← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وعَمْرُو بن عَبَسَة، وصفوان والد القاسم، وأنس، وابن عباس، وعبد الرحمن بن علقمة، وعبد الرحمن بن جارية، وصحابي لم يسم، ورواه مالك من رواية عطاء بن يسار مرسلًا، وُرِويَ عن عمر موقوفًا: فحديث أبي موسى رواه النسائي (١) بلفظ: "أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدونه في الحر من فيح جهنم". وحديث عائشة رواه ابن خزيمة بلفظ: "أبردوا بالظهر في الحر"، وحديث المغيرة رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وتفرد به إسحاق الأزرق، عن شريك، عن طارق، عن قيس، عنه. وفي رواية للخلال: وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الإبراد. وسئل عنه البخاريُّ، فعده محفوظًا، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجَّحَ صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح، وأعله ابن معين بما رَوىَ أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس عن المغيرة مرفوعا لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفًا، وقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبت من شريك، والله أعلم. وحديث أبي سعيد رواه البخاري بلفظ "أبردوا بالظهر". وحديث عمرو بن عَبَسَة رواه الطبراني، وحديث صفوان رواه ابن أبي شيبة والحاكم والبغوي، من طريق القاسم بن صفوان، عن أبيه،

стр. 3642

بلفظ "أبردوا بصلاة الظهر" الحديث. وحديث أنس (١) وحديث ابن عباس رواه البزار بلفظ "كان رسول الله ﷺ في غزوة تبوك يؤخر الظهر حتى يبرد، ثم يصلي الظهر، والعصر … " الحديث. وفيه عُمَر بن صُهْبَان، وهو ضعيف. وحديث عبد الرحمن بن جارية رواه الطبراني. وحديث عبد الرحمن بن علقمة رواه أبو نعيم. وحديث الصحابي المبهم رواه الطبراني. وحديث عمر تقدم مع المغيرة اهـ. "التلخيص" جـ ١ ص ١٨١، ١٨٢. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحر، وسيأتي حكم الإبراد، واختلاف أهل العلم فيه، في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: بيان حكمة الأمر بالإبراد، وهو كون شدة الحر من فيح جهنم. ومنها: كون النار، وكذا الجنةُ مخلوقة الآن وهو مذهب أهل السنة والجماعة، كما مر آنفًا.

стр. 3643

ومنها: بيان سماحة الشريعة، حيث سَهَّلَت في تأخير الصلاة، مع أن المبادرة إلى الطاعة هو المطلوب، دفعًا للحرج، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. المسألة الخامسة: اختلف العلماء القائلون بمشروعية الإبراد في الأمر الوارد في هذا الحديث، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟ فقال الجمهور: إنه للاستحباب، وحكى القاضي عياض وغيره: أن بعضهم ذهب إلى الوجوب، وقال الحافظ: وغفل الكرماني، فنقل الإجماع على عدم الوجوب. وقال البدر العيني: فإن قلت: ما القرينة الصارفة عن الوجوب، وظاهِرُ الكلامِ يقتضيه؟ قلت: لَمَّا كانت العلة فيه دفعَ المشقة عن المصلي لشدة الحر، وكان ذلك للشفقة عليه، فصار من باب النفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه، ويعود الأمر على موضوعه بالنقض. اهـ "عمدة" جـ ٥ ص ٢٠ - ٢١. وقال الحافظ أبو محمد بن حزم ﵀: وإنما لم نَحْمِلِ الأمرَ على الوجوب، لحديث خَبَّابٍ ﵁، قال: "شكونا إلى رسول الله ﷺ شدة الرمضاء، فلم يُشْكِنَا"، قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر في تعجيلها؟ قال: نَعم. اهـ "المحلى" بتصرف جـ ٣ ص ١٨٤ - ١٨٥. وهو الحديث المتقدم للمصنف برقم (٤٩٧) وفيما قاله ابن حزم نظر سيأتي، إن شاء الله. والله تعالى أعلم.

стр. 3644

المسألة السادسة: اختلف أهل العلم في استحباب الإبراد في شدة الحر: قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: في هذا الحديث استحباب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وهو تأخيرها إلى أن يبرد الوقت، وينكسر وَهَجُ الحَرِّ، وبه قال الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء من السلف والخلف، لكن أكثر المالكية على اختصاص الإبراد بالجماعة، فأما المنفرد، فتقديم الصلاة في حقه أفضل، وكذا قال ابن حزم الظاهري؛ أنه يختص الإبراد بالجماعة. وحَكَى ابنُ القاسم عن مالك أن الظهر تصلى إذا فاء الفيء ذراعًا في الشتاء والصيف للجماعة والمنفرد، على ما كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله. وقال ابن عبد الحكم، وغيره: معنى كتاب عمر مساجد الجماعة، فأما المنفرد، فأول الوقت أولى به. قال ابن عبد البر: وإلى هذا مال الفقهاء المالكيون من البغداديين، ولم يلتفتوا إلى رواية ابن القاسم. انتهى. وقال الشافعي: إنما يستحب الإبراد في شدة الحر بشروط: الأول: أن يكون في بلد حار. وقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني وغيره: يستحب في البلاد المعتدلة والباردة أيضا إذا اشتد الحر. الثاني: أن تُصَلَّى في جماعة، فلو صَلَّى منفردًا، فتقديمُ الصلاة

стр. 3645

له أفضلُ. الثالث: أن يَقْصدَ الناسُ الجماعةَ من بُعُد، فلو كانوا مجتمعين في موضع صَلَّوا في أولَ الوقت. الرابع: أن لا يجدو كِنًّا يمشون تحته، يَقيِهِمُ الحر، فإن اخْتَلّ شرط من الشروط، فالتقديم أفضل. وقال الشيخ موفق الدين بن قدامة في المغني: ظاهر كلام أحمد استحباب الإبراد بها على كل حال، قال الأثرم: وهذا على مذهب أبي عبد الله سواء يُستَحَبّ تعجيلها في الشتاء، والإبراد بها في الحر. وهو قول إسحاق، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، لظاهر قوله: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة"، وهذا عام. وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاث شرائط: شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارّة، ومساجد الجماعات، فأما من صلاها في بيته، أو في مسجدٍ بفِنَاءِ بيته فالأفضل تعجيلها. وقال القاضي في الجامع: لا فرق بين البلدان الحارَّة، وغيرِها، ولا بين كون المسجد ينتابه الناس، أو لا؛ فإن أحمد كان يؤخرها في مسجده، ولم يكن بهذه الصفة، والأخذُ بظاهر الخبر أولى. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ترجيح هذا القول إن شاء الله تعالى.

