← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

عَقِبِه خَرَجَ مع الخوارج. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج. وقال ابن عبد البر: الأجردُ الذي يمشي على ظهر قدميه وقدماه مُلْتَوِيَتَان، وهو عندهم ثقة في حديثه، إلا أنه رُوِي عن قتادة، قال: سمعت أَبا حسان الأعرج، وكان حَرُوريًا، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. قُتِلَ يوم الحَرَّة سنة ١٣٠ روى له البخاري تعليقًا، والباقون. اهـ. جـ ١٢ ص ٧٢. ٦ - (عَبِيدَة) -بفتح العين وكسر الباء- ابن عمرو السّلماني (١) المُرَادي، أبو عمرو الكوفي، تابعي مخضرم، ثقة ثبت، توفي سنة ٧٢ أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة ٧٠، من [٢]. أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، ولم يَلْقَه. قال الشعبي: كان شُرَيح أعلم بالقضاء. وكان عَبيدَةَ يوازيه، وقال أشْعَثُ عن ابن سيرين: أدركتُ الكوفة، وبها أربعةَ يُعَدُّ في الفقه، فمن بدأ بالحارث ثَنَّى بعَبِيدَةَ، أو العكس، ثم علقمة الثالث، وشريح الرابع، ثم يقول: وإن أربعة أحسنهم شريح لخيار. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، جاهلي أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، ولم يَرَهُ، وكان من أصحاب علي، وعبد الله، وكان ابن سيرين من أرْوَى الناس عنه، قال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه الأمر كَتَبَ إلى عَبِيدَةَ، ويروى عن ابن سيرين: ما رأيت رجلا أشدَّ

стр. 3397

تَوَقِّيًا منه، وكل شيء روى عن إبراهيم عن عَبِيدَة سوى رأيه فإنه عن عبد الله إلا حديثًا واحدًا. وقال محمد بن سعد: قال محمد بن عُمَر: هاجر عَبِيدَة زَمَنَ عمر. وقال ابن معين: كان عيسى بن يونس يقول: السَّلَمَاني مفتوحة، وعدَّه علي بن المديني في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك، أو عبيدة؟ فلم يُخَيِّرْ. قال عثمان: هما ثقتان. وقال ابن المديني، والفَلاس: أصح الأسانيد محمد بن سيرين، عن عَبِيدَة، عن علي. وقال العجلي: كل شيء رَوَى محمد عن عَبِيدَة سوى رأيه فهو عن علي، وكل شيء روى عن إبراهيم فذكر مثل ما تقدم. مات سنة ٢، وقيل: (٧٣)، وقيل: (٧٤)، قال الحافظ: وصحح هذا ابن حبان في "الثقات"، وقال البخاري في "تاريخه": حدثنا ابن بشار، ثنا ابن مهدي، ثنا شعبة، عن ابن حصين، قال أوصى عبيدة أن يصلي عليه الأسود خَشِيَ أن يصلي عليه المختار، فبادَرَ، فصلَّى عليه. وهذا إسناد صحيح، رواه ابن سعد أيضًا عن أبي داود، عن شعبة، ومقتضاه أن عبيدة مات قبل سنة (٦٠) بمدة، لأن المختار قتل سنة (٦٧) بلا خلاف. اهـ. روى له الجماعة. تت جـ ٧ ص ٨٤، ٨٥. ٧ - (علي) بن أبي طالب أبو الحسن الخليفة الراشد ﵁، تقدم في ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم.

стр. 3398

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات، إلا أبا حسان فصدوق. ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة بالإخراج لهم، إلا أبا حسان، فعلق له البخاري وأخرج له الباقون. ومنها: أنهم بصريون، إلا عليًا وعَبِيدَة، فكوفيان. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ قتادة، وأبو حسان، وعبيدة. ومنها: أن أبا حسان وعبيدة، هذا البابُ أوّلُ محل ذكرهم من الكتاب. ومنها: أن عليًا أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن علي) بن أبي طالب ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال) يوم الخندق وهو يومُ الأحزاب، وكان في شوال سنة أربع من الهجرة، كما قال موسى بن عُقْبَةَ، واختاره البخاري، وقيل: سنة خمس، وعليه كثيرون.

стр. 3399

سُمِّيَت الغزوةُ بالخندق لأجل الخندق الذي حُفِرَ بأمره ﷺ حولَ المدينة لَمَّا أشار به سلمانُ الفارسيُّ ﵁، فإنه من مكائد الفُرْس دون العرب، وعمِلَ فيه النبيُّ ﷺ بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فإنهم قَاسَوا في حَفْرِهِ شدائدَ، منها شدةُ الجوع والبرد، وكثرةُ الحفر، والتعب، وأقاموا في عمل الحفر عشرين ليلة، أو خمسة عشر يومًا، أو أربعًا وعشرين، أو أشهرًا، على أقوال. وسميت بالأحزاب لاجتماع طَوَائِفَ من المشركين، قريشٍ، وغطفانَ، وبني أسد، وبني سليم، وبني سعد، واليهود على حرب المسلمين، وهم كانوا ثلاثة آلاف، والمشركون عشرة آلاف، وقيل: أربعة وعشرين ألفًا. اهـ. "مرعاة" جـ ٢ ص ٣٣٩. (شَغَلُونا) أي منعونا، يقال: شَغَلَه الأمر شَغلًا، من باب نَفَع، فالأمر شَاغِل، وهو مَشْغُول، والاسم الشُّغُل -بضم الشين، وتضم الغين، وتسكن للتخفيف - وشُغِلْتُ به بالبناء للمفعول: تَلَهَّيت به. كذا في المصباح، وأشغله بالألف لغة رديئة. كما قاله ابن منظور. وفي "ق" الشُّغْلُ -بالضم، وبضمتين، وبالفتح، وبفتحتين-: ضِدُّ الفراغ، جمعه أشْغَال، وشُغُول. اهـ. (عن الصلاة الوسطى) بتعريف "الصلاة"، و"الوُسطى" صفة، وفي نسخة "عن صلاة الوسطى" بالتنكير وإضافتها إلى الوسطى، قال النووي في شرح مسلم: وهو من باب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ

