← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

رجال الإسناد: أربعه ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام، ثقة حجة فقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (نافع) مولى ابن عمر الفقيه المدني، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي ﵄ تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: اْنه من رباعياته، وهو (٢١) من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، اتفقوا عليهم. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، فبَغْلاني. ومنها: أن هذا السند أصح الأسانيد مطلقًا عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى. ومنها: أن فيه ابن عمر أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة.

стр. 3782

تنبيه: هذا الحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا، كما أشار إليه في النسخة الهندية، وفي "الكبرى" في "الصلاة" (٣٦٤)، وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به. وشرحه مضى في الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادته، فارجع إليه إن شئت تزدد علمًا. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3783

١٠ - آخِرُ وقْتِ الْعَصْرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على آخر وقت صلاة العصر. والظاهر أنه أراد آخر الوقت المستحب، بدليل أن في الحديث صلى العصر في اليوم الثاني حين كان الظل مثليه، وأما وقت الاضطرار فيمتد إلى غروب الشمس، ولذا أتبعه بحديث "من أدرك ركعة من صلاة العصر … " الحديث. إشارة إلى أن هذا الباب موضوع لبيان آخر الوقت المستحب، والباب التالي لبيان آخر وقت الاضطرار، والله أعلم. ٥١٣ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ -يَعْنِي ابْنَ شِهَابٍ- عَنْ بُرْدٍ، عَنْ عَطَاءِ، بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يُعَلِّمُهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَتَاهُ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ

стр. 3784

الشَّمْسُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفَهُ، وَالنَّاسُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْيَوْمَ الثَّانِيَ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصِهِ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعَ بِالأَمْسِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَ شَخْصَيْهِ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالأَمْسِ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالأَمْسِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، فَنِمْنَا، ثُمَّ قُمْنَا، ثُمَّ نِمْنَا، فَأَتَاهُ، فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالأَمْسِ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَاهُ حِينَ امْتَدَّ الْفَجْرُ، وَأَصْبَحَ، وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ بِالأَمْسِ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ وَقْتٌ.

стр. 3785

رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (يوسف بن واضح) الهاشمي، أبو يعقوب البصري المكتب، ثقة، من [١٠]. رَوىَ عن معتمر بن سليمان، وقُدَامَةَ بن شِهَاب، وعمر بن على بن مُقَدَّم، وغيرهم. وعنه النسائي، وروى أيضًا عن زكرياء السِّجْزِيّ عنه، وأبو حاتم، وابن ياسين، وغيرهم. قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال النسائي: ثقة، وقال مَسْلَمَةُ: لا بأس به. وقال ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٥٠، وقال البخاري: مات سنة ٢٥١. اهـ "تت". انفرد به المصنف. ٢ - (قُدَامة بن شِهَاب) -بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة- المازني البصري، صدوق، من [٨]. قال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: محله عندي محل الصدق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف اهـ. انفرد به المصنف، له عنده حديث جابر ﵁ هذا فقط. كما في "تت". ٣ - (بُرْد) بن سِنَان، أبو العَلاء الدمشقي، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوق، رمي بالقدر، من [٥]. ذكره النسائي في الطبقة السادسة من أصحاب نافع، وقال عبد الله ابن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال

стр. 3786

دُحَيم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بحديثه بأس، وكان شاميًا. وقال ابن الجنيد عنه: نحو ذلك، وقال أيضًا: هَرَبَ من الشام من أجل قتل الوليد بن يزيد، فلأجل ذلك سمع منه أهل البصرة. وقال يزيد بن زريع: ما رأيت شاميًا أوثق من برد. وقال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم: أيُّ أصحاب مكحول أعلى؟ فقال وذكر جماعة، ثم قال. ولكن برد بن سنان من كبارهم. وقال النسائي مرة: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أيضًا: كان صدوقًا في الحديث. وقال أبو حاتم: كان صدوقا قَدَرِيًا. وقال الدارمي عن علي بن المديني: برد بن سنان ضعيف. وقال أبو داود: كان يَرَى القدر. وقال أبو حاتم أيضا: ليس بالمتين، وقال مرة: كان صدوقا في الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال عمرو بن علي: مات سنة ١٣٥، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والأربعة. ٤ - (عطاء بن أبي رباح) أسلم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من [٣]، تقدم في ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف.

