(ثم جاءه) أي جاء جبريلُ النبيَّ ﷺ (الغَدَ) بفتح الغين: اليوم الذي يأتي بعد يومك على إثره، ثم توسعوا فيه حتى أطلق على البعيد الْمُتَرَقَّب، وأصله: غَدْوٌ، مثل فلس، لكن حذفت اللام، وجعلت الدال حرف إعراب، قال الشاعر (من الرجز):
لا تَقْلُوَاهَا وادْلُوَاهَا دَلْوًا … إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أخَاهُ غَدْوًا
قاله في المصباح. وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ "جاء".
(فصلى به الصبح حين أسفر قليلًا) أي أضاء، يقال: أسفر الصبح، إسفارًا: أضَاءَ، وأسفر الوجه من ذلك: إذا علاه جَمَالٌ، وأسفر الرجل بالصلاة: صلاها في الإسفار. قاله في المصباح.
(ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله) استدل به مَنْ قال: بأن وقت الظهر لا يخرج بكون الظل مثله، بل بمقدار أربع ركعات مشتركًا في ذلك مع العصر، وبه قال مالك وطائفة، وذهب الجمهور
إلى أنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، بل إذا خرج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله دخل وقت العصر.
وقال السندي رحمه الله تعالى عند قوله: "ثم صلى به الظهر" ما نصه: أي فرغ منها، وأما في العصر الأول، فالمراد بقوله: "صلى": شَرَعَ فيها، وهذا لأن تعريف وقت الصلاة بالمرتين يقتضي أن يعتبر الشروع في أولى المرتين، والفراغ في الثانية منهما، ليتعين بهما الوقت،
стр. 3677
ويعرف أن الوقت من شروع الصلاة في أولى المرتين إلى الفراغ منها في المرة الثانية، وهذا معنى قول جبريل: "الصلاة ما بين صلاتك أمس، وصلاتك اليوم"، أي وقت الصلاة من وقت الشروع في المرة الأولى إلى وقت الفراغ في المرة الثانية، وبهذا ظهر صحة هذا القول في صلاة المغرب، وإن صُلِّيَ في اليومين في وقت واحد، وسقط ما يُتَوَهَّمُ أن لفظ الحديث يُعْطِي وقوع الظهر في اليوم الثاني في وقت العصر في اليوم الأول، فيلزم إما التداخل في الأوقات، وهو مردود عند
الجمهور، ومخالف لحديث "لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى"، أو النسخ، وهو يُفَوِّت التعريف المقصود بإمامة جبريل مرتين، فإن المقصود في أول المرتين تعريف أول الوقت، وبالثانية تحريف آخره، وعند النسخ لا يحصل ذلك، على أن قوله: "والصلاة ما بين صلاتك … " إلخ تصريح في رد القول بالنسخ.
ثم قوله: "والصلاة ما بين صلاتك … " إلخ يقتضي بحسب الظاهر أن لا يجوز العصر بعد المثلين، لكنه محمول على بيان الوقت المختار، ففيما يدل الدليل على وجود وَقْتٍ سوى الوقت المختار نقول به، كالعصر، وفيما لم يقم دليل على ذلك، بل قام على خلافه، كالظهر، حيث اتصل العصر بمضي وقته المختار نقول فيه بأن وقته كله مختار، وليس له وقتٌ سِوىَ ذلك. والله تعالى أعلم. اهـ. كلام السندي.
стр. 3678
وسيأتي تحقيق الخلاف في خروج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله وعدمه مُسْتَوفىً في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى.
(ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه) أي بعد فيء الزوال (ثم صلى المغرب بوقت واحد) الباء بمعنى "في" أي في وقت واحد، وهو ما صَلَّى فيه المغرب بالأمس، كما بينه بقوله (حين غربت الشمس، وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعةٌ من الليل) أي وقت من الليل، وقد بُيِّنَ ذلك الوقتُ في الروايات الأخرى، كما في رواية جابر الآتية أنه ثلث الليل.
(ثم قال) أي جبريل (الصلاة) أي وقتها، والمراد جنس الصلاة، أي وأوقاتُ الصلوات التي فرض الله أدَاءَهَا في وقت مُوَسَّع رحمةً بعباده، وهو مبتدأ خبره قوله (ما بين صلاتك أمس) "ما" موصولة، و "بين" منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف صلة لما، و"أمس" من الظروف المبنية على الكسر، عند جمهور العرب، وبنو تميم تعربه إعراب ما لا ينصرف، فتقول: ذهب أمسُ بما فيه، بالرفع، قال الشاعر (من الرجز):
لَقَدْ رَأيْتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا … عَجَائِزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسًا
وهو اسم عَلَم على اليوم الذي قبل يومك، وقد يُستَعْمَلُ فيما قبله مجازًا. أفاده في "المصباح".
стр. 3679
(وصلاتك اليوم) يعني أن الوقت المُحَدَّد لأداء الصلوات المفروضات هو الوقت الذي بين صلاتك في اليوم الماضي، وصلاتك في اليوم الحاضر.
فإن قيل: هذا القول من جبريل ﵇ يقتضي أن لا يكون الوقت الذي صَلَّى فيه في اليومين وَقْتًا لها، لأنه بَيَّنَ أن وقتها ما بين ذلك، أجيب بأنه لما صَلَّى في أول الوقت وآخره وُجدَ البيانُ بالفعل، وبقي الاحتياج إلى ما بين الأول والآخر، فبَيَّنَ بالقول أن هذا بيان للوقت المستحب إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس، ويؤدي أيضًا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما. أفاده في "المنهل" جـ ٣ ص ٢٨٩.
قال الجامع عفا الله عنه: وفي دعواه كون الوسط هو المستحبَّ نظر لا يخفى، لمخالفته الأحاديث الصحيحة، إذ منها ما يستحب فيه التقديم في أول الوقت، وهي الصبح، والظهر في البرد، والعصر، والمغرب، ومنها ما يستحب فيه التاخير، وهي الظهر في شدة الحر، والعشاء. فتبصر. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
وقع في رواية أبي داود، والترمذي في رواية ابن عباس ﵄ لحديث جبريل ﵇ "ثم التفت إليّ، فقال: يا محمد هذا
стр. 3680
وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين".