стр. 3646

وذهبت طائفة إلى عدم استحباب الإبراد مطلقا، وحكاه ابن المنذر عن عمر، وابن مسعود، وجابر ﵃، وحكاه ابن بطال عنهم، وعن أبي بكر، وعليٍّ، وحكاه ابن عبد البر عن الليث بن سعد، والمشهورُ عنه موافقة الجمهور. احتج الجمهور القائلون باستحباب الإبراد في شدة الحر مطلقا بحديث الباب، وغيره من الأحاديث، فإنه ليس فيها سوى ذلك. قال الحافظ العراقي ﵀: واستنبط الشافعي ﵀ هذه الشروط التي اعتبرها من الحديث، وجعله تخصيصا للنص بالمعنى، فحُكِيَ عنه أنه قال: إن أمر رسول الله ﷺ بالإبراد كان بالمدينة لشدة حر الحجاز، ولأنه لم يكن بالمدينة مسجد غير مسجده يومئذ، وكان يُنتَابُ من البعد، فَيَتَأذَّون بشدة الحر، فأمرهم بالإبراد، لِمَا في الوقت من السَّعَة. حكاه ابن عبد البر. واستدل الترمذي في جامعه بحديث أبي ذر ﵁ الثابتِ في الصحيحين: "أذَّنَ مؤذن رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أبرد، أبرد"، أو قال: "انتظر، انتظر"، وقال: "شدةُ الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة"، حتى رأينا فيء التُّلُول". وفي رواية للبخاري أن ذلك كان في سفر، على خلاف ما ذهب إليه الشافعي، وقال: لو كان على ما ذهب إليه لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون إلى أن يَنْتَابُوا من

стр. 3647

البُعْد. انتهى. وأجاب الشافعية عما قاله الترمذي بأن اجتماعهم في السفر قد يكون أكثر مشقة منه في الحضر، فإنه يكون كل واحد منهم في خبائه، أو مستقرًا في ظل شجرة، أو صخرة، ويؤذيه حر الرمضاء إذا خرج من موضعه، وليس هناك ظلّ يمشون فيه، وأيضًا فليس هناك خِبَاءٌ كبير يجمعهم، فيحتاجون إلى أن يصلوا في الشمس، والظاهر أيضًا أن أخْبِيَتَهُم كانت قصيرة، لا يتمكنون من القيام فيها. وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ "كان يأمر مناديه، في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر أن يقول: ألا صَلُّوا في الرحال"، فلما كان وجود البرد الشديد، أو المطر في السفر مرخصا في ترك الجماعة، كذلك وجود الحر الشديد في السفر مقتض للإبراد بالظهر، وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "إذا اشتد الحر، فأبردوا بالظهر"، وبخبر رسول الله ﷺ نقول، وهو علي العموم، لا سبيل يستثنى من ذلك البعض. انتهى. قال العراقي: وقد عرفت أن التخصيص إنما هو بالمعنى، والصحيح في الأصول أنه يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه. لكن قد يقال: لا يتعين أن تكون العلة ما أشار إليه الشافعي من تأذيهم بالحر في طريقهم، فقد تكون العلة ما يجدونه من حر الرمضاء في جباههم في حالة السجود، وقد ثبت في الصحيح عن أنس رضي

стр. 3648

الله عنه، قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ بالظهائر جلسنا على ثيابنا اتقاء الحر"، ورواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ "سجدنا" بدل "جلسنا". وفي "سنن أبي داود" وغيره "كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ ، فآخذ قبضة من الحصى، لتَبْرُدَ في كفي، أضعها لجبهتي، أسجد عليه، لشدة الحر". وفي حديث أنس ﵁ في الصحيح: "فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه"، فهذا هو المنقول عن الصحابة ﵃، ولم نجد عنهم أنهم شَكَوْا مشقة المسافة، ولا بُعْد الطريق. ويمكن أن تكون العلة في ذلك أنه وقت يفوح فيه حر جهنم، ولهيبها، وهو ظاهر قوله: "فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم"، وكونها ساعة يفوح فيها لَهَب جهنم وحرها، يقتضي الكف عن الصلاة، كما في حديث عمرو بن عَبَسَةَ "فإذا اعتدل النهار، فَأقْصِرْ" يعني عن الصلاة، "فإنها ساعة تُسْجَرُ فيها جهنم". قال الجامع عفا الله عنه: هذه العلة هي أوضح ما يُعَلَّلُ به الأمر "بالإبراد"، لكون الحديث نصًا فيها، فلا معنى للتعليل بغيرها، فحينئذ يستوي في الحكم الجماعةُ، والمنفرد، والحضري، والمسافر، فالقول بالعموم هو الراجح. والله أعلم.

стр. 3649

واحتج القائلون بعدم استحباب الإبراد مطلقا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبحديث خباب ﵁: "شكونا إلى رسول الله ﷺ الرمضاء، فلم يُشِكْنا" الذي تقدم في (٤٩٧) وأجابوا عن حديث الباب، وغيره من الأحاديث الداله على الإبراد بأن معناها: صَلُّوها في أول وقتها، أخْذًا من بَرْدِ النَّهَار، وهو أوله. ورد عليهم بأن هذا تأويل بعيد، يُبطِلُهُ قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم"، لأن أول وقت الظهر أشد حَرًّا من آخره، وحديث أبي ذر المتقدم صريح في أن المراد بالإبراد التأخير إلى وقت البرد. وقال الخطابي ﵀: ومن تأول الحديث على برد النهار، فقد خرج من جملة قول الأئمة. وأجيب عما تمسكوا به، بأن أحاديث أول الوقت عامة، أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص، فهو مقدم، ولا التفات إلى من قال: التعجيل أكثر مشقة، فيكون أفضل، لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق، بل قد يكون الأخف أفضل، كما في قصر الصلاة في السفر. قاله في "الفتح". جـ ٢ ص٢٢. وأجيب عن حديث خباب ﵁ بأوجه: أحدها: أنه إنما لم يُجِبْهُمْ لمَّا سألوا، لأنهم أرادوا أن يؤخروا الصلاة بعد الوقت الذي حده لهم، وأمرهم بالإبراد إليه، ويزيدوا على الوقت المرخص لهم فيه، ومن المعلوم أن حر الرمضاء الذي يسجد

стр. 3650

عليه، لا يزول إلا بعد خروج الوقت كله. ذكر المازري هذا الجواب، وقال: إنه الأشبه، يعني أشبه الأجوبة. ثانيها: أن هذا الحديث ونحوه من الأحاديث الدالة على التقديم، منسوخة بأحاديث الإبراد، لأنها رويت من حديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، ونحوهما ممن تأخر إسلامه، بخلاف أحاديث التعجيل، كحديث خباب، وحديث عبد الله بن مسعود. ويدل ما رواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: "أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم"، ورواه الطحاوي بلفظ: "ثم قال: أبردوا" وأعله أبو حاتم (١) بأنه رُويَ عن قيس بن أبي حازم، عن عمر بن الخطاب من قوله. وذكر الخَلاَّل عن الميموني: أنهم ذاكروا أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل حديث المغيرة بن شعبة، فقال: أسانيدها جياد، ثم قال: خباب يقول: "شكونا إلى النبي ﷺ ، فلم يُشْكنَا"، والمغيرة -كما ترى- رَوىَ القصتين جميعًا، قال: وفي رواية غير الميموني: وكان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، الإبراد.