стр. 3400

الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وفيه المذهبان المعروفان؛ مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه، ويقدرون فيه محذوفًا، وتقديره هنا، عن صلاة الصلاة الوسطى، أي عن فعِل الصلاة الوسطى. اهـ. جـ ٤ ص ١٢٩. وقد تقدم البحث في معنى الوسطى في الحديث الماضي. فارجع إليه تستفد. (حتى غربت الشمس) غايةٌ لشغلهم عن الصلاة، يعني أنهم شغلوهم عن صلاة العصر إلى غروب الشمس، فما صَلَّوْهَا إلا بعده. وللبخاري عن طريق ابن سيرين، عن عَبيدَة، عن علي: "حبسونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس، ملأَ الله قبورهم وبيوتهم -أو أجوافهم- نارًا"، زاد مسلم عن طريق شُتَير بن شَكَل، عن علي: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر"، وزاد في آخره "ثم صلاها بين المغرب والعشاء" وله عن ابن مسعود نحوُ حديث علي، وللترمذي والنسائي من طريق زِرّ بن حُبَيش عن علي مثله. ولمسلم أيضًا من طريق أبي حَسَّان الأعرج عن عَبيدَة، عن علي، فذكر الحديث بلفظ "كما حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس" يعني العصر. وَرَوَى أحمدُ والترمذي من حديث سَمُرَةَ رَفَعَهُ قال: "صلاةُ الوُسْطَى صلاةُ العصر".

стр. 3401

ورَوَى ابنُ جرير من حديث أبي هريرة رَفَعَهُ: "الصلاة الوسطى صلاة العصر"، ومن طريق كُهَيل بن حرملة سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى؟ فقال: اختلفنا فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ ، وفينا أبو هاشم بن عتبة، فقال: أنا أعْلَمُ لكم، فقام، فاستأذن على رسول الله ﷺ ، ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، ومن طريق عبد العزيز بن مروان أنه أرسل إلى رجل فقال: أيّ شيء سمعتَ من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال: أرسلني أبو بكر، وعمر أسأله، وأنا غلام صغير؟ فقال: "هي العصر". ومن حديث أبي مالك الأشعري رَفَعَهُ: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". وروى الترمذي، وابن حِبَّان من حديث ابن مسعود مثله. ورَوَى ابنُ جرير من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة: "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر". ورَوَى ابنُ المنذر من طريق مِقْسمٍ عن ابن عباس، قال: "شَغَلَ الأحزابُ النبيَّ ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى". وأخرج أحمد من حديث أم سلمة، وأبي أيوب، وأبي سعيد، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃ من قولهم إنها صلاة العصر. وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.

стр. 3402

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث علي ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا برقم (٤٧٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي حسَّان الأعرج، عن عَبِيدَة السَّلِماني عن علي ﵁. وفي "الكبرى" في "التفسير" برقم (١١٠٤٥) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبَيح، عن شُتَير بن شَكَل، عن علي ﵁. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، فأخرجه البخاري في "الجهاد" عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس -وفي "المغازي" عن إسحاق، عن رَوْح بن عُبَادَةَ، وفي "الدعوات" عن محمد بن المثنى، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وفي "التفسير" عن عبد الله بن محمد، عن يزيد بن هارون وعن عبد الرحمن بن بِشْر، عن يحيى بن سعيد- خمستهم عن هشام بن حَسَّانَ، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدَة، عنه.

стр. 3403

وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة- وعن محمد بن أبي بكر المُقَدَّمِيِّ، عن يحيى بن سعيد القَطَّان - وعن إسحاق بن إبراهيم، عن المُعْتَمِر- ثَلاثتهم عن هشام بن حَسَّانَ، به. وعن محمد بن المثنى، وبُندَار، كلاهما عن غُندَر، عن شعبة، وعن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ - كلاهما عن قتادة، عن أبي حَسَّان الأعرج، عن عَبيدَة، عن علي ﵁. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، ويزيد بن هارون، كلاهما عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي ﵁. وأخرجه الترمذي في "التفسير" عن هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عن عَبْدَةَ بن سُلَيمان، عن سعيد بن أبي عروبة، به. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو وجوب المحافظة على صلاة العصر. ومنها: وقوع إيذاء الكافر للمسلم في الدنيا التي هي دار أكدار. ومنها: جواز حصول الأعراض البشرية التي ليس فيها نقص لأفضل المرسلين عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم. ومنها: جواز الدعاء على الظالم بما يليق به.

стр. 3404

ومنها: أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر. ومنها: أن النبي ﷺ وأصحابه أخَّرُوا صلاة العصر حتى خرج وقتها، لاشتغالهم بالعدو. والله أعلم. تنبيه: حديث علي ﵁ يقتضي أن الأحزاب شَغَلُوا النبي ﷺ عن العصر فقط، وأخرج أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد: "أنهم شَغَلُوه ﷺ عن الظهر والعصر والمغرب، وصَلَّوا بعد هويّ من الليل، وذلك قبل أن يُنَزلَ اللهُ في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وأخرج الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود ﵁ "أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله". فإن قيل: كيف يُجمَعُ بين هذا الاختلاف؟ قلت: قد جَمَعَ النووي ﵀ بأن وَقْعَة الخَنْدَق دامت أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وذلك في بعضها الآخر. وقوله في حديث ابن مسعود: "عن أربع صلوات"، فيه تجوز، لأن العشاء ما خرج وقتها، أو يُحْمَل على تأخيرها عن وقتها المعتاد، ويدل عليه قوله "حتى ذهب من الليل ما شاء الله". ثم إن هذا التأخير لهذه الصلوات كان عن عمد، لاشتغاله بالعدو فكان عذرًا، ويحتمل أن يكون نسيانًا، والأول هو الظاهر، لقوله في حديث أبي سعيد: "قبل أن