فاستشكل قوله: "هذا وقت الأنبياء من قبلك"، إذ ظاهره يوهم أن هذه الصلاة في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن كان قبله من الأنبياء، وليس كذلك، بل المراد أن هذا الوقت المُوَسَّعَ المحدود بالطرفين: الأولِ والآخرِ كان مثله وقتًا للأنبياء قبلك، فصلاتهم كانت واسعة الوقت، وذات طرفين، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا بهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها. قاله ابن العربي في عارضته جـ ١ ص ٢٥٧، ٢٥٨. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا إسناده حسن، وصححه ابن السكن، والحاكم، وحسنه الترمذي في العلل. انظر "التلخيص" جـ ١ ص ١٧٣.
قال الجامع: لكن في متنه نكارة، حيث خالف الأحاديث المشهورة التي فيها البداءة بالظهر، إلا أن يحمل على تعدد الواقعة، ففي بعضها بدأ بالفجر، وفي بعضها بدأ بالظهر، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. والله أعلم
стр. 3681
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٠٢)، وفي "الكبرى" في "الصلاة" (١٤٩٣)، بسند الباب.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، كما قال الحافظ المزي في تحفته.
وأخرجه الطحاوي، والسَّرَّاج، والدارقطني، والحاكم، وعنه البيهقي. انظر "الإرواء" جـ ١ ص ٢٦٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان آخر وقت الظهر، وذلك أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظله مثله، وَبيَّنَ في آخره أن وقت الصلاة بين الوقتين، فلا يجوز تأخيره عن المِثْل، ويأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف في ذلك.
ومنها: الدلالة على عِظَمِ أمر الصلاة، ومزيد قدرها، حيث إن الله تعالى أرسل جبريل لبيان وقتها، وكيفيتها بالفعل، ولم يكتف بالقول كسائر الأحكام.
ومنها: بيان أنه ﷺ ليس مُشَرِّعًا بنفسه، بل بأمر من الله تعالى.
стр. 3682
ومنها: أن العبادة مقصورة على الوارد عن الله تعالى بالتحديد والكيفية.
ومنها: بيان فضل الله تعالى على عباده حيث وَسَّعَ عليهم أوقات الصلاة، ولم يضيقها، والله ذو الفضل العظيم.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في آخر وقت صلاة الظهر: حَقَّقَ الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس، المجموعِ شرحِ المُهَذَّب هذه المسألة، تحقيقًا ظريفًا وفصلها بأدلتها تفصيلًا منيفًا، أحببت إيراد خلاصته هنا لحسنه، قال رحمه الله تعالى:
أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال الشمس، نقل الإجماع فيه خلائق - ودليله الأحاديث الصحيحة، المذكورة عند النسائي، وغيره:
منها: حديث أبي برزة ﵁ المتقدم، (٤٩)، وحديث أبي هريرة المذكور في الباب، وحديث جابر الآتي، (٥٠٣)، وحديثه، (٥١٢)، وحديث بريدة الآتي، (٥١٨)، وحديث أبي موسى الآتي، (٥٢٢)، وغير ذلك مما أورده النسائي في الأبواب الآتية، وحديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود والترمذي: أن النبي ﷺ قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في المرة الأولى حين كان الفيء مثل الشراك … " الحديث، وكلها أحاديث صحيحة.
стр. 3683
وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غيرَ ظل الزوال الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلًا به، ولا اشتراك بينهما، قال: هذا مذهبنا يعني الشافعية، وبه قال الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد.
وقال عطاء، وطاوس: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت للظهر، والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس.
وقال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمُزَنِيُّ، وابن جرير: إذا صار ظله مثله فَقَدْرُ أربع ركعات بعده وقت للظهر والعصر، ثم يتمحض الوقت للعصر.
وقال مالك: إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بَيِّنَةً خرج وقت الظهر، وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرًا كان أول وقت العصر.
قال أبو الطيب: قال ابن المنذر: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة.
واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس المذكور، قالوا: "فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم
стр. 3684
الأول"، وعن ابن عباس ﵄ أيضًا، قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر" رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم "من غير خوف، ولا مطر"، فدل على اشتراكهما، قالوا: ولأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني، وللاختيار، فينبغي أن يزاد وقت الظهر.
واحتج القائلون بعدم الاشتراك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن نبي الله ﷺ قال: "إذا صليتم الفجر، فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشيطان الأول، ثم إذا صليتم الظهر، فإنه وقت إلى أن تحضر العصر، فإذا صليتم العصر، فإنه وقت إلى أن تصفرّ
الشمس، فإذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق، فإذا صليتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل" رواه مسلم من طرق كثيرة، وفي بعضها" وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر".
واحتجوا أيضًا بحديث أبي موسى ﵁ الآتي (٥٢٢)، وهو عند مسلم أيضًا، قال فيه، في صلاة الظهر في اليوم الثاني: "ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس" ثم قال في آخره "الوقت ما بين هذين"، وهذا نص في أن وقت الظهر لا يمتد وراء ذلك، فيلزم منه عدم الاشتراك.
وبحديث أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يجيء وقت
стр. 3685
الأخرى" رواه مسلم في جملة حديث طويل.
وأجابوا عن قوله ﷺ : "صلى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل الشيء مثله" وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله" بأن معناه بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله، وبهذا التفسير يحصل بيان أول وقت العصر، وآخر وقت الظهر، ولو حُمِلَ على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر وقت الظهر، ولَفَاتَ بيانه، وقد قال في آخر الحديث: "الوقت بين هذين". قال الشيخ أبو حامد: ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في العصر، فتأولناها على أنه ابتدأ حينئذ، وبقيت الظهر على حقيقته، ونظير ما تأولنا عليه لفظَ الحديث قولُ الله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] المراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل، ويقال: بلغ المسافر البلد: إذا انتهى إليه، وإن لم يدخله، وبلغه: إذا دخله.
وأجابوا عن حديث الجمع بالمدينة من وجهين:
أحدهما: أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في أول وقتها، فصار صورته صورة جمع، وليس بجمع،
стр. 3686
وعلى هذا التأويل حمله إمامان تابعيان من رواته: أبو الشعثاء جابر بن زيد، وعمرو بن دينار، كما في صحيح مسلم وغيره.
الثاني: أنه جمع بعذر: إما بمطرٍ، وإما بمرض، عند من يقول به.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذين التأويلين نظر لا يخفى، وسنحققه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (٧٤/ ٦٠٠) إن شاء الله تعالى.