стр. 3651

وقال الأثرم بعد ذكر أحاديث التعجيل: والإبراد: فأما التي ذكر فيها التعجيل في غير الحر فإن الأمر عليها، وأما حديث خباب، وجابر، وما كان فيها من شدة الحر، فإن ذلك عندنا قبل أن يأمر بالإبراد. وقد جاء بيان ذلك في حديثين: أحدهما حديث بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة: قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ بالهاجرة، فقال لنا: "أبردوا" فتبين لنا أن الإبراد كان بعد التهجير، والحديث الآخر أبْيَنُ من هذا: خالد بن (١) دينار أبو خلدة، قال: سمعت أنسًا، يقول: "كان النبي ﷺ إذا كان البرد بَكَّر بَالصلاة، وإذا كان الحر أبرد بالصلاة". ثالثها: أن الإبراد رخصة، وتقديمه ﷺ كان أخْذًا بالأشق. قال العراقي: وبهذا قال بعض أصحابنا، ونص عليه الشافعي في البويطي، وصححه أبو علي السنجي، لكن الصحيح من مذهبنا أن الإبراد هو الأفضل، فلا يمشي عليه هذا الجواب. رابعها: أن معنى قوله: "فلم يُشِكنا" لم يُحْوِجْنا إلى شكوى، بل رخص لنا في الإبراد، حكاه القاضي أبو الفرج المالكي عن ثعلب، ويرده أن في بعض طرقه "فما أشكانا"، وقال: "إذا زالت الشمس فَصَلُّوا"، رَوَى هذه الزيادة أبو بكر بن المنذر، كما ذكره ابن القطان.

стр. 3652

خامسها: أن الإبراد أفضل، وحديث خباب فيه بيان جواز التعجيل، دل عليه كلام ابن حزم، فإنه ذكر استحباب الإبراد، ثم قال: وإنما لم نحمل هذا الأمر على الوجوب، لحديث خباب، قال العراقي: لكن في هذا نظر، لأن ظاهر حديث خباب المنع من التأخير، أو أنه مرجوح بالنسبة إلى التقديم. والله أعلم. اهـ "طرح التثريب" جـ ٢ ص ١٥١، ١٥٥ ببعض تصرف. وبعض زيادة من "الفتح". قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأجوبة عندي جواب من قال بنسخ حديث خباب بحديث المغيرة ﵁ الذي استدل به الطحاوي عليه، قال: "كنا نصلي مع النبي ﷺ الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: "أبردوا بالصلاة"، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . كما قاله الحافظ في "الفتح" جـ ٢ ص ٢١. وقال في "التلخيص": وسئل البخاري عنه، فعده محفوظًا، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجح صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح. وأعله ابن معين بما رَوَى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس، عن المغيرة مرفوعًا، لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفًا، وَقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبتُ من شريك. والله أعلم. اهـ جـ ١ ص ١٨١.

стр. 3653

قال الجامع: فتبين بهذا كله أن الأكثرين على تصحيحه، ويؤيد ذلك ما تقدم؛ حديث أنس: "كان النبي ﷺ إذا كان البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا كان الحر أبرد بالصلاة". والحاصل: أن الراجح كون حديث خباب منسوخًا، وأن أرجح المذاهب مذهب من قال بالإبراد في اشتداد الحر مطلقًا، سواء كان جماعة، أو منفردًا، لقوة دليله. والله أعلم. وقال العلامة الشوكاني ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم: ولو نسلم جهل التاريخ، وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح، لأنها في الصحيحين، بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث خباب في مسلم فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء بطرق. اهـ "نيل الأوطار" جـ ٢ ص ٣٢ - ٣٣. المسألة السابعة: قيل: لفظ الصلاة عام بناء على أن المفرد الْمُعَرَّف بالألف واللام للعموم، فيتناول سائر الصلوات، وذلك يقتضي تأخير كل منها في شدة الحر، وبه قال الجمهور في الظهر، كما تقدم، وقال به أشهب وحده في صلاة العصر؛ قال: تؤخر ربع القامة، وقال به أحمد بن حنبل في رواية عنه في صلاة العشاء، فَرَأى تأخيرها في الصيف، وتعجيلها في الشتاء، وعكس ابن حبيب من المالكية، فَرَأى تأخيرها في الشتاء لطول الليل، وتعجيلها في الصيف، لقصره.

стр. 3654

قال العراقي: وهو أظهر في المعنى، ولا نعلم أحدا قال بالإبراد في المغرب، وكأن ذلك لضيق وقتها، ولا في الصبح، وكأن ذلك لأن وقتها أبرد الأوقات مطلقًا، فلا معنى للإبراد بها. وجواب الجمهور عن ترك القول بالإبراد في العصر والعشاء: أن المراد بالصلاة هنا صلاة الظهر، كما ورد بيانه في بعض الطرق الصحيحة المتقدمة؛ ففي رواية البخاري من حديث أبي سعيد، فقال: "أبردوا بالظهر"، وهي رواية المصنف من حديث أبي موسى التالية، فتكون الألف واللام في الصلاة في الرواية المطلقة للعهد. وأيضًا فإن أول وقت العصر، وأول وقت العشاء لا يكون في الغالب أشد حرًا من آخر وقت الظهر، فإذا فعلت الظهر في آخر وقتها، ففعل العصر في أول وقتها، والعشاء في أول وقتها، وهما أقل حرًا أولى بذلك. وأيضًا فإنه ﵊ لم ينقل عنه في خبر الإبراد، لا بالعصر، ولا بالعشاء، بل كان يأتي بكل منهما في أول وقتها صيفًا وشتاء، وأما تأخيره العشاء دي بعض الأوقات، فهو إما لاجتماع الناس، كما ورد بيانه، أولما في تأخيرها من الفضل، وليس ذلك لأجل الإبراد، ولا فرق فيه بين الصيف والشتاء. اهـ "طرح" جـ ٢ ص ١٥٥. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 3655