стр. 3787

ومنها: أن رجاله موثقون، وأنهم ما بين بَصْرِيَّين؛ وهما يوسف وقدامة، ودمشقي، وهو بُرد، ومكي، وهو عطاء، ومدني، وهو جابر. ومنها: أن شيخه وشيخ شيخه من أفراده، وهذا الباب أول محل ذكرهما، وأن قدامة ليس له عنده إلا هذا الحديث الواحد. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ برد عن عطاء. ومنها: أن جَابِرًا أحد المكثرين السبعة؛ روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمِيّ ﵁ (أن جبريل) ﵇، تقدم الكلام على لغاته في شرح حديث (٤٩٤) (أتى النبي ﷺ ، يعلمه مواقيت الصلاة) جملة حالية في محل نصب من فاعل أتى (فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه) جملة في محل نصب على الحال من "جبريل". ظاهر هذا الحديث يدل على أن الصحابة ما كانوا يرون جبريل ﵇ في ذلك الوقت، ولذا تقدم النبي ﷺ أمامهم ليقتدوا بفعله حيث لا يعلمون بانتقالات جبريل، وكيفية صلاته، ويحتمل أن يروه، وإنما تقدم ﷺ لتبليغ التكبير، ويحتمل أن يكون بيانًا لجواز اقتداء المصلي بمن يقتدي بغيره، كما سيأتي في محله، إن شاء الله تعالى. والاحتمال

стр. 3788

الأول هو الأظهر. والله أعلم. (والناس خلف رسول الله ﷺ ) جملة في محل نصب على الحال من رسول الله، والرابط فيها الواو، كما أن الأولى رُبطت بها، وبالضمير أيضًا، كما قال في الخلاصة: وَجُمْلةُ الْحَالِ سوَى مَا قُدِّمَا … بِواوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أوْ بِهمَا قال العلامة السندي ﵀: وكانت إمامة جبريل بأمر الله تعالى، فاقتداء النبي ﷺ به، والناس اقتداء مفترض بمفترض، فلا يستقيم استدلالُ مَنِ استدل بالحديث على جواز اقتداء الفترض بالمتنفل اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: لكن المسألة وإن كان هذا الحديث ليس نصًا فيها فلها أدلة أخرى، كحديث إمامة معاذ ﵁ لقومه بعد صلاته مع النبي ﷺ ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. (فصلى الظهر حين زالت الشمس) عن وسط السماء، وفي حديث ابن عباس ﵄ في إمامة جبريل "فصلى الظهر في المرة الأولى، حين كان الفيء مثل الشِّراك"، والشراك بكسر الشين: أحد سُيُور النعل التي تكون على وجهها، وليس الشراك هنا للتحديد، والاشتراط، بل لأن الزوال لا يبين بأقل منه. والمراد بالزوال ما يظهر لنا، لا الزوال في نفس الأمر، فإن ذلك يتقدم على ما يظهر، ولكن لا اعتبار بذلك، وإنما يتعلق التكليف، ويدخل الوقت بالزوال الذي يظهر لنا، فلو شَرَعَ في تكبيرة الإحرام

стр. 3789

بالظهر قبل ظهور الزوال، ثم ظهر عقيبها، أو في أثنائها لم تصح الظهر، وإن كانت التكبيرة حاصلة بعد الزوال في نفس الأمر، لكن قبل ظهوره لنا، ذكره إمام الحرمين. وغيره، قالوا. وأما قبل ظهور الظل فهو معدود من وقت الاستواء، قال: وكذا الصبح، ولو اجتهد فيها، وطلع الفجر بحيث عَلِمَ وقوعها لعد طلوعه، لكن في وقت لا يتصور أن يَبِينَ الفجرُ للناظر لم تصح الصبح. والله أعلم. قاله في"المجموع" جـ ٣ ص ٢٠، ٢١. (وأتاه حين كان الظل مثل شخصه) -بفتح فسكون- هو سواد الإنسان، تراه من بُعْد، ثم استُعِملَ في ذاته، قال الخطابي ﵀: ولا يُسَمَّى شخْصًا، إلا جسم مؤلف، له شخوص وارتفاع. قاله في المصباح. والمعنى: حين كان ظل الشيء مثل ذاته. (فصنع) جبريل (كما صنع) في الظهر، ثم بَيَّنَ صنعه بقوله (فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى) صلاة (العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس) أي غربت (فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق) والمراد به الأحمر، كما تقدم (فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر) أي طلع (فتقدم جبريل،