قال النووي ﵀: وأما قولهم زيد في الصلاة على بيان جبريل، فتلك الزيادات ثمتت بنصوص، ولا نص هنا في الزيادة، ولا مدخلَ للقياس.
واحتُجَّ لأبي حنيفة بحديث ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فَأعْطُوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعْطَيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملًا، قال الله تعالى: "هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء" رواه البخاري، ومسلم.
стр. 3687
قالوا. فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر، ومن حِينَ يَصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليسَ بأَقل من وقت الظهر، بل هو مثله. واحتجوا بأقيسة، ومناسبات لا أصل لها، ولا مدخل لها في الأوقات.
قال النووي ﵀: واحتج أصحابنا -أي وهو مذهب الجمهور- عليهم بحديث ابن عباس ﵄ يعني حديث جبريل- فقال إمام الحرمين: عمدتنا حديث جبريل، ولا حجة للمخالف إلا حديث ساقه ﷺ مَسَاقَ ضَرْبِ الأمثال، والأمثالُ مظنة التوسعات والمجاز، ثم التأويلُ مُتطرِّق إلى حديثهم، ولا يتطرق إلى ما اعتمدناه تأويل، ولا مطمع في القياس من الجانبين.
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأربعة أجوبة:
أحدها: هذا الذي ذكره إمام الحرمين.
الثاني: أن المراد بقولهم: أكثر عملًا: أن مجموع عمل الفريقين أكثر.
الثالث: أن ما بعد صلاة العصر مع التأهب لها بالأذان، والإقامة، والطهارة، وصلاة السنة، أقل مما بين العصر ونصف النهار.
الرابع: قال الإصطخري: كثرة العمل لا يلزم منها كثرة الزمان؛ فقد يعمل الإنسان في زمن قصير أكثر مما يعمل غيره في زمن مثله، أو أطول منه. انتهى خلاصة ما كتبه النووي ﵀ في "المجموع"
стр. 3688
ببعض تصرف جـ ٣ ص ٢١، ٢٢.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما تقدم من الأدلة الكثيرة ترجيح مذهب الجمهور؛ وهو أن آخر وقت الظهر صيرورة ظل كل شيء مثله. وأنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَذْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرَمِيُّ) هو عبد الله بن محمد بن إسحاق، الجَزَري الأذْرَمِيُّ (١) المَوْصِليُّ، ثقة، من [١٠]، أخرج له أبو داود والنسائي.
стр. 3689
وثقه أبو حاتم، والنسائي، وقال الخطيب: كان الواثق أحضر شيخًا من أهل أذَنَةَ للمحنة وناظر ابن أبي دؤاد بحضرته، واستعلى عليه الشيخ بحجته، فأطلقه الواثق، ورده إلى وطنه، ويقال: إنه الأذرمي.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة: لا بأس به.
٢ - (عَبِيدَةُ بنُ حُمَيد) الأول مكبر، والثاني مصغر، الكوفي أبو عبد الرحمن الحَذَّاء، صدوق نحوي، ربما أخطأ، توفي سنة ١٩٠، وقد جاوز ٨٠، من [٨]، أخرج له البخاري والأربعة، تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - (أبو مالك الأشجعي؛ سعْد بنُ طارق) الكوفي، ثقة، توفي في حدود سنة ١٤٠، من [٤]، تقدم في ١١٠/ ١٤٩.
٤ - (كثير بن مُدْرِك) الأشجعي، أبو مُدْرِك الكوفي، ثقة، من [٦]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي، ذكره ابن حبان في الثقات، له في مسلم حديث واحد في المتابعات في التلبية، وقال العجلي: كوفي ثقة.
٥ - (الأسود بن يزيد) بن قَيْس النخعي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، توفي سنة ٧٤ أو ٧٥، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عبد الله بن مسعود) أبو عبد الرحمن الْهُذَلي الصحابي
стр. 3690
الجليل ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم كوفيون إلا شيخه، فأذْرَميٌّ كما تقدم، نسبة إلى أذرمة، قرية بالجزيرة
ومنها: أن فيه رواية كبير عن صغير، فسعد بن طارق تابعي رَوَى عن أبيه، وأنس وعبد الله بن أبي أوفى، وكثير بن مدرك، لم يدرك صحابيًا بل روى عن علقمة، والأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد، فهو من تابعي التابعين.
منها: أن فيه الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة، من صيغ الأداء.
وقوله: عبدُ الله بن محمد بالرفع بدل، أو عطف بيان لقوله: أبو عبد الرحمن، وقوله: سعدِ بنِ طارق بالجر عطف بيان لأبي مالك. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن مسعود) ﵁، أنه (قال: كان قدرُ صلاة رسول الله ﷺ ) قدر: اسم "كان"، مضاف إلى "صلاة"، ويقدر بينهما مضاف، أي قدر تأخير صلاة رسول الله ﷺ (الظهر) بالنصب مفعول "صلاة"، لأنه اسم مصدر لصَلَّى، يعمل عمل فعله، كما قال ابن مالك.
................. … وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
стр. 3691
ويحتمل أن يكون مفعولًا لفعل محذوف، أي أعني الظهرَ، ويحتمل الجر بدلًا من "صلاة" (في الصيف) متعلق بصلاة، والصيف، بفتح فسكون، الْقَيْظَ، أو بعد الرِّبيع، جمعه أصْيَاف. قاله في "ق"، والقيظ: شِدَّةُ الحرّ.
وقال الفَيُّومي ﵀: السنة أربعة أزْمِنَة، وهي الفصول أيضًا، فالأول الربيع، وهو عند الناس الخَريف، سمته العرب رَبِيعًا، لأن أول المطر يكون فيه، وبه ينبت الربيع، وسماه الناس خريفًا، لأن الثمار تُخْتَرَفُ فيه، أي تقطع، ودخوله عند حلول الشمس رأس الميزان. والثاني: الشتاء، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجَدْي. والثالث: الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس الحمل، وهو عند الناس الربيع. والرابع: القيظ، وهو عند الناس الصيف، ودخوله عند حلول الشمس رأس السرطان. اهـ المصباح في مادة "زمن". ومنهم من يقسم السنة قسمين: الصيف، والشتاء، فيجعل الصيف ستة أشهر، والشتاء ستة أشهر. قاله في "المغني" (١).
