، توفي بين سنة ١٦٠ وسنة ١٧٠، من [٧].
وفي "تت": قال عمرو بن علي: كان ابن مهدي يحدث عنه، وكان يحيى لا يحدث عنه، وقد ذكره يحيى يومًا، فأحسن الثناء عليه، وقال عبد الله بن أحمد،، عن أبيه: أرجو أن يكون صالح الحديث.
وقال الدُّورِيّ عن ابن معين: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بشيء، لم يَرْوِ عنه يحيى بن سعيد، وقال الآجري عن أبي داود: هو من أصحاب الحسن، وما سمعت إلا خيرًا، وقال مرة: ضعيف، أفتى في أيام إبراهيم بن عبد الله بن حسن بفتوى شديدة فيها سفك الدماء، قال: وقَدَّمَ أبو داود أبا هلال الراسبي عليه تقديمًا شديدًا. وقال النسائى: ضعيف.
وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو المنهال عن يزيد بن زريع: كان حَرُورِيًا، كان يَرَى السيف على أهل القبلة.
قال الحافظ: في قوله: "حروريًا" نظر، ولعله شُبِّهَ بهم، وقد ذكر
стр. 3337
أبو يعلى في مسنده القصة عن أبي المنهال في ترجمة قتادة، عن أنس، ولفظه: قال يزيد: كان إبراهيم يعني ابن عبد الله بن حسن لمَّا خرج يطلب الخلافة استفتاه عن شيء؟ فأفتاه بفتيا، قتل بها رجال مع إبراهيم. انتهى.
وكان إبراهيم ومحمد خرجا على المنصور في طلب الخلافة، لأن المنصور كان في زمن بني أمية بايع محمدًا بالخلافة، فلمَّا زالت دولة بني أمية وولي المنصور الخلافة تطلب محمدًا، فَفَرَّ، فألح في طلبه، فظهر بالمدينة، وبايعه قوم، وأرسل أخاه إبراهيم إلى البصرة، فملكها، وبايعه
قوم، فقدر أنهما قتلا، وقتل معهما جماعة كثيرة، وليس هؤلاء من الحرورية في شيء.
وقال الساجي: صدوق، ووثقه عفَّان، وقال العُقَيلي من طريق بن معين: كان يرى رأي الخوارج، ولم يكن داعية، وقال الترمذي: قال البخاري: صدوق يَهِمَ، وقال ابن شاهين في الثقات: كان من أخص الناس بقتادة. وقال الدارقطني. كان كثير المخالفة والوهم. وقال العجلي: بصري ثقة.
وقال الحاكم: صدوق، وأورده العقيلي عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة حديث "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء". قال: لا يتابع عليه بهذا اللفظ، ولا يعرف إلا به. أخرج له البخاري تعليقًا، والأربعة.
стр. 3338
٤ - (قتادة) بن دِعَامَة السَّدُوسيّ البصري، ثقة، رأس [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري، الإمام الحجة، من كبار [٣]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
تنبيه:
وقع في النسختين المصرية والهندية من "المجتبى" هنا: "الحسن بن زياد"، بزيادة ابن زياد، إلا أن في الهندية ما يشير إلى أنه لا يوجد في بعض النسخ زيادة بن زياد.
قال الجامع: هو الصواب، فإن الحسن هو البصري الراوي عن حريث في السند السابق؛ ولذا أورده أبو الحجاج المزي في "تحفته" في ترجمة الحسن البصري عن أبي رافع، عن أبي هريرة، كما أورده قبله في ترجمة الحسن البصري، عن حريث بن قبيصة، عن أبي هريرة ﵁، وليس في الكتب الستة من اسمه الحسن بن زياد أصلًا. فتفطن.
٦ - (أبو رافع) نُفَيع الصائغ المدني نزيل البصرة، ثقة ثبت، مشهور بكنيته، من [٢]، وتقدم في ١٢٩/ ١٩١.
٧ - (أبو هريرة) الصحابي الدوسي الجليل ﵁ تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
стр. 3339
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته وثقوا.
ومنها: أن شيخه، وشيخ شيخه ممن انفرد هو بهم، والباقون أخرجوا لهم، إلا أبا العَوَّام، فعلق عنه البخاري ولم يخرج له مسلم.
ومنها: أن رجاله بصريون إلا شيخه فَحَرَّاني، وأبا هريرة فمدني.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: قتادة والحسن وأبو رافع.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أخبرنا أبو داود) سليمان بن سيف (قال: حدثنا شعيب، يعني ابن بيان بن زياد بن ميمون) الصَّفَّار القَسْمَلِيّ (قال) أبو داود شيخ المصنف (كتب علي بين المديني عنه) أي عن شعيب هذا؛ يريد به تقوية أمره، وكونه معروفًا لَدَى المحدثين، حتى كتب عنه الإمام الجليل ابنُ المديني، ورَوَى عنه أيضًا إبراهيم بن المُسْتَمرّ العُرُوقِيّ، وأحمد بن علي العَمِّي، ومحمد بن يزيد الإسفاطي، ومهلبَ بن العلاء، ومحمد بن موسى الكديمي.
