وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت عذر؛ فوقت الفضيلة: أوله، ووقت الاختيار: ما بعد وقت الفضيلة إلى آخر الوقت، ووقت العذر: وقت العصر في حق من يجمع بسفر، أو مطر، هكذا قال الأكثرون، وقال القاضي حسين: لها أربعة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز، ووقت عذر، فوقت الفضيلة: إذا صار ظل الشيء مثل ربعه، والاختيار: إذا صار مثل نصفه، والجواز: إذا صار ظله مثله، وهو آخر الوقت، والعذر: وقت العصر لمن جمع بسفر، أو مطر. اهـ. المجموع جـ ٣ ص ٢٤. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٦ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (كَثِير بن عُبَيد) بن نُمَير المَذْحِجِيُّ، أبو الحسن الحِمْصي الحَذَّاء الُمقْرِئُ، ثقة، توفي في حدود سنة ٢٥٠، من [١٠]، أخرَج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في (٤٨٦).
٢ - (محمد بن حَرْب) الخَوْلاني الحمصي، الأبْرَش، ثقة، توفي سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٢.
стр. 3607
٣ - (الزبيدي) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، توفي سنة ١٤٦ أو ١٤٧ أو ١٤٩، من [٧]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله القرشي المدني أبو بكر، الفقيه الحجة الحافظ، توفي سنة ١٢٥ على الصحيح، من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٥ - (أنس) بن مالك بن النَّضْر بن ضَمْضَم الأنصاري الخزرجي أبو حمزة خادم رسول الله ﷺ ، خدمه عشر سنين، مات بعد سنة ٩٠، وقد جاوز ١٠٠ سنة، أخرج له الجماعة، ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، اتفقوا عليهم إلا شيخه فلم يخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي. والزبيدي فلم يخرج له الترمذي.
ومنها: أنهم حمصيون إلا الزهري فمدني، وأنسًا فمدني بصري.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا، وآخرُ من مات من الصحابة بالبصرة.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
стр. 3608
شرح الحديث
(عن الزهري) أنه (قال: أخبرني أنس) ﵁ (أن رسول الله ﷺ خرج حين زاغت الشمس) أي مالت عن كَبد السماء، يقال: زَاغَت الشمسُ، تَزِيغُ، زَيْغًا: مالت، وزَاغَ الشَّيَءُ كذلك، ويَزُوغُ زَوْغًا لغَة. وأزاغه إزاغة في التعدي. قاله في المصباح. (فصلى بهم) أي بالصحابة ﵃ (صلاة الظهر) فيه بيان أن أول وقت الظهر زوال الشمس. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤٩٦) بهذا السند فقط، وهو من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة غيره كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في "الأطراف" جـ ١ ص ٣٩١.
المسألة الثالثة: ذَكَرَ العلامةُ عمَاد الدين إسماعيل بن أبي البركات ابن باطيش -٥٧٥ - ٦٥٥ هـ، في كتَابه النفيس (١) "المغني في الإنباء عن غريب المُهَذَّب والأسماء" تنبيهًا نفيسًا في معرفة أوقات الصلاة أحببت
стр. 3609
إيراده هنا تتميمًا للفائدة، قال رحمه الله تعالى:
إذا أردت أن تعرف زوال الشمس فانصب في الأرض عُودًا مستقيمًا، ثم انظر إلى موضع انتهاء ظله، فَعَلِّم عليه، ثم اصبر قليلًا، فإن رأيت الظل قد نقص، فاعلم أن الشمس لم تَزُلْ بَعدُ، وإن رأيته قد زاد، فقد زالت.
ثم احفظ مقدارَ الظل الذي زالت عليه الشمس، فإذا أردت أن تعرف دخول وقت العصر، فانصب ذلك العود مقابل الشمس، وانظر إلى حيث ينتهي ظله، فعلم عليه، ثم انظر، فإن كان مقدار ذلك الظل مثل طول العود مع القدر الذي زالت عليه الشمس، فهو آخر وقت
الظهر، فإذا زاد أدنى زيادة، فقد دخل وقت العصر.
ومدة الوقت لصلاة الظهر من أوله إلى خروجه ثلاث ساعات زمانية، تطول إذا طال النهار، وتقْصُرُ إذا قَصُرَ.
ومدة الاختيار لصلاة العصر، وذلك منذ دخول المِثْلِ الثاني بعد القدر الذي زالت عليه الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، مبلغ مدة ذلك نصف ساعة بالتقريب، فمتى زاد على نصف ساعة، فقد خرج وقت الاختيار، ودخل الظل في المثل الثالث بعد قدر الزوال.
وأما المغرب، فيدخل وقتها بغروب الشمس، فإن أمكنك معاينة غروب قُرْصِ الشمس، فعند غروبه يدخل وقتها، وإن كان بينك وبين
стр. 3610
الشمس حائل وقت الغروب، فانظر إلى الجهة المحاذية لغروب الشمس في ذلك اليوم، فترى سوادًا شبيها بالسَّحَابة معترضًا، ثم لا يزال يعلو، حتى إذا غاب نصف قرص الشمس ظهرت حمرة فوق ذلك السواد كالعصابة، فإذا تكامل الغروب: غلب السوادُ الحمرةَ، وتلاشت إلا الشيءُ الخَفِيُّ.
وأما العشاء، فأول وقتها، على مذهب الشافعي ﵁: إذا غاب الشفق الأحمر، والصُّفْرَةُ التي تعقبه، ولم يبق إلا البياض، ومقدار ما بينه وبين صلاة المغرب نصف سدس الليل، إن طال الليل: طال ذلك النصف سدس، وإن قصر الليل: قصر.
قال أبو العباس أحمد بن سعيد الشِّيحِيُّ (١): ومقداره ساعة وثلاثة أسباع ساعة تقريبًا.