стр. 3405

ينزل الله في صلاة الخوف". وأما بعد نزول صلاة الخوف فلا يجوز هذا التأخير، بل يصلون صلاة الخوف على حسب الحال، رجالا أو ركبانا (١). والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في معنى الصلاة الوسطى: قد اختلف السلف في المراد بالصلاة الوسطى على أقوال: الأول: أنها الصبح، وبه قال أبو أمامة، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعُبَيد بن عُمَير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم، نقله عنهم ابن أبي حاتم، وهو أحد قولي ابن عمر، وابن عباس، ونقله مالك والترمذي عنهما، ونقله مالك بلاغًا عن علي، والمعروف عنه خلافه. ورَوَى ابنُ جرير من طريق عوف الأعرابي، عن أَبي رَجَاء العُطَارديّ، قال: "صليت خلف ابن عباس الصبح، فقَنَتَ فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمِرْنَا أن نقوم فيها قانتين" وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه، وعن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية "صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر صلاة الغداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هي هذه الصلاة". وهو قول مالك، والشافعي فيما نص عليه في الأمِّ، واحتجوا له بأن فيها القنوت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وبأنها لا تقصر في السفر، وبأنها بين صلاتي جهر، وصلاتي سر.

стр. 3406

وأجيب بأن ما استدلوا به لا يصلح لمعارضة ما ثبت من الأحاديث الصحيحة الصريحة بأنها العصر؛ ولذا قال النووي في شرح المهذب: الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار. وقال صاحب الحاوي: نصَّ الشافعي ﵀ أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث، فصار مذهبه أنها العصر، ولا يكون في المسألة قولان، كما وَهِمَ بعض أصحابنا. اهـ القول الثاني: أنها الظهر، وبه قال زيد بن ثابت، أخرجه أبو داود من حديثه، قال: "كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت "حافظوا على الصلوات" الآية. وجاء عن أبي سعيد وعائشة القول بأنها الظهر، أخرجه ابن المنذر، وغيره، ورَوَى مالكٌ في "الموطأ" عن زيد بن ثابت الجزم بأنها الظهر، وبه قال أبو حنيفة في رواية، ورَوَى الطيالسي من طريق زُهْرَةَ بن مَعْبَد، قال: كنا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة، فسألوه عن الصلاة الوسطى؟ فقال: هي الظهر". ورواه أحمد من وجه آخر، وزاد: "كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت". القول الثالث: أنها العصر، وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، فقد رَوَى الترمذي والمصنف من طريق زِر بن حُبَيش، قال: "قلنا

стр. 3407

لعبيدة: سل عَلِيًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله؟ فقال: كنا نُرَى أنها الصبح، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" انتهى. قال الحافظ ﵀: وهذه الرواية تَدْفَعُ دَعْوَى من زَعَمَ أن قوله: "صلاة العصر"، مدرج من تفسير بعض الرواة، وهي نص في أن كونها العصر من كلام النبي ﷺ ، وأن شبهة من قال: إنها الصبح قوية، لكن كونها العصر هو المعتمد. وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، والذي صار إليه معظم الشافعية، لصحة الحديث فيه. قال الترمذي: هو قول أكثر علماء الصحابة. وقال الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر، وبه قال من المالكية: ابن حبيب، وابن العربي، وابن عَطِيَّة، ويؤيده أيضًا ما رواه مسلم عن البراء بن عازب: "نزلت حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخت، فنزلت حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى"، فقال رجل: فهي إذن صلاة العصر، فقال: أخبرتك كيف نزلت". القول الرابع: أنها المغرب، نقله ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس، قال: "صلاة الوسطى هي المغرب"، وبه قال قَبِيصَةُ بن ذُؤَيب، أخرجه ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات، وأنها لا تقصر في الأسفار، وأن العمل مَضى على المُبَادَرَةِ إليها، والتعجيل لها

стр. 3408

في أول ما تغرب الشمس، وأن قبلها صلاتا سر، وبعدها صلاتا جهر. القول الخامس: أنها جميع الصلوات، وهو آخر ما صححه ابن أبي حاتم، أخرجه أيضًا بإسناد حسن عن نافع، قال: "سُئِلَ ابنُ عمر؟ فقال: هي كلهن، فحافظوا عليهن"، وبه قال معاذ بن جبل، واحتج له بأن قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ يتناول الفرائض، والنوافل، فعطف عليه الوسطى، وأريد بها كل الفرائض تأكيدًا لها، واختار هذا القول ابن عبد البر. القول السادس: أنها الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية، واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، وصححه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعليقه، ورجحه أبو شامة. القول السابع: أنها الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة. القول الثامن: العشاء؛ نقله ابن التين، والقرطبي، واحتج له بأنها بين صلاتين، لا تُقْصَرَانِ، ولأنها تقع عند النوم، فلذلك أمِرَ بالمحافظة عليها، واختاره الواحدي. القول التاسع: الصبح، والعشاء، للحديث الصحيح في أنهما أثقل الصلاة على المنافقين، وبه قال الأبهري من المالكية. القول العاشر: الصبح والعصر، لقوة الأدلة في أن كلا منهما قيل: إنه الوسطى، فظاهر القرآن الصبح، ونص السنة العصر.

