خمسة أوقات، وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز بلا كراهة، ووقت جواز مع الكراهة، ووقت عذر.
فالفضيلة من أول الوقت إلى أن يصير ظل الشخص مثله، ونصف مثله، ووقت الاختيار إلى أن يصير مثلين، والجواز بلا كراهة إلى اصفرار الشمس، والجواز مع الكراهة حال الاصفرار حتى تغرب، والعذر وقت الظهر لمن جمع بسفر أو مطر.
وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن الشافعي وغيره من العلماء كراهة تأخير العصر، ودليلُ الكراهة حديثُ أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافقين، يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فَنَقَرهَا أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" رواه مسلم (١). والله أعلم. اهـ "المجموع" جـ ٣ ص ٢٧، ٢٨.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3712
٨ - تَعْجِيلُ الْعَصْرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على استحباب التعجيل بصلاة العصر.
٥٠٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصري، ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة إمام حجة، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام المدني، ثقة فقيه إمام، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
стр. 3713
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات مدنيون إلا شيخه؛ فبغلاني، والليث؛ فمصري.
ومنها: أن فيه راوية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله ﷺ صلى صلاة العصر) ووقع عند البخاري في أول المواقيت: قال عروة: "ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر". وهي صريحة في كون هذا الفعل عادة له ﷺ (والشمس في حجرتها) مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "صلى"، والرابط الواو، والضمير، كما قال ابن مالك:
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوىَ مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ آوْ بمُضْمَرٍ أَو بِهِمَا
والمعنى أن ضوء الشمس باق في حجرتها، فهو على تقدير مضاف.
стр. 3714
وللإسماعيلي في مستخرجه من طريق أبي أسامة بلفظ "والشمس واقعة في حجرتي" قال الحافظ: وعرف بذلك أن الضمير في قوله: "في حجرتها" لعائشة، وفيه نوع التفات. اهـ.
والحجرة- بضم الحاء المهملة، وإسكان الجيم: البيت، وكل موضع حجر عليه بالحجارة فهو حجرة، قاله في المشارق، وأصله كما ذكر في الصحاح: حظيرة للإبل. وفي رواية للبيهقي "والشمس في قعر حجرتها". قال العراقي: وفي هذه الرواية زيادة، فإنه لا يلزم من كون الشمس في الحجرة أن تكون في قعرها. اهـ "طرح" ص ٢ ص ١٦٧.
(لم يظهر الفيء من حجرتها) أي لم يظهر الظل في داخل حجرة عائشة ﵂، "فمن" بمعنى "في"، وفي رواية البخاري "والشمس في حجرتها قبل أن تَظهَرَ" أي قبل أن يرتفع ضوءها من داخل الحجرة، وينبسط فيه الظل، فالظهور هنا كما قال الخطابي بمعنى الصعود والعلو، يقال: ظهرت على الشيء: إذا علوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
وقال في الفتح: وقوله في رواية الزهري "والشمس في حجرتها" أي باقية، وقوله: "لم يظهر الفيء" أي في الموضع الذي كانت الشمس فيه، وقد تقدم في أول المواقيت من طريق مالك، عن الزهري بلفظ "والشمس في حجرتها قبل أن تظهر" أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذلك الظهور، ومحصله أن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة،
стр. 3715
وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف، لأن انبساط الفيء لا يكون إلا بعد خروج الشمس. اهـ. جـ ٢ ص ٣١، ٣٢.
وقال ابن عبد البر ﵀: معنى قوله: "قبل أن تظهر: قبل أن يظهر الظل على الجدار، أي قبل أن يرتفع ظل حجرتها على جُدُرها، وكل شيء علا شيئًا فقد ظهر عليه، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي يعلوا عليه وقال النابغة الجَعْديّ (من الطويل):
بَلَغْنَا السَّماءَ مَجْدُناَ وجُدُودُنَا … وإِنَّا لنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
أي مُرْتَقًى وعُلُوًّا.
وقيل: معناه: أن يخرج الظل من قاعة حجرتها، وكل شيء خرج أيضًا فقد ظهر. والحجرةُ: الدار، وكلُّ ما أحاط به حائط، فهو حجرة. اهـ. "الاستذكار" جـ ١ ص ٤٦، ٤٧.
والحديث يدل على استحباب تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة، وكذا الراوي عنها عروة، واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر، وشذ الطحاوي، فقال: لا دلالة فيه على التعجيل، لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير، لا
стр. 3716
على التعجيل. وتُعُقِّبَ بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حُجَرَ أزواج النبي ﷺ لم تكن متسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة، وإلا متى مالت جِدًا ارتفع ضوءها عن قاع الحجرة، ولو كانت الجُدُرُ قصيرة.
قال النووي ﵀: كانت الحجرة ضيقة العَرْصَة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس بعد في أواخر العرصة. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٣٢. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٠٥)، وفي "الكبرى" في الصلاة (١٤٩٤) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في "الصلاة" بسند المصنف، وعن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض،
стр. 3717
عن هشام بن عروة، عن أبيه عنها، وعن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنها.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما، عن ابن عيينة به، وعن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري به.
وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به.
وأخرجه الترمذي فيه بسند المصنف.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة:
من فوائد الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب جمهور أهل العلم، كما يأتي قريبًا، قال الشافعي ﵀: وهذا من أبين ما روي في أول الوقت، لأن حُجَرَ أزواج النبي ﷺ في موضع منخفض من المدينة، وليست بالواسعة، وذلك أقرب لها من أن ترتفع الشمس منها في أول وقت العصر.