ومن يزعم أن الشفق هو البياض فمقدار ما بينه وبين صلاة المغرب سدس سواد الليل.
وأما وقت الاختيار لصلاة العشاء، فعلى قول الشافعي: إن أول وقتها: إذا غاب الشفق الأحمر، وآخر وقت الاختيار: إذا مضى ثلث الليل، وهو الجديد، فعلى هذا يكون مقدار الوقت ثلاث ساعات
стр. 3611
ونصف بالتقريب.
وعلى قول من يزعم أن الشفق هو البياض، وأن آخر وقت الاختيار: إذا مضى نصف الليل يكون مدته ثلاث ساعات وربع وسدس، بالتقريب.
وإذا أردت معرفة دخول وقت العشاء، ولم تنظر إلى موضع الشفق، فإذا رأيت صغار النجوم قد ظهرت ظهورًا بَيِّنًا فاعلم أن الحمرة قد غابت، وأن وقت العشاء قد دخل، فإن لم تكن نجوم لغيم، فإذا مضى نصف سدس الليل: فقد دخل وقتها.
وإذا أردت معرفة طلوع الفجر الثاني، فانظر إلى مطلع الشمس، فعلم نحو جهته، ثم انظر آخر الليل، فإن البياض يبتدئ من تلك الجهة إذا بقي من الليل قَدْرُ ساعتين، ثم يرتفع إلى ربع السماء في رأي العين، كأنه عمود مستطيل، وأدناه عريض، وهو الفجر الأول، ثم يَنْحَدِرُ نَحْوَ المشرق، فإذا رأيت السواد الذي تحته قد صارت فيه خطوط بيض، واعترض البياض في المشرق، فقد طلع الفجر الثاني.
ومقدار الوقت من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس: ساعة وخمسة أسباع ساعة زمانية، وهو سُبُع منازل القمر من مغيب الشمس إلى طلوعها، فإن طال الليل: طال هذا السبع، وإن قصر الليل: قصر، فهو في المدة بالزيادة والنقصان من حساب الليل، وهو على الصائمين من حساب النهار. فتبارك الله رب العالمين.
стр. 3612
وإذا أردت معرفة ما مضى من ساعات النهار، فخذ عودًا طوله اثنا عشر إصبعًا، وانصبه في موضع مُسْتَوٍ بإزاء الشمس، ثم انظر كم طول ظله، فزد عليه مثل طول ظل العُود، أعني اثني عشر أصبعًا أخرى، ثم ألق من الجملة مثل ظل الزوال، وهو القدر الذي يكون من ظل ذلك العود عند الزوال، فما بقي اقسم عليه اثنين وسبعين، فما خرج فهو قدر الساعات الذاهبة من النهار. والله أعلم. وهذا الطريق ذكره صاحب البيان. اهـ. "المغني في الإنباء في غريب المهذب والأسماء" جـ ١ ص ٧٨ - ٨١. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٩٧ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا.
قِيلَ لأَبِي إِسْحَاقَ فِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدَّورقي أبو يوسف، ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (حميد بن عبد الرحمن) بن حميد بن عبد الرحمن
стр. 3613
الرؤاسي (١) -بضم الراء بعدها همزة خفيفة- أبو عوف الكوفي، ثقة، من [٨].
وقيل: كنيته، أبو علي، وأبو عَوْف لقبه. قال الأثرم: أثْنَى عليه أحمد، وَوَصَفهُ بخير، وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي خيثمة عن أبي بكر بن أبي شيبة: قَلَّ من رأيت مثله. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث لم يكتب الناس كل ما عنده، وقال العجلي: ثقة ثبت عاقل ناسك. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات في آخر سنة ١٩٢، وقال ابن نمير: توفي سنة ١٩٠، وقيل: سنة ١٨٩. اهـ. "تت". روى له الجماعة.
٣ - (زهير) بن معاوية بن حُدَيج، ابن خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجَزِيرَة، ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره، توفي سنة ١٣٢، وقيل: غير ذلك، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السَّبيعي الكوفي، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخره، من [٣]، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (سعيد بن وهب) الهَمْداني الخَيواني (٢) -بفتح المعجمة وسكون الياء، وبعد الألف نون- يقال له: القُرَاد -بضم القاف، وتخفيف الراء- الكوفي، ثقة مخضرم. أدرك زمن النبي ﷺ ، وَسَمِعَ
стр. 3614
من معاذ بن جبل باليمن في حياة النبي ﷺ . وَرَوَى عنه، وعن ابن مسعود، وعلي، وسلمان، وأبي مسعود، وحذيفة، وخباب بن الأرت، وأم سلمة ﵃. وعنه ابنه عبد الرحمن، وأبو إسحاق، وعمارة ابن عمير، والسري بن إسماعيل. قال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن أبي عاصم: توفي سنة ٧٥، وقال عمرو بن علي: سنة ٧٦، وقال ابن سعد: عُرِف بالقُراَد للزومه عليَّ بن أبي طالب، ووثقه العجلي، وابن نمير، وقال ابن حبان: وهو الذي يقال له: سعيد ابن أبي خيرة. اهـ. "تت". روى له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والنسائي.