وروى هو عن شعبة، وأبي ظِلَال، وسَلاَّم بن مسكين.
стр. 3340
تنبيه:
قوله "كتب علي بن المديني عنه" صريح سياق المصنف أنه من كلام شيخه أبي داود، وهكذا ذكره الحافظ المزي في تهذيبه جـ ١٢ ص ٥٠٨. وجعله الحافظ في تهذيب التهذيب من كلام محمد بن موسى الكديمي انظر تت جـ ٤ ص ٣٤٩.
قال الجامع: لعله منقول عنهما، أو هو ذهول من الحافظ. والله أعلم.
(قال) شعيب (أخبرنا أبو العوَّام) عمران بن دَاوَر القَطَّانُ (عن قتادة) بن دِعَامَة (عن الحسن بن زياد) تقدم قريبًا أن الصواب "عن الحسن" بدون زيادة ابن زياد، وهو الحسن المصري (عن أبي رافع) نُفَيع الصائغ (عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ ، قال: إِن
أول ما يحاسب به العبد) من أعماله، وتقدم معنى الباء في الحديث الماضي (يوم القيامة صلاته، فإِن وُجِدَت تامّة) بأدائها على الوجه المطلوب (كتبت تامة) أي أثبتت في صحيفة أعماله تامة ليأخذ بها أجره بعد انتهاء المحاسبة على أعماله كلها (وإِن كان) "كان" زائدة، أو شأنية، اسمها ضمير الشأن، وخبرها الجملة بعدها (انتقص منها) "انتقص" لازم، ولذا رفع به قوله (شيء) سواء كان من فروضها، أو شروطها، أو مستحباتها، على ما تقدم من ترجيح القول بالعموم.
(قال) الله للملائكة (انظروا) في صحيفته (هل
стр. 3341
تجدون له من) زائدة (تطوع، يكمل له) من التكميل، أو الإكمال، والفعل مبني للمفعول (ما) موصولة في محل رفع على أنها نائب فاعل "يكمل"، ولا يصح ضبط يكمل هنا بالبناء للفاعل، لركاكة التركيب، بخلافه فيما تقدم (ضيّع) بتشديد الياء، من التضييع، صلة "ما" والعائد محذوف، لكونه منصوبًا، كما قال ابن مالك:
................ … وَالحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
في عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَمَنْ نرْجُو يَهَبْ
(من فريضة) بيان لـ"ما"، متعلق بحال مقدر، أي حال كون ما ضَيعَه كائنًا من فريضة، وقوله (من تطوعه) متعلق بيكمل، أي يكمل الذي ضيعه من فريضته مما تطوع به من النوافل.
وجملة "يكمل" إلخ جملة مستأنفة، استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع جوابًا لِسُؤَالٍ مقدر، فكأنه قيل: ماذا يعمل بالتطوع؟ فأجيب بأنه يكمل به ما نقص من الفرائض.
(ثم) بعد محاسبة الصلاة على هذا الوجه (سائر) أي باقي (الأعمال) من الصوم والزكاة والحج، وغيرها، فـ "سائر" مبتدأ، وخبره جملة قوله (تجري) بالبناء للفاعل، أو المفعول (على حساب
ذلك) أي على مثله، يقال: هذا بحسب هذا -بفتح السين- أي بعدده، وقدره، وقد يسكن سينه. كما تفيده عبارة "ق".
стр. 3342
يعني أن باقي الأعمال يحاسب عليها العبد على مثال محاسبة الصلاة، فإن كانت الفريضة تامة كتبت له تامة، وإلا نظر إلي التطوع فيكمل به ما نقص من الفريضة. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث أبى هريرة ﵁
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ صحيح.
سكت عنه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وما ذكر من الاضطراب في سنده يجاب عنه بما قال العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي: لعل الحسن البصري سمعه من ناس متعددين: حريث بن قبيصة، عند المصنف، والترمذي، وأبي رافع عند المصنف، وأنس بن حكيم عند أحمد وأبي داود والحاكم، ورجل من بني سليط عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والحاكم، أو يكون الرجل المبهم أحدهما، وليس هذا اضطرابًا فيه
يوجب ضعفه، بل هي طرق يؤيد بعضها بعضًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
حديث أبي هريرة عن الحسن، عن حريث بن قبيصة عنه، أخرجه المصنف هنا في "المجتبى" (٤٦٥) وفي "الكبرى" (٣٢٦) وعن الحسن،
стр. 3343
عن أبي رافع عنه، أخرجه هنا (٤٦٦) فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما طريق الحسن، عن حريث، فأخرجها الترمذي في "الصلاة" عن علي بن نصر الجَهْضَمي، عن سهل بن حماد، عن همام، عن قتادة، عنه. وأما طريق الحسن عن أبي رافع فمن أفراد المصنف. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: بيان عظم الصلاة، وفضلها على سائر العبادات؛ حيث وقعت المحاسبة عليها قبل سائر الأعمال.