ومن فوائده أيضًا: ما ذكره ابن عبد البر، قال: فيه دليل على قصَرِ بُنْيَانِهِمْ وحيطانهم، لأن الحديث إنما قصد به تعجيل العصر، وذلكَ إنما يكوَن مع قِصَرِ الحيطان، ثم ذكر عن الحسن البصري، أنه قال: كنت
стр. 3718
أدخل بيوت النبي ﷺ ، وأنا محتلم، فأنال سقفها بيدي، وذلك في خلافة عثمان ﵁. أفاده في "طرح" جـ ٢ ص ١٦٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في استحباب التعجيل بالعصر:
قال الحافظ ابن المنذر رحمه الله تعالى -في كتابه الأوسط- ما خلاصته: اختلف أهل العلم في تعجيل العصر وتأخيرها؛ فقالت طائفة: تعجيلها أفضل.
كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن وقت العصر، والشمس بيضاء نقية، بقدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة. وقال جابر بن عبد الله: صَلَّى أبو بكر العصر، ثم جاءنا، ونحن في دور بني سَلمَةَ، وعندنا جَزُور، وقد تَشَرَّكْنَا عليها، فنحرناها، وجَزَّيْنَاهَا، وصنعنا له، فأكل قبل أن تغرب الشمس. وقال نافع: كان ابن عمر يصلي العصر، والشمس بيضاء لم تتغير، من أسرع السير سار قبل الليل خمسة أميال.
قال ابن المنذر: وهذا مذهب أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأخبار الثابتة دالة على صحة هذا القول.
وذهبت طائفة إلى أن تأخير العصر أفضل، ورُوِيَ ذلك عن أبي
стр. 3719
هريرة، وابن مسعود، وطاوس، وأبي قلابَةَ، وابن سيرين، وحكي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصَر لتُعَصَرَ، وكذلك قال ابن شُبْرُمَة، وعن إبراهيم، وهَمَّام، وعلقمة أنهم كانوا يؤخرون العصر، وقال أصحاب الرأي: يُصَلِّي العصر في آخر وقتها، والشمس بيضاء لم تتغير في الشتاء والصيف. اهـ كلام ابن المنذر في "الأوسط" باختصار. جـ ٢ ص ٣٦٢ - ٣٦٥.
وقال النووي ﵀: وأما العصر فتقديمها في أول الوقت أفضل، وبه قال جمهور العلماء، وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: تأخيرها أفضل ما لم تتغير الشمس، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وبحديث علي بن شيبان ﵁ قال: "قَدِمْتُ على رسول الله ﷺ ، فكان يؤخر العصر مادامت الشمس نقية"، وعن عبد الواحد بن نافع، عن ابن رافع بن خَدِيج، عن أبيه ﵁، قال: "أمر رسول الله ﷺ بتأخير العصر"، ولأنها إذا أخرت اتسع وقت النافلة.
قال: واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآية، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت، لأنه إذا أخرها عَرَّضَها للفَوَات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والصلاةُ تُحَصِّلُ ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ٤٨]، وبحديث أنس رضي الله عنه
стр. 3720
قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمسُ مرتفعة حَيَّة، فيذهب الذاهب إلى قُبَاء، فيأتيهم، والشمس مرتفعة" رواه البخاري ومسلم (١).
وفي رواية لهما "فيذهب الذاهب إلى العوالي".
قال العلماء: العوالي قُرًى عند المدينة أقربها منها أربعةُ أمْيَال، وقيل: ثلاثة، وأبْعَدُها على ثمانية.
وعن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيف، قال: "صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صَلَّيْتَ؟ قال: العصرُ، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه". رواه البخاري ومسلم (٢)، وعن رافع بن خَدِيج ﵁، قال: "كنا نصلي العصر مع رسول الله ﷺ ، ثم نَنْحَرُ الجَزُور، فتُقْسَمُ عَشْرَ قسم، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مَغِيب الشمس". رواه الشيخان.
وعن أنس ﵁، قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلمَةَ، فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، ونحب أن تَحْضُرَها، فانطلَقَ، وانطلقنا معه، فوجدنا
стр. 3721
الجَزُور لم تُنْحَر، فنُحِرَت، ثم قُطِّعَت، ثم طُبِخَ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس". رواه مسلم.
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ "أن صل العصر، والشمس بيضاءُ نَقِيَّةٌ قَدْر ما يَسيرُ الراكبُ ثلاثَ فراسخ". رواه مالك في الموطأ عن هشام.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية، فقال أصحابنا: قال أهل اللغة: الطَّرَفُ ما بعد النصف.
وعن حديث علي بن شيبان: أنه باطل، لا يعرف، وعن حديث رافع: أنه ضعيف، رواه الدارقطني، والبيهقي، وضعفاه، وبينا ضعفه، ونقل البيهقي عن البخاري أنه ضعفه، وضعفه أيضًا أبو زرعة الرازي، وأبو القاسم اللالكائي، وغيرهم. وعن قولهم. يتسع وقت النافلة أجيب بأن هذه فائدة لا تلتحق بفائدة فضيلة أول الوقت. اهـ "المجموع" جـ ٣ ص ٥٤، ٥٥. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قال العلامة المباركفوري ﵀ في "تحفته": وقال محمدٌ يعني ابن الحسن - في الموطأ: تاخير العصر أفضل عندنا من تعجيلها إذا صليتها، والشمس بيضاء نقية، لم تدخلها صفرة، وبذلك جاء عامة الآثار، وهو قول أبي حنيفة. انتهى. وعلله
стр. 3722
صاحب "الهداية" وغيره من فقهاء الحنفية بأن في تأخيرها تكثير النوافل، وقد رده صاحب "التعليق الممجد"، وهو من العلماء الحنفية بأنه تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على أفضلية التعجيل، وهي كثيرة مروية في الصحاح الستة وغيرها. انتهى.