٥٠١ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، ح وَأَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، يَرْفَعُهُ، قَالَ: "أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ الَّذِي تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ". رجال الإسناد: عشرة ١ - (إِبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الجُوزَجَاِنيُّ (١) -بضم الجيم الأولى، وزاي، فجيم- نزيل دمشق، ثقة حافظ، رُميَ بالنصب، توفي سنة ٢٥٩، من [١١]، تقدم في ١٢٢/ ١٧٤، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. ٢ - (عمر بن حفص) بن غِيَاثِ بن طَلْق الكوفي، ثقة رُبَّمَا وَهِمَ، من [١٠]، وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والعجلي، وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:

стр. 3656

ربما أخطأ، وقال أبو داود: تبعته إلى منزله، ولم أسمع منه شيئًا. قال البخاري، وابن سعد: مات سنة ٢٢٢، زاد ابن سعد: في ربيع الأول. روى له الجماعة، إلا ابن ماجه. ٣ - (حفص بن غياث) بن طَلْق بن معاوية النَّخَعِيُّ، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه، تَغَيَّرَ حفظه قليلًا في الآخر، توفي سنة ١٩٤ أو ١٩٥، وقد قارب ٨٠ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. ٤ - (يحيى بن معين) بن عَوْن بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن، وقيل في نسبه غير ذلك، الْمُرِّيُّ الغَطَفَاني مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور، إمام الجرح والتعديل، من [١٠]، رَوىَ عن عبد السلام بن حَرْب، وعبدِ الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الرزاق، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، ورووا هم أيضًا، والباقون له بواسطة، وغيرهم. قال ابن عدي عن شيخ له: كان معين على خراج الري، فخلف لابنه يحيى ألف ألف درهم، وخمسين ألف درهم، فأنفقه كله على الحديث. وقال أحمد بن يحيى بن الجارود وغيره: قال ابن المديني: ما أعلم أحدًا كتب ما كتب يحيى بن معين.

стр. 3657

وقال محمد بن نصر الطبري: دخلت على ابن معين، فوجدت عنده كذا وكذا سَفَطًا (١) وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد ها هنا، وأشار بيده إلى الأسفاط فهو كذب. قال: وسمعته يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف حديث. وقال صالخ جزرة: ذكر لي أن يحيى بن معين خلف من الكتب لما مات ثلاثين قِمَطرًا (٢) وعشرين جُبًا (٣) (٤). وقال مجاهد بن موسى: كان ابن معين يكتب الحديث نيفًا وخمسين مرة، وقال الدُّوري عن ابن معين: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه. وقال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث، وعُرِفَ به، وكان لا يكاد يحدث. وقال الدوري: سمعته يقول: القرآن كلام الله تعالى، وليس بمخلوق، وسمعته يقول: الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل. وقال علي بن أحمد بن النضر عن ابن المديني: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم، وبعده إلى يحيى بن معين، وفي رواية عنه: انتهى العلم إلى ابن المبارك، وبعده إلى ابن معين. وقال صالح جزرة: سمعت ابن المديني يقول: انتهى العلم إلى ابن معين. وقال أبو زرعة الرازي، وغيره، عن علي. دَارَ حديثُ الثقات على ستة، ثم قال: ما شذّ عن

стр. 3658

هؤلاء يصير إلى اثني عشر، ثم صار حديث هؤلاء كلهم إلى بن معين. قال أبو زرعة: ولم ينتفع به، لأنه كان يتكلم في الناس، ويُرْوَى هذا عن علي من وجوه. وقال أبو عبيد القاسم بن سَلام: انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له، وفي رواية عنه: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بعلل الحديث ابن المديني، وبفقهه أحمد بن حنبل، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وفي رواية عنه: يحيى أعلم بالرجال والكُنَى. وقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: علي، أو يحيى؟ قال: يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت عليًا يقول: كنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة، كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل، فربما اختلفنا في الشيء، فنسأل يحيى بن معين، فيقوم، فيخرجه، ما كان أعرفه بموضع حديثه.

стр. 3659

وقال ابن البراء عن ابن المديني: ما رأيت يحيى بن معين استفهم حديثًا، ولا رده. وقال عمرو الناقد: ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحيى بن معين، ما قدر أحَدٌ يقلب عليه إسنادًا قط. وقال الإسماعيلي: سئل الفرهيابي عن يحيى، وأحمد، وعلي، وأبي خيثمة؟ قال: أما علي، فأعلمهم بالعلل، وأما يحيى، فأعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء. وقال حنبل عن أحمد: كان ابن معين أعلمنا بالرجال. وقال القَوَارِيرِي: قال لي يحيى (١): ما قَدِمَ علينا مثل هذين الرجلين. أحمد، ويحيى. وقال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن الرومي: سمعت بعض أصحاب الحديث يحدث بأحاديث يحيى، ويقول: حدثني من لم تطلع الشمس على أكبر منه، فقال: وما يُعْجَبُ، سمعت ابن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله. وقال أيضًا: قلت لابن الرومي: سمعت أبا سعيد الحَدَّاد يقول: الناس كلهم عيال على يحيى بن معين، فقال: صدق، ما في الدنيا مثله. قال: وسمعت الن الرومي يقول: ما رأي أحدًا قط يقول الحق في المشايخ غير يحيى. وقال هارون بن بشير الرازي: رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة رافعًا يديه، يقول: اللهم إن كنت تكلمت في رجل، وليس هو كذابًا،

стр. 3660

فلا تغفر لي. وقال هارون بن معروف: قَدِمَ علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول من بَكَّرَ عليه، فسألته أنَ يُمْلي عليّ شيئًا، فأخذ الكتاب يصلي فإذا بإنسان يَدُقُّ الباب، فقال الشيخَ: مَن هذا؟ قال أحمد بن حنبل، فأذن له، والشيخ على حالته، والكتاب في يده، فإذا بآخر، فذكر أحمد بن الدورقي، وعبد الله الرومي، وزهير بن حرب، كلهم يدخل، والشيخ على حالته، فإذا بآخر يَدُقّ الباب، قال الشيخ: مَن هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: قَدمَ علينا عبدُ الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: وقدمت بغدادَ، وقَبِلَنِي يحيى بن معين، والحمد لله. وقال ابن أبي الحواري: ما رأيت أباَ مسهر يَسهُل لأحد من الناس سُهُولته ليحيى بن معين، ولقد قال له يومًا: هل بقي معك شيء؟ وقال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن الرومي: سمعت أبا سعيد الحداد يقول: لولا ابن معين ما كتبت الحديث، قال: وإنا لنذهب إلى الحديث، فننظر في كتبه، فلا نرى إلا كل حديث صحيح، حتى يجيء أبو زكرياء، فأول شيء يقع في يده الخطأ، ولولا أنه عَرَّفَنَاهُ لم نعرفه، فقال ابن الرومي: وما يعجب، لقد نفعنا الله تعالى به، ولقد كان المحدث يحدثنا لكرامته، ولقد كنا في مجلس لبعض أصحابنا، فقلت