٦ - (خَبَّابُ) بنُ الأرَتِّ (١) بن جندلة بن سعد التميمي، أبو عبد الله، شهد بدرًا، وكان قَيْنًا في الجاهلية. رَوَى عن النبي ﷺ . وروى عنه أبو أمامة الباهلي، وابنه عبد الله بن خباب، وأبو معمر عبد الله بن سَخْبَرَة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة بن قيس، وأبو وائل، وحارثة بن مضرب، وأبو الكنود الأزدي، وأبو ليلى الكندي، وأرسل عنه، ومجاهد، والشعبي، وسليمان بن أبي هند، ويقال: ابن أبي هندية، نزل الكوفة، ومات بها سنة ٣٧ وهو ابن ٧٣ سنة، وقيل: أو ستين، وصلى عليه علي بن
стр. 3615
أبي طالب، وكان من المهاجرين الأولين. قال ابن سعد: أصابه سبي، فبيع بمكة، ثم حالف بني زهرة، وأسلم قبل أن يدخل رسولُ الله ﷺ دارَ الأرقَمِ، وكان من المستضعفين الذين يُعَذَّبُون بمكة، وحَكَى البَارُودِيّ أنه أسلم سادس ستة، وحكى ابن عبد البر في الاستيعاب أنه شَهِد صِفِّين مع علي، ثم قال: وقيل: مات سنة ١٩، وصَلَّى عليه
عمر، وقال أبو الحسن بن الأثير: الصحيح أنه لم يشهد صِفِّين، منعه من ذلك مرضه. وقال ابن حَبان: مات مُنْصَرَف علي من صفين، وصَلَّى عليه عليٌّ. وقيل: توفي سنة ١٩، والأول أصح. اهـ. "تت". والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات اتفقوا عليهم إلا سعيدًا فما أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
ومنها: أن شيخه هو أحد مشايخ الستة، رووا عنه بدون واسطة، كما تقدم غير مرة.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، إلا شيخه، فبغدادي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. وأن فيه الإخبارَ، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
стр. 3616
شرح الحديث
(عن خَبَّاب) بن الأرتّ ﵁ أنه (قال: شَكَوْنا إِلى رسول الله ﷺ ) يقال: شَكَوْتُهُ، شَكْوًا، من باب قَتَلَ، والاسم شَكْوَى، وشِكَايَة، وشَكَاة، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكِيٌّ، واشْتَكَيْتُ منه، والشَّكِيَّةُ اسم للمَشْكُوِّ، وأشْكَيْتُهُ بالألف: فَعَلْتُ به ما يُحْوِج إلى الشَّكْوى. قاَله في "المصباح".
وقال ابن بَرِّيّ: الشَّكَايَةُ، والشَّكِيَّةُ: إظهار ما يَصِفُكَ به غَيرُك من المَكْرُوه، والاشتِكَاء: إظهار ما بك من مكروه ومَرَض، ونحوه. قاله في اللسان.
(حَرَّ الرَّمْضَاء) كحمراء بضاد معجمة: هي الرَّمْل الحَارّ لحَرَارِةِ الشمس، قاله السندي. وفي المصباح: الرَّمْضَاءُ: الحِجَارَةُ الحامية من حَرّ الشمس (فلم يُشْكِنا) مضارع أشْكَى رُبَاعيًا، يقال: أشكيت فلانًا: إذا أزلت شكايته، فالهمزة للسلب، مثل أعربته: إذا أزلت عَرَبَهُ، وهو فساده. قاله في "المصباح". وتقدم أنه يقال: أشْكَيْتُهُ بالألف: إذا فعلت به ما يحوج إلى الشكوى، فهو من الأضداد.
ومعنى الحديث كما قال ابن الأثير في "النهاية": أنهم شَكَوا إليه حَرَّ الشمس، وما يُصيبُ أقدامَهُم منه إذا خرجوا إلى صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها قليلًا، فلم يُشْكِهم: أي لم يُجِبْهُمْ إلى ذلك، ولم يُزل شكواهم.
стр. 3617
قال ابن الأثير ﵀: وهذا الحديث يذكر في مواقيت الصلاة لأجل قول أبي إسحاق لَمَّا قِيل له: في تعجيلها؟ قال: نعم، والفقهاء يذكرونه في السجود، فإنهم كانوا يضعون أطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدة الحر، فَنُهُوا عن ذلك، وإنهم لما شَكَوا إليه ما يجدون من ذلك لم يَفْسَحْ لهم أن يسجدوا على أطراف ثيابهم. اهـ. "نهاية" جـ ٢ ص ٤٩٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن الأثير نقلًا عن الفقهاء غير صحيح، لمخالفته ما صح من حديث أنس ﵁، أنه قال: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه" رواه مسلم.
ودعوى كون المراد بالثوب الثوبَ المنفصلَ -كما قالت الشافعية- مما لا دليل عليه. والله أعلم.
وقال القرطبي ﵀: يحتمل أن يكون هذا منه ﷺ قبل أن يؤمروا بالإبراد، ويحتملى أنهم طلبوا زيادة تأخير الظهر على وقت الإبراد، فلم يُجِبْهم إلى ذلك. وقد قال ثعلب في قوله: فلم "يشكنا": أي لم يُحْوِجْنا إلى الشَّكْوَى، ورَخَّص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج، وعلى هذا تكون الأحاديث كلها متواردة على معنى واحد. اهـ. "زهر".
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير ثعلب يرده -كما قال الحافظ-
стр. 3618
أن في الخبر زيادة رواها ابنُ المنذر بعد قوله "فلم يُشْكنَا" وقال: "إذا زالت الشمس فصلوا". فالأولى أن يحمل معنى "فلم يشكنا" على المعنى الأول، فيكون المعنى لم يزل شكوانا، وذلك أنهم طلبوا منه تأخيرًا زائدًا عن وقت الإبراد، وهو زوال حر الرَّمْضَاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت. فلم يُجِبْهُم إليه. وسيأتي زيادة تحقيق في المسألة بعد بابين إن شاء الله تعالى.
(فقيل لأبي إِسحاق) السبيعي، والقائل له هو زهير، ففي رواية مسلم قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم (في تعجيلها) مقول "قيل" بتقدير الاستفهام، أي أكانت الشكوى في شأن تعجيل صلاة الظهر (قال: نعم) أي قال أبو إسحاق: نعم، كانت في ذلك.
وحاصل المعنى أنَّ زُهَيْرًا لما حدثه أبو إسحاق بهذا الحديث، قال له: هل هذه الشكوى من أجل تعجيل صلاة الظهر الذي تسبب لإيذاء حر الرَّمْضَاء لهم؟ فقال أبو إسحاق: نعم.