ومنها: شدة حرص السلف على مُجَالَسَة الصالحين، وشدة رغبتهم في طلب العلم.
ومنها: بيان فضل الله تعالى على عباده المؤمنين حيث جبر خلل فرائضهم بنوافلهم.
ومنها: الترغيب على الاستكثار من نوافل العبادات، ليجبر بها ما يقع من النقص في الفرائض. والله أعلم، ومنه التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ
стр. 3344
قَيْسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا، وَإِلاَّ قَالَ اللَّهُ : انْظُرُوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ: أَكْمِلُوا بِهِ الْفَرِيضَةَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحَنْظَلِيُّ المروزي نزيل نيسابور، ثقة حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (النضر بن شُمَيل) المازني أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، في [٩]، تقدم في ٤١/ ٤٥.
٣ - (حماد بن سلمة) أبو سلمة البصري، ثقة عابد، من [٨]، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (الأزرق بن قيس) الحارثي البصري، ثقة، توفي بعد سنة ١٢٠، من [٣].
وفي "تت": قال النسائي: ثقة وقال ابن سعد: ثقة إن شاء الله، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطني: ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في
стр. 3345
ولاية خالد على العراق. أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي. اهـ.
٥ - (يحيى بن يعمر) بفتح التحتانية، والميم، بينهما مهملة ساكنة -وحكى بعضهم ضم الميم أيضا- البصري، نزيل مرو وقاضيها، ثقة فصيح، وكان يرسل، من [٣].
وفي "تت": أبو سليمان، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو عدي القيسي الجَدَلي، قاضي مرو. قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع من عائشة؟ قال: لا.
وقال الحسين بن الوليد عن هارون بن موسى: أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر. وقال قيس بن الربيع عن عبد الملك بن عمير: فصحاء الناس ثلاثة: موسى بن طلحة، ويحيى بن يعمر، وقبيصة بن جابر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال كان من فصحاء أهل زمانه، وأكثرهم علمًا باللغة مع الورع الشديد، وكان على قضاء مرو، ولاهُ قتيبة بن مسلم.
وقال الدارقطني: لم يَلْقَ عَمَّارًا، إلا أنه صحيح الحديث عمن لقيه. وقال أبو داود: بينه وبين عمار رجل، وقال ابن سعد: كان نحويًا صاحب علم بالعربية والقرآن، ولي القضاء بمرو، وكان
يقضي باليمين والشاهد، وكان ثقة، وقال الحاكم. يحيى بن يعمر فقيه، أديب، نحوي، مروزي، تابعي، وأكثر روايته عن التابعين، وأخذ النحو عن أبي الأسود الديلي، نفاه الحجاج إلى مرو، فقبله
стр. 3346
قتيبة بن مسلم، وقد قضى في أكبر مُدُن خُرَاسَان، وكان إذا انتقل من بلد استخلف على القضاء بها.
وقال أبو الحسن بن الأثير الجزري في الكامل: مات سنة ١٢٩ كذا قال، وفيه نظر، وقال غيره: مات في حدود العشرين، وقال ابن الجوزي: مات سنة ٨٩، وقيل: إن قتيبة عزله لما بلغه أنه يشرب المُنَصَّفَ. اهـ. "تت". جـ ١ ص ٣٠٥ - ٣٠٦.
٦ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، بَصْرِيُّون إلا شيخه فمروزي نيسابوري، وأبا هريرة فمدني.
ومنها: أن الأزرق، ويحيى بن يعمر هذا الباب أول محل ذكرهما من هذا الكتاب.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة؛ روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ ) أنه (قال:
стр. 3347
أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإِن أكملها" جواب "إن" محذوف، تقديره قُبِلَت (وإِلا) "إن" شرطية، أبدلت نونها لامًا، وأدغمت، في لام "لا" النافية، وفعل الشرط محذوف، تقديره: وإن لا يكملها، وجوابه قوله (قال الله لملائكته (انظروا لعبدي من تطوع، فإِن وجد له تطوع، قال) الله تعالى (أكملوا به) أي بتطوعه (الفريضة) أي ما نقص منها.
تنبيه:
هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٦٧)، وفي "الكبرى" (٣٢٥).
وقد تقدم ذكر الفوائد في الحديث السابق. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3348
١٠ - بَابُ ثَوَابِ مَنْ أقَام الصَّلاةَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ثواب الشخص الذي أقام الصلاة.
وإقامة الشيء: إدامة فعله، والمحافظة عليه، وتَوْفيَةُ حقه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] أي توفون حقوقهما بالعلم والعمل، وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦].
ولم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر، ولا مدح حيثما مدحَ، إلا بلفظ الإقامة، تنبيهًا أن المقصود منها توفية شرائطها، لا الإتيان بهيئتها، نحو ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ في غير موضع ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]. قاله الراغب الأصفهاني في "مفردات القرآن"
ص ٦٩٢، ٦٩٣. والله تعالى أعلم.
