← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان ثواب من أقام الصلاة، حيث إن أداءها على الوجه المطلوب من موجبات الجنة. ومنها: ما كان عليه الصحابة من شدة رغبتهم إلى الجنة، وبحثهم عما يكون سببًا في دخولها، وهذا هو الواجب على العاقل، فلا ينبغي أن يشغل نفسه بغير ذلك، فإن دخولها هو الفوز العظيم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ومنها: بيان قدر التوحيد، وأنه أساس الأعمال كلها. ومنها: بيان فرضية الصلاة والزكاة، وبيان فضلهما. ومنها: بيان فضل صلة الرحم، وأنها من أسباب دخول الجنة، وأن قطعها من الكبائر المانعة عن دخولها؛ فقد أخرج الشيخان من حديث جبير بن مطعم ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة قاطع"، يعني قاطع رحم. ومنها: جواز الإفتاء، وهو على الدابة، وقد عقد البخاري في صحيحه في كتاب العلم، فقال: "باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها"؛ فأخرج حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه … الحديث. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3362

١١ - بَابُ عَدَدِ صَلاةِ الظُّهرِ في الحَضَرِ أي باب ذكر الحديث الدال على بيان عدد صلاة الظهر في الحضر. قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات": "صلاة الظهر" معروفة، سميت ظهرًا لظهورها وبُرُوزِهَا. اهـ. جـ ٣ ص ١٩٦. وقال في المصباح: و"الظه" مضمومًا -أي مضافًا- إلى "الصلاة" مؤنثة، فيقال: دخلت صلاة الظهر، ومن غير الإضافة يجوز التأنيث، والتذكير، فالتأنيث على معنى ساعة الزوال، والتذكير على معنى الوقت والحين، فيقال: حَانَ الظهرُ، وحانت الظهر، ويُقَاسُ على هذا باقي الصلوات. اهـ. "المصباح" جـ ٢ ص ٣٨٧، ٣٨٨. والحَضَر -بفتحتين- خلاف البَدْوِ، والنسبة إليه حَضَرِيّ على لفظه. قاله في المصباح. وفي اللسان: والحَضَرُ -أي بفتحتين-، والحَضْرَةُ -أي بفتح فسكون- والحاضِرَةُ: خلاف البادية، وهي المُدُنُ والقُرَى، والرِّيفُ. اهـ والمراد به هنا خلاف السفر الذي تُقْصَرُ فيه الصلاة. والله تعالى أعلم. ٤٦٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، سَمِعَا أَنَسًا، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ الْعَصْرَ

стр. 3363

رَكْعَتَيْنِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، الحجة الثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي ثم المكي، الإمام الحجة الثبت، من كبار [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (ابن المنكدر) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، ثقة فاضل، توفي سنة ١٣٠، أو بعدها، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٣/ ١٣٨. ٤ - (إِبراهم بن مَيْسرَة) الطائفي ثم المكي، ثقة حافظ، من [٥]. وفي "تت": قال البخاري: له نحو ستين حديثًا، أو أكثر، وقال الحميدي عن سفيان: أخبرني إبراهيم بن ميسرة؛ من لَمْ تَرَ عَيْنَاك والله مثله، وقال حامد البلخي عن سفيان: كان من أوثق الناس، وأصدقهم. وقال أحمد، ويحيى، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: مات في خلافة مَرْوَانَ بن محمد، وكان كثير الحديث. وقال ابن المديني: قلت لسفيان: أين كان حفظ إبراهيم عن طاوس، من حفظ

стр. 3364

ابن طاوس؟ قال: لو شئت أن أقول لك: إني أقدم إبراهيم عليه في الحفظ، لقلت. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: مات قريبًا من سنة ١٣٢ اهـ. روى له الجماعة. "تت" جـ ١ ص ١٧٢. ٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعياته، وهو -١٥ - من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وقد تقدم. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة بالإخراج لهم. ومنها: أن إبراهيم هذا الباب أول محل ذكره. ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله أعلم. شرح الحديث (عن) محمد (ابن المنكدر) التيمي (وإِبراهيم بن ميسرة) بالجر عطفًا على ابن المنكدر، فسفيان يروي عنهما جميعًا، أنهما (سمعا أنسًا) ﵁ (قال: صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعًا) أي أربع ركعات، وكان ذلك في اليوم الذي خرج فيه إلى مكة

стр. 3365

للحج، وهو يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة، وقيل: يوم السبت لخمس ليال بقين منه، وفي صحيح مسلم "لخمس بقين من ذي القعدة" وذلك سَنَةَ عشرٍ، للحجّ. أفاده العيني. (و) صليت (بذي الحليفة) ماءٌ من مياه بني جُشَم، ثم سُمِّيَ به الموضع، تصغير حلفة، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مَرْحَلَةٍ عنها، ويقال: ستة أميال. وقيل: سبعة. انتهى المصباح مع زيادة. (العصر) أي صلاة العصر (ركعتين) فيه أن من أراد السفر لا يَقْصُرُ حتى يَبْرُزَ من البلد، خلافًا لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته، وفيه أيضًا حجة على مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل. واستدل به من قال بجواز القصر في السقر القصير، لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال. وتعقب بأن ذا الحليفة لم يكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها حيث كان قاصدًا إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حَضَرتْ بها العصرُ، فقصرها، واستَمَرَّ يقصر إلى أن رجع إلى المدينة. أفاده في الفتح جـ ٢ ص ٦٦٤. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.