والحديث يدل على استحباب الاستعجال بصلاة الظهر، ولذا أورده المصنف في باب أول وقت الظهر، ويؤيده جواب أبي إسحاق المذكور. لكن تعارضه الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد عند اشتداد الحر، وسيأتي الجمع بينهما في "باب الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر" بعد بابين، إن شاء الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 3619
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث خَبَّاب ﵁ أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
لم يخرجه إلا في هذا الباب.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص -وعن أحمد بن يونس، وعون بن سَلام- كلاهما عن زهير بن معاوية- كلاهما عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وَهْب، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: استحباب التعجيل بصلاة الظهر في شدة الحر، وسيأتي وجه الجمع بينه وبين أحاديث الإبراد.
ومنها: ما كان عليه الصحابة من مراجعتهم للنبي ﷺ فيما أشكل عليهم، ولا يتقدمون بين يديه؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يكلف نفسه تحمل ما يشق عليها في طاعة
стр. 3620
الله تعالى؛ لينال به الأجر العظيم. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3621
٣ - بَابُ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي السَّفَرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب تعجيل صلاة الظهر في حال السفر، وهو مقيد بما إذا كان الوقت باردًا، وإلا فيستحب الإبراد، لحديث أبي ذر ﵁ الذي سنذكره، إن شاء الله تعالى.
٤٩٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ الْعَائِذِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلاً لَمْ يَرْتَحِلْ مِنْهُ، حَتَّى يُصَلِّىَ الظُّهْرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَتْ بِنِصْفِ النَّهَارِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ بِنِصْفِ النَّهَارِ".
رجال هذا الإسناد: خمْسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) اليشكري، أبو قُدَامَةَ السَّرَخْسيُّ، نزيل نيسابور، ثقة مأمون سني، توفي سنة ٢٤١، من [١٠]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة حجة ثبت، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
стр. 3622
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة حافظ متقن، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (حمزة العائذي) هو ابن عمرو، أبو عُمَر الضَّبِّيُّ البصري، صدوق، من [٤].
قال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قد وَهِمَ من زعم أنه جمرة -يعني بالجيم، والراء. روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
تنبيه:
العائذي: نسبة إلى عائذة ضَبَّةَ، وهم بنو عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضَبَّةَ بن أدّ، وقيل: عائذ الله بن سعد بن ضبة. أفاده في اللباب جـ ٢ ص ٣٠٨.
٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، إلا حمزة، فصدوق.
ومنها: أنهم بصريون إلا شيخه، فسرخسي، نزيل نيسابور.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا.
стр. 3623
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والسماع. والله أعلم.
شرح الحديث
قال حمزة (سمعت أنس بن مالك) ﵁ (يقول: كان النبي ﷺ إِذا نزل منزلًا) للاستراحة وأدركه الزوال فيه (لم يرتحل منه) من ذلك المنزل (حتى يصلي الظهر) فيه.
والمعنى أنه ﷺ إذا نزل مكانا للاستراحة، ثم زالت الشمس وهو في ذلك المكان لم ينتقل منه إلا بعد أداء صلاة الظهر، وليس المراد أنه كلما نَزَل مَنْزِلًا انتظر الزوال ليصلي صلاة الظهر، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ﵁ "أن النبي ﷺ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب".
فهذا الحديث يدل على أنه إنما يصلي إذا اتفق زوال الشمس قبل ارتحاله، لا أنه ينتظر الزوال هناك، والحاصل أنه إذا زالت الشمس قبل ارتحاله صلى الظهر، وإلا ارتحل، حتى يجمعها مع العصر في وقت العصر.
(فقال رجل) لأنس بن مالك ﵁ (وإن كانت
стр. 3624
بنصف النهار) أي يصلي وإن كانت الصلاة بنصف النهار، فاسم "كان" ضمير يعود إلى الصلاة المفهومة من قوله "يصلي"، و"بنصف النهار" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبرها (قال) أنس (وإِن كانت بنصف النهار) يعني عقب الزوال، فالمراد من الحديث أنه ﷺ كان يبادر بصلاة الظهر في السفر في أول وقتها قبل ارتحاله، وليس المراد أنه يصليها قبل الزوال، لحديث الصحيحين المذكور، آنفًا، وللإجماع على عدم صحة الصلاة قبل الوقت، إلا ما يأتي من الخلاف في صلاة الجمعة قبل الزوال في بابه إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته.
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤٩٨)، وفي "الكبرى" (١٤٨٥) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن حمزة بن عمرو العائذي، عنه. والله أعلم.
стр. 3625
المسألة الرابعة:
استدل المصنف رحمه الله تعالى بحديث أنس ﵁ هذا، على استحباب التعجيل بصلاة الظهر في السفر، ومثله ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن أنس ﵁، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في السفر، فقلنا: زالت الشمس، أو لم تزل، صلى الظهر، ثم ارتحل".
فإن قيل: يعارضه ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال. "كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : أبْرِد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فَيْءَ التُّلُول، فقال النبي ﷺ : إن شدة الحرّ من فَيْحِ جهنم، فإذا اشتد الحر، فأبردوا بالصلاة"؛ فإنه يدل على استحباب التأخير في الظهر في السفر.
أجيب بأن حديث أنس ﵁ محمول على أيام البرد، وحديث أبي ذر ﵁ على أيام اشتداد الْحَرّ، فلا تعارض. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3626
٤ - تَعْجِيلُ الظُّهْرِ فِي الْبَردِ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على استحباب التعجيل بصلاة الظهر في زمان البرد، سواء كان في الحضر، أو في السفر.
٤٩٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، أَبُو خَلْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ".
رجال الإسناد: أربعة
١ - (عُبَيد الله بن سعيد) السَّرَخْسِيُّ المتقدم في السند الماضي.