стр. 3409

القول الحادي عشر: صلاة الجماعة. القول الثاني عشر: الوتر، وصنف فيه عَلَمُ الدين السخاوي جزءًا، ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائي، واحتج له في جزء، قال الحافظ: رأيته بخطه. القول الثالث عشر: صلاة الخوف. القول الرابع عشر: صلاة عيد الأضحى. القول الخامس عشر: صلاة عيد الفطر. القول السادس عشر: صلاة الضحى. القول السابع عشر: واحدة من الخمس غير معينة، قاله الربيع بن خُثَيْم، وسعيد بن جبير، وشريح القاضي، وهو اختيار إمام الحرمين من الشافعية، ذكره في النهاية؛ قال: كما أخفيت ليلة القدر. القول الثامن عشر: أنها الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول المتقدم الجازم بأن كلا منهما يقال له: الصلاة الوسطى. القول التاسع عشر: التوقف، فقد رَوَى ابنُ جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه. القول العشرون: صلاة الليل، قال الحافظ: وجدته عندي، وذَهِلْت الآن عن معرفة قائله.

стр. 3410

وأقوى شُبْهَة لمن زعم أنها غير العصر مع صحة الحديث حديثُ البراء الذي تقدم لمسلم، فإنه يشعر بأنها أبهمت بعد ما عُيِّنَت، كذا قاله القرطبي، قال: وصار إلى أنها أبهمت جماعة من العلماء المتأخرين، قال: وهو الصحيح، لتعارض الأدلة، وعسر الترجيح. قال الحافظ: وفي دعوى أنها أبهمت، ثم عينت من حديث البراء نظر؛ بل فيه أنها عينت، ثم وصفت، ولهذا قال الرجل: فهي إذن العصرُ، ولم ينكر عليه البراء، نعم جواب البراء يشعر بالتوقف لما نظر فيه من الاحتمال، وهذا لا يدفع التصريح بها في حديث علي. ومن حجتهم أيضًا حديث عائشة المذكور في الباب، ففيه "وصلاة العصر" بالعطف، وروي مالك عن عَمْرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة، فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية، فآذِنِّي، فَأمْلَتْ علي: "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاةَ العصر". وأخرجه ابن جرير من وجه آخر حسن عن عمرو بن رافع. وروى ابن المنذر من طريق عبيد الله بن رافع: "أمرتني أم سلمة أن أكتب لها مصحفًا" فذكر مثل حديث عمرو بن رافع سواء، ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا نحوه، ومن طريق نافع أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فذكر مثله، وزاد: "كما سمعت رسول الله ﷺ يقولها". قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو.

стр. 3411

فتمسك قوم بأن العطف يقتضي المغايرة، فتكون صلاة العصر غير صلاة الوسطى. وأجيب بأن حديث علي، ومن وافقه أصح إسنادًا، وأصرح، وبأن حديث عائشة قد عورض برواية عروة أنه كان في مصحفها "وهي العصر"، فيحتمل أن تكون الواو زائدة، ويؤيده ما رواه أبو عبيدة بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو، أو هي عاطفة، لكن عطف صفة، لا عطف ذات، وبأن قوله "والصلاة الوسطى والعصر لم يقرأ بها أحد، ولعل أصل ذلك ما في حديث البراء أنها نزلت أولا، "والعصر"، ثم نزلت ثانيا بدلها "والصلاة الوسطى" فجمع الراوي بينهما، ومع وجود الاحتمال لا ينهض الاستدلال، فكيف يكون مقدمًا على النص الصريح بأنها صلاة العصر. قال الحافظ صلاح الدين العلائي ﵀: حاصل أدلة من قال: إنها غير صلاة العصر يرجع إلى ثلاثة أنواع: أحدهما: تنصيص بعض الصحابة، وهو معارض بمثله ممن قال منهم: إنها العصر، ويترجح قول العصر بالنص الصريح المرفوع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة على غيره، فتبقى حجة المرفوع قائمة. ثانيها: معارضة المرفوع بورود التأكيد على فعل غيرها كالحث

стр. 3412

على المواظبة على الصبح والعشاء، وهو معارض بما هو أقوى منه، وهو الوعيد الشديد الوارد في ترك صلاة العصر. ثالثها: ما جاء عن عائشة، وحفصة من قراءة "حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر" فإن العطف يقتضي المغايرة، وهذا يرد عليه إثبات القرآن بخبر الآحاد، وهو ممتنع، وكونه ينزل منزلة خبر الواحد مختلف فيه، سلمنا، لكن لا يصلح معارضا للمنصوص صريحًا، وأيضا فليس العطف صريحا في اقتضاء المغايرة، لوروده في نسق الصفات، كقوله تعالى: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] انتهى كلام العلائي ملخصًا اهـ. "فتح" جـ ٨ ص ٤٣ - ٤٥. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما ذُكِرَ أن أرجح الأقوال قول من قال: إنها العصر، لقوة دليله، كما تحرر من ملخص كلام الحافظ العلائي ﵀. والله أعلم. قال في الفتح: وجمع الدمياطي في ذلك جزءًا مشهورًا سماه "كشف الغطاء عن الصلاة الوسطى"، فبلغ تسعة عشر قولًا، ثم ساقها كما تقدم. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3413

١٥ - بَابُ مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ أي هذا الباب ذكر الحديث الدال على وَعِيدِ مَن ترك صلاة العصر. ٤٧٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْمَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ". رجال الإسناد: سبعة ١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري، أبو قُدَامة السَّرَخْسِيُّ، نَزِيلُ نَيْسَابُور، ثقة مأمون سُنِّيٌ، توفي سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، وتقدم في ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القَطَّانُ أبو سعيد البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، توفي سنة ١٩٨، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر أبو بكر الدستوائي البصري، ثقة ثبت رُمِيَ بالقَدَر، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧.