стр. 3366

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٦٩)، وفي "الكبرى" في "الصلاة" أيضا (٣٥٣) بسند الباب، وقال بعده: قال أبو عبد الرحمن: ابن المنكدر اسمه محمد، وله ثلاث بنين: عمر بن محمد بن المنكدر، والمنكدر بن محمد بن المنكدر، ويوسف بن محمد بن المنكدر، فعمر بن محمد بن المنكدر ثقة، والمنكدر بن محمد بن المنكدر ليس بالقوي؛ في حفظه سُوء، ويوسف بن محمد ليس بشيء في الحديث. اهـ. جـ ١ ص ١٥١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، كلاهما عن أنس ﵁. والله تعالى أعلم. وأخرجه مسلم في "الصلاة" أيضًا عن سعيد بن منصور- وأبو داود فيها عن زهير بن حرب - والترمذي فيها عن قتيبة - ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، وإبراهيم، كلاهما عن أنس ﵁. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان عدد صلاة الظهر في الحضر، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم. ومنها: بيان مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر.

стр. 3367

ومنها: أن من أراد سفرًا لا يشرع له القصر قبل خروجه من بيته، خلافًا لمن قال: يقصر ولو في بيته. ومنها: أن من خرج من بيته يقصر ولو لم يدخل الليل، خلافًا لمجاهد. ومنها: أن الخروج إلى المحل القريب لا يشرع فيه القصر، لأنه ﷺ كان يأتي قباء، وأحُدًا، وَبقِيعًا، وغيرَ ذلك فما قصر فيها، وإنما قصر في السفر الطويل، كمكة ونحوها. وسيأتي تحقيق مسائل السفر وبيان مذاهب العلماء بأدلتها؛ وترجيح الراجح منها بدليله في "كتاب تقصير الصلاة في السفر" - إن شاء الله تعالى. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 3368

١٢ - بَابُ صَلاةِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على عدد صلاة الظهر في حالة السفر. والسَّفر -بفتحتين- خِلافُ الحَضَر. قال الفيومي ﵀: سَفَرَ الرَّجُلُ سَفْرًا، من باب ضرب، فهو سافِرٌ، والجمع سَفْرٌ -أي بفتح فسكون- مثل رَاكبٍ وركْب، وصاحب وصَحْب، وهو في الأصل مصدر، والاسم السَّفَرُ -بفتحتين- وهو قطع المَسَافة، يقال ذلك إذا خرج للارتِحَال، أو لقصد موضع فوق مسافة العَدْوَي (١)، لأن العَرَب لا يُسَمُّون مسافَةَ العَدْوَى سَفَرًا. وقال بعض المصنفين: أقلُّ السفر يومٌ، كأنه أخذَ من قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] فإن في التفسير: كان أصل أسفارهم يومًا يَقِيلُون في موضع، ويَبِيتُون في موضع، ولا يتزودون لهذا. لكن استعمال الفعل، واسم الفاعل منه مَهْجُور، وجمع الاسم أسْفَار، وقوم سَافِرةٌ، وسُفَّار، وَسافَرَ مُسَافَرةً كذلك، وكانت سَفْرَتُهُ قريبةً، وقياس جمعها سَفَرَات، مثل سَجْدَة وسَجَدَات. اهـ. "المصباح

стр. 3369

المنير" ص ٢٨٧. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق تحديد المسافة التي يشرع فيها قصر الصلاة في موضعه إن شاء الله تعالى. ٤٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ- قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى إِلَى الْبَطْحَاءِ- فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى، الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن المثنى) بن عبيد بن قيس أبو موسى العَنَزِي البصري، المعروف بالزَّمِنِ، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، أبو بكر بُنْدَار، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧. ٣ - (محمد بن جعفر) الهُذَليُّ مولاهم البصري، المعروف بغُنْدَر، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غَفْلَة، توفي سنة ١٩٣، أو ١٩٤، من [٩]، تقدم في ٢١/ ٢٢.

стр. 3370

٤ - (شعبة) بن الحجَّاج بن الوَرْد العَتكِيُّ مولاهم أبو بِسْطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن عابد حجة، توفي سنة ١٦٠ عن ٧٧ سنة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٥ - (الحكم بن عُتَيْبَةَ) أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلَّسَ، توفي سنة ١١٣ أو بعدها عن نيف وستين سنة، من [٥]، تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٦ - (أبو جُحَيْفَة) وَهْبُ بن عبد الله السُّوَائي، بضم المهملة والمد، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، مشهور بكنيته، ويقال: وهبُ الخَيْرِ، صحابي معروف، وصحب عليًا، وسكن الكوفة، ومات سنة ٧٤ ﵁. تقدم في ١٠٣/ ١٣٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رجاله كلهم ثقات أجلاء من رجال الكتب الستة. ومنها: أن شيخيه ممن اتفق الستة بالرواية عنهم بدون واسطة، وهم تسعة جمعتهم بقولي: اشَتَركَ الأئِمَّةُ الهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَةِ الوُعَاةُ في تِسْعَة مِنَ الشّيُوخِ المَهَرَهْ … النَّاقِدِينَ الحَافِظِينَ البَرَرَهْ أوْلَئِك الأشَجُّ وابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ ويَعْقُوبُ وعَمْروٌ السَّري وابْنُ العَلاءِ وابْنُ بَشَّارٍ كَذا … ابن المُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى

стр. 3371

ومنها: أن الأربعة الأوَّلين بصريون، والحكمُ وأبو جحيفة كوفيان. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن الحكم بن عتيبة) بصيغة تصغير عُتْبَةَ الكنديُّ، أنه (قال: سمعت أبا حنيفة) وهب بن عبد الله السوائي ﵁ (قال: خرج رسول الله ﷺ )، أي من قبته التي كان فيها، ففي صحيح البخاري من رواية عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﷺ في قُبَّة حَمْرَاء، من أدَم، ورأيت بلالًا أخذ وَضُوءَ رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذاك الوَضُوء، فمن أصاب منه شيئا تَمَسَّحَ به، ومن لم يُصب منه شيئًا أخذ من بَلَلِ يد صاحبه، ثم رأيت بلالًا أخذ عَنَزَة، فَرَكَزَهَا، وخرج النبي ﷺ في حلة حمراء مُشَمِّرًا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزَةِ". وفي رواية مسلم من طريق الثوري، عن عون ما يُشْعرُ بأن ذلك كان بعد خروجه من مكة، لقوله: "ثم لم يزل يصلي ركعتينَ حتى رجع إلى المدينة". (بالهاجرة) متعلق بخرج، والباء فيه ظرفية، أي في الهاجرة. والهاجرة، ويقال أيضًا: الهَجيرُ، والهَجيرَةُ، والهَجْرُ -بفتح فسكون-: نصفُ النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر، سُمِّي به لأن الناس يَسْتَكِنُّونَ في بيوتهم، كأنهم قد