стр. 3661

له: يا أبا زكرياء ما نفيدك حديثًا؟ وفينا يومئذ عليّ، وأحمد، فقال: وما هو؟ فقلت: حديث كذا، وكذا فقال: هذا غلط، فكان كما قال. قال ابن الرومي: وكنت عند أحمد، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله انظر في هذه الأحاديث، فإن فيها خطأ، قال: عليك بأبي زكرياء، فإنه يعرف الخطأ، قال: وكنت أنا وأحمد، نختلف إلى يعقوب بن إبراهيم في المغازي، فقال أحمد: ليت أن يحيى هنا، قلت: وما تصنع به؟ قال: يعرف الخطأ. وقال علي بن سهل بن المغيرة: سمعت أحمد يقول: في دهليز عفان، فذكر نحو هذه القصة. وقال عبد الخالق: حدثني أبو عمرو أنه سمع أحمد بن حنبل، يقول: السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور. قال ابن أبي حاتم: سمعت عباسًا الدُّوري يقول: رأيت أحمد يسأل يحيى بن معين - عند رَوْح بن عبادة- مَن فلان؟ ما اسم فلان. قال الأصم عن الدوري: رأيت أحمد في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومائتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء؛ يقول: يا أبا زكرياء كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يريد أن يستثبته في أحاديث قد سمعوها، كلما قال يحيى، كتبه أحمد، وقلما سمعت أحمد يسميه باسمه، بل يكنيه. وقال سليمان بن عبد الله: سمعت أحمد يقول: ها هنا رجل

стр. 3662

خلقه الله تعالى لهذا الشأن يُظهِرُ كَذِبَ الكذابين، يعني ابن معين. وقال الأثرم: رأى أحمد يحيى بن معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر عن أبان، عن أنس، فقال له أحمد: تكتب هذه الصحيفة، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: نعم أكتبها، فأحفظها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان بعده، فيجعل أبان ثابتًا. وقال أحمد بن علي الأبَّار عن ابن معين: كتبنا عن الكذابين، ثم سجرنا به التنور. وقال أبو حاتم: إذا رأيت البغدادي يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض ابن معين، فاعلم أنه كذاب. وقال محمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل يقع في ابن معين فاعلم أنه كذاب، إنما يبغضه لما بين من أمر الكذابين. وقال محمد بن رافع: سمعت أحمد بن حنبل يقول: كل حديث لا يعرفه ابن معين، فليس بحديث. وفي رواية: فليس هو ثابتًا. وقال الحسن بن عُلَيل العَنَزي: ثنا يحيى بن معين قال: أخطأ عفان في نَيِّفٍ وعشرين حديثًا، ما أعلمت به أحدًا، وأعلمته فيما بيني وبينه، ولقد طلب إلَيَّ خلف بن سالم أن أذكرها، فما قلت له، قال يحيى: وما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وما استقبلت رجلًا في وجهه بما يكره، ولكن أبين له خطأه، فإن قبل، وإلا تركته.

стр. 3663

وقال موسى بن حَمْدُون عن أحمد بن عُقْبة: سمعت يحيى بن معين يقول: من لم يكن سَمْحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟ قال: إذا شك في الحديث تركه. وقد انفرد يحيى بأشياءٍ في الفقه يخالف فيها مذهبه، منها: قال عباس الدوري: سمعت يحيى في زكاة الفطر: لا بأس أن يعُطَى فضة، وسمعت يحيى يقول: لا أرى الصلاة على الرجل بغير البلد، ولا أرى أن يزوج الرجل امرأته على سورة من القرآن، وفي الرجل يصلي خلف الصف وحده قال: يعيد، وفي امرأة مَلَّكَت أمرها رجلًا، فأنكحها، قال: بل تذهب إلى القاضي، فإن لم يكن، فإلى الوالي، وذكر عنه شيئا غير ذلك. وقال سعيد بن عمرو البردعي: سممعت أبا زرعة يقول: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أحد ممن امتحن فأجاب، وذكر ابن معين، وأبا نصر التمار. وقال أبو بكر بن المقري: سمعت محمد بن عقيل البغدادي يقول: قال إبراهيم بن هاني رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى بن معين؟ فقال: من جَرَّ ذُيُول الناس جَرُّوا ذيله. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: وُلِدَ يحيى بنُ معين سنة ١٥٨ ومات بمدينة الرسول ﷺ سنة ٢٣٣ وله ٧٧ سنة إلا نحوًا من عشرة أيام. وقال الحسين بن فهم: سمعت ابن معين يقول: ولدت في خلافة أبي جعفر

стр. 3664

سنة ١٥٨ في آخرها. وقال الدوري: نحو ما قال البخاري، وزاد: قبل أن يَحُجَّ، وفيها أرخه غير واحد، زاد عباس في موضع آخر: ونُوديَ بين يديه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ ، وزاد إبراهيم بن المنذر: فرأى رجل النبي ﷺ وأصحابه مجتمعين، فسألهم، فقال: جئت لهذا الرجل أصلي عليه، فإنه كان يذب الكذب عن حديثي. وقال حبيش بن مبشر: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأعطاني، وزوجني ثلاثمائة حَوْرَاء، وأدخلني عليه مرتين، وقال عبد الله بن أحمد: قال فيه بعض أهل الحديث (من الكامل): ذَهَبَ الْعَليِمُ بِعَيْبِ كلِّ مُحَدِّثٍ … وَبِكُلِّ مُخْتَلِفٍ منَ الإسْنَادِ وَبِكلِّ وَهْمٍ فِي الْحَدِيثِ وَمُشِكلٍ … يُعْنَى بِهِ عُلَمَاءُ كُلِّ بِلَادِ وقال الخطيب: كان إماما ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا. وقال ابن حبان في الثقات: أصله من سرخس، وكان من أهل الدين والفضل، وممن رفض الدنيا في جمع الستن، وكثرت عنايته بها، وجمعه، وحفظه إياها حتى صار عَلَمًا يُقتَدَى به في الإخبار، وإمامًا يرجع إليه في الآثار. وقال العجلي: ما خلق الله تعالى أحدًا كان أعرف بالحديث من

стр. 3665

يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع مع أحمد، وابن المديني، ونظرائهم، فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث، لا يتقدمه منهم أحد، ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خُلِطت، وتلبست، فيقول: هذا الحديث كذا، وهذا كذا، فيكون كما قاَل. أخرج له الجماعة. ٥ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٦ - (الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي، أبو عروة الكوفي، ثقة فاضل، توفي سنة ١٣٩ وقيل بعدها، من [٦]، أخرج له مسلم والأربعة. قال ابن المديني: له نحو ثلاثين حديثًا، أو أكثر. وقال ابن معين: ثقة صالح، وثقه العجلي، وأبو حاتم، والنسائي، وقال الساجي: صدوق، وقال ابن المديني ليحيى بن سعيد: أيما أعجب إليك: الحسن بن عبيد الله، أو الحسن بن عمرو؟ قال: الحسن بن عمرو أثبتهما، وهما جميعًا ثقتان صدوقان. وقال يعقوب بن سفيان: كان من خيار أهل الكوفة. وقال البخاري: لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله، لأن عامة حديثه مضطرب، وضعفه الدارقطني بالنسبة للأعمش، فقال في العلل بعد أن ذكر حديثًا للحسن: خالفه الأعمش، والحسن ليس بالقوي، ولا يقاس بالأعمش.