٢ - (أبو سعيد مولى بني هاشم) عبدُ الرحمن بن عبد الله بن عُبَيد البصري، نَزِيل مكة، لقبه جَرْدَقَةُ -بفتح الجيم والدال، بينهما راء ساكنة، ثم قاف، صدوق ربما أخطأ، من [٩]، أخرج له البخاري.
قال أحمد، وابن معين. ثقة. وقال أبو حاتم: كان أحمد لا يرضاه، وما كان به بأس. وقال أبو القاسم الطبراني: ثقة. وقال هارون بن الأشعث. توفى سنة ١٩٧ ووثقة البغوي، والدارقطني، وذكره ابن شاهين في الثقات. وقال الساجي: يَهِمُ في الحديث. وحكى العقيلي عن أحمد بن حنبل أنه قال. كان كثير الخطأ. ونقل القباني: أنه جاء عن
стр. 3627
أحمد أنه كان لا يرضاه. اهـ "تت". أخرج البخاري، وأبو داود في "فضائل الأنصار"، والنسائي، وابن ماجه.
٣ - (خالد بن دينار أبو خَلْدَة) -بفتح المعجمة، وسكون اللام- التميمي السعدي، مشهور بكنيته، البصري الخياط، صدوق، من [٥].
قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: صالح. وقال عثمان بن سعيد عن يحيى: ثقة. وقال عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع: ثنا أبو خَلْدَةَ، وكان ثقة، وقال أيضًا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا أبو خلدة، فقال له رجل: كان ثقة؟ فقال: كان مأمونًا خيارًا، الثقة: شعبة، وسفيان.
وقال النسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: أبو خلدة أحب إلي من الربيع ابن أنس. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله سن، وقد لَقِيَ (١)، وقال العجلي، والدارقطني: ثقة، وقال الترمذي: ثقة عند أهل الحديث.
وفي تاريخ البخاري: قال ابن مهدي: كان خيارًا مسلمًا، صدوقًا، وقال ابن حبان في الثقات: كان ابن مهدي يحسن الثناء عليه، وقال ابن عبد البر في الكنى: هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ، وقال ابن قانع. مات سنة ١٥٢. اهـ. "تت". أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
стр. 3628
٤ - (أنس بن مالك) أبو حمزة الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما عنده من الأسانيد، وقد تقدم غير مرة، وهو (١٨) من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله كلهم موثقون، بصريون إلا شيخه فسرخسي.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات بعد سنة ٩٠ وقد جاوز ١٠٠.
ومنها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والسماعَ، من صيغ الأداء. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) خالد بن دينار ﵀ (سمعت أنس بن مالك) ﵁ (قال: كان رسول الله ﷺ إِذا كان الحر) "كان" تامة، ولذا اكتفت بمرفوعها، كما قال ابن مالك:
................ … وَذُ وتَمَامٍ مَا بِرَفعٍ يَكْتَفِي
وقال الحَرِيريُّ في مُلْحَته:
وَإِنْ تُقُلْ يَا قَومُ قَدْ كَانَ المَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلى خَبَر
стр. 3629
ومعناها: حصل وَوُجِدَ الحَرُّ.
(أبرد بالصلاة) من الإبراد، وهو الدخول في البَرْد، يقال: أبْرَدْنَا دخلنا في البَرْد، مثل أصبحنا: دَخَلْنا فى الصباح، وأبْرَد بالظهر: أدخل صلاة الظهر في البرد، وهو سكون شدة الحر، فالباء للتعدية. أفاده في المصباح (وإِذا كان البرد) أي حصل البرد (عجل) أي بادر
بأداء الصلاة في أول الوقت.
ثم إن المراد بالصلاة هنا هي الظهر، ولذا أورد المصنف الحديث في باب تعجيك الظهر في البرد.
وأما البخاري فقد أورده في كتاب الجمعة، في "باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة" قال حدثنا محمد بن أبي بكر المقدّمي، قال: حدثنا حرمي بن عمارة، قال: حدثنا أبو خَلْدة هو خالد بن دينار، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: "كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة"، يعني الجمعة. قال يونس بن بكير: أخبرنا أبو خلدة، فقال: "بالصلاة"، ولم يذكر الجمعة. وقال بشر بن ثابت: حدثنا أبو خلدة، قال: "صَلَّى بنا أمير البصرة الجمعة، ثم قال لأنس ﵁: كيف كان النبي ﷺ يصلي الظهر"؟.
قال الزين ابن المُنَيِّر: نحا البخاري إلى مشروعية الإبراد بالجمعة، ولم يَبُتَّ الحُكْمَ بذلك؛ لأن قوله "يعني الجمعة" يحتمل أن يكون التابعي مما فَهِمَهُ، ويحتمل أن يكون من نقله، فرجح عنده إلحاقها
стр. 3630
بالظهر، لأنها إما ظهر، وزيادة، أو بدل عن الظهر، وأيد ذلك قولُ أمير البصرة لأنس يوم الجمعة "كيف كان النبي ﷺ يصلي الظهر"، وجواب أنس من غير إنكار ذلك.
انظر الفتح جـ ٢ ص ٤٥٢ - ٤٥٣، وسيأتي تحقيق القول في المسألة في "كتاب الجمعة"- "باب وقت الجمعة" (١٤/ ١٣٨٨) إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤٩٩)، وفي "الكبرى" (١٤٨٦) بسند الباب، وقال الحافظ المزي: وعن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عنه نحوه، وأولُهُ: أن الحكم بن أيوب أخر الجمعة، فتكلم يزيد الضبي. اهـ "تحفة" جـ ١ ص ٢١٦.
قال الجامع: لم أر طريق إسماعيل، والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة"، في "كتاب الجمعة"، كما مر بيانه قريبًا. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
стр. 3631
منها: ما ترجم له المصنف، وهو استحباب التعجيل بصلاة الظهر في وقت البرد.