стр. 3372

تَهَاجَرُوا، ويطلق أيضًا على شدة الحر، أفاده المجد في "ق". (قال) محمد (ابن المثنى) في روايته (إِلى البطحاء)؛ مقولُ قال، لقصد لفظه. يعني أن ابن المثنى زاد في روايته بعد قوله "بالهاجرة" قَوْلَهُ "إلى البطحاء" ولم يزدها ابن بشار. والبَطحَاءُ، ويقال له: الأبْطحُ: هو مَسِيلٌ واسع، فيه دُقَاقُ الحَصَى، وقيل: بَطْحَاءُ الوادي: ترابٌ لين مماَ جَرَّته السيول، والجمع بَطحَاوَات، وبِطاح، ويسمى المكان أبطح، لأن الماء يَنْبَطِحُ فيه، أي يذهب يمينًا وشمالًا. أفاده في اللسان- جـ ١ ص ٢٩٩. والمراد به هنا بَطحَاءُ مكة، وهو مَسِيلُ مائِهَا. (فتوضأ)، وفي رواية البخاري: "فَأتِيَ بِوَضُوء، فتوضأ" (وصلى الظهر ركعتين)، "الظهر" منصوب على أنه مفعول به لصلى، و"ركعتين" منصوب إما على الحال من الظهر، وإما على البدلية منه. وقوله: (والعصر ركعتين) عَطفٌ على قوله: "الظهر ركعتين" عَطفَ معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور في محله، أو يقدر له العامل، فيكون من عطف الجملة، أي وصلى العصر ركعتين؛ يعني أنه ﷺ صلى كُلا من الظهر والعصر ركعتين لكونه مسافرًا.

стр. 3373

(وبين يديه عنزة) جملة في محل نصب على الحال من فاعل "صَلَّى"؛ أي والحال أن قُدَّامَهُ ﷺ رُكِزَت عَنَزَةٌ لتستره ممن يمر بين يديه. والعَنَزَةُ: بمهملة ونون مفتوحتين، فزاي: عصًا أقْصَرُ من الرُّمْحِ، ولها زُجُّ من أسفَلهَا، والجمع عَنَزٌ، وعَنَزَاتٌ، مثل قَصَبَة، وقَصَبٍ، وقَصَبَاتٍ. قاله في المصباح. والزُّجُّ -بضم الزاي وتشديد الجيم-: السِّنَانُ، وهي الحديدة، وقيل: العَنَزَةُ هي الحَرْبَةُ القَصيرَةُ. وفي الطبقات لابن سعد: أن النَّجَاشيَّ كان أهداها للنبي ﷺ . والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي جحيفة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٧٠) وفي "الكبرى" (٣٤٣) لكن عن محمد بن المثنى وحده بسند الباب، وقال: قال أبو عبد الرحمن: أبو جحيفة بن وهب. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:

стр. 3374

أخرجه البخاري ومسلم، وفيه زيادات، قال الحافظ المزي ﵀: حديثُ "خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة إلى البطحاء، فَأتِيَ بِوَضُوء، فتوضأ وصلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَة". قال شعبة: زاد فيه عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: "يمر من ورائها المرأة". وفي حديث الحكم: "فجعل الناس يأخذون من فضل وَضُوئه، فيتمسحون به". وفي حديث حجاج عن شعبة: "وقام الناس، فجعلوا يأخذون يديه، يمسحون بها وجوههم … " الحديث. أخرجه البخاري في "الطهارة" عن آدم -وفي "الصلاة" عن سليمان بن حرب- وفي "صفة النبي ﷺ " عن الحسن بن منصور أبي عليّ، عن حجاج بن محمد. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار -كلاهما عن غُندَر- وعن زُهَير بن حَرْب، ومحمد بن حاتم، كلاهما عن بن مهدي خمستهم عن شعبة، عن الحكم، عن أبي جحيفة ﵁. قال: ولم يذكر آدم، ولا سليمان بن حرب، زيادة عون بن جحيفة، عن أبيه، وذكرها الباقون. اهـ. "تحفة" جـ ٩ ص ٩٧. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان عدد صلاة الظهر في السفر، فدل الحديث على أن فرض المسافر حتى يرجع إلى بلده ركعتان.

стр. 3375

ومنها: مشروعية اتخاذ السترة لمن يصلي في الصحراء، وسيأتي تحقيق المسألة في ذلك في بابه ٤/ ٧٤٦ إن شاء الله تعالى. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من تعظيمه ﷺ ، وشدةِ محبتهم له حتى يتبركون بآثار وَضُوئه. ومنها: جواز التشمير، لقوله "مشمِّرًا". ومنها: جواز لبس الأحمر، لقوله "في حُلَّة حَمْرَاء"، وفيه خلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز المرور بين يدي المصلي وراء السُتْرَة، لقوله: "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزَة". وسيأتَي هذا في محله أيضا إن شاء الله تعالى. ومنها: أن مكة كغيرها من البلدان في مشروعية اتخاذ السترة فيها خلافًا لبعضهم، حيث قال باغتفار ذلك للطائفين دون غيرهم، ولبعض الحنابلة، حيث قالوا يجواز ذلك في جميع الحرم. كما في الفتح جـ ٢ ص ٦٨٧. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 3376