стр. 3790

ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ ، فصلى الغَدَاة) أي صلاة الصبح (ثم أتاه اليوم الثاني، حين كان ظل الرجل مثل شخصه) أي مثل طوله، وارتفاعه (فصلى الظهر) لليوم الثاني. والمراد أنه أتاه في وقت قريب من كون ظل الرجل مثله، بحيث يكون فراغه من صلاة الظهر وقت كون ظل الرجل مثله، لا أنه أتاه عند نهاية الظل، ثم صلى الظهر بعده، يخلاف ما تقدم في العصر في اليوم الأول، فإن المراد أنه أتاه عند نهاية الظل، فصلى العصر بعده، فلا مُتَمَسَّكَ لمن قال باشتراك وقت الظهر والعصر بظاهر هذا الحديث، كما تقدم تحقيق المسألة في شرح حديث أبي هريرة ﵁ في إمامة جبريل ﵇ برقم (٥٠٢) فتنبه والله أعلم. (ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصيه فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر) لليوم الثاني (ثم أتاه حين وجبت) أي غربت (الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب) فيه أنه صلى المغرب في اليومين لوقت واحد، وهو غروب الشمس، وتمسك يه من قال. إنه ليس للمغرب إلا وقت واحد، وبه قال مالك والأوزاعي، والشافعي في الجديد، قالوا: لها وقت واحد، مُقَدَّر بمقدار فعلها مع تحصيل شروطها، وقال الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق: آخرُ وقت المغرب مَغيب الشفق، وهذا أصح المذهبين، وسيأتي تحقيق المسألة بدلائلها في "باب آخر وقت المغرب" (١٥/ ٥٢٢)

стр. 3791

إن شاء الله تعالى. (فنمنا) بكسر النون، لأن أصله نَوِمْنَا، كَفَرِحْناَ، فَنُقلَتْ كسرةِ عين الكلمة إلى الفاء، ثم حذفت العين لالتقاء الساكنين، فَصار نِمْناَ، قال ابن مالك ﵀ في "لامِيَّةِ الأفعال": (من البسيط). وانْقُلْ لِفَاءِ الثُّلَاثِي شَكْلَ عَيْنٍ إِذَا اعْـ … ـتَلَّتْ وَكانَ بِتَا الإِضْمَارِ مُتَّصِلَا أَوْ نُونِهِ وَإِذَا فَتْحًا يَكون فَمِنْ … ـهُ اعْتَضْ مُجَانِسَ تِلْكَ الْعَيْنِ مُنْتَقِلَا وإنما نبهت عليه -وإن كان واضحًا- لفُشُوِّ اللحن في الكلمة حتى من طلبة العلم فضلًا عن العوام، فيقولون: نُمْنَا بضم النون. قال السندي رحمه الله تعالى: ظاهره أن جابرًا قد حضر هذه الصلاة، لكن المشهور أن هذه الصلاة كانت بمكة قبل الهجرة، فإمّا أن يُقَال: إن هذا الكلام كَلامُ مَن سَمِعَ جَابِرٌ الحديثَ عنه، ثم ذَكَرَهُ جابر على وجه الحكاية، أو نقول بتعدد الواقعة، كما ذكرتُ في حديث أبي هريرة ﵁، وعلى الثاني فقول جابر: "يُعَلِّمُهُ مواقيت الصلاة" يُحْمَلُ على زيادة الإتقان والحفظ، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الأظهر، لأن قوله: "نِمْنَا" ظاهر في أنه حضر الواقعة. والله أعلم. (فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا، ثم قمنا) الظاهر أنه أراد الحاضرين في المسجد لا نتظار صلاة العشاء، يعني أنهم لطول انتظارهم لها ناموا