ومنها: استحباب التأخير بها في وقت اشتداد الحر.
ومنها: الإشارة إلى إزالة التشويش عن المصلي بكل طريق، محافظةً على الخشوع، لأن ذلك هو السبب في مراعاة الإبراد في الحر دون البرد. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3632
٥ - الإبْرَادُ بِالظُّهْرِ إِذَا أشْتَدَّ الْحَرُّ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب الإبراد وقت اشتداد الحر.
٥٠٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (قتيبة بن سعيد) البَغْلَاني أبو رَجَاء الثَّقَفِيُّ ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٠، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث الفَهْمي إمام أهل مصر، ثقة حجة فقيه، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الحافظ، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (ابن المسيب) سعيد المخزومي المدني الفقيه الثقة الثبت، من [٢]، تقدم في ٩/ ٩.
стр. 3633
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه: عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، توفي سنة ٩٤، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) الدَّوْسيُّ الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، أخرج لهم الجماعة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيين: ابن شهاب عن ابن المسيب، وأبي سلمة.
ومنها: أن ابن المسيب، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، على خلاف في أبي سلمة.
ومنها: أنهم مدنيون إلا قتيبة فبغلاني، والليث فمصري.
ومنها: أن أبا هريرة أحفظ مَن رَوَى الحديثَ في عصره؛ رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا.
وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: إِن رسول الله ﷺ )
стр. 3634
بكسر همزة "إن" لكونه مقولًا لـ"قال" (قال: إذا اشتد) من الاشتداد، من باب الافتعال، وأصله "اشْتَدَدَ" أدْغِمَتِ الدالُ الأولى في الثانية (الحَرُّ) فاعل "اشتد"، والحر: ضد البردَ، جمعه: حَرُور، وأحَارِر، كما في "ق"، ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يُشرعَ الإبراد، وكذا لا يشرع في البرد من باب أولى. قاله في الفتح.
(فأبردوا) بفتح الهمزة، من الإبراد، قال الزمخشري في الفائق: حقيقة الإبراد الدخول في البرد، والمعنى: إدخال الصلاة في البرد، ويقال: معناه: افعلوها في وقت البرد، وهو الزمان الذي يتبين فيه شدة انكسار الحر، لأن شدته تُذْهِبُ الخشوعَ.
وقال السفاقسي: أبردوا: أي ادخلوا في وقت الإبراد، مثل أظلَمَ: دَخَلَ في الظلام، وأمسى: دخل في المساء.
وقال الخطابي: الإبراد: انكسار شدة حَرِّ الظهيرة، وذلك أن فتور حرها بالإضافة إلى وَهَجِ الهاجرة بَرْدٌ، وليس ذلك بأن يُؤَخَّرَ إلى آخر برد النهار، وهو بَرْدُ العَشِيّ، إذ فيه الخروج عن قول الأئمة. ذكره العيني في "عمدته" جـ ٥ ص ٢٠.
(عن الصلاة) قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: تحتمل "عن" أوجهًا:
أحدها: أن تكون بمعنى الباء، ك ما أن الباء تكون بمعنى "عن"،
стр. 3635
فَمِنَ الأول فيما قيل، قَولُهُ تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، أي بالهوى، ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وتسمى هذه باءَ المجاوزة.
ثانيها: أن تكون زائدة، أي أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل كذا: إذا فعله في بَرْدِ النهار، ذكره القاضي عياض، وغيره، وفيه نظر؛ لأن مَنْ جَعَلَ "عَن" زائدة قَيَّدَ ذلك بأن تزاد للتعويض من أخْرَى محذوفة، ومثلوه بقوله الشاعر:
أتَجْزَعُ إِنْ نَفْسٌ أتاَهَا حِمَامُهَا … فَهَلاَّ الَّتيِ عَنْ بَيْنِ جَنْبَيْكَ تَدْفَعُ
قال أبو الفتح: أراد تدفع عن التي بين جنبيك، فحذفت "عن" من أول الموصول، وزيدت لعده.
ثالثها: تضمين "أبردوا" معنى أخروا، وحذف مفعوله، تقديره: أخروا أنفسكم عن الصلاة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: معنى قوله "أبردوا" أخروا إلى زمان البرد، ولا ينتظم ذلك مع قوله: "عن"؛ فإن صورته أخروا عن الصلاة إلا بإضمارٍ، وتقديره: أخروا أنفسكم عن الصلاة، وهو قريب من قول الخطابي: معنى قوله: "أبردوا عن الصلاة": تأخروا عنها مُبردِين.
قلت: أي داخلين في وقت البرد. انتهى. وهو مثل كلام ابن
стр. 3636
العربي إلا أنه ضمن "أبردوا" معنى فعلٍ قاصرٍ، لا يحتاج إلى تقدير مفعول، وهو "تأخروا". اهـ. "طرح" جـ ٢ ص ١٥٦ - ١٥٧.
ثم إن المراد بالصلاة هنا: الظهر، لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أول وقتها، وقد جاء صريحًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فَيْحِ جَهَنَّم". رواه البخاري. وقد حمل بعضهم الصلاة على عمومها بناء على أن المفرد المُعَرَّفَ يعم، فقال به أشهب في العصر، وقال به أحمد في رواية عنه في العشاء؛ حيث قال: تؤخر في الصيف دون الشتاء، ولم يقل أحد به في المغرب، ولا في الصبح لضيق وقتهما. أفاده في "الفتح" جـ ٢ ص ٢٢.
وسيأتى مزيد بسط للمسألة في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
(فإِن شدة الحر) الفاء فيه للتعليل، أراد به أن علة الأمر بالإبراد هي شدة الحر.