١٣ - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ العَصْرِ أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على فضل صلاة العصر. ٤٧١ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَالْبَخْتَرِيُّ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيُّ، كُلُّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا". رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمود بن غَيْلان) العَدَوي مولاهم أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، توفي سنة ٢٣٩، من [١٠]، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٢ - (وكيع) بن الجَرَّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسِيُّ، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، توفي في آخر سنة ١٨٦ أَوْ أوَّلِ سنة ١٨٧ وله ٧٠ سنة، من كبار [٩]، تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٣ - (مِسْعَرٌ) -بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح العين المهملة آخره راء -ابن كِدَام- بكسر الكاف، وتخفيف الدال- بن ظُهَير الهلالي،

стр. 3377

أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، توفي سنة ١٥٣ أو ١٥٥، من [٧]، تقدم في ٨/ ٨. ٤ - (ابن أبي خالد) هو إسماعيل بن أبي خالد، البَجَليُّ الأحْمَسِيُّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من [٤]، قيل: اسم أبيه سعد، وقيل: هُرْمُز، وقيل كَثِير. وفي "تت": قال ابن المبارك عن الثوري: حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهو -يعني إسماعيل- أعلم الناس بالشعبي، وأثبتهم فيه، وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يُسَمَّى الميزانَ. وقال علي: قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل، عن الشعبي صحاح؟ قال: نعم. وقال البخاري عن علي: له نحو ثلاثمائة حديث. وقال أحمد: أصحُّ الناس حديثًا عن الشعبي ابنُ أبي خالد. وقال ابن مهدي، وابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن عمار الموصلي: حجة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان لَحَّانًا. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال أبو حاتم لا أقَدِّمُ عليه أحدًا من أصحاب الشعبي، وهو ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان أميًا (١) حافظًا ثقة. وقال هشيم: كان إسماعيل فحش اللحن، كان يقول: حدثني فلان عن أبوه. وقال

стр. 3378

الآجري: سألت أبا داود هل سمع من سَعْد بن عُبَيْدَة؟ قال: لا أعلمه. وقال ابن عيينة: كان أقْدَمَ طلبًا وأحفظَ للحديث من الأعمش. وقال العجلي: كان ثبتًا في الحديث، وربما أرسل الشيء عن الشعبي وإذا وقف أخبر، وكان صاحب سنة، وكان حديثه نحو خمسمائة حديث، وكان لا يروي إلا عن ثقة. وحكى ابن أبي خيثمة في تاريخه عن يحيى بن سعيد. قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء. وقال أبو نعيم: أدرك إسماعيل اثني عشر نفسًا من الصحابة منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤية. قال البخاري عن أبي نعيم: مات سنة ١٤٦. وقال الخطيب: حَدَّثَ عن الحَكَم بن عتيبة، ويحيى بن هاشم، وبين وفاتيهما نحو من ١١٠ - سنين، وروى عن أبي عمرو الشيباني، سعدِ بن إياس. وقال ابن حبان في الثقات: كان شيخًا صالحًا، مات سنة ١٤٥ أو ١٤٦، وقال علي بن المديني: رأى أنسًا رؤية، ولم يسمع منه، ولم يسمع من إبراهيم التيمي، ولم يرو عن أبي وائل شيئًا. وقال ابن معين: لم يسمع من أبي ظَبْيَان. وقال مسلم في الوُحْدَان: تفرد عن جماعة، وسَرَدَهُم. اهـ. روى له الجماعة. "تت" بتصرف. جـ ١ ص ٢٩١ - ٢٩٢. ٥ - (البَخْتَري بن أبي البَخْتَري) -بفتح. الموحدة وسكون المعجمة، وفتح المثناة، وكسر الراء- واسم أبيه المُختار، عبدي بصري، صدوق، من السادسة.

стр. 3379

وفي "تت": البختري بن أبى البختري، المختار بن رُوَيح العبدي. قال ابن المديني: ثقة، وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. وقال ابن عدي: ليس له كثير رواية، ولا أعلم له حديثًا منكرًا. قال عمرو بن علي: مات سنة ١٤٨. قال المزي: فرق في الأصل -يعني صاحب الكمال- بين البختري ابن أبي البختري، والبختري بن المُخْتَار، وهما واحد، والحديث الذي أخرجاه -يعني مسلمًا والنسائي- وهو من رواية وكيع عنه، عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة. قال الحافظ: قد سبقه إلى التفرقة بينهما البخاري وابن حبان في "الثقات"، فذكر ابن أبي البختري في التابعين، ثم قال في أتباع التابعين: البختري بن المختار، كان يخطىء، وأرخ وفاته كما قال عمرو بن علي. اهـ. أخرج له مسلم، والنسائي. "تت" جـ ١ ص ٤٢١، ٤٢٢. ٦ - (أبو بكر بن عمارة بن رويبة) -براء وموحدة مصغرًا- الثقفي الكوفي، مقبول، من [٣]، وفي "صة" أبو بكر بن عمارة بن رؤيبة الثقفي الكوفي عن أبيه، وعنه مسعر، وثقه ابن حبان. ٧ - (عمارة بن رؤيبة) الثقفي، أبو زُهَير، صحابي نزل الكوفة، وتأخر إلى ما بعد الستين، له تسعة أحاديث، انفرد مسلم بحديثين، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

стр. 3380

وفي "تت": روى عن النبي ﷺ ، وعن علي. روى عنه ابنه أبو بكر بن عمارة، وأبو إسحاق السِّبِيعِي، وعبد الملك بن عُمَير، وحُصَين بن عبد الرحمن. قال الحافظ ﵀: الراوي عن علي آخر غيره، وبيان ذلك أن ابن أبي حاتم ذكر في الجرح والتعديل عُمَارَةَ بن رويبة رَوَى عن علي بن أبي طالب أنه خَيَّره بين أبيه وأمه وهو صغير، فاختار أمه، روى عنه يونس الجرمي، فتبين أنه غيره، الصحابي ثقفي، والراوي عن علي جرمي، ولأن الذي روى عن علي كان صغيرًا في زمن علي، فليس بصحابي. والله أعلم اهـ. "تت" جـ ٧ ص ٤١٦. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم وُثِّقُوا. ومنها: أنهم كوفيون إلا شيخه فمروزي ثم بغدادي، والبَخْتَري فبصري. ومنها: أن إسماعيل بن أبي خالد، والبَخْتَري، وأبا بكر بن عمارة، وأباه. هذا الباب أوّلُ محلِّ ذكرهم من الكتاب. ومنها: رواية الراوي عن أبيه. والله تعالى أعلم.