стр. 3666

٧ - (إِبراهيم) بن يزيد النخعي، أبو عمران الفقيه الكوفي ثقة يرسل كثيرًا، من [٥]، تقدم في ٢٩/ ٣٣. ٨ - (يزيد بن أوس) كوفي مقبول، من [٤]، أخرج له أبو داود والنسائي. رَوىَ عن أبي موسى، وامرأته، وثابت بن قيس النخعي، وعلقمة. وعنه إبراهيم النخعي. قال ابن المديني: نظرت، فإذا قَلَّ رجل من الأئمة إلا وقد حدث عن رجل لم يرو عنه غيره، فقال له رجل: فإبراهيم النخعي ممن رَوىَ عن المجهولين؟ قال: رَوىَ عن يزيد بن أوس، عن علقمة، فمن يزيد بن أوس؟ لا نعلم أحدًا روى عنه غير إبراهيم، وذكره ابن حبان في "الثقات". ٩ - (ثابت بن قيس) النخعي، أبو المُنَقِّع، بضم الميم، وفتح النون، وتشديد القاف - كوفي، مقبول، من [٣]، أخرج له النسائي، رَوىَ عن أبي موسى الأشعري في الإبراد بالظهر، وعنه يزيد بن أوس، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، رَوىَ له النسائيُّ هذا الحديث فقط. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عن ابن مسعود. ١٠ - (أبو موسى) الأشعري عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار، الصحابي الجليل ﵁، توفي سنة ٥٠، وقيل بعدها، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣/ ٣. والله تعالى أعلم.

стр. 3667

لطائف هذا الإسناد منها: أنه من ثمانيات المصنف. ومنها: أن رواته كوفيون إلا شيخه إبراهيم فجُوزَجَاني، ثم دمشقي، وشيخه عمرًا فنسائي، ويحيى بن معين فبغدادى. منها: أن فيه ثلاثةً من التابعيين يَرْوِي بعضهم عن بعض: إبراهيم، ويزيد بن أوس، وثابت بن قيس. ومنها: أن فيه كتابة (ح) مرتين إشارة إلى تحويل السند، فللمصنف في هذا الحديث شيخان: الأول: إبراهيم بن يعقوب؛ يروى عن شيخين، عُمَر بنِ حفص، ويحيى بن معين، كلاهما عن والد الأول، والثاني: عمرُو بنُ منصور، عن عمر بن حفص، عن أبيه. ومنها: أن فيه الإخبارَ، والإنباءَ، والتحديثَ، والعنعنةَ، من صيغ الأداء. وأما شرحُ الحديث فقد قضَى مُستوفى في الذي قبله، فارجع إليه، تزدد علمًا. والله تعالى أعلم. تنبيه: هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفته"، وهو وإن كان في سنده يزيد بن أوس، وهو مجهول عين، كما تقدم في كلام ابن المديني، إلا

стр. 3668

أنه تابعهُ أبو زرعة البَجَلِيُّ، كما يأتي للمصنف في الكبرى، ويشهد له ما قبله أيضًا، فهو صحيح. والله أعلم. تنبيه آخر: أخرج المصنف هذا الحديث هنا (٥٠١) بالسند المذكور، وفي الكبرى (١٤٩٠) عن عمرو بن منصور، عن عمر بن حفص، عن أبيه عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ، وعن أبي زرعة بن عمرو، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى، يرفعه … الحديث. فقوله: "وعن أبي زرعة" عطف على يزيد بن أوس، فالظاهر أنه متصل بالإسناد المذكور، وليس معلقًا، فيكون أبو زرعة متابعًا ليزيد في روايته عن ثابت؛ فإبراهيم رواه عن يزيد، وأبي زرعة كليهما. والله أعلم. تنبيه آخر: قوله: "عن أبي موسى يرفعه" أي حال كون أبي موسى الأشعري ﵁ يرفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ . قال في تقريب النووى مع شرحه التدريب ما نصه: إذا قيل في الحديث عند ذكر الصحابي: يرفع الحَدَيث، أوْ رَفَعَهُ، أو ينميه، أو يبلغ به، كقول ابن عباس: "الشفاءُ في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة

стр. 3669

مِحْجَم، وكَيَّةُ نار" رفع الحديث، رواه البخاري، وَروَى مالك في الموطأ عَن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك، وكحديث الأعرج عن أبي هريرة يَبْلُغُ به: "الناسُ تبع لقريش"، أخرجاه. أو روايةً، كحديث الأعرج عن أبي هريرة، رِوَايَةً "تقاتلون قومًا، صغار الأعين"، أخرجه البخاري، فكل هذا، وشبهه -كيرويه، ورواه بلفظ الماضي- مرفوع عند أهل العلم. وإذا قيل عند ذكر التابعي: يرفعه، أو سائر الألفاظ المذكورة، فمرفوع مرسل. اهـ. جـ ١ ص ١٩١، ١٩٢ والسبب الحامل للعدول عن التصريح بالإضافة إلى النبي ﷺ ، إما الشك في الصيغة التي سمع بها أهي "قال رسول الله"، أو "نبي الله" أو نحو ذلك، كسمعت، أو حدثني، وهو ممن لا يرى الإبدال، أو طلبًا للتخفيف، وإيثارًا للاختصار، أو للشك في ثبوته، أو وَرَعًا، حيث علم أن المروي بالمعنى. أفاده الحافظ السخاوي في "فتح المغيث" جـ ١ ص ١٤٤، ١٤٥، والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3670

٦ - بَاب آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على آخر الوقت لصلاة الظهر. ٥٠٢ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذَا جِبْرِيلُ ﵇ جَاءَكُمْ، يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ، حِينَ رَأَى الظِّلَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ، حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدَ، فَصَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلاً، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِكَ أَمْسِ، وَصَلَاتِكَ

стр. 3671

الْيَوْمَ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (الحسين بن حريث) الخُزَاعي مولاهم أبو عَمَّار المروزي، ثقة توفي سنه ٢٤٤، من [١٠]، تقدم في ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّينَانِيُّ أبو عبد الله المروزي ثقة ثبت، ربما أغرب، توفي سنة ١٩٢ في ربيع الأول، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، توفي سنة ١٤٤، من [٦]، تقدم في ١٦/ ١٧. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الفقهاء، ثقه مكثر، من [٣]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنهما: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء أخرج الجماعة لهم، إلا شيخه، فلم يُخْرِج له ابن ماجه. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، والفضل، فمروزيان.