стр. 3792

في المسجد، ثم استيقظوا، ثم ناموا، ثم استيقظوا، وهذا يدل على تأخره في اليوم الثاني، وثبت تقديره في رواية جابر ﵁ الآتية من رواية وهب بن كيسان (١٧/ ٥٣٦) حيث قال: "ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل" (فصنع كما صنع بمالة مس، فيصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر) أي طال (وأصبح) أي دخل في الصباح، وهو مؤكد لمعنى "امتد الفجر" (والنجوم بادية) جملة حالية في محل نصب من فاعل أتى، أي والحال أن النجوم ظاهرة (مشتبكة) أي كثيرة منضمة، والمراد أن الفجر في أوائل إسفاره. وهذا موافق لحديث أبي هريرة السابق (٥٠٢) "ثم جاءه الغد، فصلى به الصبح حين أسفر قليلًا". قال السندي: ولعله ما انتظر الإسفار التام لتطويل القراءة، فصلى بحيث وقع الفراغ عند الإسفار، فضبط آخر الوقت بالفراغ من الثانية، كما ضبط أوله بالشروع في الأولى. والله أعلم. اهـ. فإن قلت: هذا يعارض ما يأتي في رواية جابر الآتية (٥٢٦) من قوله: "ثم جاءه للصبح حين أسفر جدًّا". أجيب: بأن وصف الإسفار بالمبالغة هناك بالنسبة لليوم الأول، فإن جبريل جاءه في اليوم الأول حين طلع الفجر، وجاءه في اليوم الثاني متأخرًا حين انتشر الضوء، ولكنه لم يبلغ انتشاره إلى أن يطمس ظهور النجوم.

стр. 3793

والحاصل أن صلاته في اليوم الثاني وقع في الإسفار، الذي معه اشتباك النجوم، وهو أوائل الإسفار، ولكنه بالنسبة لليوم الأول متأخر حيث إن الضوء انتشر، ولذا وصفه بمبالغة الإسفار. حيث قال: "حين أسفر جدًا". والله أعلم. (فصنع، كما صنع بالأمس، فصلى الغداة، ثم قال: ما) اسم موصول بمعنى الذي مبتدأ، وقوله (بين هاتين) منصوب على الظرفية، متعلق بفعل محذوف صلةٍ لـ "ما"، أي الوقت الذي استقر بين هاتين، و"هاتين" اسم إشارة لمثنى المؤنث المجرور، وقوله (الصلاتين) نعت لاسم الإشارة، أو بدل، أو عطف بيان، كما قال بعضهم: مُعَرَّفٌ بَعْدَ إشَارَةٍ بِألْ … يُعْرَبُ نَعْتًا أوْ بَيَانًا أوْ بَدَلْ والمراد جنس الصلاة، أي الصلوات الواقعة في اليومين، وقوله (وقت) خبر المبتدإ يعنى أن الوقت الذي ثبت بين هاتين الصلاتين: وقت لأداء ما فرض الله تعالى من الصلوات الخمس. فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتًا لها. قيل: لما صَلَّى في أول الوقت وآخره وجد البيان بالفعل، وبقي الاحتياج إلى بيان ما بين الأول والآخر، فَبَيَّنَ بالقول، فجمع بين التعليم الفعلي والقولي، وقد تقدم مزيد بسط في هذا في شرح حديث أبي هريرة ﵁ (٥٠٢) والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 3794

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف. أخرجه هنا (٥١٣) وفي "الكبرى" (١٥٠٧) عن يوسف بن واضح، عن قُدامة بن شهاب، عن بُرْد، عن عطاء، عنه، وفي (٥٢٦) المجتبى، و (١٥٠٨) "الكبرى" عن سُوَيد بن نَصْر، عن ابن المبارك، عن حسين ابن علي بن حسين، عن وَهْب بن كَيْسَان، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أما طريق عطاء فمن أفراده، وأما طريق وهب فأخرجه الترمذي في "الصلاة" بعد حديث ابن عباس عن أحمد بن محمد بن موسى، عن ابن المبارك به، وقال: فذكر نحو حديث ابن عباس بمعناه، ولم يذكر فيه "لوقت العصر بالأمس"، قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح. وقال محمد -يعني البخاري-: أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي ﷺ . قال. وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر عن النبي ﷺ . اهـ كلام