وقد استدل العيني في "البناية شرح الهداية" على أفضلية التأخير بأحاديث:
الأول: أخرجه أبو داود عن يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، عن جده قال: "قَدمْنَا على رسول الله ﷺ المدينةَ، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضَاءَ نَقيَّةً".
والثاني: حديث رافع بن خَدِيج "أن رسول الله ﷺ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة" يعني العصر. أخرجه الدارقطني.
والثالث: حديث أم سلمة ﵂ "كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه"، أخرجه الترمذي.
الرابع: حديث أنس ﵁ "كان النبي ﷺ يصلي العصر، والشمس بيضاء".
وأجاب عن هذه الأحاديث صاحب "التعليق الممجد"، فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستدلال بهذه الأحاديث.
стр. 3723
أما الحديث الأول، فلا يدل إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء، وهذا أمر غير مستنكر، فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك، والكلام إنما هو في أفضلية التأخير، وهو ليس بثابت منه.
لا يقال: هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ "كان" المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة، لأنا نقول: لو دل على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالة على أن عادته كانت التعجيل، فالأولى أن لا يُحْمَلَ هذا الحديث على الدوام دفعًا للمعارضة، واعتبارًا لِتَقْدِيِم الأحاديث القوية.
قال المباركفوري ﵀: حديث عبد الرحمن بن علي بن شيبان ضعيف، فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، وهو مجهول، كما صرح به في "التقريب" و"الخلاصة" و"الميزان"، فهذا الحديث الضعيف لا يصلح للاحتجاج به.
قال اللكنوي ﵀: وأما الحديث الثاني، فقد رواه الدارقطني في سننه عن عبد الواحد بن نافع، قال: دخلت مسجد الكوفة، فأذن مؤذن بالعصر، وشيخ جالس، فلامه، وقال: إن أبي أخبرني أن رسول الله ﷺ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عنه؟ فقالوا: عبد الله بن رافع بن خديج، رواه البيهقي في سننه، وقال: قال الدارقطني فيما أخبرنا عنه أبو بكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف
стр. 3724
الإسناد، والصحيح عن رافع ضده، ولم يروه عن عبد الله بن رافع غير عبد الواحد بن نافع، وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات، وعن أهل الشام الموضوعات، لا يحل ذكره في الكتب إلاعلى سبيل القدح فيه. انتهى.
ورواه البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة عبد الله بن رافع: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الواحد بن نافع، وقال: لا يتابع عليه، يعني عن عبد الله بن رافع. وقال ابن القطان: عبد الواحد بن نافع مجهول الحال، مختلف في حديثه. كذا ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية.
وأما الثالث: فإنما يدل على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير.
وأما الحديث الرابع: فلا يدل أيضًا على استحباب التأخير.
قال المباركفوري ﵀: بل يدل على استحباب التعجيل، فإن الطحاوي رواه هكذا عن أنس مختصرًا، ورواه أصحاب الكتب الستة عنه بلفظ "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال، أو نحوه، فالعجب من العيني أنه كيف استدل بهذه الأحاديث التي الأول والثاني منها لا يصلحان للاستدلال، والثالث، لا يدل على استحباب التأخير،
стр. 3725
والرابع يدل على استحباب التعجيل.
قال العلامة المباركفوري: ولم أر حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على أفضلية تأخير العصر.
انتهى خلاصة ما كتبه المباركفوري جـ ١ ص ٤٩٥، ٤٩٦.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المباركفوري رحمه الله تعالى كلام نفيس جِدًّا. والحاصل أن أحاديث استحباب التعجيل صحاح، وأصرح فيَ المقصود، ولا ينبغي لطالب الحق أن يعارضها بهذه الأدلة التي لا يصح أكثرها للاستدلال به، أو ليس صريحًا في الدلالة.
فتبصر، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: فَيَأْتِيهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَالَ الآخَرُ: وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) المروزي راوية ابن المبارك، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
стр. 3726
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظلي المروزي، ثقة ثبت حجة جليل، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٦٣.
٣ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله المدني، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الحافظ الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (إِسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاري المدني أبو يحيى، ثقة حجة، توفي سنة ١٣٢، وقيل: بعدها، من [٤]، تقدم في ٥٤/ ٦٨.
٦ - (أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات نُبَلاء، اتفقوا عليهم إلا شيخه فانفرد له هو والترمذي.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، وعبد الله، فمروزيان.
ومنها: أنه يقدر قبل قوله. "عن أنس" لفظ "كلاهما" لأن مالكًا
стр. 3727
يروي هذا الحديث عن شيخين: الزهري، وإسحاق، وكلاهما يرويان عن أنس.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه؛ إسحاق عن أنس.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا، وأنه آخر من مات من الصحابة بالبصرة مات سنة ٩٢ أو ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب) وللبخاري "ثم يذهب الذاهب مِنَّا"، قال الحافظ ﵀: كأن أنسًا أراد بالذاهب نفسه، كما تشعر بذلك رواية الطحاوي من طريق أبي الأبيض عن أنس. قال "كان رسول الله ﷺ يصلي بنا العصر، والشمسُ بيضاء مُحَلِّقَةٌ، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول الله ﷺ قد صلى" اهـ. ويأتي للمصنف مختصرًا برقم (٥٠٨) (إِلى قباء) متعلق بيذهب، وهو بضم القاف، والباء الموحدة، والقصر، والمد، والصرف، وعدمه، والتذكير، والتأنيث، والأفصحُ فيه المدُّ، والصرفُ، والتذكيرُ. قاله في "طرح التثريب" جـ ٢ ص
стр. 3728
١٦٤، والمراد أهل قباء، وهم على حدّ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قاله فى "الفتح" جـ ٢ ص ٣٧.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لم يختلف على مالك أنه قال في هذا الحديث "إلى قباء"، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزهري بل كلهم يقولون: "إلى العوالي"، وهو الصواب عند أهل الحديث. قال: وقول مالك: "إلى قباء" وَهَمٌ، لا شك فيه.