стр. 3381

شرح الحديث (عن عُمَارَة بن رُوَيبة) الثقفي الصحابي ﵁ أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لن يلج النار مَنْ صَلَّى) ولمسلم "لن يلج النار أحَدٌ صلَّى" (قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها) يعني الفجرَ والعصرَ، أي داوم على أدائهما. والمراد أنه لا يدخلها أصلًا للتعذيب، بل يدخلها أو يَمُّر عليها تَحِلَّةَ القسمِ، وهذا إذا وُفِّقَ لِبَقِيَّةِ الأعمال، أو لا يدخلها على وجه التأبيد، وهذا لا ينافي أنه قد يُعَذَّبُ؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهمَ له، ولا مَتَاعَ، فقال: "إن المفلس من أمتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فَيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضَى ما عليه أخذَ من خطاياهم فَطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار". رواه مسلم. قاله فَي "المنهل" جـ ٤ ص ٧. وإنما خَصَّ هاتين الصلاتين بالذكر لأن وقتَ الصبح وقتُ لَذَّةِ النوم، والقيامُ فيه أشق على النفس من القيام في غيره، ووقتُ العصرَ وقتُ قُوَّةِ الاشتغال بالتجارة أو غيرها، فلا يَتَفَرغُّ للصلاة فيه إلا مَن

стр. 3382

كان قَوِيَّ الإيمان. كما قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ …﴾ الآية [النور: ٣٧]. فالمسلم إذا حافَظَ على هاتين الصلاتين مع ما فيه من التثاقل والتشاغل كان الظاهر من حاله أن يحافظ على غيرهما أشَدَّ، ولأن الوقتين مشهودان، تشهدهما ملائكة الليل، وملائكة النهار، وتُرْفَعُ فيهما الأعمال إلى الله تعالى، فبالحَرِيِّ أن من داوم عليهما لا يدخل النار أصلًا، ويدخل الجنة، لصيرورة ذلك مكفرًا لذنوبه، وإن كان هذا ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص كفارة الصلاة بالصغائر، ولكن فضل الله واسع. وقيل: خُصَّتَا بالذكر، لأن أكرم أهل الجنة على الله من ينظر الى وجهه غَدْوَة، وعَشِيَّةً، كما في حديث ابن عمر عند أحمد، والترمذي، وقَوْلُهُ ﷺ : "إنكم ستَرَوْن ربكم كما تَرَوْن هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها فافعلوا" يَدُل على أن رؤية الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم، قد يُرْجَى نَيْلُهُ بالمحافظة على هاتين الصلاتين اللتين تُؤَدَّيانِ طَرَفَيِ النهارِ غَدْوَةً وعشية. أفاده في "المرعاة" جـ ٢ ص ٣٣١. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 3383

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عُمَارة بن رُوَيْبَةَ ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٧١) وفي "الكبرى" (٣٥٤) بهذا السند، وفي (٤٨٧) عن عمرو بن علي، ويعقوب بن إبراهيم- كلاهما عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عي أبي بكر بن عمارة ابن رويبة، عن أبيه ﵁. وفي "الكبرى"، في "التفسير"- عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن رويبة نحوه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم وأبو داود؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر، وأبي كُرَيب وإسحاق بن إبراهيم- ثلاثتهم عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، ومِسْعَر، والبَخْتَري بن المُختار، سمعوه من أبي بكر بن عُمارة بن رؤيبة، عن أبيه. وعن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، عن يحيى بن أبي بُكَير، عن شَيْبَان بن عبد الرحمن، عن عبد الملك بن عُمَير، عن ابن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" أيضًا عن مسدد، عن يحيى بن

стр. 3384

سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد به. وفي رواية مسلم زيادة: "فقال له رجل من أهل البصرة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته أذناي، ووعاه قلبي"، وفي رواية "وعنده رجل، من أهل البصرة، فقال: أنت سمعت هذا من النبي ﷺ ؟ قال: نعم، أشهد به عليه، قال: وأنا أشهد، لقد سمعت النبي ﷺ يقوله بالمكان الذي سمعته منه". ونحوه لأبي داود، وفيه أنه قال: "أنت سمعته منه -ثلاث مرات- قال: نعم". والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان فضل صلاة العصر. ومنها: بيان فضل صلاة الصبح، وسيأتي في الباب (٢١) مزيد بسط لبيان فضل هاتين الصلاتين إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3385

١٤ - بَابُ المُحَافَظَةِ عَلى صَلاةِ العَصْرِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على وجوب المحافظة على أداء صلاة العصر. ٤٧٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الآيَةَ، فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا، فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ" ثُمَّ قَالَتْ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . رجال الإسناد: ستة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثَّقَفِيّ أبو رَجَاء، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٠، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله الإمام المدني، ثقة فقيه حجة،

стр. 3386

توفي سنة ١٧٩، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم، كان يرسل، توفي سنة ١٣٦، من [٣]، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٤ - (القَعْقَاعُ بنُ حَكِيم) الكناني المدني، ثقة، من [٤]، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠. ٥ - (أبو يونس) مولى عائشة زوج النبي ﷺ ، ثقة، من [٣]. وفي "تت": رَوَى عن عائشة، وعنه زيد بن أسلم، وأبو طُوَالَة الأنصاري، والقعقاع بن حكيم، ومحمد بن أبي عَتِيق، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين، وذكره ابن حبان في الثقات. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. له في "صحيح مسلم"، وفي "السنن"، حديثان عن عائشة، ورَوَى له البخاريُّ في الأدب آخَر. اهـ. جـ ١٢ ص ٢٨٣، ٢٨٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فبغلاني.