٤٦٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ رَجُلاً، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي
стр. 3349
الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعْبُدُ اللهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. ذَرْهَا" كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي) البصري، ثقة، من [١١].
وفي "تت": محمد بن عثمان بن أبي صفوان بن مروان بن عثمان ابن أبي العاص الثقفي، أبو عبد الله، وقيل: أبو صفوان البصري، وقيل في نسبه غير ذلك.
قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ٢٥٠، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ٢٥٢. أخرج له الترمذي، والنسائي. اهـ.
٢ - (بهز بن أسد) العمي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، توفي بعد سنة ٢٠٠، من [٩]، وتقدم في ٢٤/ ٢٨.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي، ثم البصري، ثقة حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (محمد بن عثمان بن عبد الله) بن موهب التيمي مولاهم،
стр. 3350
ثقة، من [٦]، ويقال: الصواب: عمرو، وقيل: هو أخوه.
وفي "تت": مولى آل طلحة، روى عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب أن رجلًا، قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة … الحديث، رواه شعبة عنه، وعن أبيه عثمان جميعًا عن موسى، قال البخاري: أخشى أن يكون محمد غير محفوظ، وإنما هو عمرو بن عثمان، وهكذا رواه القطان، وابن نمير، وغير واحد عن عمرو بن عثمان، عن موسى، وذكر أبو يحيى أن محمدًا هذا أخ لعمرو. فالله أعلم. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. اهـ. "تت".
وفي "الفتح" بعد ذكر ما تقدم عن البخاري: ما نصه: وجزم في التاريخ بذلك، وكذا قال مسلم في شيوخ شعبة، والدارقطني في العلل، وآخرون: المحفوظ: عمرو بن عثمان، وقال النووي: اتفقوا على أنه وَهَمٌ من شعبة، وأن الصواب: عمرو. والله أعلم. اهـ. "فتح" جـ ٣ ص٣١١، ٣١٢.
٥ - (عثمان بن عبد الله) بن مِوْهَب بفتح الهاء -التيمي مولاهم المدني الأعرج، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من [٤].
وفي "تت": أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو الأعرج، مولى آل طلحة، وَثَّقَهُ ابن معين، وأبو داود، والنسائي، ويعقوب بن شيبة، والعجلي، وابن حبان، وقال: مات سنة ١٦٠ وفيها أرخه ابن سعد،
стр. 3351
وخليفة بن خيَّاط، وابن قانع. روى له الجماعة إلا أبا داود. اهـ.
٦ - (موسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي، أبو عيسى، أو أبو محمد، المدني نزيل الكوفة، ثقة جليل، ويقال: ولد في عهد النبي ﷺ ، وأمُّهُ خَوْلَة بنت القَعْقَاعِ بن مَعْبَدِ بنِ زُرَارَةَ. من [٢].
وفي "تت": قال ابن سعد: قال الواقدي: رأيت مَنْ قبَلنَا وأهلَ بيته يكنونه أبا عيسى، وكان كثير الحديث. وقال الزبير بن بَكَّار: كان من وجوه آل طلحة، وقال المرُّوذِيّ عن أحمد: ليس به بأس، وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان خيارًا، وقال مرة: كوفي ثقة رجل صالح.
وقال أبو حاتم: يقال: إنه أفضل ولد طلحة بعد محمد، كان يسمى في زمانه المهدي. وقال ابن خراش: كان من أجلاء المسلمين، ويقال: إنه شهد الجمل مع أبيه، وأطلقه عليّ بعد أن أسِرَ، ويقال: إنه فَرَّ من الكوفة إلى البصرة لمَّا ظَهَرَ المختار بن أبي عبيد، وعن عبد الملك بن عمير، قال: كان فصحاء الناس أربعة، فذكره فيهم.
وروى العقدي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى قال: صحبت عثمان اثنتي عشرة سنة. وقال الهيثم، وابن سعد، وغير واحد: مات سنة ١٠٣، وقال أبو عبيد: مات سنة ثلاث، أو أربع. وقال أبو نعيم، وأحمد: مات سنة ١٠٤ ويقال: سنة ١٠٦. قال ابن
عساكر: يقال: إنه ولد في عهد رسول الله ﷺ ، وهو سماه. اهـ "تت"
جـ ١٠ ص ٣٥٠ - ٣٥١. روى له الجماعة.