стр. 3672

ومنها: أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل ﵇ جاء يعلمكم دينكم) الظاهر أنه أراد صلاتكم، سماها دينًا لكونها من أعظم أركانه، ويحتمل أن يريد أمور الدين مطلقًا. والله أعلم. وقال السندي رحمه الله تعالى: الظاهر أن هذه الواقعة بمكة قبل إسلام أبي هريرة ﵁، والنبي ﷺ قال هذا الكلام لمن حضره يومئذ، وأبو هريرة أخذ الحديث من بعض أولئك، فالحديث مرسل صحابي، لِكِنَّ مرسل الصحابى كالمتصل، ويحتمل -على بُعْد- مجيء جبريل مرة ثانية بعد إسلام أبي هريرة، ويكون الحديث متصلًا. والله أعلم. اهـ. جـ ١ ص٢٤٩، ٢٥٠. قال الجامع: أخرج البيهقي بسنده عن محمد بن عمار بن سعد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ حدثهم أن جبريل ﵇ أتاه، فصلى … الحديث. "السنن الكبرى" جـ ١ ص ٣٦٩، فظهر بهذا أن أبا هريرة سمعه من النبي ﷺ . والله وأعلم. (فصلى الصبح حين طلع الفجر)، قال السندي: أي جبريل،

стр. 3673

أو النبي ﷺ . اهـ قال الجامع: الظاهر الأول، كما تشهد له الروايات الأخرى. ثم إن هذا الرواية مخالفة للروايات الأخرى، حيث إن فيها أنه بدأ بالظهر، وأشار الحافظ في التلخيص إلى أن الصحيح ما في الروايات الأخرى، وهو أنه بدأ بالظهر (١). (وصلى الظهر حين زاغت الشمس) أي مالت عن كَبِدِ السماء إلى جهة الخرب يسيرًا (ثم صلى العصر حين رَأى الظل مثله) أي ظل نفسه، كما تدل عليه رواية أبي داود: "حين كان ظله مثله"، والمراد ظل صورته التي ظهر بها في تلك الحال، أو المراد ظل الشيء، كما تدل عليه الرواية الآتية (٥٠٤): "حين كان فيء كل شيء مثله". قال السندي ﵀: أي قدر قامته، ولم يكن في تلك الأيام فيء كما جاء، أو كان، والمراد سوى فيء الزوال، ضرورةَ أنَّ المقصود تحديد الوقت وتعيينه، وفيء الزوال لا يتعين زمانًا، ولا مكانًا، فعند اعتباره في المثل لا يحصل التحديد أصلًا. اهـ. والظِّلُّ: بكسر الظاء، وتشديد اللام: جمعه ظِلَال، وأظِلَّةٌ، وظُلَلٌ، وِزَانَ رُطَبٍ. كما في "المصباح". قال أبو محمد بن قُتَيبة ﵀ في "أدب الكاتب": يَذهَبُ

стр. 3674

الناسُ إلى أن الظل والْفَيْء شيء واحد، وليس كذلك، لأن الظل يكون غُدْوَة وعَشيَّة، ومن أول النهار إلى آخره، ومعنى الظل: السِّتْرُ، ومنه قولهم: "أَنا في ظلك" أي في ذاراك (١) وسِتْرِكَ، ومنه ظل الجَنة، وظل شجرها: إنما هو سترُها ونَوَاحِيهَا، وظل الَليَل: سَوَادُهُ، لأنه يستر كل شيء، قال ذو الرمة (من البسيَط): قَدْ (٢) أعْسِفُ (٣) النَّازِحَ الَمجْهُولَ (٤) مَعْسِفُهُ … فِي ظِلِّ أخْضَرَ (٥) يَدْعُو هَامَهُ (٦) الْبُومُ أي في ستر ليل أسود، فكأن معنى ظل الشمس: ما سترته الشخوص من مَسْقِطِهَا، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال: فيء، وإنما سمي بالعشي فيئًا، لأنه ظِلٌّ فَاءَ عن جانب إلى جانب، أي رجع عن جانب المغرب إلى جانب المشرق، والفيء هو الرجوع، ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، أي ترجع إلى أمر الله. اهـ. ص ٢٣ - ٢٤. وقال في "المصباح" بعد نقل كلام ابن قتيبة: وقال ابن السكيت:

стр. 3675

الظل من الطلوع إلى الزوال، والفيء: من الزوال إلى الغروب، وقال ثعلب: الظلُّ للشجرة وغيرِها بالغداة، والفيءُ بالعشي. وقال رؤبة بن العَجَّاجِ: كُلُّ ما كانت عليه الشمس، فزالت عنه، فهو ظل، وفَيْءٌ، وما لم يكن عليه الشمس، فهو ظل، ومن هنا قيل: الشمس تنسخ الظل، والفيء ينسخ الشمس. اهـ ما نقله في "المصباح". (ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، وحل فطر الصائم) من باب عطف المسبب على السبب، إذ حل فطر الصائم يتسبب عن غروب الشمس (ثم صلى العشاء حين ذهب شَفَقُ الليل) قال في المصباح: الشفق: الحُمْرَة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفق، حكاه الخليل، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب كالشفق، وكان أحمر، وقال ابن قتيبة: الشفق: الأحمر من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ثم يغيب، ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل، وقال الزجاج: الشفق: الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهو المشهور في كتب اللغة، وقال المُطرِّزِيُّ: الشفق: الحمرة عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول أهل اللغة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وعن أبي هريرة أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي حنيفة قول متأخر: إنه الحمرة. اهـ ما في "المصباح". وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء في الشفق مستوفًى في بابه إن شاء الله تعالى.