стр. 3795

الترمذي جـ ١ ص ١٠١، وقد تقدم ذكر فوائد الحديث في شرح حديث أبي هريرة ﵁ (٥٠٢) فارجع إليه تزدد علمًا، والله أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في آخر وقت العصر: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: واختلفوا في آخر وقت العصر، فقال مالك: آخر وقت العصر أن يكون ظل كل شيء مثليه، بَعْدَ المثلِ الذي زالت عليه الشمس، وهذا محمول عندنا من قوله على وقت الاختيار، وما دامت الشمس بيضاء نقية، فهو وقت مختار لصلاة العصر عنده، وعند سائر العلماء. وقد أجمع العلماء على أن من صلى العصر، والشمسُ بيضاء نقية لم تدخلها صفرة فقد صلاها في وقتها المختار، وفي ذلك دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب. وقال الثوري ﵀: إن صلاها، ولم تتغير الشمس، فقد أجزأه، وأحب إلي أن يصليها إذا كان ظله مثله إلى أن يكون مثليه. وقال الشافعي ﵀: أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شيء مثله بشيء ما كان، وَمنْ أخر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف، أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته وقت الاختيار، ولا يجوز أن يقال: فاته وقت العصر مطلقًا، كما جاز ذلك على الذي أخر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله، قال: وإنما قلت ذلك، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن

стр. 3796

تغرب الشمس، فقد أدركها ". قال أبو عمر: إنما جعل الشافعي وقت الاختيار، لحديث إمامة جبريل، وحديث العلاء، عن أنس "تلك صلاةُ المنافقين" (١) ونحوها من الآثار، ولم يقطع بخروج وقتها، لحديث أبي هريرة الذي ذكره. ومذهب مالك نحو هذا. وقد كان يلزم الشافعي أن لا يشرك بين الظهر والعصر في الوقت لأصحاب الضرورات، لخروج وقت الظهر عنده بكمال المثل، ولكن وقت العصر عنده وقت رفاهية ومقام لا يتعدى ما جاء فيه، وأما أصحاب الضرورات فأوقاتهم كأوقات المسافر، لعذر السفر، وضرورته، والسفر عنده تشترك فيه صلاتا النهار، وصلاتا الليل. وأما مالك فقد رَوَى عنه ابنُ وهب وغيره أن الظهر والعصر آخر وقتهما غروب الشمس، وهو قول ابن عباس، وعكرمة مطلقًا، ورواية ابن وهب عن مالك لذلك محمولة عند أصحابه لأهل الضرورات، كالمغمى عليه، ومن أشبهه. وروى ابن القاسم عن مالك: آخر وقت العصر اصفرار الشمس. وقال أبو يوسف، ومحمد: وقت العصر إذا كان ظل كل شيء قامته، فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس.

стр. 3797

وقال أبو ثور: أول وقتها إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال، وزاد على الظل زيادة تبين إلى أن تصفر الشمس، وهو قول أحمد بن حنبل، قال: آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس (١). وحجة من قال بهذا القول: حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس" (٢) رواه قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عنه. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب، وهو قول داود لكل الناس، معذور، وغير معذور، صاحب ضرورة، وصاحب رفاهية، إلا أن الأفضل عنده، وعند إسحاق أيضًا أول الوقت. وقال الأوزاعي: إن ركع ركعة قبل غروبها، وركعة بعد غروبها فقد أدركها. وحجتهم حديث أبي هريرة ﵁ "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر … " الحديث (٣). اهـ خلاصة ما قاله ابن عبد البر ﵀ في كتابه "التمهيد" جـ ٨، ص ٧٦ - ٧٩.

стр. 3798

قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي قول من قال: إن آخر وقت العصر غروب الشمس، فمن أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر، وإنما كان هذا أرجح، لأن به تجتمع الأدلة، فيحمل حديث جبريل "الوقت ما بين الوقتين"، وحديث "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس" على بيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الاضطرار والجواز، وحديث" من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر" على بيان وقت الاضطرار والجواز، وهذا الجمع هو الأولى من قول من قال: إن حديث جبريل منسوخ، لأن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وكذا لا يصار إلى الترجيح، مع إمكانه، ويؤيد هذا الجمع، حديث "تلك صلاة المنافق" الماضي (٥١١)، فمن كان معذورًا كان الوقت في حقه ممتدًا إلى الغروب، ومن كان غير معذور كان الوقت له إلى المثلين، وما دامت الشمس بيضاء نقية، فإن أخرها إلى الاصفرار، وما بعده كانت صلاته صلاة المنافق المذكورة في الحديث. أفاده في "نيل" جـ ٢ ص ٣٤، ٣٥. والحاصل أن وقت العصر الاختياري ينتهي باصفرار الشمس، ووقت الجواز يمتد إلى آخر النهار، لكن إن كان بلا عذر كان الجواز مع الكراهة. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 3799