стр. 3387

ومنها: أنهم اتفق الجماعة بالإخراج لهم، غير القعقاع؛ فأخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، وأبي يونس؛ فأخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ زيد بن أسلم، والقَعْقَاعُ، وأبو يونس. ومنها: أن أبا يونس، هذا الباب أول محل ذكره من الكتاب، وهو من المُقَلِّين، كما سبق قريبًا. ومنها: أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبارَ، والعنعنة، والسماعَ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي يونس) المدني، لا يعرف اسمه (مولى عائشة زوج النبي ﷺ ) أنه (قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا)، قال المجد في "ق": المصحف مثلثة الميم، من أصْحفَ بالضم- أي جُعلَت فيه الصُّحُفُ. اهـ. وفي المصباح أنه بضم الميم أشَهر من كسرها. اهـ. وقال في اللسان: والمُصْحَف -أي بالضم- والمصْحَفُ -أي بالكسر-: الجامع للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّفَّتَيْنِ، كأنه أصْحَفَ. اهـ (فقالت: إِذا بَلَغْتَ هذه الآيةَ) الآتي ذكرها (فآذني) بالمد،

стр. 3388

وتشديد النون بإدغام نون الكلمة في نون الوقاية، من الإيذان، وهو الإعلام، أي أعلمني ببلوغك إياها، وإنما أمرته بذلك لتُمليَ عليه ما ظنته من الآية، ثم ذكرت الآية المشار إليها بقولها: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ أمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بأدائها في أوقاتها. وحفظ حدودها وآدابها. ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ بالجر عطفًا على الصلوات، أي وحافظوا على أداء الصلاة الوُسْطَى. والوُسْطى: فُعْلَى، مؤنثة الأوسط، وهي من الوسَطَ الذي هو الخِيَارُ، وليست من الوَسَط الذي معناه متوسط بين شيئين، لأن فُعْلى معناها التفضيل، ولا يُبْنَى للتفضيل إلا ما يَقْبَلُ الزيادة والنقص، والَوسط بمعني العدل والخيار يقبلها بخلاف التوسط بين الشيئين، فإنه لا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل للتفضيل (١). وأشار الشيخ زاده في حاشيته على البيضاوي إلى جواز كونه من الوسط بمعنى المتوسط بين شيئين؛ فقال: ثم إن الأوسط قد يكون من الوسط بين الشيئين، وقد يكون اسم تفضيل من الوسط بمعنى العدل والخيار، فالوسط بهذا المعنى يقبل الزيادة والنقصان، فيبنى منه أفعل التفضيل، بخلاف الوسط بمعنى المتوسط بين الشيئين، فإنه لا يقبلهما، ولا يبنى منه أفعل التفضيل، فالأوسط الذي يكون من الوسط بهذا المعنى يكون صفة كأحمر لا اسم تفضيل، فيحتمل حمل الآية على كل

стр. 3389

من المعنيين. اهـ. باختصار وتصرف جـ ١ ص ٥٥١. وكذا ذكر الزمخشري، وابن العربي القولين على الاحتمال. قاله في "المرعاة". جـ ٢ ص ٣٤٠. وقال العلامة القرطبي ﵀: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا﴾ خطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها. والمحافظة هي المداومة على الشيء، والمواظبة عليه. والوُسْطَى تأنيث الأوسط، ووَسَطُ الشيء خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال أعرابي يمدح النبي ﷺ (من البسيط): يَا أوْسَطَ النَّاسِ طُرًّا فِي مَفَاخِرهِمْ … وأكْرَمَ النَّاسِ أمًّا بَرّةً وَأبَا ووَسَطَ فُلانٌ القومَ يَسِطُهُم، أي صار في وسطهم. وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفًا لها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وقرأ أبو جعفر الواسطي "والصلاةَ الوُسْطَى" بالنصب على الإغراء، أي الزموا الصلاةَ الوُسْطى، وكذلك قرأ الحلواني. وقرأ قالون عن نافع "الوُصْطَى" بالصاد لمجاورة الطاء لها، لأنهما من حَيِّز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه. اهـ (١).

стр. 3390

قال أبو يونس (فلما بلغتها) أي الآية المذكورة (آذنتها) أي أعلمتها بالبلوغ (فَأمْلَت علي) من الإملاء، ولأبي داود: "فأملّت" بتشديد اللام، أي ألقت علي لأكتب وهما لغتان فصيحتان. قال الفَيُّوميُّ: وأمَللْتُ الكتابَ على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمْلَيْتُ عليه إملاء، والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء بهما الكتاب العزيز ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].اهـ المصباح جـ ٢ ص ٥٨٠. (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وصلاة العصر) هكذا الرواية بواو العطف، واستدل به بعضهم على أن صلاة العصر ليست هي صلاة الوسطى، لأن العطف يقتضي المغايرة، وَرُدَّ عليه بأن العطف للتفسير، بدليل الأحاديث الصحيحة المرفوعة، كحديث علي ﵁ الآتي. وقال النووي رحمه الله تعالى: واستدل به بعض أصحابنا على أن الوُسْطَى ليست العصر، لأن العطف يقتضي المغايرة، لكن مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يُحْتَجُّ بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ﷺ ، لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنًا لا يثبت خبرًا، والمسألة مقررة في الأصول، وفيها خلاف بيننا وبين أبي حنيفة ﵀. اهـ (١). والظاهر أن هذا كان من النبي ﷺ قاله تفسيرًا للآية، فَزَعَمَت