قال الحافظ: وتعقب بأنه رُوِي عن ابن أبي ذئب، عن الزهري "إلى قباء"، كما قال مالك، نقله الباجي عن الدارقطني، فنسبة الوهم فيه إلى مالك مُنْتَقَد، فإنه إن كان وَهَمًا احتمل أن يكون منه، وأن يكون من الزهري حين حدث مالكًا. وقد رواه خالد بن مَخْلد عن مالك، فقال فيه "إلى العوالي" كما قال الجماعة، فقد اختلف فيه على مالك، وتوبع عن الزهري بخلاف ما جزم به ابن عبد البر. وأما قوله: الصواب عند أهل الحديث "العوالي"، فصحيح من حيث اللفظ، ومع ذلك فالمعنى متقارب، لكن رواية مالك أخص، لأن قباء من العوالى، وليست العوالي كل قباء، ولعل مالكًا لما رأى أن في رواية الزهري إجمالًا حملها على الرواية المفَسَّرَة، وهي روايته عن إسحاق، حيث قال فيها: "ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف"، وقد تقدم أنهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصة واحدة لأنهما جميعًا حدثاه عن أنس، والمعنى
стр. 3729
متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكًا وَهِمَ فيه. وأما استدلال ابن بطال على أن الوهم فيه ممن دون مالك بروَاية خالد بن مخلد المتقدمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزهري ففيه نظر، لأن مالكًا أثبته في الموطأ باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد بن مخلد عنه شاذة، فكيف تكون دالة على أن رواية الجماعة وهم؟ بل إن سلمنا أنها وهم فهو من مالك، كما جزم به البزار، والدارقطني، ومن تبعهما، أو من الزهري حين حدثه به، والأوْلَى طريق الجمع التي أوضحناها. انتهى كلام الحافظ "فتح" جـ ٢ ص ٣٦.
(فقال أحدهما) أي أحد شيخي مالك، الزهريِّ، وإسحاقَ (فيأتيهم). أي أهلَ قباء (وهم يصلون) جملة حالية من الضميرِ المفعولِ.
وهذا القائل هو إسحاق، كما بينته رواية البخاري عن عبد الله بن مسلمة، ورواية مسلم عن يحيى بن يحيى- كلاهما عن مالك، عنه، ولفظه "كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر".
ولا تنافي بين قوله في رواية المصنف: "إلى قباء"، ورواية الشيخين "إلى بني عمرو بن عوف" لأن قباء منازل بني عمرو بن عوف.
ثم إن رواية المصنف مرفوعة صريحًا، ورواية الشيخين ليست
стр. 3730
صريحة في الرفع، حيث قال "كنا نُصَلِّي العصر".
قال الجامع عفا الله عنه: وعمل الشيخين رحمهما الله تعالى في هذا يشعر أن قول الصحابي: "كنا نفعل كذا" مُسْنَد، ولو لم يُصَرِّحْ بإضافته إلى زمن النبي ﷺ ، وهو -كما قال الحافظ ﵀ اختيار الحاكم، وقال الدارقطني، والخطيب، وغيرهما هو موقوف. والحق أنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي ﷺ .
قال النووي ﵀: قال العلماء: كانت منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت، لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم، فدل هذا الحديث على تعجيل النبي ﷺ بصلاة العصر في أول وقتها. اهـ فتح جـ ٢ ص ٣٥.
(وقال الآخر) أي الشيخ الآخر لمالك (والشمس مرتفعة) مقول قال، أي قال "فيأتيهم، والشمس مرتفعة"، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المنصوب المفعول.
وهذا الآخر هو الزهري، كما بينته رواية البخاري عن عبد الله بن يوسف، وروايةُ مسلم عن يحيى بن يحيى- كلاهما عن مالك، عنه.
والمعنى أن ذلك الذاهب يأتي أهل قباء، ويَصِلُ إليهم في حال ارتفاع الشمس، دون ذلك الارتفاع الذي صلَّى فيه رسولُ الله ﷺ ،
стр. 3731
ولكنها لم تَصِلْ إلى الحد الذي توصف به بأنها منخفضة.
وفيه دليل على تعجيله ﷺ لصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بَعْدَ أن تمضي مسافة أربعة أميال. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
لم يخرجه إلا في هذا الباب بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم في "الصلاة"؛ فأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عنه.
وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عنه.
وعن القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عنه.
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك عن إسحاق، عنه.
стр. 3732
وعن يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في هذا الحديث استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا باستحباب تأخيرها، وذهب إليه طائفة من السلف، كما تقدم التفصيل فيه في الحديث السابق.
قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: وحاول الطحاوي تأويل هذا الحديث، وأنه لا يدل على التعجيل، لجواز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرت، فَرَوَى عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس أنه قال: "ما أحد أشَدُّ تعجيلًا لصلاة العصر من رسول الله ﷺ ، إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول ﷺ لأبو لبابة بن عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وأبو عُبيَس بن جَبْر أحد بني حارثة، ودار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عُبَيس في بني حارثة، ثم إن كانا ليصليان مع رسول الله ﷺ العصر، ثم يأتيان قومهما، وما صَلَّوْها، لتبكير رسول الله ﷺ بها".