стр. 3676

(ثم جاءه) أي جاء جبريلُ النبيَّ ﷺ (الغَدَ) بفتح الغين: اليوم الذي يأتي بعد يومك على إثره، ثم توسعوا فيه حتى أطلق على البعيد الْمُتَرَقَّب، وأصله: غَدْوٌ، مثل فلس، لكن حذفت اللام، وجعلت الدال حرف إعراب، قال الشاعر (من الرجز): لا تَقْلُوَاهَا وادْلُوَاهَا دَلْوًا … إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أخَاهُ غَدْوًا قاله في المصباح. وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ "جاء". (فصلى به الصبح حين أسفر قليلًا) أي أضاء، يقال: أسفر الصبح، إسفارًا: أضَاءَ، وأسفر الوجه من ذلك: إذا علاه جَمَالٌ، وأسفر الرجل بالصلاة: صلاها في الإسفار. قاله في المصباح. (ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله) استدل به مَنْ قال: بأن وقت الظهر لا يخرج بكون الظل مثله، بل بمقدار أربع ركعات مشتركًا في ذلك مع العصر، وبه قال مالك وطائفة، وذهب الجمهور إلى أنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، بل إذا خرج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله دخل وقت العصر. وقال السندي رحمه الله تعالى عند قوله: "ثم صلى به الظهر" ما نصه: أي فرغ منها، وأما في العصر الأول، فالمراد بقوله: "صلى": شَرَعَ فيها، وهذا لأن تعريف وقت الصلاة بالمرتين يقتضي أن يعتبر الشروع في أولى المرتين، والفراغ في الثانية منهما، ليتعين بهما الوقت،

стр. 3677

ويعرف أن الوقت من شروع الصلاة في أولى المرتين إلى الفراغ منها في المرة الثانية، وهذا معنى قول جبريل: "الصلاة ما بين صلاتك أمس، وصلاتك اليوم"، أي وقت الصلاة من وقت الشروع في المرة الأولى إلى وقت الفراغ في المرة الثانية، وبهذا ظهر صحة هذا القول في صلاة المغرب، وإن صُلِّيَ في اليومين في وقت واحد، وسقط ما يُتَوَهَّمُ أن لفظ الحديث يُعْطِي وقوع الظهر في اليوم الثاني في وقت العصر في اليوم الأول، فيلزم إما التداخل في الأوقات، وهو مردود عند الجمهور، ومخالف لحديث "لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى"، أو النسخ، وهو يُفَوِّت التعريف المقصود بإمامة جبريل مرتين، فإن المقصود في أول المرتين تعريف أول الوقت، وبالثانية تحريف آخره، وعند النسخ لا يحصل ذلك، على أن قوله: "والصلاة ما بين صلاتك … " إلخ تصريح في رد القول بالنسخ. ثم قوله: "والصلاة ما بين صلاتك … " إلخ يقتضي بحسب الظاهر أن لا يجوز العصر بعد المثلين، لكنه محمول على بيان الوقت المختار، ففيما يدل الدليل على وجود وَقْتٍ سوى الوقت المختار نقول به، كالعصر، وفيما لم يقم دليل على ذلك، بل قام على خلافه، كالظهر، حيث اتصل العصر بمضي وقته المختار نقول فيه بأن وقته كله مختار، وليس له وقتٌ سِوىَ ذلك. والله تعالى أعلم. اهـ. كلام السندي.

стр. 3678

وسيأتي تحقيق الخلاف في خروج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله وعدمه مُسْتَوفىً في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى. (ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه) أي بعد فيء الزوال (ثم صلى المغرب بوقت واحد) الباء بمعنى "في" أي في وقت واحد، وهو ما صَلَّى فيه المغرب بالأمس، كما بينه بقوله (حين غربت الشمس، وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعةٌ من الليل) أي وقت من الليل، وقد بُيِّنَ ذلك الوقتُ في الروايات الأخرى، كما في رواية جابر الآتية أنه ثلث الليل. (ثم قال) أي جبريل (الصلاة) أي وقتها، والمراد جنس الصلاة، أي وأوقاتُ الصلوات التي فرض الله أدَاءَهَا في وقت مُوَسَّع رحمةً بعباده، وهو مبتدأ خبره قوله (ما بين صلاتك أمس) "ما" موصولة، و "بين" منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف صلة لما، و"أمس" من الظروف المبنية على الكسر، عند جمهور العرب، وبنو تميم تعربه إعراب ما لا ينصرف، فتقول: ذهب أمسُ بما فيه، بالرفع، قال الشاعر (من الرجز): لَقَدْ رَأيْتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا … عَجَائِزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسًا وهو اسم عَلَم على اليوم الذي قبل يومك، وقد يُستَعْمَلُ فيما قبله مجازًا. أفاده في "المصباح".

стр. 3679

(وصلاتك اليوم) يعني أن الوقت المُحَدَّد لأداء الصلوات المفروضات هو الوقت الذي بين صلاتك في اليوم الماضي، وصلاتك في اليوم الحاضر. فإن قيل: هذا القول من جبريل ﵇ يقتضي أن لا يكون الوقت الذي صَلَّى فيه في اليومين وَقْتًا لها، لأنه بَيَّنَ أن وقتها ما بين ذلك، أجيب بأنه لما صَلَّى في أول الوقت وآخره وُجدَ البيانُ بالفعل، وبقي الاحتياج إلى ما بين الأول والآخر، فبَيَّنَ بالقول أن هذا بيان للوقت المستحب إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس، ويؤدي أيضًا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما. أفاده في "المنهل" جـ ٣ ص ٢٨٩. قال الجامع عفا الله عنه: وفي دعواه كون الوسط هو المستحبَّ نظر لا يخفى، لمخالفته الأحاديث الصحيحة، إذ منها ما يستحب فيه التقديم في أول الوقت، وهي الصبح، والظهر في البرد، والعصر، والمغرب، ومنها ما يستحب فيه التاخير، وهي الظهر في شدة الحر، والعشاء. فتبصر. والله تعالى أعلم. تنبيه: وقع في رواية أبي داود، والترمذي في رواية ابن عباس ﵄ لحديث جبريل ﵇ "ثم التفت إليّ، فقال: يا محمد هذا

стр. 3680

وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين". فاستشكل قوله: "هذا وقت الأنبياء من قبلك"، إذ ظاهره يوهم أن هذه الصلاة في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن كان قبله من الأنبياء، وليس كذلك، بل المراد أن هذا الوقت المُوَسَّعَ المحدود بالطرفين: الأولِ والآخرِ كان مثله وقتًا للأنبياء قبلك، فصلاتهم كانت واسعة الوقت، وذات طرفين، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا بهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها. قاله ابن العربي في عارضته جـ ١ ص ٢٥٧، ٢٥٨. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا إسناده حسن، وصححه ابن السكن، والحاكم، وحسنه الترمذي في العلل. انظر "التلخيص" جـ ١ ص ١٧٣. قال الجامع: لكن في متنه نكارة، حيث خالف الأحاديث المشهورة التي فيها البداءة بالظهر، إلا أن يحمل على تعدد الواقعة، ففي بعضها بدأ بالفجر، وفي بعضها بدأ بالظهر، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. والله أعلم
следующие страницы →