стр. 3414

٤ - (يحيى بن أبي كثير) أبو نَصْر الطائي مولاهم اليمامي، ثقة ثبت يُدَلِّس ويُرْسِلُ، توفي سنة ١٣٢، وقيل: غير ذلك، من [٥]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٢٣/ ٢٤. ٥ - (أبو قِلابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو -أو عامر- الجَرْميّ البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال فيه نصب يسير، من [٣]، وتقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. ٦ - (أبو المَلِيح) بن أسامة بن عُمَير -أو عامر- بن حُنَيف بن ناجية الهُذَلي، اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، ثقة، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٢/ ١٣٩. ٧ - (بُرَيدَة) بن الحُصَيب الأسلمي الصحابي الجليل ﵁ أبو سهل سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مَرْوَ، ومات بها سنة ٦٣، وهو آخر من مات بخراسان من الصحابة، تقدم في ١٠١/ ١٣٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة بالإخراج لهم، إلا شيخه؛ فأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي فقط. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم من بعض: يحيى

стр. 3415

وأبو قلابة وأبو المليح. ومنها: أن صحابيه آخر من مات من الصحابة بخراسان- مات سنة ٦٢ أو ٦٣. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجَرْميّ، أنه (قال: حدثني أبو المليح) عامر بن أسامة، وقيل: غيره، كما مر قريبًا، الهُذَليّ البصري. تنبيه: قال في الفتح: تابع هشامًا على هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير شيبان، ومعمر، وحديثهما عند أحمد، وخالفهم الأوزاعي؛ فرواه عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة، والأول هو المحفوظ، وخالفهم أيضًا في سياق المتن. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٣٩. (قال) أبو المليح (كنا مع بريدة) بن الحصيب ﵁ (في يوم ذي غيم) أي ذي سَحَاب، واحدته غَيْمَةٌ، وهو في الأصل مصدر من غامَت السماءُ، من باب سَارَ: إذا أطبَقَ بها السَّحَابُ، وأغامَتْ بالألف، وَغيَّمَتْ، وتَغَيَّمَتْ مثله. قاله في المصباح. قيل: خص يوم الغيم بذلك لأنه مظنة التأخير، إمَّا لمُتَنَطِّع يَحْتَاط لدخول الوقت، فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت، أو لمتشاغل بأمر آخر، فيظن بقاء الوقت، فيسترسل في شغله إلى أن يخرج الوقت.

стр. 3416

قاله في الفتح جـ ٢ ص ٣٩. (فقال) بريدة ﵁ (بكروا بالصلاة) أي عجلوا بأداء صلاة العصر في أول وقتها، فـ "أل" للعهد الحضوري بدليل قوله "من فاتته صلاة العصر". والتبكير يطلق على المبادرة بأي شيء كان، في أي وقت كان، وأصله المبادرة بالشيء أول النهار، ثم علل أمره لهم بالتبكير بقوله (فإِن رسول الله ﷺ ) فالفاء للتعليل. وقد استشكل معرفة تيقن دخول أول الوقت مع وجود الغيم، لأنهم لم يكونوا يعتمدون فيه إلا على الشمس، وأجيب باحتمال أن بريدة قال ذلك عند معرفة دخول الوقت، لأنه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشمسُ أحيانًا، ثم لا يشترط إذا احتجبت الشمس اليقين، بل يكفي الاجتهاد. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ٣٩. (قال: من فاتته صلاة العصر) أي بتقصيره؛ فخرج من فاتته بنسيان أو نوم، أو نحوهما، ويدل على ذلك ما في البخاري "مَنْ تَركَ صلاةَ العصر"، قال في "الفتح": زاد معمر في روايته "مُتَعَمِّدًا"، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء. و"مَنْ " شرطية، وجوابها قوله: (فقد حَبِطَ عمله) -بكسر الباء، وتفتح، قال في المصباح. حَبِطَ العَمَلُ حَبَطًا، من باب تَعِبَ،

стр. 3417

وحُبُوطًا: فَسَد، وهَدَر، وحَبَطَ يَحْبِطُ، من باب ضَرَبَ لغة، وقُرِئَ بها في الشواذ. اهـ. جـ ١ ص ١١٨. وفي رواية معمر "أحبط الله عمله". والله أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث بُرَيْدَة ﵁ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا في "الصلاة" (٤٧٤) عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن هشام الدّسْتوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قِلابَة، عن أبي المَلِيح، عنه. وفي "الكبرى" (٣٦٤) بهذا السند. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في "الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن فَضَالة كلاهما عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير … والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الوعيد لمن ترك صلاة العصر.

стр. 3418

ومنها: ما كان عليه الصحابة من حرصهم في الدعوة إلى المبادرة بالصلاة في أول وقتها. ومنها: شدة الوعيد في ترك صلاة العصر، وأنه سبب لإحباط العمل، وذلك لمزيد فضلها حيث إنها هي الصلاة الوسطى على الراجح، كما تقدم تفصيل ذلك في الباب السابق. المسألة الخامسة: أنه استدل بهذا الحديث من يقول بتكفير أهل المعاصي من الخوارج وغيرهم، وقالوا: هو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. وقال ابن عبد البر: مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله، فيتعارض مفهومها ومنطوق الحديث، فيتعين تأويل الحديث، لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح. وتمسك بظاهر هذا الحديث أيضًا القائلون بأن تارك الصلاة يكفر، وقد تقدم الجواب عنهم في الحديث (٤٦٣) وأيضًا فلو كان على ما ذهبوا إليه لما اختصت العصر بذلك. وأما الجمهور فتأولوا الحديث، فافترقوا في تأويله فِرَقًا: فمنهم: من أوَّلَ سبب الترك. ومنهم: من أوّل الحَبَطَ. ومنهم: من أوّل العمل، فقيل: المراد: من تركها جاحدًا لوجوبها، أو معترفًا، لكن مستَخِفًا مستهزئًا بمن أقامها.