قال الجامع: الظاهر أن هذا هو المراد في هذا الحديث، والله أعلم.
وقوله (ثلاثة أقدام إِلى خمسة أقدام) خبر "كان"، أي كان
стр. 3692
تأخير رسول الله ﷺ صلاة الظهر في الصيف منتهيًا بصيرورة ظل كل إنسان ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام (وفي الشتاء) قيل: جمع شَتْوةٍ، مثل كَلْبَةٍ، وَكلَاب، نقله ابن فارس عن الخليل، ونقله بعضهم عن الفراء وغيره، ويقَالْ: إنه مفرد عَلَمٌ على الفصل، ولهذا جمع على أشْتِيَةٍ. قاله في المصباح.
(خمسةَ أقدام إِلى سبعة أقدام) أي كان ابتداء صلاته ﷺ الظهر في الشتاء إذا صار ظل كل إنسان خمسة أقدام إلى سبعة على حسب قِصَرِ ظل الفيء، وطوله.
قال الدهلوي ﵀: الظل الأصلي في المدينة يكون في ابتداء الشتاء خمسة أقدام، وفي شدة الشتاء يكون سبعة أقدام، وفي ابتداء الصيف يكون ثلاثة أقدام، فتكون الصلاة في هذه الأيام على هذا الظل في أول الوقت، ويكون الظل الأصلي في شدة الحر نصف القدم، فصلاته ﷺ على خمسة أقدام في الصيف كانت للإبراد اهـ. منقولًا من "المنهل" جـ ٣ ص ٣١١.
وقال السندي: قوله: "كان قدر صلاة رسول الله ﷺ … " إلخ: أي قدر تأخير الصلاة عن الزوال ما يظهر فيه قدر ثلاثة أقدام للظل، أي يصير ظل كل إنسان ثلاثة أقدام من أقدامه، فيعتبر قدم كل إنسان ثلاثة بالنظر إلى ظله، والمراد أن يبلغ مجموع الظل الأصلي والزائد هذا المبلغ، لا أن يصير الزائد هذا القدر، ويعتبر الأصلي سوى ذلك، فهذا
стр. 3693
قد يكون لزيادة الظل الأصلي كما في أيام الشتاء، وقد يكون لزيادة الظل الزائد بسبب التبريد كما في أيام الصيف. انتهى.
وقال الخطابي ﵀: وهذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى، وإلى مُحاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض، ومن محاذاة الرأس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدا أطول من ظلال الصيف في كل مكان.
وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة، وهما من الإقليم الثاني، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام.
وأما الظل في الشتاء، فإنهم يذكرون أنه في تشريق الأول خمسة أقدام وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام، أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم، دون سائر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني. والله أعلم. اهـ "معالم السنن" جـ ١ ص ٢٣٧، ٢٣٨
قال في عون المعبود: قال السيوطي في مرقاة الصعود: قال ولي الدين: هذه الأقدام هي قدم كل إنسان بقدر قامته.
стр. 3694
قلت: ضابط ما يعرف به زوال كل بلد أن يُدَقَّ وَتَدُ في حائط، أو خشبة موازيًا للقطب يمانيًا، أو شماليًا، فينظر لظله، فمهما ساواه، فذلك وسط النهار، فإذا مال للمشرق ميلًا تامًّا، فذلك الزوال، وأولُ وقت الظهر، فكل الأقدام إذًا بكل شهر، واحفظها لكل شهر بكل فصل وكل بلد، فلم أر ضابطًا أفضل من هذا.
وقال علي القاري في المرقاة: قال السبكي: اضطربوا في معنى الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي -يعني هذا الحديث- والذي عندي في معناه أنه كان يصليها في الصيف بعد نصف الوقت، وفي الشتاء أوَّلَهُ، ومنه يؤخذ حد الإبراد. انتهى.
والأظهر أنه لا حَدَّ للإبراد، وإنما يختلف باختلاف البلاد، ولعله أراد أن لا يَتَعَدَّى في الإبراد عن نصف الوقت. والله أعلم. انتهى. اهـ "عون" جـ ٢ ص ٧٣، ٧٤.
تنبيه:
قوله: "وفي الشتاء": جار ومجرور معطوف على قوله: "في الصيف" الذي هو معمول "صلاة"، وقوله: "خمسة أقدام" بالنصب عطف على "ثلاثة أقدام" الذي هو خبر "كان"، ففيه عطف المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف:
قال العلامة ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى في "معني اللبيب": أجمعوا على جواز العطف على معمولي عامل واحد، نحو:
стр. 3695
إن زيدًا ذاهب، وعمرًا جالسٌ، وعلى معمولات عامل، نحو أعْلَمَ زيدٌ بكرًا جالسًا، وأبو بكر خالدًا سَعِيدًا منطلقًا، وعلى منع العطف على معمولي أكثر من عاملين، نحوَ إنَّ زيدًا ضاربٌ أبوه لعمرٍو، وأخاكَ غُلَامُهُ بَكْرٍ.
وأما معمولا عاملين، فإن لم يكن أحدهما جارًّا، فقال ابن مالك: هو ممتنع إجماعًا، نحو كان آكلًا طعامَكَ عمروٌ، وتَمْرَك بَكْرٌ، وليس كذلك، بل نقل الفارسي الجواز مطلقًا عن جماعة، وقيل: منهم الأخفش، وإن كان أحدهما جارًا، فإن كان الجار مؤخرًا، نحو زيد في الدار، والحجرة عمروٌ، أو وعَمْروٌ الحُجْرَةِ، فنقل المهدوي أنه ممتنع إجماعًا، وليسَ كذلك، بل هو جائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار مقدما نحو في الدار زيدٌ، والحجرة عَمْروٌ، فالمشهور عن سيبويه المنع،
وبه قال المبرد، وابن السَّرَّاج، وهشَام، وعن الأخفش الإجازة، وبه قال الكسائي، والفراء، والزجاج، وفَصَّلَ قوم، منهم الأعلم، فقالوا: إنْ وَلِيَ المخفوضُ العاطفَ، كالمثال جاز، لأنه كذا سُمِعَ، ولأن فيه تَعَادُلَ المَتعاطفات، وإلا امتنع، نحو في الدار زيدٌ، وعمروٌ الحجرةِ. اهـ "مغني اللبيب" جـ٢ ص ١٠١ بحاشية الأمير.