стр. 3391

عائشة أنه جزء من الآية، أو كان جزءًا فنسخ، وزعمت عائشة بقاءه. والله أعلم، قاله السندي. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ اختلف أهل العلم في معنى "قانتين" على أقوال: الأول: أن معناه ساكتين، وبه قال السدي. الثاني: طائعين، وبه قال الشعبي، وجابرُ بنُ زيد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن، فإنما يُعْنَى به الطاعة. الثالث: خاشعين، وبه قال مجاهد، قال: والقنوت طول الركوع، والخشوع، وغض البصر، وخفض الجَنَاح. الرابع: القنوت طول القيام، وبه قال ابن عمر، وقرأ "أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا"، وأخرج مسلم في صحيحه "أفضلُ الصلاةِ طولُ القنوت". وقال الشاعر (من الرَّمَل): قَانِتًا للهِ يَدْعُوَ رَبَّهُ … وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَلْ الخامس: معناه داعين، لما في الصحيحين من حديث أنس ﵁: "قَنَتَ رسولُ الله ﷺ شهرًا … " الحديث. أي دعا. وقال قوم: معناه طَوَّلَ قيامه. قال الجامع: أرجح هذه الأقوال أولها، لما في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: "كنا نتكلم في الصلاة يُكَلِّمُ الرجلُ منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت

стр. 3392

﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام". فهذا نص ظاهر في كون معنى القنوت في الآية السكوتَ. فتبصر. والله أعلم. وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدواَم على الشيء جاز أن يُسَمَّى مديمُ الطاعة قانتًا، وكذلك من أطَالَ القيامَ، والقراءةَ والدعاءَ في الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت (١). (ثم قالت عائشة) ﵂ (سمعتها) أي الآية على هذه القراءة (من رسول الله ﷺ ). هذا الكلامُ من عائشة ﵂ يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون هذه اللفظة الزائدة من القرآن، ثم نُسِخَت كما أخرجه مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب ﵄، قال: "نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر" فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلعل عائشة ﵂ لم تعلم بنسخها، فأرادت إثباتها في المصحف، أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمها، وبَقِيَ تلاوتها، فأرادت إثباتها.

стр. 3393

الثاني: أن تكون عائشة سمعت اللفظة من النبي ﷺ ذَكَرَهَا على أنها من القرآن لتأكيد فضيلة العصر مع الصلاة الوسطى، كما ثبت في حديث جرير بن عبد الله البَجَلِيّ ﵁ قال: كنَّا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذ نَظرَ إلى القمَر ليلةَ البدر، فقال: "أمَا إنكم سَتَرَوْنَ ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضَامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طلوِع الشمس وقبلَ غروبها -يعني العصرَ والفجرَ- ثم قرأ جرير ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. أخرجه الجماعة. فأكَّد فضيلتها، فأرادت عائشة أن تثبتها في المصحف، لما ظنت أنها من القرآن، أو لأنها اعتقدت جواز إثبات غير القرآن مع القرآن، كما رُويَ عن أبَيِّ بن كعب، وغيره من الصحابة أنهم جَوَّزُوا إثبات القنوت، وبعض التفسير في المصحف، وإن لم يعتقدوه قرآنًا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في "المجتبى" (٤٧٢) وفي "الكبرى" (٣٦٦) بسند الباب، وفي "الكبرى" في "التفسير" (١١٠٤٦) عن قتيبة، عن مالك،

стр. 3394

والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع، عن أبي يونس مولى عائشة ﵂. الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي، والترمذي في "التفسير" عن قتيبة، وعن إسحاق بن موسى، عن مَعْنِ بن عيسى- كلهم عن مالك به. والله تعالى أعلم. الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو وجوب المحافظة على صلاة العصر، والظاهر أن المصنف يرى أن الوسطى هي العصر، وأن العطف فيه للتفسير، ومنها: كون الصحابة يعتنون بكتابة المصحف، ومنها: أن من عرف شيئًا خفي على غيره ينبغي له التنبيه عليه، ومنها: أنه استَدَلَّ به من قال إن الوسطى غير العصر، وسيأتي تحقيق ذلك في الحديث التالي إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:

стр. 3395

"شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ". رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسطام العَتَكِي الواسطي البصري، الإمام الحجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (قتادة) بن دِعَامَةَ السَّدُوسي البصري أبو الخطاب، ثقة ثبت، من [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو حسان) الأعرج الأجْرَدُ البصري، مشهور بكنيته، واسمه مسلم بن عبد الله، صدوق رمي برأي الخوارج، قتل سنة ١٣٠، من [٤]. قال الأثرم عن أحمد: مستقيم الحديث، أو متقارب الحديث، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: من رَوَى عن أبي حسان غير قتادة؟ قال: لا أعلم. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الآجري عن أبي داود: سمي الأجرد لأنه كان يمشي على

стр. 3396

عَقِبِه خَرَجَ مع الخوارج. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج. وقال ابن عبد البر: الأجردُ الذي يمشي على ظهر قدميه وقدماه مُلْتَوِيَتَان، وهو عندهم ثقة في حديثه، إلا أنه رُوِي عن قتادة، قال: سمعت أَبا حسان الأعرج، وكان حَرُوريًا، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. قُتِلَ يوم الحَرَّة سنة ١٣٠ روى له البخاري تعليقًا، والباقون. اهـ. جـ ١٢ ص ٧٢. ٦ - (عَبِيدَة) -بفتح العين وكسر الباء- ابن عمرو السّلماني (١) المُرَادي، أبو عمرو الكوفي، تابعي مخضرم، ثقة ثبت، توفي سنة ٧٢ أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة ٧٠، من [٢]. أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، ولم يَلْقَه. قال الشعبي: كان شُرَيح أعلم بالقضاء. وكان عَبيدَةَ يوازيه، وقال أشْعَثُ عن ابن سيرين: أدركتُ الكوفة، وبها أربعةَ يُعَدُّ في الفقه، فمن بدأ بالحارث ثَنَّى بعَبِيدَةَ، أو العكس، ثم علقمة الثالث، وشريح الرابع، ثم يقول: وإن أربعة أحسنهم شريح لخيار. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، جاهلي أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، ولم يَرَهُ، وكان من أصحاب علي، وعبد الله، وكان ابن سيرين من أرْوَى الناس عنه، قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه الأمر كَتَبَ إلى عَبِيدَةَ، ويروى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلا أشدَّ