стр. 3419

وتُعُقِّبَ بأن الذي فهمه الصمحابي إنما هو التفريط، ولهذا أمر بالمبادرة إليها، وفَهْمُهُ أولى من فهم غيره. وقيل: المراد من تركها متكاسلًا، لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير المراد، كقوله: "لا يزني الزاني، وهو مؤمن". وقيل: هو من مجاز التشبيه، كأن المعنى: فقد أشبه مَن حَبطَ عَمَلُهُ، وقيل: معناه كاد أن يُحبَطَ، وقيل: المراد بالحَبَط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، فكأن المراد بالعمل الصلاة خاصة أي لا يحصل على أجرِ مَن صَلَّى العصرَ، ولا يرتفع له عملها حينئذ، وقيل المراد بالحبط الإبطال، أي يبطل انتفاعه بعمله في وقتٍ مَّا، ثم ينتفع به، كمن رَجَحَت سيئاته على حسناته، فإنه موقوف في المشيئة، فإن غُفرَ له فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك، وإن عُذِّبَ، ثم غُفِرَ لهَ فكذلك. قال معنى ذلك، القاضي أبو بكر بن العربي. ومحصل ما قال: إن المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث. وقال في شرح الترمذي: الحبط على قسمين: حَبَطُ إسقاط، وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات. وحَبَطُ مُوَازَنَةٍ، وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة، فيرجع إليه جزاء حسناته. وقيل: المراد بالعمل في الحديث عمل الدنيا الذي يسبب الاشتغال

стр. 3420

به ترك الصلاة، بمعنى أنه لا ينتفع به، ولا يتمتع. قال الحافظ: وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إن ذلك خَرَج مَخْرَجَ الزجر الشديد، وظاهره غير مُراد. والله أعلم. اهـ. "فتح الباري" جـ ٢ ص ٤٠. وقال السندي ﵀: قيل: أريد به تعظيم المعصية، لا حقيقة اللفظ، ويكون من مجاز التشبيه، قال: وهذا مبني على أن العمل لا يحبط إلا بالكفر، لكن ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الآية يفيد أنه يحبط ببعض المعاصي أيضًا، فيمكن أن يكون ترك العصر عمدًا من جملة تلك المعاصي. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن حمل حبط العمل بترك صلاة العصر على ظاهره هو الأولى، لعدم ما يمنع منه، ولا يلزم منه أن يكون تركها محبطا لجميع أعماله كإحباط الكفر. إلا إذا اقترن معه الجحد لوجوبها. وحاصله أنه إحباط دون إحباط الكفر، فيصدق أن يحبط بعض أعماله من صحائفه بسبب تركها، كما أن الارتداد عن الإسلام يحبط جميعها. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".

стр. 3421

١٦ - بَابُ عَدَدِ صَلاةِ العصرِ فِي الحَضَرِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على عدد صلاة العصر في الحضر. وتقدم معنى الحضر في الباب ١١/ ٤٦٩ فارجع إليه تزدد علما .. ومحل الاستنباط قوله: "في الركعتين الأوليين من العصر … إلخ"، فقد بيَّن به أن عدد صلاة العصر في الحضر أربع ركعات، وهذا بالإجماع. والله أعلم. ٤٧٥ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً، قَدْرَ سُورَةِ السَّجْدَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 3422

رجال الإسناد: ستة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كَثير العَبْدِي الدَّوْرَقِيُّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٢١/ ٢٢. ٢ - (هُشَيم) بن بَشِيرِ بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، توفي سنة ١٨٣، من [٧]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (منصور بن زاذان) -بزاي وذال معجمتين- الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، ثقة ثبت عابد، توفي سنة ١٢٩، وقيل: سنة ١٢٨، وقيل: ١٣١، من [٦]، على الصحيح. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه. شيخ ثقة، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: رجل صالح متعبد، كان ثقة ثبتا، وكان سريع القراءة، وكان يحب أن يترسل فلا يستطيع. وقال إبراهيم بن عبد الله الهَرَوِي عن هُشَيم: لو قيل لمنصور بن زاذان: إن ملك الموت على الباب ما كان عنده زيادة في العمل، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يختم القرآن بين الأولى والعصر، وكان من المُتَقَشِّفِينَ المُتَجَرِّدِين مات سنة ١٢٩، وكذا أرخه خليفة بن خَيَّاط، ويحيى بن بكير، والبخاري، وابن قانع، والقراب، وكذا

стр. 3423

حكاه ابن أبي خيثمة عن ابن معين، روى له الجماعة. اهـ. تت بتصرف جـ ١٠ ص ٣٠٦ - ٣٠٧. ٤ - (الوليد بن مسلم) بن شهاب التميمي العَنْبَريِ، أبو بشر البصري، ثقة، من [٥]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وابن حبان. ٥ - (أبو الصديق الناجي) بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس البصري، ثقة، توفي سنة ١٠٨، من [٣]، أخرج له الجماعة، قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. تنبيه: الناجي: نسبة إلى نَاجِيَةَ قبيلةٍ من سَامَةَ بنِ لُؤَيٍّ، قاله في اللباب جـ ٣ ص ٢٨٧. ٦ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابي الجليل ابن الصحابي، ﵄، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته. ومنها: أن يعقوب ممن أخرج له الستة بدون واسطة. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء اتفق الجماعة بالإخراج لهم غير الوليد بن مسلم فأخرج له مسلم وأبو داود والنسائي فقط.