стр. 3352
٧ - (أبي أيوب) الأنصاري خالد بن زيد بن كُلَيب الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٢٠/ ٢٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أن شعبة وبهزًا، وموسى، وأبا أيوب ممن اتفق الستة بالتخريج لهم، وأن شيخه ممن انفرد به هو وأبو داود، ومحمد بن عثمان من رجال البخاري ومسلم والنسائي، وأبوه عثمان من رجال البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ومنها: أن شيخه، ومحمد بن عثمان، وأباه عثمان، وموسى بن طلحة، هذا الباب أول محل ذكرهم من هذا الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي أيوب) خالد بن زيد الأنصاري من كبار الصحابة ﵁، مات غازيًا بالروم سنة ٥٠، وقيل: بعدها (أن رجلًا) هذا الرجل حَكَى ابنُ قتيبة في غريب الحديث له أنه أبو أيوب الراوي، وغَلَّطه في ذلك بعضهم، فقال: إنما هو راوي الحديث.
قال الحافظ ﵀: وفي التغليط نظر، إذ لا مانع أن يُبِهمَ الراوي نفسه لغرض له، ولا يقال: يَبْعُدُ، لوصفه في رواية أبي هريرة التي بعد هذه بكونه أعرابيًا، لأنا نقول: لا مانع من تعدد القصة، فيكون
стр. 3353
السائل في حديث أبي أيوب هو نفسه، لقوله: أن رجلًا، والسائل في حديث أبي هريرة أعرابي آخر، قد سُمِّيَ فيما رواه البغوي، وابن السكن، والطبراني في "الكبير"، وأبو مسلم الكجي في "السنن" من طريق محمد بن جُحَادَة وغيره، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري أن أباه حدثه، قال:
انطلقت إلى الكوفة، فدخلت المسجد، فاذا رجل من قيس يقال له: ابن المنتفق، وهو يقول: وُصِفَ لي رسولُ الله ﷺ ـ، فطلبته، فلقيته بعرفات، فزاحمت عليه، فقيل لي: إليك عنه، فقال: "دعوا الرجل، أرَبٌ مَّا لهُ"، قال: فزاحمت عليه حتى خَلَصْتُ إليه، فأخذت بخطام راحلته، فما غَيَّرَ عَلَيَّ.
قال: شيئين أسألك عنهما: ما ينجيني من النار، وما يدخلني الجنة؟ قال: فنظر إلى السماء، ثم أقبل عليّ بوجهه الكريم، فقال: "لئن كنت أوجزتَ المسألةَ، لقد أعظمت وطَوَّلت فاعقل عليّ، اعبد الله، لا تشرك به شيئًا، وأقم الصلاة المكتوبة، وأدِّ الزكاةَ المفروضة، وصُمْ رَمَضَانَ".
وأخرجه البخاري في "التاريخ" من طريق يونس بن أبي إسحاق عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن أبيه، قال: غَدَوْتُ، فإذا رجل يحدثهم، قال: وقال جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن المغيرة بن عبد الله، قال: سأل أعرابي النبي ﷺ ، ثم ذكر الاختلاف فيه
стр. 3354
عن الأعمش، وأن بعضهم قال فيه: عن المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، والصواب: المغيرة بن عبد الله اليشكري، وزعم الصيرفي أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صَبِرَة وافد بني المُنْتَفِق. فالله أعلم.
وقد يؤخذ من هذه الرواية أن السائل في حديث أبي هريرة هو السائل في حديث أبي أيوب، لأن سياقه شبيه بالقصة التي ذكرها أبو هريرة، لكن قوله في هذه الرواية: "أرَبٌ ما له"، في رواية أبي أيوب دون أبي هريرة، وكذا حديث أبي أيوب وقع عند مسلم من رواية عبد الله بن نمير، عن عمرو بن عثمان بلفظ "أن أعرابيًا عَرَضَ لرسول الله ﷺ ، وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته، ثم قال: يا رسول الله أخبرني … " فذكره، وهذا شبيه بقصة سؤال ابن المنتفق. وأيضًا فأبو أيوب لا يقول عن نفسه: "أن أعرابيًا". والله أعلم
وقد وقع نحو هذا السؤال لصخر بن القعقاع الباهلي، في حديث الطبراني أيضًا من طريق قَزَعَة بن سُوَيد الباهلي: حدثني أبي، حدثني خالي، واسمه صخر بن القعقاع، قال: لقيت النبي ﷺ بين عرفة ومزدلفة، فأخذتُ بخطام ناقته، فقلت: يا رسول الله ما يقربني من الجنة، ويباعدني من النار … فذكر الحديث، وإسناده حسن. اهـ.
"فتح" جـ ٣ ص ٣١٠، ٣١١.
стр. 3355
(قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة) برفع "يدخلني"، والجملة في محل جر صفة لعمل، ويجوز جزمه بتقدير "إن عملته"، أو على أنه جواب الأمر.
وفي عمدة القاري: الجزم فيه على جواب الأمر غير مستقيم، لأنه إذا جُعِلَ جوابَ الأمر يبقى قوله "بعمل" غير موصوف، والنكرة غير الموصوفة لا تفيد، كذا قاله صاحب المظهر شارح المصابيح.