١١ - من أدْركَ رَكْعَتَينِ مِنَ الْعَصْرِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم من أدرك ركعتين من صلاة العصر. هكذا ترجم المصنف "من أدرك ركعتين"، والمشهور "من أدرك ركعة"، فكان الأولى أن يبوب عليه، وأشار في الهندية إلى أن في بعض النسخ "من أدرك ركعة" والله أعلم. ٥١٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ". رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥. ٢ - (معتمر) بن سليمان التيمي أبو محمد الحَذَّاءُ البصري، يلقب أبا الطُّفَيل، ثقة، توفي سنة ١٨٧، وقد جاوز٨٠ سنة، من كبار [٩]،

стр. 3800

أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠. ٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، توفي سنة ١٥٤ عن ٥٨ سنة، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠. ٤ - (عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد، من [٦]. قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال عبد الرزاق، عن معمر: قال لي أيوب: إن كنت راحلًا إلى أحد فعليك بابن طاوس، فهذه رحلتي إليه، وقال أيضًا عن معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاوس، فقلت له: ولا هشام بن عروة؟ فقال: حسبك بهشام، ولكن لم أر مثل هذا، وكان من أعلم الناس عربية، وأحسنهم خلقًا. وقال النسائي: ثقة مأمون، وكذا قال الدارقطني في الجرح والتعديل، وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات بعد أيوب بسنة، وكان من خيار عباد الله فضلًا، ونسكًا، ودينًا، وتكلم فيه بعض الرافضة. قال ابن سعد عن الهيثم بن عدي: مات في خلافة أبي العباس. وقال ابن عيينة: مات سنة ١٣٢، وقال ابن قانع ١٣١، أخرج له الجماعة.

стр. 3801

٥ - (طاوس) بن كيسان، اليماني، أبو عبد الرحمن الحِمْيرِي مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذَكْوَان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل، توفي سنة ١٠٦، وقيل بعد ذلك، من [٣]، تقدم في ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عباس) عبد الله الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. ٧ - (أبو هريرة ﵁ الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات نبلاء، اتفقوا عليهم، إلا شيخه فلم يخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه. ومنها: أن فيه ابن عباس، وأبا هريرة ﵄ من المكثرين السبعة؛ روى ابن عباس ١٦٩٦ حديثًا، وأبو هريرة ٥٣٧٤ حديثًا. ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ، وكلها من صيغ الاتصال على الراجح. والله تعالى أعلم.

стр. 3802

شرح الحديث (عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ) أنه (قال: من) شرطية، جوابها "فقد أدرك" (أدرك ركعتين من صلاة العصر) غالب الروايات "ركعة"، وهي التي في "الكبرى"، ولكن أشار في الهامش أن في بعض النسخ "ركعتين". الظاهر أن معنى الإدراك أن يأتي بواجباتها من الفاتحة، واستكمال الركوع والسجود، ومفهومُهُ أن من أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركًا للوقت، وأن صلاته تكون قضاء، وقيل: تكون أداء. (قبل أن تغرب الشمس، أو) أدرك (ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك) أي صلاة العصر، وصلاة الصبح. ومعنى الحديث أن من صلى ركعتين من صلاة العصر قبل غروب الشمس، أو صلى ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاتين، فليتم ما بقي. لا فرق في ذلك بين معذور وغيره، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة القائل ببطلان صلاة الصبح، ولمن قال: إنها كلها قضاء، ولمن قال: ما وقع في الوقت أداء، وما بعده قضاء. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. هذا على جعل ركعتين رواية صحيحة، لكن في صحتها نظر، فإن الحديث أخرجه مسلم في "الصحيح" عن حسن بن الربيع، عن ابن