تنبيه آخر:
محل استدلال المصنف على آخر وقت الظهر من هذا الحديث: هو قوله "إلى خمسة أقدام" و"إلى سبعة أقدام"، وذلك لأن الصحابي ذكر
стр. 3696
هذا بيانًا لما كان عليه النبي ﷺ في الصيف حيث يبدأ في ثلاثة أقدام، إلى أن ينتهي إلى خمسة أقدام. وفي الشتاء حيث يبدأ في خمسة أقدام إلى أن تكون النهاية سبعة أقدام. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن مسعود ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٠٣)، وفي "الكبرى" (١٤٩٢) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في "الصلاة" عن عثمان بن أبي شيبة، عن عَبِيدَة بن حُمَيد بسند المصنف.
وأخرجه الحاكم، والبيهقي.
المسألة الرابعة: أنه تقدم تقسيم العرب للسنة أربعة أقسام نقلًا عن عبارة المصباح، وقد رأيت للعلامة عماد الدين بن باطيش في كتابه "المغني" كلامًا نفيسًا في تقسيم السنة فأحببت إيراده هنا وإن كان بعضه تقدم إتمامًا للفائدة، قال رحمه الله تعالى:
وقد كانت العرب تقسم السنة أربعة أقسام، كل ثلاثة أشهر منها قسمًا، فقسم منها عندهم: الربيع: وهو الذي يسميه الناس الخريف،
стр. 3697
لأن الثمار تُخْتَرَفُ فيه، أي تُجْنَى، وأوله: عند حلول الشمس في برج الميزان، وذلك في نصف أيلول، وآخره: عند خروج الشمس من برج القَوْسِ، وذلك في نصف كانون الأول، وله من المنازل: الْغَفْر، والزُّبُانَى، والإكْلِيلُ، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ، والنَّعَائِمُ، والْبَلْدَةُ.
والقسم الثاني: هو الشتاء، وأوله عند حلول الشمس بُرْجَ الْجَدْيِ، وذلك في نصف كانون الأول، وآخره عند خروجها من بُرْجِ الحُوتِ، وذلك في نصف آذار، وله من المنازل: سَعْدُ الذَّابِح، وسَعْد بُلَع، وسعد السُّعُود، وسعد الأخْبِيَةِ، والفَرغُ المُقَدَّم، والفَرغ المؤَخَّرُ، والرِّشَاءُ.
والقسم الثالث: الصيف، وهو عند الناس الرَّبيعُ، وأوله: عند حلول الشمس في برج الْحَمَلِ، في نصف آذَار، وآخَره: عند خروج الشمس من بُرْج الجَوْزَاء، وذلك في نصف حَزيرَان، وله من المنازل الشَّرَطَانِ، والْبُطَيْنُ، والثُّرَيَّا، والدَّبَرَانُ، والْهَقْعَةُ، والْهَنْعَةُ، والذِّرَاعُ.
والقسم الرابع: الْقَيْظُ، وهو عند الناس الصَّيْفُ، وأوله حُلُولُ الشمس في برج السَّرَطَان في نصف حَزِيرَان، وآخره: عند خروجها من بُرْجِ السُّنْبُلَةِ في نصفَ أيلُول، وله من المنازل: النَّثْرَةُ، والطَّرْفُ، والْجَبْهَةُ، والزُّبرَةُ، والصَّرْفَةُ، والْعَوَّاءُ، والسِّمَاكُ.
ومنهم: من يقسم السنة أربعة أقسام أخَرَ، الأول: أيلُول، وتِشْرِين، وتِشْرِينُ (١). والثاني: كَانُونُ، وكانُونُ، وشُبَاطُ. والثالث:
стр. 3698
آذارُ، ونَيْسانُ، وأيَّارُ. والرابع: حَزِيرانُ، وتَمُّوزُ، وآبُ.
وكأن هذه القسمة أقربُ إلى الاعتدال، وتلك أقرب إلى قسمة البروج، ومَسِيرِ الشمس، فإن البُرُوج اثنا عشر بُرْجًا: الحَمَلُ، والثَّوْرُ، والجَوْزَاءُ، والسَّرَطَانُ، والأسَدُ، والسُّنْبلَةُ، والمِيزَان، والعَقْرَب، والقَوْسُ، والْجَدْيُ، والدَّلْوُ، والْحُوتُ.
ولكل برج من هذه البروج منزلان وثُلُث من المنازل، وفي كل فصل ثلاثة بروج، فأوجب أن يكون فيه سبع منازل.
ومنهم: من قسم السنة قسمين: الصيف، والشتاء، فجعل الصيفَ ستةَ أشهر، أوَّلُهَا: نيسانُ، وآخرها: أيلول، والشتاء: ستة أشهر، أولها: تشرين الأول، وآخرها: آذار. اهـ. المغني في الإنباء عن غريب المُهَذَّب والأسماء جـ ١ ص ٢٤٥ - ٢٤٧. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3699
٧ - أوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أول وقت صلاة العصر.
٥٠٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "صَلِّ مَعِي، فَصَلَّى الظُّهْرَ، حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ حِينَ كَانَ فَيْءُ الإِنْسَانِ مِثْلَيْهِ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ كَانَ قُبَيْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ: ثُمَّ قَالَ فِي الْعِشَاءِ: أُرَى إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عُبَيدُ الله بن سعيد) بن يحيى اليَشْكري، أبو قُدَامَة السَّرَخْسِيُّ نزيلُ نَيْسَابُور، ثقة مأمون سُنّيّ، توفي سنة ٤١، من [١٠]،
стр. 3700
أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (عبد الله بن الحارث) بن عبد الملك المخزومي، أبو محمد المكي، ثقة، من [٣] رَوىَ عن حنظلة بن أبي سفيان، وداود بن قيس الفَرَّاء، وثور بن يزيد الحمصي، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبو قُدَامة السرخسي، وغيرهم. قال أبو حاتم: عبد الله بن الحارث المخزومي أحب إلَيَّ من عبد الله بن الحارث الحاطبي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". روى له مسلم، والأربعة.
٣ - (ثور) بن يزيد بن زياد الكَلاعِيُّ، ويقال: الرَّحَبِيُّ، أبو خالد الحمصي، ثقة ثبْت، إلا أنه يَرىَ القدَرَ، من [٧].