стр. 3424

ومنها: أنهم ما بين بغدادي، وهو يعقوب، وواسطيين، وهما هشيم، ومنصور، وبصرِيَّيْنِ، وهما الوليد، وأبو الصديق، ومدني، وهو الصحابي. ومنها: أن فيه تابعيَّيِن، وهما الوليد وأبو الصديق يروي أحدهما عن الآخر. ومنها: أن أبا سعيد من المكثرين السبعة، رَوَى -١١٧٠ - حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سِنَان ﵁، أنه (قال: كنا نحزر) أي نقدر، من الحزر، وهو التقدير، يقال: حَزَرْتُ الشيءَ حَزْرًا، من باب ضرب، وقتل: قَدَّرتُهُ، ومنه حزرت النخل: إذا خرصته. قاله في المصباح. وقوله: "كنا" يدل على أن الحازرين كانوا جماعة، وقد أخرج ابن ماجه في سننه بسنده عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: اجتمع ثلاثون بَدْرِيًّا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله ﷺ فيما لم يجهر فيه من الصلاة، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر".

стр. 3425

لكن في إسناده زيد العمّي، ضعيف، والمسعوديُّ اختلط بآخر عمره، والراوي عنه أبو داود الطيالسي سمع منه بعد الاختلاط قاله البوصيري. جـ ١ ص ٢٩٠. (قيام رسول الله ﷺ في) كل من صلاة (الظهر) وصلاة (العصر فحزرنا) أي قدرنا (قيامه في) صلاة (الظهر قدر ثلاثين آية) أي مقدار ما يقرأ ثلاثين آية (قدر سورة السجدة) بالنصب بدل من قدر الأوّل، أي مقدار ما يقرأ سورة السجدة، وهي "الم تنزيل السجدة" (في الركعتين الأوليين) أي في كل منهما، وليس المراد أنه يقرأ في كليهما مقدار ذلك، لما في رواية مسلم، ونحوها الرواية التالية للمصنف من حديث أبي سعيد ﵁ أيضا: "أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. فبينت هذه الرواية أن ذلك كان في كل ركعة. (و) يقرأ (في) كل من الركعتين (الأخريين) من صلاة الظهر (على) قدر (النصف من ذلك) وهو خمس عشرة آية. وفيه دليل على أنه ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأخريين من الظهر غير الفاتحة معها، ويوضحه قوله: (وحزرنا قيامه

стр. 3426

في الركعتين الأوليين من) صلاة (العصر على قدر) قراءته في (الأخريين من) صلاة (الظهر) إذ من المعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر غير الفاتحة (وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين من) صلاة (العصر على) قدر (النصف من ذلك) أي من قيامه في الأوليين، فيكون بقدر سبع آيات، أو نحوها؛ لأنه تقدم في رواية مسلم، أنه كان يقرأ في العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، فيكون نصف ذلك المقدار المذكور. وفيه دليل أنه ﷺ كان لا يزيد في الأخريين من العصر على الفاتحة بخلافه في الظهر، كما سبق آنفا. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ فِي الظُّهْرِ، فَيَقْرَأُ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً.

стр. 3427

رجال الإسناد: سبعة ١ - (سُوَيد بن نصر) المروزي، أبو الفضل، يُلَقَّبُ شَاهْ، راوية ابن المبارك، ثقة، توفي سنة ٢٤٠، وله ٩٠ سنة، من [١٠]، أخرج له الترمذي والنسائي، وتقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح الحَنْظلِيّ، أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت حجة إمام، توفي سنة ١٨١ عن ٦٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (أبو عوانة) وَضَّاحُ بن عبد الله الْيَشْكُرِي الواسطي البَزَّازُ، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، توفي سنة ١٧٥ أو ١٧٦، من [٧]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ٤١/ ٤٦. ٤ - (منصور بن زاذان) الثَّقَفِيُّ الواسطي، تقدم في السند الماضي. ٥ - (الوليد أبو بشر) بن مسلم المتقدم فيه أيضا. ٦ - (أبو المتوكل) علي بن داود، ويقال: دُؤَاد -بضم الدال بعدها واو بهمزة- البصري مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة ١٠٨ وقيل: قبل ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. ٧ - (أبو سعيد الخدري) ﵁ تقدم في السند الذي قبله. والله تعالى أعلم.

стр. 3428

لطائف الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزيين، وهما سويد، وابن المبارك، وواسطيين، وهما أبو عوانة، ومنصور بن زاذان، وبصريين، وهما الوليد، وأبو المتوكل، ومدني، وهو أبو سعيد. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي المتوكل الناجي) علي بن دَاوُد، أو دُؤاد. كذا وقع في هذه الرواية أبو المتوكل بدل أبي الصديق في الرواية السابقة، وقد اختلف الرواة عن أبي عوانة في هذا، فرواه ابن المبارك عنه هكذا، وخالفه فيه شَيْبَانُ بن فَرُّوخَ، كما عند مسلم، ويونس بن محمد، كما عند أحمد في مسنده، ويحى بن حماد، كما عند الدارمي في سننه، وحَبَّانُ بن هلال، كما عند الطحاوي، كلهم عن أبي عوانة، عن أبي الصديق الناجي، وانفرد ابن المبارك عنه بقوله: عن أبي المتوكل. قال الحافط في "النُّكتِ الظِّرَاف" جـ ٣ ص ٤٣١: وهذا من أبي عوانة لعله حدثه من حفظه، وحدث أولئك من كتابه، وكان إذا حدث من كتابه أتْقَنَ مما إذا حدث من حفظه. اهـ. وفي ترجمته من "تهذيب التهذيب": قال: أحمد إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من خير كتابه رُبَّما وَهِمَ،

стр. 3429

وقال أبو زرعة: ثقة إذا حدث من كتابه. وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غَلِطَ كَثيرًا. وقال ابنُ عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما إذا حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه ربما غلط. اهـ. جـ ١١ ص ١٢٠. قال الجامع: فظهر بهذا أن قوله: عن أبي المتوكل مما وهم فيه لكونه حدث به ابن المبارك من حفظه، والصواب ما رواه عنه الجماعة، وقالوا: عن أبي الصديق، لموافقة هشيم له على ذلك كما تقدم في الرواية السابقة -٤٧٥ - والله أعلم. (عن أبي سعيد الخدري) ﵁، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الظهر) أي لأداء صلاة الظهر (فيقرأ قدر ثلاثين آية في كل ركعة، ثم يقوم في العصر في الركعتين الأوليين) أي أداء كل من الركعتين الأوليين (قدر خمس عشرة آية) على النصف من الظهر. والله تعالى أعلم؛ وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية. في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٤٧٥) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن

стр. 3430

منصور بن زاذان، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق الناجي، عنه. وفي "الكبرى" (٣٥١) بهذا السند، ثم قال: قال: أبو عبد الرحمن: خالفه أبو عوانة، ثم أخرج بالطريق الثاني للمصنف هنا (٤٧٦) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن منصور، عن الوليد، عن أبي المتوكل، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم وأبو داود، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن هشيم -وعن شيبان بن فَرُّوخ، عن أبي عوانَةَ،- كلاهما عن منصور بن زاذان، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق الناجي، عنه. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" أيضا عن عبد الله بن محمد النُّفَيْلِيّ، عن هشيم، عن منصور به. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان عدد ركعات صلاة العصر في الحضر، وهو أربع ركعات، وهو مجمع عليه. ومحل الاستدلال قوله: في الركعتين الأوليين، والركعتين الأخريين، فإنه يدل على أن الفرض في العصر أربع. ومنها: وجوب القراءة في الصلاة.

стр. 3431

ومنها: عدم مشروعية الجهر في الظهر والعصر، لقوله "كنا نحزر"، لأنهم إنما قدّروا لعدم سماعهم لقراءته. ومنها: استحباب تطويل الركعتين الأوليين في كل من الظهر والعصر. ومنها: أن العصر تكون على النصف من الظهر. ومنها: مشروعية غير الفاتحة في الظهر في الركعتين الأخريين، لأن الفاتحة سبع آيات، وهو كان يقوم قدر خمس عشرة آية، وهذا هو المذهب الجديد للشافعي، وهو الراجح لهذا الحديث. ومنها: كونه لا يقرأ في العصر في الأخريين أكثر من الفاتحة. قيل: الحكمة في كون العصر على النصف من الظهر كون صلاة الظهر تفعل في وقت الغفلة بنوم القائلة، فطولت ليدركها المتأخر، بخلاف العصر، فإنها تفعل في وقت تَعَبِ أهل الأعمال فخففت لذلك. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 3432

١٧ - بَابُ صَلاة الْعصْرِ في السّفَرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على عدد صلاة العصر في السفر. ٤٧٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني أبو رَجَاء، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨]، تقدم في ٣/ ٣. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كَيْسَان السختياني البصري، ثقة حجة فقيه، من [٥]، تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٤ - (أبو قِلابَة) عبد الله بن زيد الجَرْمي البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، فيه نَصْب يسير، توفي هاربًا من القضاء بالشام سنة ١٠٤، وقيل: بعدها، من [٣]، تقدم في ٢٠٣/ ٣٢٢. ٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.

стр. 3433

لطائف الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الجماعة بالإخراج لهم. ومنها: أنهم بصريون، إلا شيخه فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة رَوَى ٢٢٨٦ حديثا. وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ٩٢ أو ٩٣ وقد جاوز ١٠٠ سنة. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁ (أن النبي ﷺ صلى) صلاة (الظهر بالمدينة أربعًا) في اليوم الذي أراد فيه الخروج إلى مكة للحج، وهو يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة، وقيل: يوم السبت لخمس بقين منه، كما تقدم في ٤٦٩. (وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين) لكونه مسافرًا، وهذا هو محل الترجمة حيث بين أن عدد فرض المسافر ركعتان في الصلاة الرباعية. والحديث متفق عليه. وقد تقدم ما يتعلق بالحديث من المسائل في (٤٦٩) فارجع إليه تزدد

стр. 3434

علمًا. تنبيه: من الغريب أن المصنف ذكر في هذا الباب حديث نوفل بن معاوية ﵁، مع أنه لا مناسبة له بالباب، بل المناسب أن يذكره في "باب من ترك العصر" الذي سبق (١٥/ ٤٧٤) أو يترجم له ترجمة مستقلة كما فعل البخاري حيث قال: "باب إثم من فاتته صلاة العصر"، فأورد الحديث. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وحديث نوفل هو ما ١كره بقوله: ٤٧٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". قَالَ عِرَاكٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ".

стр. 3435

رجال الإسناد: سبعة ١ - (سُوَيد بن نصر) المروزي رَاوِيَةُ ابن المبارك، ثقة تقدم قبل حديث. ٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي، ثقة حجة، تقدم قبل حديث أيضًا. ٣ - (حَيْوَةُ بن شُرَيح) بن صَفْوَان التُّجِيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد، من [٧]. قال عبد الله بن أحمد: قيل لأبي: حيوة بن شريح، وعمرو بن الحارث؟ فقال: جميعًا، كأنه سَوَّى بينهما، وقال حرب عن أحمد: ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وسئل عن حيوة، ويحيى بن أيوب؟ فقال: حيوة أعلى القوم، وهو ثقة وأحب إلي من المُفَضَّل بن فَضَالَةَ. وقال ابن وهب: ما رأيت أحدًا أشد استخفافًا بعمله من حيوة، وكان يعرف بالإجابة، وقال ابن المبارك: ما وصف لي أحد ورأيته إلا كانت رؤيته دون صفته إلا حيوة، فإن رؤيته كانت أكبر من صفتة، وقال يعقوب بن سفيان المقرئ: ثنا حيوة بن شريح، وهو كندي شريف عَدْلٌ رَضِيّ ثقة، توفي سنة ١٥٨، وأرخه الكلاباذي سنة ١٥٩ ووثقه العجلي ومسلمة.
следующие страницы →