قال العيني ﵀: التنكير في "بعمل" للتفخيم، أو التنويع، أي بعمل عظيم، أو معتبر في الشرع، أو نقول إذا صح الجزم فيه: إن جزاء الشرط محذوف، تقديره: أخبرني بعمل إن عملتُهُ يدخلني الجنة، فالجملة الشرطية بأسرها صفة لعمل، فافهم. اهـ. "عمدة" جـ ٨ ص ٢٣٩.
ويدخلني من الإدخال، أي يدخلني الله به، أو يدخلني ذلك العمل عل الإسناد المجازي. قاله السندي. زاد في رواية البخاري في "كتاب الأدب" فقال القوم: ما له، ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : "أرب ما له"، وهو بفتح الهمزة والراء منونًا، أي حاجة، و"ما" زائدة للتأكيد، كأنه قال: له حاجة مَّا.
وقال ابن الجوزي: المعنى له حاجة مهمة مفيدة جاءت به، لأنه عَلِمَ بالسؤال أنَّ له حاجةً، ورُوِيَ "أرِبَ" بلفظ الماضي، يقال: أرِبَ الرجَلُ في الأمر إذا بلغ فيه جُهْدَه، قالهَ النضر بن شميل، وعن الأصمعي: أرِبَ في الشيء صار ماهرًا فيه، فهو أرِيب، وكأنه تَعَجَّبَ من حُسْن
стр. 3356
فطنته، والاهتداء إلى موضع حاجته، ويؤيده قوله في رواية مسلم: فقال النبي ﷺ : "لقد وُفِّقَ، أو هُدِيَ". اهـ. فتح بتصرف جـ ٣ ص ٣١١.
(تعبد الله) أي توحده، فهو بتقدير حرف مصدري، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقول الشاعر (من الطويل):
ألا أيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
أو الفعل مُنَزَّل مَنزِلَةَ المصدر، كقولهم: تَسْمَعُ بالمُعَيْديّ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَرَاهُ. أو خبر بمعنى الأمر، أي: اعبد الله.
والعبادة يحتمل أن تكون بمعنى التوحيد، فيكون قوله (ولا تشرك به شيئا) تفسيرًا وتأكيدًا له، ويحتمل أن تكون بمعني الطاعة مطلقًا، فتكون الجملة بعده لبيان الإخلاص وترك الرياء، وعلى هذا فعطف قوله "وتقيم الصلاة … " إلخ تخصيص بعد تعميم.
وقال البدر العيني ﵀: قوله "تعبد الله" أي توحده، وفسره بقوله: "ولا تشرك به شيئًا"، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] أي ليوحدوني.
والتحقيق هنا أن العبادة: الطاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيته، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وما بعدها، لإدخالها في الإسلام، وإنها لم تكن دخلت في العبادة، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقًا، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها، فعلى هذا يكون عطف الصلاة
стр. 3357
وغيرها من باب عطف الخاص على العام تنبيهًا على شرفه وَمَزِيَّتِهِ.
وإنما ذكر قوله: "ولا تشرك به شيئًا"، بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدون الله سبحانه في الصورة، ويعبدون معه أوثانًا، يزعمون أنها شركاء، فَنَفَى هذا. اهـ. عمدة جـ ٨ ص ٢٤٠.
(وتقيم الصلاة) أي تديم فعْلَهَا وتحافظ عليها على الوجه المطلوب، وتَقَدَّمَ أوّلَ الباب ما قاله الراغب الأصفهاني في معنى إقامة الصلاة. والمراد الصلاة المكتوبة، لما في رواية البخاري، "وتقيم الصلاة المكتوبة" (وتؤتي الزكاة) أي تعطي الزكاة مستحقَّها، فالمفعول الثاني محذوف، والمراد به الزكاة المفروضة، لما في رواية البخاري "وتُؤَدِّي الزكاة المفروضة" (وتصل الرحم) من وَصَلَ يَصِلُ صِلَةً، من باب وَعَدَ. ومعنى صلةِ الرَّحِمِ: مشاركةُ ذوي القربى في الخيرات، قاله العيني.
وَقال الحافظ: قوله: "وتصل الرحم" أي تُوَاسِي ذوي القرابة في الخيرات، وقال النووي: معناه أن تحُسنَ إلى أقاربكَ ذوي رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم من إنفاق، أو سلام، أو طاعة، أو غير ذلك.
وخَصَّ هذه الخصلة من بين خلال الخير نظرًا إلى حال السائل؛ كأنه كان لا يصل رَحمَهُ، فأمره به، لأنه المهم بالنسبة إليه، ويؤخذ منه تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها بحسب حال المخاطب، وافتقاره للتنبيه عليها أكثَر مما سواها، إما لمشقتها عليه، وإما لتساهله في أمرها.
стр. 3358
اهـ. "فتح" جـ ٣ ص ٣١١.
وقال القرطبي: إنما لم يخبرهم بالتطوع لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم للتخفيف، لئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم لها، فتسهل عليهم. اهـ "عمدة" جـ ٨ ص ٢٤٠.