قال ابن سعد: كان ثقة في الحديث، ويقال: إنه كان قَدَرِيًّا، وكان جده قُتِل يوم صِفِّين مع معاوية، فكان ثور إذا ذكر عليًا، قال: لا أحب رجلًا قتل جدي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد الكلاعي، وكان ثقة، وكان أبو أسامة يُحْسِن الثناءَ عليه، وَعدَّهَ دُحَيم في أثبات أهل الشام، مع أرْطَاة، وحَرِيزٍ، وَبحِير بن سَعِيد، وفي رواية يعقوب بن سفيان عنه ثور بن يزيد أكبرهم، وكل هؤلاء ثقات، وقال عثمان الدارمي عن دُحَيم: ثور بن يزيد ثقة، وما رأيت أحدًا يشك أنه قَدَرِيّ، وهو صحيح الحديث، حمصي، وقال أحمد بن صالح: ثور
стр. 3701
ثقة، إلا أنه كان يرى القدر، وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت شاميًا أوثق من ثور بن يزيد، وعنه قال: ليس في نفسي منه شيء أتتبعه، وقال وكيع: ثور كان صحيح الكتاب، وقال أيضًا: رأيت ثور بن يزيد، وكان أعْبَدَ من رأيتُ. وقال عيسى بن يونس: كان ثور من أثبتهم، وقال أيضًا: جيد الحديث.
وقال الوليد بن مسلم: ثور يحفظ حديث خالد بن مَعْدَان، وقال سفيان الثوري: خذوا عن ثور، واتقوا قرنيه. قال عبد الرزاق: ثم أخذ الثوري بيد ثور، وخَلا بِه في حانوت يحدثه، وقال الثوري بعد ذلك لرجل رأى عليه صوفا. ارم بهذا عنك، فإنه بدعة، فقال له الرجل: ودخولك مع ثور الحانوت، وإغلاقك الباب عليكما بدعة. وقال أبو عاصم: قال لنا ابن أبي رَوَّاد: اتقوا، لا يَنْطِحَنَّكُمْ بقرنيه. وقال أبو مسهر وغيره: كان الأوزاعي يتكلم فيه، ويهجوه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثور بن يزيد الكَلَاعي كان يَرَى القَدَرَ، كان أهل حمص نفوه لأجل ذلك، ولم يكن به بأس. وقال أبو مسهر عن عبد الله بن سالم: أدركت أهل حمص وقد أخرجوا ثور بن يزيد، وأحرقوا داره، لكلامه في القدر.
وقال ابن معين: كان مكحول قَدَرِيًا، ثم رجع، وثور بن يزيد قدري. وقال أبو زرعة الدمشقي عن منبه بن عثمان: قال رجل لثور بن يزيد: يا قدري، قال: لئن كنتُ كما قلتَ إني لرجل سوء، وإن كنتُ
стр. 3702
على خلاف ما قلتَ، فأنت في حِلّ. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ثور بن يزيد ثقة، وقال في موضع آخر: أزهر الحرازي، وأسد ابن وَدَاعَة، وجماعة، كانوا يجلسون، ويَسُبُّون علي بن أبي طالب، وكان ثور لا يسبه، فإذا لم يسب جَرُّوا برجله. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن يحيى القطان: كان ثور إذا حدثني عن رجل لا أعرفه، قلت: أنت أكبر، أم هذا؟ فماذا قال: هو أكبر مني، كتبته، وإذا قال: هو أصغر مني، لم أكتبه. وقال محمد بن عوف والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق حافظ. وقال نُعَيم بن حَمَّاد: قال عبد الله بن المبارك:
أيّهَا الطَّالِبُ علْمًا … ايتِ حَمَّادَ بْنِ زَيْدِ
فَاطْلُبَنَّ الْعِلْمَ مِنْهُ … ثمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ
لَا كَثَوْرٍ وَكَجَهمِ … وَكَعَمْرِو بْنِ عُبَيدِ
وقال ابن عدي بعد أن رَوىَ له أحاديث: وقد روى عنه الثوري، ويحيى القطان، وغيرهما من الثقات، ووثقوه، ولا أرى بحديثه بأسًا، إذا روى عنه ثقة، أو صدوق، ولم أر في أحاديثه أنكر من هذا الذي ذكرته، وهو مستقيم الحديث صالح في الشاميين.
وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قلت: أكان قَدَرِيًا؛ قال: اتُّهِمَ بالقدر، وأخرجوه من حمص سَحْبًا. وقال ابن حبان في الثقات: كان
стр. 3703
قدريًا، ومات، وله سبعون سنة. وقال العجلي: شامي ثقة، وكان يرى القدر. وقال الساجي: صدوق قدري، قال فيه أحمد: ليس به بأس، قَدِمَ المدينة، فَنَهىَ مالك عن مجالسته، وليس لمالك عنه رواية؛ لا في الموطأ، ولا في الكتب الستة، ولا في غرائب مالك للدارقطني، قال الحافظ: فما أدري أين وقعت روايته عنه مع ذمه له. وقال ابن خزيمة في صحيحه: هو أصغر سِنًا من المدني.
قال أبو عيسى الترمذي: توفي سنة ١٥٠، وقال ابن سعد، وخليفة، وجماعة: مات سنة ١٥٣ ببيت المقدس. وقال يحيى بن بُكَير: سنة، ١٥٥، اهـ. تت. جـ ٢ ص ٣٣ - ٣٥. روى له البخاري، والأربعة.
٤ - (سليمان بن موسى) الأموي مولاهم أبو أيوب، ويقال: أبو الربيع، ويقال: أبو هشام، الدمشقي الأشدق، صدوق فقيه أهل الشام في زمانه، في حديثه بَعْضُ لِين، وخُولِط قبل موته بقليل، من [٥].
قال سعيد بن عبد العزيز: سليمان بن موسى كان أعلم أهل الشام بعد مكحول، وقال عطاء بن أبي رَبَاح: سيد شباب أهل الشام سليمان بن موسى. وقال الزهري: سليمان بن موسى أحفظ من مكحول. وقال عثمان الدارمي عن دُحَيم: ثقة. وعن ابن معين: ثقة في الزهري. وقال ابن معين: سليمان بن موسى عن مالك بن يُخَامِر مرسل، وعن جابر مرسل. وقال أبو مُسْهِر: لم يدرك سليمان بن
стр. 3704
موسى كثير بن مرة، ولا عبد الرحمن بن غنم. وقال المفضل بن غسان الغلابي: لم يلق أبا سيارة، والحديث مرسل. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. وقال البخاري: عنده مناكير. قال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوى في الحديث. وقال في موضع آخر: في حديثه شيء.