стр. 3803

المبارك، عن معمر بسند المصنف، ولفظه "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب … " الحديث، ثم أخرجه عن عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر قال: سمعت معمرًا بهذا الإسناد. فالظاهر أن رواية معتمر كرواية ابن المبارك بلفظ "ركعة"؛ لأن من عادة مسلم أن ينبه في الإحالات إذا اختلفت الألفاظ، فلو كان هناك اختلاف في ألفاظ المتن لبَيَّنَهُ. وهو أيضًا ما في "السنن الكبرى" للمصنف، لكن أشار في الهامش إلى أن بعض النسخ فيه "ركعتين". وأيضًا تشهد له الروايات الآتية، ولذلك قال الشيخ الألباني في "صحيح النسائي" ما معناه: المحفوظ لفظ "ركعة" للطرق التالية. والله أعلم. وحاصل معنى الحديث: أن من أدرك ركعة من صلاة العصر، وصلاة الصبح فقد أدركهما أداء، فالإتيان بهذا الجزء كالإتيان بكل الصلاة حكمًا، فيضم ما بقي من أجزائها، ويكون ذلك أداء، وليس المراد أن تلك الركعة تكفي عن الكل. ثم إن هذا لصاحب العذر، كالرَّجُلِ يَنَام عن الصلاة، أو ينساها، فيستيقظ، أو يذكرها عند طلوع الشمس، أو غروبها. وأما الذي لا عذر له فلا يجوز له أن يؤخر الصلاة إلى أن يقع بعض أجزاء الصلاة خارج الوقت، لأنه تفريط فيما أوجب الله عليه، ففي "صحيح مسلم" "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء

стр. 3804

وقت الصلاة الأخرى" الحديث. وقال الحافظ ﵀: عند قوله "فقد أدرك الصبح": الإدراك: الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يُكْتَفَى بذلك، وليس مرادًا بالإجماع، فقيل: يُحمَل على أنه أدرك الوقت، فاذا صلى ركعة أخرى، فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة"، وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء -وهو ابن يسار- عن أبي هريرة، بلفظ "من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس، فلم يفته العصر، وقال مثل ذلك في الصبح"، وللبخاري والنسائي من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة "فليتم صلاته"، وللنسائي من وجه آخر "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته" (٥٥٨)، وللبيهقي من وجه آخر "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليصل إليها أخرى". قال الحافظ: ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي، وطهر الحائض، وإسلام الكافر، ونحوها، وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته، لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة، وهو مبني على أن الكراهة

стр. 3805

تتناول الفرض والنفل، وهي خلافية مشهورة. قال التر مذي: وبهذا يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وخالف أبو حنيفة؛ فقال: من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ. قال الجامع عفا الله عنه: وما اعترض به الشوكاني على الحافظ في قوله: بأن تحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل- من أن هذا جمع بما يوافق مذهبه غير صحيح، لما سنحققه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركًا للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار وغيرهم، وبين مدرك الجماعة، ومدرك الوقت، وكذا مدرك الجمعة، ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبر للإحرام، ويقرأ أم القرآن، ويركع، ويرفع، ويسجد سجدتين بشروط كل ذلك. وقال الرافعي: المعتبر فيها أخف ما يقدر عليه أحد، وهذا في حق غير أصحاب الأعذار، أما أصحاب الأعذار، كمن أفاق من إغماء، أو طهرت من حيض، أوغير ذلك، فإن

стр. 3806

بقي من الوقت هذا القدر كانت الصلاة في حقهم أداء، وقد قال قوم: يكون ما أدرك في الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل: يكون كذلك لكنه يلتحق بالأداء حكمًا، والمختار أن الكل أداء، وذلك من فضل الله تعالى. ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر. والله أعلم. اهـ فتح جـ ٢ ص ٦٧، ٦٨. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته. حديث ابن عباس عن أبي هريرة ﵃ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥١٤)، وفي "الكبرى" (١٥٠١) عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في "الصلاة" عن حسن بن الربيع، عن ابن المبارك- وعن عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر بن سليمان- وعن عبد بن حُمَيد، عن عبد الرزاق- ثلاثتهم عن معمر به.