ثم روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "كنا نُصَلِّي العصرَ، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر"، ثم روى حديث الزهري عن أنس هذا، ثم روى عن أبي الأبيض، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: "كان
стр. 3733
رسول الله ﷺ يصلي العصر، والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول الله ﷺ قد صلى"، ثم قال الطحاوي: فقد اختلف عن أنس في هذا الحديث، فكان ما رَوَى عاصم بن عمر بن قتادة، وإسحاق بن عبد الله، وأبو الأبيض عنه يدل على العجيل بها، لأن في حديثهم أنه ﵊ كان يصليها ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا، فيجدهم لم يصلوا العصر، ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فهذا دليل التعجيل.
وأما رواية الزهري عن أنس، فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرت، فقد اضطرب حديث أنس، لأن معنى ما رَوَى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق، وعاصم، وأبو الأبيض عنه. هذا كلام الطحاوي.
وفيه نظر من أوجه:
أحدها: أن هذا الاحتمال الذي ذكره من كونه يأتيهم، والشمس مرتفعة، قد اصفرت يَرُدُّهُ قوله في رواية أبي داود عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن أنس "والشمس مرتفعة حية" (١). كذا رواه
البيهقي في سننه من طريق أبن داسة، عن أبي داود، وقال في المعرفة:
стр. 3734
وفي رواية الليث "فيأتيهم، والشمس مرتفعة حية". انتهى. وحياتها بقاء حرها ولونها، وهذا ينافي أن تكون قد اصفرت.
ثانيها: لو لم ترد هذه اللفظة "وهي حية"، وكان ارتفاعها لا ينافي صفرتها على ما قرره الطحاوي، فذلك لا يحصل مقصوده، لأن المصلي مع النبي ﷺ بالمدينة إذا وصل إلى قباء التي هي على ثلاثة أميال، والشمس مرتفعة، فذلك دليل التعجيل، ولو كانت الشمس مصفرة، ولا سيما الرواية فيها العوالي وقتها أنها على أربعة أميال (١)، وفي رواية ستة أميال، ولو لم يعجل بالعصر أول وقتها لما وصل إلى هذه المسافة إلا بعد الغروب.
ثالثها: كيف يجعل حديث أنس مضطربًا مع أن الروايات عنه لم يتحقق اختلافها، وغاية ما ذكره أن رواية الزهري عن أنس تحتمل مخالفة روايةَ الباقين، وقد صرح هو بذلك في قوله: فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة قد اصفرت، ومع احتمال المخالفة والموافقة لا يكون اضطرابًا، بل الواجب حمل الرواية المحتملة على الروايات المصرّحة، وجَعْلُها على نَسَق واحد، لا اختلاف بينها، ولا تَضَادَّ، وكيف نجيء إلى الرواية التي هي صريحة في المقصود، لا تحتمل التأويل، فنردها بورود رواية أخرى تحتمل أن تخالفها احتمالًا مرجوحًا، بل لو كان احتمال المخالفة راجحًا لكان الواجب الحمل على
стр. 3735
المرجوح ليوافق بقية الروايات، فكيف واحتمال المخالفة هو المرجوح، أو الاحتمالان مستويان إن تنزلنا، والواقف على كلام الطحاوي في هذا الموضع يفهم منه التعصب ببادىء الرأي، لأنه ذكر أولًا أن رواية الزهري عن أنس محتملة لأن تكون الشمس قد اصفرت، ثم إنه نَزَّلَ هذا الاحتمال منزلة المجزوم به، وقال: فقد اضطرب حديث أنس، ثم جزم بأن معنى ما روي عن الزهري بخلاف ما رواه غيره، مع قوله أولًا: إنه يحتمل المخالفة فقط.
ثم ذكر الطحاوي حديث أبي الأبيض عن أنس، قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة العصر، والشمس بيضاء مُحَلِّقَةٌ"، وقال: ذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم ذكر أنه رُوِي عن النبي ﷺ "أنه كان يصليها، والشمس مرتفعة بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة"، فذكر أنه دليل على التأخير أيضًا، وهذا من أعجب العجب. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ العراقي في "طرحه" جـ ٢ ص ١٦٥ - ١٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ولي الدين ﵀ كلام نفيس جدًّا في الرد على من يتعصب لمذهب الحنفية في قولهم باستحباب تأَخير العصر، مثل الطحاوي، ومن تبعه كالعيني،
وصاحب العرف الشذي. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
الواجب على المسلم العاقل أن يكون ناصرًا للحق، ومتبعًا للدليل،
стр. 3736
يدور حيثما دار، ولا يلتفت إلى من خالفه، أيًا قدره ومنزلته من العلم، ولا يمنعه من ذلك تقليده لإمام من الأئمة المجتهدين، فإنهم يصيبون ويخطئون، ولكنهم مأجورون على خطئهم أجرًا واحدًا، كما أنهم يؤجرون على صوابهم أجرين، فإنهم ما خالفوا النص، إلا لعدم وصوله إليهم، أو بلغهم إلا أنه عن طريق لا يرتضونها، أو تأولوه على حسب ما ظهر لهم، فأخطئوا في تأويله، إلى غير ذلك من الأعذار التي تُبْرىء ساحتهم أن ينزل فيها لَوْم وتوبيخ. وأما هؤلاء الذين يقلدونهم في أخطائهم فليس لهم عذر، إلا أنهم يقولون: إن إمامهم أعلم من غيره، فلا ينبغي مخالفته، يا للعجب! هل إمامهم أعلم من الصحابة والتابعين، المخالفين له في تلك المسألة، القائلين بما وافق النص الصريح الصحيح؟! إن هذا لشيء عُجَاب!