وقال ابن عدي: سليمان بن موسى فقيه راو، حدث عنه الثقات، وهو أحد علماء أهل الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها، لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق. وقال الدارقطني في العلل: من الثقات، أثنى عليه عطاء والزهري. وقال ابن سعد: كان ثقة، أثنى عليه ابن جريج، وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من أكابر أصحاب مكحول، وكان خولط قبل موته بيسير. وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع. وقال يحيى بن معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، وحديثه صحيح عندنا. وقال ابن حبان في الثقات: مات سنة ١١٥ من شربة سقيها، وكان فقيهًا ورعًا. وقال دحيم: مات ستة ١١٥، وقال خليفة وغير واحد: مات سنة ١١٩. أخرج له مسلم في مقدمته، والأربعة.
٥ - (عطاء بن أبي رباح) بفتح الراء واسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، توفي سنة ١١٤،
стр. 3705
على المشهور، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في كتاب الغسل ٢/ ٤٠١.
٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصارى الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم موثقون.
ومنها: أنهم ما بين نيسابورى؛ وهو شيخه، ومكيين؛ وهما عبد الله بن الحارث، وعطاء، وحمصي، وهو ثور، ودمشقي، وهو سليمان، ومدني، وهو جابر.
ومنها: أن جابر ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا.
ومنها: أنه يقدر "قال" قبل قوله: حدثني سليمان بن موسى، فيقال: حدثنا ثور، قال: حدثني.
ومنها: أن ثورًا قال: حدثني، ولم يقل: حدثنا بضمير الجمع، لأنه سمعه من سليمان وحده، بخلاف الباقين، وهذا على سبيل الاستحباب، لا على الوجوب، كما قال في الألفية السيوطية:
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ حَدَّثَنِي … وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ أَخْبَرَنِي
وَإنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً حَدَّثَنَا … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا أَخْبَرَنَاَ
стр. 3706
ومنها: أن فيه من صِيَغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ، وكلها من صِيَغِ الاتصال على الراجح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبد الله ﵁، أنه (قال: سأل رجل) لم يُعرَف اسمه (رسول الله ﷺ عن مواقيت الصلاة) جمع ميقات، بمعنى الوقت، أي عن أوقات الصلوات الخمس (فقال) رسول الله ﷺ (صل معي) هكذا في النسختين: المصرية، والهندية: "صل" بحذف الياء وهو الموافق للقواعد لكونه مبنيا على حذفها، كما قال بعضهم:
وَالأَمْرُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يُجْزمُ … بِهِ الْمُضَارِعُ أيَا مَنْ يَفْهَمُ
وقال السندي ﵀: قوله: "صلي معي" هكذا في نسختنا ثبوت الياء، والظاهر حذفها، وكأن الياء الموجودة للإشباع، وأما لام الكلمة فهي محذوفة، أو هي لام الكلمة، إلا أن المعتل عومل معاملة الصحيح، وقد تكرر الوجهان في مواضع، فكن على ذكر منهما، فلعلي ما أعيد بعد ذلك، والله تعالى أعلم. اهـ.
وفي حديث بريدة الآتي (٥١٩) "فقال: أقم معنا هذين اليومين".
وإنما أمره ﷺ أن يصلي معه، ولم يبين له بالقول، لكون التعليم بالفعل أوضح، وأرسخ في الذهن، واستدل به على جواز تأخير البيان إلى
стр. 3707
وقت الحاجة، فإنه ﷺ لم يبين له وقت السؤال، بل أخر بيان كل صلاة حتى يجيء وقتها، لعدم الحاجة قبل ذلك، والله أعلم.
(فصلى الظهر حين زاغت الشمس) أي مالت عن وسط السماء إلى جهة المغرب.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا رواية المصنف هنا، وفي الكبرى (١٥٠٦)، "فصلى الظهر"، لم يذكر الصبح، لا في اليوم الأول، ولا في اليوم الثاني، وقد أخرج الحديث أحمد في مسنده، والطحاوي في "معاني الآثار"، والبيهقي في "السنن الكبرى" من طريق أحمد ففي روايتهم ذكر الصبح في اليومين:
قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثني ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة، فقال "صَلِّ مَعِي"، فَصَلَّى رسول الله ﷺ الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم صلى العشاء حين غيبوبة الشفق، ثم صلى الصبح، فأسفر، ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه، ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى العشاء، فقال
стр. 3708
بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطره". "المسند" جـ ٣ ص ٣٥١، ٣٥٢.
وأخرجه الطحاوي جـ ١ ص ١٤٧، عن ابن أبي داود، عن حامد بن يحيى، عن عبد الله بن الحارث بسند أحمد نحو روايته، إلا أنه في العشاء قال: "ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق".
قال الجامع: فالظاهر أن رواية المصنف فيها اختصار، إمَّا منه وإما من شيخه عبيد الله. والله أعلم.
(و) صلى (العصر حين كان فيء كل شيء مثله) أي ظل كل شيء قدر طوله، وقد تقدم الفرق بينه وبين الظل في شرح الحديث (٥٠٢).
(و) صلى (المغرب حين غابت الشمس) أي غربت، والمراد أنه شرع في الصلاة بعد غروبها، لا أنه صلى وقت الغروب.
(و) صلى (العشاء حين غاب الشفق) أي بعد غيبوبة الشفق الأحمر (قال) جابر ﵁ (ثم صلى الظهر) في اليوم الثاني (حين كانَ فيء الإِنسان مثله) والمراد أنه انتهى من الصلاة في ذلك
الوقت، لا أنه صلاها فيه، للأدلة الأخرى.
(و) صلى (العصر حين كان فيء الإِنسان مثليه و) صلى (المغرب حين كان قبيل غيبوبة الشفق) واسم "كان" ضمير يعود إلى
стр. 3709
الوقت، أي حين كان الوقتُ، و "قبيل" منصوب على الظرفية متعلق بخبر "كان" محذوفًا، أي كائنًا قبل غيبوبة الشفق.