(ذرها) أي اترك الناقة تمشي وهو أمر من وَذرْتُهُ أذَرهُ: إذا تَرَكْتَهُ، قالوا: وأمَاتَت العرب ماضيَه ومصدره، فإذا أريدًا لماضي قيل: تَرَكَ، وربما استُعمِلَ الماضي على قِلَّةٍ، ولا يستعمل منه اسم الفاعل، قاله في "المصباح".
وفي "ق": ذَرْهُ: أي دَعْهُ، يَذَرُ تَرْكًا، ولا تقل: وَذْرًا، وأصله: وذرَهُ يَذَرُهُ، كَوَسعُهُ يَسَعُهُ، لكن ما نطقوا بماضيه، ولا بمصدره، ولا باسَم الفاعل، أوَ قيل: وذِرْتُهُ شَاذَّا. اهـ.
والمعنى أنه ﷺ أمر الرجل أن يترك ناقته، لأنه كان حَبَسَهَا لأجل
السؤال (كأنه) ﷺ (كان) راكبًا (على راحلته)، وهذا الكلام من
بعض الرواة؛ موسى، أو من دونه، يريد أن قوله. "ذَرْهَا"، يدل على كونه راكبًا على الراحلة، لكونه منعها عن المسير لأجل أن يسأل عن الأمر الذي يُدْخِلُهُ الجنة.
و"كأن" هنا للتشبيه، كما هو معناها عند الجمهور، أو للظن، كما رأى بعض النحاة، أي أظنه راكبًا على راحلته، ويحتمل أنها للتحقيق
стр. 3359
على رأي الكوفيين، على حد قول الشاعر (من الوافر):
فَأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا … كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَامُ
أي لأن الأرض ليس بها هشام. انظر التفاصيل في "مغني اللبيب" لابن هشام جـ ١ ص١٦١، ١٦٢.
وعلى هذا الاحتمال الأخير فالظاهر أن قائل "كأنه كان على راحلته" هو أبو أيوب ﵁، أي إنما قال له "ذَرْهَا" لأنه كان راكبًا على راحلته، فمنعها من سيرها، فكأنه يقول له: قد قضيتَ حاجتك، فاترك الناقة تُوَاصِلُ سَيْرَهَا. والله أعلم.
وقال العيني: قوله: "ذرها" أي اترك الر احلة ودَعْهَا، كأن الرجل كان على الراحلة حين سأل المسألة. وفَهِمَ رسولُ الله ﷺ استعجالَهُ، فَلمَّا حَصَّلَ مقصودَهُ من الجواب قال له: دَعِ الراحلةَ تمَشِي إلى منزلك، إذ لم يَبْقَ لك حاجة فيما قصدته، أو كان ﷺ راكبًا وهو كان آخذًا بزمام راحلته، فقال بعد الجواب: دع زِمَامَ الراحلة. اهـ. "عمدة" جـ ١٨ ص ١٢٧.
قال الجامع: الاحتمال الأول مما ذكر العيني بعيد، بل الاحتمال الثاني هو الأولى، كما سبق تقريره، ومما يبين ذلك ما تقدم في بعض طرق الحديث أن السائل أخَذَ بخطامِ ناقته ﷺ . فتبصر. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ هذا متفق عليه.
стр. 3360
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه المصنف هنا في "المجتبى" (٤٦٨)، وفي "الكبرى" في "الصلاة" أيضًا (٣٢٨)، وفي "الكبرى" في "العلم" (٥٨٨٠) بالسند المذكور هنا. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم، فأخرجه البخاري في "الزكاة"، عن حفص ابن عمر، عن شعبة، عن محمد بن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب، عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب ﵁. وقال: أخشى أن يكون غير محفوظ، إنما هو عمرو.
وفي "الأدب"، عن أبي الوليد، عن شعبة، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب، ولم يُسَمَّ-، عن موسى … وعن عبد الرحمن بن بِشْر، عن بَهْزِ بنِ أسَد، عن شعبة عن ابن عثمان بن عبد الله -وأبيه عثمان- كلاهما عن موسى.
وأخرجه مسلم في "الإيمان" عن محمد بن عبد الله بن نمُير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن موسى … وعن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر - كلاهما عن بهز، عن شعبة، عن محمد بن عثمان، وأبيه عثمان، عن موسى … وعن يحيى بن يحيى، وأبي بكر ابن أبي شيبة - كلاهما عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن موسى. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
стр. 3361
منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان ثواب من أقام الصلاة، حيث إن أداءها على الوجه المطلوب من موجبات الجنة.
ومنها: ما كان عليه الصحابة من شدة رغبتهم إلى الجنة، وبحثهم عما يكون سببًا في دخولها، وهذا هو الواجب على العاقل، فلا ينبغي أن يشغل نفسه بغير ذلك، فإن دخولها هو الفوز العظيم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ومنها: بيان قدر التوحيد، وأنه أساس الأعمال كلها.