عجيبة: مما اتفق لي أن مؤذنًا أذن للمغرب، فدخل رجل حنفي المسجد بعد الأذان، فجلس قبل أن يركع ركعتين، فقلت له: يا أخي لا تجلس، فإنك دخلت المسجد، فتوجه إليك شيئان: نهيه ﷺ لمن دخل المسجد أن يجلس حتى يركع ركعتين، وقوله ﷺ : "صلوا قبل المغرب … " الحديث، فرد علي بأن الصلاة قبل المغرب مكروهة في مذهبنا، فقلت له: إني كنت حنفيًّا مثلك، وقرأت من كتب الحنفية أصولًا وفروعًا كتبًا كثيرة، وفي ظني أنك ما قرأتها كلها، ولكني لما رأيت الأحاديث الصحاح مخالفة لبعض مسائلها -كمسألتنا هذه-
стр. 3737
تركت ما كنت أقلد؛ لوضوح الحق لي والحمد لله، فتناقشنا كثيرًا، فلما أكثرت عليه قال لي: هل أنت أعلم من الإمام أبي حنيفة؟ فقلت له: هَبْ أني لست أعلم، ولكن هل تعتقد أنت أن الإمام أبا حنيفة أعلم من رسول الله ﷺ حيث يقول: "صلوا قبل المغرب"، ويقول هو بكراهة الصلاة قبل المغرب، مع أني أحترم الإمام أبا حنيفة ﵀، وأعتذر عنه في مخالفته لهذا الحديث بأنه ما بلغه، أو بلغه، إلا أنه عن طريق لا يرضاها. فانقطعت حجة الرجل، ولكنه ما تراجع عما هو عليه، لمجرد تعصب، نسأل الله تعالى أن يُرِيَنَا الحق حَقًّا، ويرزقنا اتباعه، ويُرِيَنَا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه، إنه بعباده رؤوف رحيم.
ثم إني لا أقصد بهذا التَّنقُّصَ بمذاهب الأئمة، حاشا ثم حاشا، وكيف وهم الذين خدموا الكتاب والسنة، وقاموا في ذلك حق القيام، فأقوالهم شارحة للكتاب والسنة، فمما يجب على طالب العلم أن يستعين في فهم الكتاب والسنة بأقوال أهل العلم، من الفقهاء، والأصوليين، والنحويين، واللغويين، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
ولكني أنصح المسلم، وأحذّره أن يقلد آراءهم التي تخالف النصوص الصريحة الصحيحة، بدعوى أنهم أعلم منه، وأدرى بتلك النصوص، وكيف يَدَّعي ذلك، وقد خالفهم في تلك المسائل من هو
أعلم منهم، أو مثلهم.
وبالجملة فالواجب على المسلم أن يجعل النصوص الصحيحة
стр. 3738
أساسًا يبني عليه دينه، ويستعين على فهمها بأقوال العلماء المحققين، ويجعل النصوص أيضًا ميزانًا يزن به آراءهم، فما وافق قَبِلَه، وما خالف رده، ولا يلتفت إلى قائله، فإن الحق أحق أن يُتَّبَعَ. نسَأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، إنه سميع قريب مجيب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، وَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد الْبَغْلَاني، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٠، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصري، ثقة ثبت فقيه، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم المدني، الإمام الحجة الحافظ الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
стр. 3739
٤ - (أنس بن مالك) ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه التاسع عشر من رباعيات المصنف ﵀ في هذا الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وقد تقدم غير مرة.
ومنها: أن رجاله ثقات أجلاء، اتفق الأئمة على التخريج لهم.
ومنها: أنهم ما بين بغلاني؛ وهو قتيبة، ومصري، وهو الليث، ومدنِيَّينِ؛ وهما الزهري، وأنس.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، كما مر قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁ (أنه) أي أنسًا (أخبره) أي ابن شهاب (أن رسول الله ﷺ ) في تأويل المصدر مفعول ثان لأخبر (كان يصلي العصر، والشمس مرتفعة، حية) قال الخطابي وغيره: حياتها وجودُ حَرِّهَا، وصَفَاءُ لونها قبل أن يَصْفَرَّ، ويتغير (ويذهب الذاهب) أي بعد الصلاة، بدليل الروايات الأخرى؛ كحديث أنس المتقدم في رواية الطحاوي "كان رسول الله ﷺ يصلي بنا العصر، والشمس بيضاء نقية، ثم أرجع إلى قومي … " الحديث.
(إِلى العوالي، والشمس مرتفعة) جملة حالية من محذوف، أي
стр. 3740
فيأتيهم، والحال أن الشمس مرتفعة، وقد بَيَّنَت المحذوفَ روايةُ البخاري "فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم، والشمس مرتفعة". ورواية مسلم "فيأتي العوالي، والشمس مرتفعة". والارتفاع هنا دون الارتفاع في قوله: "كان يصلي العصر، والشمس مرتفعة"، ولكن لا تصل إلى أن توصف بالانخفاض، كما أفاده في "الفتح".
تنبيه:
وقع عند البخاري ﵀ في رواية شعيب بن أبي حمزة لهذا الحديث عن الزهري في آخره زيادةُ "وبعضُ العوالي من المدينة على أربعة أميال، أو نحوه". قال في "الفتح": كذا وقع هنا أي بين بعض العوالي والمدينة المسافةُ المذكورة.
وَروَى البيهقيُّ حديثَ الباب من طريق أبي بكر الصغاني، عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وقال في آخره: "وبُعْدُ العوالي"، بضم الموحدة، وبالدال المهملة، وكذلك أخرجه البخاري في الاعتصام
تعليقًا، ووصله البيهقي من طريق الليث، عن يونس، عن الزهري، لكن قال: "أربعة أميال، أو ثلاثة".
وَروَى هذا الحديث أبو عوانة في "صحيحه"، وأبو العباس السَّرَّاج جميعًا عن أحمد بن الفرج أبي عتبة، عن محمد بن حمير، عن إبراهيم ابن أبي عَبْلَة، عن الزهري، ولفظه "والعوالي من المدينة على ثلاثة أميال"، أخرجه الدارقطني عن المحاملي، عن أبي عتبة المذكور بسنده،
стр. 3741
فوقع عنده "على ستة أميال"، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، فقال فيه: "على ميلين، أو ثلاثة".