(قال عبد الله بن الحارث: ثم قال) ثور بن يزيد (في العشاء) أي بيان وقت صلاة العشاء (أُرَى) بالبناء للمفعول: بمعنى أظُنُّ، والغالب في استعمال أرى بمعنى أظُنُّ ضم همزته، كما قاله العلامة يس، وقد تفتح، ويتعدى لمفعولين (١) (إِلى ثلث الليل) متعلق بمحذوف، أي أخرها إلى ثلث الليل. وفي رواية أحمد المتقدمة "ثم صلى العشاء، فقال بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطره". والله أعلم. ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٠٤)، وفي "الكبرى"، ١٥٠٦، بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود تعليقًا في "الصلاة" بعد حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الآتي (٥٢٣)، وأخرجه أحمد في مسنده، والبيهقي في
стр. 3710
السنن الكبرى من طريق أحمد، والطحاوي في "معاني الآثار". والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان أول وقت العصر، وذلك لأنه صلى في اليوم الأول العصر حين صار فَيْءُ كلِّ شيء مثله، وقد فرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله فعرفنا بذلك أن أول وقت العصر لا يتقدم على ذلك الوقت.
ومنها: اهتمام الصحابة بتعلم أحكام الدين.
ومنها: أن عِظَمَ قدر المسؤول لا يمنع من سؤال من هو أقل قَدْرًا منه.
ومنها: كون أوقات الصلوات موسعة.
ومنها: أن العالم يطلب منه الاهتمام بتعليم الجاهل، وأن يَسْلُك في ذلك أقرب الطرق إلى الفهم.
ومنها: أنه ينبغي للمعلم أن يجمع في تعليمه بين البيان الفعلي والقولي، ليكون أوقع في النفس، وأرسخ في الذهن.
وقد تقدم بيان الخلاف في أول وقت العصر في (٦/ ٥٠٢) عند الكلام على الخلاف في آخر وقت الظهر مُفَصَّلا، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: قال النووي ﵀ في "المجموع": للعصر
стр. 3711
خمسة أوقات، وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز بلا كراهة، ووقت جواز مع الكراهة، ووقت عذر.
فالفضيلة من أول الوقت إلى أن يصير ظل الشخص مثله، ونصف مثله، ووقت الاختيار إلى أن يصير مثلين، والجواز بلا كراهة إلى اصفرار الشمس، والجواز مع الكراهة حال الاصفرار حتى تغرب، والعذر وقت الظهر لمن جمع بسفر أو مطر.
وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن الشافعي وغيره من العلماء كراهة تأخير العصر، ودليلُ الكراهة حديثُ أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافقين، يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فَنَقَرهَا أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" رواه مسلم (١). والله أعلم. اهـ "المجموع" جـ ٣ ص ٢٧، ٢٨.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3712
٨ - تَعْجِيلُ الْعَصْرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على استحباب التعجيل بصلاة العصر.
٥٠٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصري، ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة إمام حجة، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام المدني، ثقة فقيه إمام، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
стр. 3713
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات مدنيون إلا شيخه؛ فبغلاني، والليث؛ فمصري.
ومنها: أن فيه راوية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ صلى صلاة العصر) ووقع عند البخاري في أول المواقيت: قال عروة: "ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر". وهي صريحة في كون هذا الفعل عادة له ﷺ (والشمس في حجرتها) مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "صلى"، والرابط الواو، والضمير، كما قال ابن مالك:
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوىَ مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ آوْ بمُضْمَرٍ أَو بِهِمَا
والمعنى أن ضوء الشمس باق في حجرتها، فهو على تقدير مضاف.
стр. 3714
وللإسماعيلي في مستخرجه من طريق أبي أسامة بلفظ "والشمس واقعة في حجرتي" قال الحافظ: وعرف بذلك أن الضمير في قوله: "في حجرتها" لعائشة، وفيه نوع التفات. اهـ.
والحجرة- بضم الحاء المهملة، وإسكان الجيم: البيت، وكل موضع حجر عليه بالحجارة فهو حجرة، قاله في المشارق، وأصله كما ذكر في الصحاح: حظيرة للإبل. وفي رواية للبيهقي "والشمس في قعر حجرتها". قال العراقي: وفي هذه الرواية زيادة، فإنه لا يلزم من كون الشمس في الحجرة أن تكون في قعرها. اهـ "طرح" ص ٢ ص ١٦٧.
(لم يظهر الفيء من حجرتها) أي لم يظهر الظل في داخل حجرة عائشة ﵂، "فمن" بمعنى "في"، وفي رواية البخاري "والشمس في حجرتها قبل أن تَظهَرَ" أي قبل أن يرتفع ضوءها من داخل الحجرة، وينبسط فيه الظل، فالظهور هنا كما قال الخطابي بمعنى الصعود والعلو، يقال: ظهرت على الشيء: إذا علوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
وقال في الفتح: وقوله في رواية الزهري "والشمس في حجرتها" أي باقية، وقوله: "لم يظهر الفيء" أي في الموضع الذي كانت الشمس فيه، وقد تقدم في أول المواقيت من طريق مالك، عن الزهري بلفظ "والشمس في حجرتها قبل أن تظهر" أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذلك الظهور، ومحصله أن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة،
стр. 3715
وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف، لأن انبساط الفيء لا يكون إلا بعد خروج الشمس. اهـ. جـ ٢ ص ٣١، ٣٢.
وقال ابن عبد البر ﵀: معنى قوله: "قبل أن تظهر: قبل أن يظهر الظل على الجدار، أي قبل أن يرتفع ظل حجرتها على جُدُرها، وكل شيء علا شيئًا فقد ظهر عليه، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي يعلوا عليه وقال النابغة الجَعْديّ (من الطويل):
بَلَغْنَا السَّماءَ مَجْدُناَ وجُدُودُنَا … وإِنَّا لنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
أي مُرْتَقًى وعُلُوًّا.
وقيل: معناه: أن يخرج الظل من قاعة حجرتها، وكل شيء خرج أيضًا فقد ظهر. والحجرةُ: الدار، وكلُّ ما أحاط به حائط، فهو حجرة. اهـ. "الاستذكار" جـ ١ ص ٤٦، ٤٧.
والحديث يدل على استحباب تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة، وكذا الراوي عنها عروة، واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر، وشذ الطحاوي، فقال: لا دلالة فيه على التعجيل، لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير، لا