стр. 3397

تَوَقِّيًا منه، وكل شيء روى عن إبراهيم عن عَبِيدَة سوى رأيه فإنه عن عبد الله إلا حديثًا واحدًا. وقال محمد بن سعد: قال محمد بن عُمَر: هاجر عَبِيدَة زَمَنَ عمر. وقال ابن معين: كان عيسى بن يونس يقول: السَّلَمَاني مفتوحة، وعدَّه علي بن المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك، أو عبيدة؟ فلم يُخَيِّرْ. قال عثمان: هما ثقتان. وقال ابن المديني، والفَلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين، عن عَبِيدَة، عن علي. وقال العجلي: كل شيء رَوَى محمد عن عَبِيدَة سوى رأيه فهو عن علي، وكل شيء روى عن إبراهيم فذكر مثل ما تقدم. مات سنة ٢، وقيل: (٧٣)، وقيل: (٧٤)، قال الحافظ: وصحح هذا ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاري في "تاريخه": حدثنا ابن بشار، ثنا ابن مهدي، ثنا شعبة، عن ابن حصين، قال أوصى عبيدة أن يصلي عليه الأسود خَشِيَ أن يصلي عليه المختار، فبادَرَ، فصلَّى عليه. وهذا إسناد صحيح، رواه ابن سعد أيضًا عن أبي داود، عن شعبة، ومقتضاه أن عبيدة مات قبل سنة (٦٠) بمدة، لأن المختار قتل سنة (٦٧) بلا خلاف. اهـ. روى له الجماعة. تت جـ ٧ ص ٨٤، ٨٥. ٧ - (علي) بن أبي طالب أبو الحسن الخليفة الراشد ﵁، تقدم في ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم.

стр. 3398

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، إلا أبا حسان فصدوق. ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالإخراج لهم، إلا أبا حسان، فعلق له البخاري وأخرج له الباقون. ومنها: أنهم بصريون، إلا عليًا وعَبِيدَة، فكوفيان. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ قتادة، وأبو حسان، وعبيدة. ومنها: أن أبا حسان وعبيدة، هذا البابُ أوّلُ محل ذكرهم من الكتاب. ومنها: أن عليًا أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن علي) بن أبي طالب ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال) يوم الخندق وهو يومُ الأحزاب، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة، كما قال موسى بن عُقْبَةَ، واختاره البخاري، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون.

стр. 3399

سُمِّيَت الغزوةُ بالخندق لأجل الخندق الذي حُفِرَ بأمره ﷺ حولَ المدينة لَمَّا أشار به سلمانُ الفارسيُّ ﵁، فإنه من مكائد الفُرْس دون العرب، وعمِلَ فيه النبيُّ ﷺ بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فإنهم قَاسَوا في حَفْرِهِ شدائدَ، منها شدةُ الجوع والبرد، وكثرةُ الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو خمسة عشر يومًا، أو أربعًا وعشرين، أو أشهرًا، على أقوال. وسميت بالأحزاب لاجتماع طَوَائِفَ من المشركين، قريشٍ، وغطفانَ، وبني أسد، وبني سليم، وبني سعد، واليهود على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفًا. اهـ. "مرعاة" جـ ٢ ص ٣٣٩. (شَغَلُونا) أي منعونا، يقال: شَغَلَه الأمر شَغلًا، من باب نَفَع، فالأمر شَاغِل، وهو مَشْغُول، والاسم الشُّغُل -بضم الشين، وتضم الغين، وتسكن للتخفيف - وشُغِلْتُ به بالبناء للمفعول: تَلَهَّيت به. كذا في المصباح، وأشغله بالألف لغة رديئة. كما قاله ابن منظور. وفي "ق" الشُّغْلُ -بالضم، وبضمتين، وبالفتح، وبفتحتين-: ضِدُّ الفراغ، جمعه أشْغَال، وشُغُول. اهـ. (عن الصلاة الوسطى) بتعريف "الصلاة"، و"الوُسطى" صفة، وفي نسخة "عن صلاة الوسطى" بالتنكير وإضافتها إلى الوسطى، قال النووي في شرح مسلم: وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ

стр. 3400

الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وفيه المذهبان المعروفان؛ مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويقدرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا، عن صلاة الصلاة الوسطى، أي عن فعِل الصلاة الوسطى. اهـ. جـ ٤ ص ١٢٩. وقد تقدم البحث في معنى الوسطى في الحديث الماضي. فارجع إليه تستفد. (حتى غربت الشمس) غايةٌ لشغلهم عن الصلاة، يعني أنهم شغلوهم عن صلاة العصر إلى غروب الشمس، فما صَلَّوْهَا إلا بعده. وللبخاري عن طريق ابن سيرين، عن عَبيدَة، عن علي: "حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأَ الله قبورهم وبيوتهم -أو أجوافهم- نارًا"، زاد مسلم عن طريق شُتَير بن شَكَل، عن علي: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر"، وزاد في آخره "ثم صلاها بين المغرب والعشاء" وله عن ابن مسعود نحوُ حديث علي، وللترمذي والنسائي من طريق زِرّ بن حُبَيش عن علي مثله. ولمسلم أيضًا من طريق أبي حَسَّان الأعرج عن عَبيدَة، عن علي، فذكر الحديث بلفظ "كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس" يعني العصر. وَرَوَى أحمدُ والترمذي من حديث سَمُرَةَ رَفَعَهُ قال: "صلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العصر".
следующие страницы →