فتحصل من ذلك أن أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين، وأبعدها مسافة ستة أميال، إن كانت رواية المحاملي محفوظة.
ووقع في المدونة عن مالك "أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال"، قال عياض: كأنه أراد معظم عمارتها، وإلا فأبعدها ثمانية أميال. انتهى. وبذلك جزم ابن عبد البر، وغير واحد، آخرهم صاحب النهاية.
ويحتمل أن يكون أراد أنه أبعد الأمكنة التي كان يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة.
والعوالي: عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها، فيقال لها السافلة. اهـ ما في الفتح جـ ٢ ص ٣٦.
وقال ابن منظور ﵀: والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، والنسبة إليها عَالِيّ على القياس، وعُلْوِيٌّ نادر على غير قياس. اهـ "لسان" جـ ٤ ص ٣٠٩٠. والله أعلم.
تنبيه آخر:
ثم إن هذه الزيادة في هذا الحديث مدرج من كلام الزهري في
стр. 3742
حديث أنس، بينه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في هذا الحديث، فقال فيه -بعد قوله: "والشمس حية"- قال الزهري: والعوالي من المدينة على ميلين، أو ثلاثة. قاله في "الفتح".
والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٠٧)، وفي "الكبرى" (١٤٩٥)، بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عنه.
وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث، عن ابن شهاب به. وعن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن الزهري به.
وأخرجه أبو داود في "الصلاة" بسند المصنف.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح، عن الليث بن سعد به.
стр. 3743
وأخرجه عبد الرزاق، وأبو عوانة، والطحاوي، والبيهقي.
والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي الأَبْيَضِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُحَلِّقَةٌ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إسحاق بن إِبراهيم) الحَنْظَلِيُّ المعروف بابن راهويه المروزي نزيل نيسابور، ثقة حجة فقيه، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميدْ بن قُرْطٍ الضَّبِيُّ الكوفي نزيل الرَّيِّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره. يَهِمُ من حفظه، توفي سنة ١٨٨، من [٨]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السّلمي أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت، كان لا يُدَلِّسُ، توفي سنة ١٣٢، وكان من طبقة الأعمش، تقدم في ٢/ ٢.
٤ - (ربعي بن حراش) ربعي -بكسر الراء، وسكون الموحدة، وحراش- بكسر المهملة، وآخره معجمة، أبو مريم العَبْسي الكوفي، ثقة
стр. 3744
عابد مخضرم من [٢].
وفي "تت": ربعي بن حراش بن جحش بن عمرو بن عبد الله بن بجاد. قَدِم الشامَ، وسمع عمر بالجابية، وَرَوَى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وَأبي موسى، وعمران بن حُصَين، وغيرهم. وعنه عبد الملك ابن عمير، ومنصور بن المعتمر، وعمرو بن هَرِم.
قال ابن المديني: بنو حراش ثلاثة: ربعي، وربيع، ومسعود، ولم يُرْوَ عن مسعود شيء سوى كلامه بعد الموت. وقال العجلي: تابعي ثقة من خيار الناس، لم يكذب كَذْبَةً قط. وقال ابن سعد: توفي بعد الجماجم في ولاية الحجاج بن يوسف، وليس له عقب، وكان ثقة، وله أحاديث صالحة.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من عباد أهل الكوفة.
وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع ربعي من عمر؟ فقال: نعم.
وقال اللالكائي: مُجْمَع على ثقته. وقال الدوري: سئل ابن معين سمع ربعي من أبي اليسر؟ فقال: لا أدري. وقال حجاج: قلت لشعبة: أدرك ربعي عليًّا؟ قال: نعم. وقال ابن عساكر في الأطراف: لم يسمع من أبي ذر. قال الحافظ: وإذا ثبت سماعه من عمر، فلا يمتنع سماعه من أبي ذَرّ. وقال أبو نعيم، وغير واحد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو عبيد: مات سنة ١٠٠ وقال ابن نمير: سنة ١٠١، وقال ابن
стр. 3745
معين وغيره: سنة ٠١٠٤ انتهى "تت " جـ ٣ ص ٢٣٦، ٢٣٧. روى له الجماعة.
٥ - (أبو الأبيض) العنسي الشامي، ويقال المدني ثقة من [٢].
روى عن حذيفة بن اليمان، وأنس. وعنه ربعي بن حراش، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، ويمان بن المغيرة. قال العجلي: شامي تابعي ثقة.
وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن اسم أبي الأبيض الذي روى عن أنس، فقال: لا يعرف اسمه، وذكره في الأسماء، فقال: عيسى أبو الأبيض، عن أنس. قال ابن عساكر: وهذا وَهَم، ويحتمل أنه وجد في بعض الروايات، أبو الأبيض عنسي، فتصحف عليه. وقال ضمرة ابن ربيعة عن علي بن أبي جَميلة: لم يكن بالشام أحد يستطيع أن يَعِيب الحجاج علانية إلا بجير بن أبيَ بجير، وأبو الأبيض العنسي، وكذا رواه أيوب بن سعيد عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْبَاني، ويُرْوَى أنه خرج مع العباس بن الوليد في الصائفة، فقال: إني رأيت في المنام كأني أتِيتُ بتمر، وزبد، فأكلته، ثم دخلت الجنة، فقال العباس: يعجل لك التمر والزبد، والله لك الجنة، فدعا بتمر، وزبد، فأكل، ثم لقي العدو، فقاتل حتى قُتِلَ. وقال الوليد بن مسلم: قتل أبو الأبيض العنسي بالطوانة. قال يحيى بن بكير عن الليث: كانت غزوة الطوانة سنة ٨٨، انتهى "تت" جـ ١٢ ص ٣. انفرد به المصنف.