اختلف في حكمة هذا التأخير؛ فقيل: دفع المشقة، لكون شدة الجر مما يذهب الخشوع. قال الحافظ ﵀: وهذا أظهر، وقيل: لأنه وقت تُسْجَرُ فيه جهنم، ويؤيده حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم، حيث قال له: "أقْصِرْ عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم". وقد استُشْكلَ هذا بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مَظِنَّةٌ لطرد العذاب، فكيف أَمر بتركها؟
стр. 3637
وأجاب أبو الفتح اليعمري بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه.
واستنبط له الزين ابن المُنَيِّر مَعْنًى يناسبه، فقال: وقت ظهور أثر الغضب، لا يَنْجَعُ فيه الطلبَ، إلا ممن أذنَ له فيه. والصلاة لا تنفك عن كونها طلبا، ودعاء، فناسب الاقتصار عنها حينئذ، واستَدَلَّ بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن الله غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا ﷺ ، فلم يَعْتَذِرْ، بل طلب لكونه أذِنَ له في ذلك.
ويمكن أن يقال: سَجْر جَهَنَّم سبب فَيْحِها، وفَيْحُهَا سبب وجود الحر، وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يُصَلَّى فيها، لكن يرد عليه أن سجرها مستمر في جميع السنة، والإبراد مختص بشدة الحر، فهما متغايران، فحكمة الإبراد المشقة، وحكمة الترك وقت سجرها، لكونه وقت ظهور أثر الغضب. والله أعلم. قاله في "الفتح" جـ٢ ص ٢٢.
(من فيح جهنم) أي من سعة انتشارها، وتنفسها، ومنه: مكان أفيح: أي مُتَّسِعٌ. قاله في "الفتح".
وقال العراقي ﵀: فَيْحُ جهنم وفَوْحُها، بالياء والواو، مع فتح الأول فيهما، وبالحاء المهملة: سُطُوع حرها، وانتشاره، يقال: فاَحَتِ القِدْرُ، تَفِيحُ، وتَفُوح: إذا غلت.
стр. 3638
اهـ "طرح". جـ ٢ ص ١٥٧.
وجهنم: اسم من أسماء النار نعوذ بالله منها، قال الأزهري: في جهنم قولان: قال يونس بن حبيب، وأكثر النحويين: جهنمُ اسم النار التي يُعذِّب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية، لا تُجرَى للتعريف والعجمة. وقال آخرون: جهنم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قَعْرها، وإنما لم تُجْرَ لثقل التعريف، وثقل التأنيث، وقيل: هو تعريب كِهِنَّام بالعبرانية، وقال ابنُ خَالَوَيْه: بئر جِهنَّامٌ، للبعيدة القعر، ومنه سميت جَهَنَّمُ. أفاده في "اللسان" جـ ١ ص ٧١٥. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
اختلف العلماء في معنى قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" هل هو حقيقة، أو مجاز؟ فحمله الجمهور على الحقيقة، وقالوا: إن وَهَجَ الحرمن فيح جهنم، ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "اشتَكَتِ النارُ إلى ربها، فقالت: يا رب أكَلَ بعضي بعضًا، فَأذنَ لها بِنَفَسَين: نَفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف، فهو أشَدُّ ما تجدَون من الحر، وأشد ما تجدون من الزَّمْهَرِيرِ".
وقيل: إنه كلام خَرَجَ مَخْرجَ التشبيه، أي كأنه نار جهنم في الحر، فاجتنبوا ضَرَرَهُ.
قال القاضي عياض ﵀: وكلا الوجهين ظاهر، وحَمْلُهُ على
стр. 3639
الحقيقة أولى. وقال ابن عبد البر ﵀: القول الأول يعضده عموم الخطاب، وظاهرُ الكتاب، وهو أولى بالصواب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله عياض وابن عبد البر، لا ينبغي العدول عنه، إذ لا داعي إلى ذلك، فإنه إذا أمكن حمل النص على ظاهره لا يجوز العدول عنه إلا لدليل. فتبصر.
وعليه فيستفاد منه أن النار مخلوقة الآن موجودة، وهذا إجماع ممن يعتد به، وخالفت فى ذلك المعتزلة، فقالوا إنها إنما تخلق يوم القيامة، قال العراقي ﵀: والأدلة السمعية متوافرة على خلاف ذلك. انتهى. والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٠٠)، وفي "الكبرى" (١٤٨٩) بسند الباب، وفي "الكبرى" أيضًا (١٤٨٧) عن أحمد بن محمد بن المغيرة الحِمْصي، عن عثمان بن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. وفيه (١٤٨٨) عن قتيبة، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عنه. والله تعالى أعلم.
стр. 3640
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أما من طريق المصنف، فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، ومحمد بن رمح -كلاهما عن الليث، عن الزهري له.
وأخرجه أبو داود فيه عن يزيد بن خالد بن مَوْهَب -وقتيبةَ- كلاهما عن الليث به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة، عن الليث به.
وأخرجه ابن ماجه فيه، عن محمد بن رُمْح، عن الليث به.
وأما من غير طريق المصنف، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، قال: قال صالح بن كيسان: حدثنا الأعرج وغيره، عن أبي هريرة، ونافعٌ عن ابن عمر، بهذا. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قال في التلخيص. حديث: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم" متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأبي ذَرّ، وأخرجه البخاريُّ من حديث ابن عمر، ولفظ ابن ماجه فيه: "أبردوا بالظهر".
وفي الباب عن أبي موسى، وعائشة، والمغيرة، وأبي سعيد،
стр. 3641
وعَمْرُو بن عَبَسَة، وصفوان والد القاسم، وأنس، وابن عباس، وعبد الرحمن بن علقمة، وعبد الرحمن بن جارية، وصحابي لم يسم، ورواه مالك من رواية عطاء بن يسار مرسلًا، وُرِويَ عن عمر موقوفًا: فحديث أبي موسى رواه النسائي (١) بلفظ: "أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدونه في الحر من فيح جهنم". وحديث عائشة رواه ابن خزيمة بلفظ: "أبردوا بالظهر في الحر"، وحديث المغيرة رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وتفرد به إسحاق الأزرق، عن
شريك، عن طارق، عن قيس، عنه. وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد.