ومنها: بيان فرضية الصلاة والزكاة، وبيان فضلهما.
ومنها: بيان فضل صلة الرحم، وأنها من أسباب دخول الجنة، وأن قطعها من الكبائر المانعة عن دخولها؛ فقد أخرج الشيخان من حديث جبير بن مطعم ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة قاطع"، يعني قاطع رحم.
ومنها: جواز الإفتاء، وهو على الدابة، وقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب العلم، فقال: "باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها"؛ فأخرج حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه … الحديث. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3362
١١ - بَابُ عَدَدِ صَلاةِ الظُّهرِ في الحَضَرِ
أي باب ذكر الحديث الدال على بيان عدد صلاة الظهر في الحضر.
قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": "صلاة الظهر" معروفة، سميت ظهرًا لظهورها وبُرُوزِهَا. اهـ. جـ ٣ ص ١٩٦.
وقال في المصباح: و"الظه" مضمومًا -أي مضافًا- إلى "الصلاة" مؤنثة، فيقال: دخلت صلاة الظهر، ومن غير الإضافة يجوز التأنيث، والتذكير، فالتأنيث على معنى ساعة الزوال، والتذكير على معنى الوقت والحين، فيقال: حَانَ الظهرُ، وحانت الظهر، ويُقَاسُ على هذا باقي الصلوات. اهـ. "المصباح" جـ ٢ ص ٣٨٧، ٣٨٨.
والحَضَر -بفتحتين- خلاف البَدْوِ، والنسبة إليه حَضَرِيّ على لفظه. قاله في المصباح.
وفي اللسان: والحَضَرُ -أي بفتحتين-، والحَضْرَةُ -أي بفتح فسكون- والحاضِرَةُ: خلاف البادية، وهي المُدُنُ والقُرَى، والرِّيفُ. اهـ
والمراد به هنا خلاف السفر الذي تُقْصَرُ فيه الصلاة. والله تعالى أعلم.
٤٦٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسًا، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ الْعَصْرَ
стр. 3363
رَكْعَتَيْنِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، الحجة الثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي ثم المكي، الإمام الحجة الثبت، من كبار [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (ابن المنكدر) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، ثقة فاضل، توفي سنة ١٣٠، أو بعدها، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٣/ ١٣٨.
٤ - (إِبراهم بن مَيْسرَة) الطائفي ثم المكي، ثقة حافظ، من [٥].
وفي "تت": قال البخاري: له نحو ستين حديثًا، أو أكثر، وقال الحميدي عن سفيان: أخبرني إبراهيم بن ميسرة؛ من لَمْ تَرَ عَيْنَاك والله مثله، وقال حامد البلخي عن سفيان: كان من أوثق الناس، وأصدقهم.
وقال أحمد، ويحيى، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: مات في خلافة مَرْوَانَ بن محمد، وكان كثير الحديث. وقال ابن المديني: قلت لسفيان: أين كان حفظ إبراهيم عن طاوس، من حفظ
стр. 3364
ابن طاوس؟ قال: لو شئت أن أقول لك: إني أقدم إبراهيم عليه في الحفظ، لقلت. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال البخاري: مات قريبًا من سنة ١٣٢ اهـ. روى له الجماعة. "تت" جـ ١ ص ١٧٢.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعياته، وهو -١٥ - من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وقد تقدم.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة بالإخراج لهم.
ومنها: أن إبراهيم هذا الباب أول محل ذكره.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن) محمد (ابن المنكدر) التيمي (وإِبراهيم بن ميسرة) بالجر عطفًا على ابن المنكدر، فسفيان يروي عنهما جميعًا، أنهما (سمعا أنسًا) ﵁ (قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا) أي أربع ركعات، وكان ذلك في اليوم الذي خرج فيه إلى مكة
стр. 3365
للحج، وهو يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة، وقيل: يوم السبت لخمس ليال بقين منه، وفي صحيح مسلم "لخمس بقين من ذي القعدة" وذلك سَنَةَ عشرٍ، للحجّ. أفاده العيني.
(و) صليت (بذي الحليفة) ماءٌ من مياه بني جُشَم، ثم سُمِّيَ به الموضع، تصغير حلفة، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مَرْحَلَةٍ عنها، ويقال: ستة أميال. وقيل: سبعة. انتهى المصباح مع زيادة.
(العصر) أي صلاة العصر (ركعتين) فيه أن من أراد السفر لا يَقْصُرُ حتى يَبْرُزَ من البلد، خلافًا لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته، وفيه أيضًا حجة على مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل. واستدل به من قال بجواز القصر في السقر القصير، لأن بين
المدينة وذي الحليفة ستة أميال.
وتعقب بأن ذا الحليفة لم يكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان قاصدًا إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حَضَرتْ بها العصرُ، فقصرها، واستَمَرَّ يقصر إلى أن رجع إلى المدينة. أفاده في الفتح جـ ٢ ص ٦٦٤. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
следующие страницы →