٦ - (أنس بن مالك) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
стр. 3746
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات اتفقوا عليهم، إلا أبا الأبيض، فانفرد هو به.
ومنها: أن فيه أنسًا أحدَ المكثرين السبعة، وآخرَ من مات من الصحابة بالبصرة.
ومنها. أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديثَ، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا العصر، والشمس بيضاء مُحَلِّقَة) بصيغة اسم الفاعل: أي مرتفعة، والتحليق: الارتفاع، ومنه: حَلَّق الطائر في كبد السماء: أي صعد، وحكى الأزهري عن شَمِرٍ: قال: تحليق الشمس من أول النهار: ارتفاعها من المشرق، ومن آخر النهار: انحدارها، وقال: لا أدري التحليق إلا الارتفاع في الهواء، يقال: حَلَّقَ النَّجْمُ: إذا ارتفع، وتحليق الطائر: ارتفاعه في طيرانه، ومنه حلق الطائر في كبد السماء. إذا ارتفع واستدار، قال ابن الزُّبَيرِ الأسدي في النجم:
رُبَّ مَنْهَلٍ طَاوٍ وَرَدتُ وَقَدْ خَوَى … نجْمٌ وَحَلَّقَ فِي السَّمَاء نُجُومُ
стр. 3747
خَوَى: غَابَ. وقال ذُو الرمة في الطائر (من الطويل):
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا والثُّرَيَّا كَأنَّهَا … عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ
أفاده في "اللسان".
والمراد به أن الشمس مرتفعة، وفيه دليل على أنه ﷺ كان يصلي العصر في أول وقتها.
تنبيه:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه إلا في هذا الباب. والمسائل المتعلقة به تقدمت في الأحاديث السابقة، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. فارجع إليها تستفد. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٩ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ، يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، قُلْتُ: يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرَ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي كُنَّا
стр. 3748
نُصَلِّي.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (سُوَيد بن نَصْر) المروزي أبو الفضل، رَاوِيَةُ ابنِ المبارك، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحَنْظَلِيُّ المروزي، الإمام الحجة الثبت، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حُنيف) الأنصاري الأوسي المدني، مقبول، من [٦]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، رَوىَ عن عمه أبي أمامة بن سهل بن حنيف. وعنه الثوري، ومالك، وابن المبارك، وأبو ضمرة، ذكره ابن حبان في الثقات.
٤ - (أبو أمامة في سهل) بن حنيف، اسمه أسعد، وقيل: سعد، وقيل: قتيبة، ولد في حياة النبي ﷺ ، وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زُرَارَة، وكُنِيَ بكنيته.
رَوىَ عن النبي ﷺ مرسلًا، وعن عمر، وعثمان، وعمه عثمان، وأبيه سهل، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه ابناه سهل، ومحمد، وابنا عمه عثمان، وحكيم، وغيرهم.
قال أبو مشعر المدني: رأيته شيخًا كبيرًا يخضب بالصفرة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وقال سعيد بن السكن: وُلِدَ على عهد
стр. 3749
النبي ﷺ ، ولم يسمع منه شيئًا، وكذا قال البغوي، وابن حبان، وقال يونس عن ابن شهاب: أخبرني أبو أمامة بن سهل، وكان من أكابر الأنصار، وعلمائهم، وقال غيره: وُلِدَ قبل وفاة النبي ﷺ بعامين، وقال الطبراني: له رؤية.
وقال أبو زرعة: لم يسمع من عمر. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، قيل له: هو ثقة؟ فقال: لا يسأل عن مثله، هو أجل من ذاك. وقال أبو منصور الباوَرْدي (١): مختلف في صحبته، إلا أنه ولد في عهده، وهو ممن يُعَدُّ في الصحابة الذين رَوَى عنهم الزهري. وقال السلمي: سئل الدارقطني: هل أدرك النبي ﷺ ؟ قال: نعم، وأخرج حديثه في المسند.
وقال البخاري: أدرك النبي ﷺ ، ولم يسمع منه. وقال أحمد بن صالح: حدثنا عنبسة، ثنا يونس، عن الزهري: حدثني أبو أمامة، وكان قد أدرك النبي ﷺ ، وسماه، وَحنَّكَه، هذا إسناد صحيح. ونقل ابن منده عن أبي داود أنه قال: صحب النبي ﷺ وبايعه. قال ابن منده: وقول البخاري أصح. وقال خليفة، وغيره: مات سنة ١٠٠، واسم أمه حبيبة بنت أسعد. أخرج له الجماعة.
стр. 3750
٥ - (أنس بن مالك) الصحابي ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم موثقون، اتفقوا عليهم؛ إلا شيخه فانفرد به هو والترمذي، وأبا بكر، فمن أفراده والشيخين وأنهم مدنيون إلا شيخه وابن المبارك فمروزيان.
ومنها: أن فيه الإخبار، والإنباء، والسماع، والعنعنة من صيغ الأداء.
ومنها: أن أبا بكر، وأبا أمامة، هذا الباب أول محل ذكرهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف) بضم الحاء مصغرًا، وأبو بكر لا يعرف اسمه، أنه (قال: سمعت أبا أمامة بن سهل) هو عمه (يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز) الخليفة الراشد الأموي، المتوفى سنة ١٠١، تقدمت ترجمته في ١٢٢/ ١٧١ رحمه الله تعالى (الظهر، ثم خرجنا) أي من المسجد (حتى دخلنا على أنس ابن مالك) ﵁ (فوجدناه يصلي العصر) قال أبو بكر (قلت: يا عم) قاله على سبيل التوقير، ولكونه أكبر منه