وسئل عنه البخاريُّ، فعده محفوظًا، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجَّحَ صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح، وأعله ابن معين بما رَوىَ أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفًا، وقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، والله أعلم.
وحديث أبي سعيد رواه البخاري بلفظ "أبردوا بالظهر".
وحديث عمرو بن عَبَسَة رواه الطبراني، وحديث صفوان رواه ابن أبي شيبة والحاكم والبغوي، من طريق القاسم بن صفوان، عن أبيه،
стр. 3642
بلفظ "أبردوا بصلاة الظهر" الحديث. وحديث أنس (١) وحديث ابن عباس رواه البزار بلفظ "كان رسول الله ﷺ في غزوة تبوك يؤخر الظهر حتى يبرد، ثم يصلي الظهر، والعصر … " الحديث. وفيه عُمَر بن صُهْبَان، وهو ضعيف.
وحديث عبد الرحمن بن جارية رواه الطبراني. وحديث عبد الرحمن بن علقمة رواه أبو نعيم. وحديث الصحابي المبهم رواه الطبراني. وحديث عمر تقدم مع المغيرة اهـ. "التلخيص" جـ ١ ص ١٨١، ١٨٢.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحر، وسيأتي حكم الإبراد، واختلاف أهل العلم فيه، في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحر من فيح جهنم.
ومنها: كون النار، وكذا الجنةُ مخلوقة الآن وهو مذهب أهل السنة والجماعة، كما مر آنفًا.
стр. 3643
ومنها: بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلَت في تأخير الصلاة، مع أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعًا للحرج، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
المسألة الخامسة: اختلف العلماء القائلون بمشروعية الإبراد في الأمر الوارد في هذا الحديث، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟
فقال الجمهور: إنه للاستحباب، وحكى القاضي عياض وغيره: أن بعضهم ذهب إلى الوجوب، وقال الحافظ: وغفل الكرماني، فنقل الإجماع على عدم الوجوب. وقال البدر العيني: فإن قلت: ما القرينة الصارفة عن الوجوب، وظاهِرُ الكلامِ يقتضيه؟ قلت: لَمَّا كانت العلة فيه دفعَ المشقة عن المصلي لشدة الحر، وكان ذلك للشفقة عليه، فصار من باب النفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه، ويعود الأمر على موضوعه بالنقض. اهـ "عمدة" جـ ٥ ص ٢٠ - ٢١.
وقال الحافظ أبو محمد بن حزم ﵀: وإنما لم نَحْمِلِ الأمرَ على الوجوب، لحديث خَبَّابٍ ﵁، قال: "شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الرمضاء، فلم يُشْكِنَا"، قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر في تعجيلها؟ قال: نَعم. اهـ "المحلى" بتصرف جـ ٣ ص ١٨٤ - ١٨٥. وهو الحديث المتقدم للمصنف برقم (٤٩٧) وفيما قاله ابن حزم نظر سيأتي، إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
стр. 3644
المسألة السادسة: اختلف أهل العلم في استحباب الإبراد في شدة الحر:
قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: في هذا الحديث استحباب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وهو تأخيرها إلى أن يبرد الوقت، وينكسر وَهَجُ الحَرِّ، وبه قال الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء من السلف والخلف، لكن أكثر المالكية على اختصاص الإبراد
بالجماعة، فأما المنفرد، فتقديم الصلاة في حقه أفضل، وكذا قال ابن حزم الظاهري؛ أنه يختص الإبراد بالجماعة.
وحَكَى ابنُ القاسم عن مالك أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء ذراعًا في الشتاء والصيف للجماعة والمنفرد، على ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله. وقال ابن عبد الحكم، وغيره: معنى كتاب عمر مساجد الجماعة، فأما المنفرد، فأول الوقت أولى به. قال ابن عبد البر: وإلى هذا مال الفقهاء المالكيون من البغداديين، ولم يلتفتوا إلى رواية ابن القاسم. انتهى.
وقال الشافعي: إنما يستحب الإبراد في شدة الحر بشروط:
الأول: أن يكون في بلد حار. وقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني وغيره: يستحب في البلاد المعتدلة والباردة أيضا إذا اشتد الحر.
الثاني: أن تُصَلَّى في جماعة، فلو صَلَّى منفردًا، فتقديمُ الصلاة
стр. 3645
له أفضلُ.
الثالث: أن يَقْصدَ الناسُ الجماعةَ من بُعُد، فلو كانوا مجتمعين في موضع صَلَّوا في أولَ الوقت.
الرابع: أن لا يجدو كِنًّا يمشون تحته، يَقيِهِمُ الحر، فإن اخْتَلّ شرط من الشروط، فالتقديم أفضل.
وقال الشيخ موفق الدين بن قدامة في المغني: ظاهر كلام أحمد استحباب الإبراد بها على كل حال، قال الأثرم: وهذا على مذهب أبي عبد الله سواء يُستَحَبّ تعجيلها في الشتاء، والإبراد بها في الحر. وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، لظاهر قوله: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة"، وهذا عام.
وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاث شرائط:
شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارّة، ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته، أو في مسجدٍ بفِنَاءِ بيته فالأفضل تعجيلها. وقال القاضي في الجامع: لا فرق بين البلدان الحارَّة، وغيرِها، ولا بين كون المسجد ينتابه الناس، أو لا؛ فإن أحمد كان يؤخرها في مسجده، ولم يكن بهذه الصفة، والأخذُ بظاهر الخبر أولى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ترجيح هذا القول إن شاء الله تعالى.