стр. 3807

وأخرجه أبو داود فيه عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك، به. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه". والله أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف، وهو أن من أدرك ركعة من صلاة العصر، ومن باب أولى إذا أدرك ركعتين، كان مدركًا لها حكمًا، فيكمل ما بقي، ويكون ذلك أداء. ومنها: أن من أدرك ركعة من الصبح يكون مدركًا لها، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا ببطلان الصلاة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، وإن أدرك ركعة فما فوقها، ويأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: أن من زال عذره؛ كنائم استيقظ، وحائض طهرت، وصبي بلغ، وكافر أسلم، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة وجبت عليه تلك الصلاة. ومنها: سماحة الشريعة، ويسر أمر الدين حيث وُسِّعَ على من لم يتمكن من أداء الصلاة إلى هذا الوقت فأدّى، فإنه يكون مؤديًا للواجب في وقته. ذلك من فضل الله ورحمته. والله ذو الفضل العظيم. المسألة الخامسة: في أقوال أهل العلم فيمن أدرك ركعة من العصر، والصبح، ثم خرج الوقت:

стр. 3808

أجمع أهل العلم على أن من صلى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت، لا تبطل صلاته، بل يتمها، واختلفوا فيمن صلى ركعة من الصبح، ثم خرج الوقت؛ فقال مالك، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة يتم صلاته، وهي صحيحة، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: تبطل صلاته بطلوع الشمس، واحتج في ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، ورد عليه بأن أحاديث النهي عامة، تشمل ذوات الأسباب المتقدمة، وغير ذوات الأسباب من النوافل والفرائض، وحديث أبي هريرة هذا خاص؛ ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات سبب متقدم، فتحمل أحاديث النهي على ما لاسبب له من النوافل جمعًا بين الحديثين. قال النووي ﵀: قال أبو حنيفة ﵀: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس، لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس، ففرق بين فجر اليوم، وعصره، والحديث حجة عليه. قال القاري ﵀ بعد ذكر كلام النووى ما نصه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة في شرح الوقاية: أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة، وآخر وقت العصر وقت ناقص، إذ هو وقت عبادة الشمس، فوجب ناقصًا، فإذا أداه أداه، كما وجب، فإذا اعترض الفساد بالغروب لا تفسد، والفجر كل وقته وقت كامل، لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها، فوجب كاملًا، فإذا اعترض

стр. 3809

الفساد بالطلوع تفسد، لأنه لم يؤده كما وجب. فإن قيل: هذا تعليل في معرض النص، قلنا: لما وقع التعارض بين هذا الحديث، وبين النهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس، كما هو حكم التعارض، والقياس رجح هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر الصلوات، فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة لحديث النهي الوارد، إذ لا معارض لحديث النهي فيها. قال صاحب "مرعاة المفاتيح": قلت: قد رد هذا التقرير المزخرف الشيخ عبد الحي اللكنوي، وهو من الحنفية في حاشيته على شرح الوقاية، حيث قال: فيه بحث، وهو أن المصير إلى القياس عند تعارض النصين إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزم الجمع بينهما، وها هنا العمل بكليهما ممكن بأن يخص صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويعمل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز فيهما، إلا أن يقال: حديث الجواز خاص، وحديث النهي عام، وكلاهما قطعيان عند الحنفية، متساويان في الدرجة والقوة، فلا يخص أحدهما الآخر، وفيه أن قطعية العام كالخاص ليس متفقًا عليه بين الحنفية، فإن كثيرًا منهم وافقوا الشافعية في كون العام ظنيًا، كما هو مبسوط في شرح المنتخب الحسامي وغيرها. انتهى. وقال صاحب "الكوكب الدري"- بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر

стр. 3810

والعصر بنحو ما ذكره صدر الشريعة- ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال، وتزويق المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما، وإن اعتبراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس، فادعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قُطِعَ النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر، والجواز في العصر، فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت الشمس بأداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي، فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة، إذ ليس ذلك إلا قولًا بعدم اشتراط الوقت، فعلى هذا يلزم عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة، وثوبه نجس بقدر الدرهم، أو دونه، ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئًا نجسًا ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة، وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو ركعتين، بال أو تغوط، أوَ لَيْسَ نظير ما قالوا؟ فإنه أدَّى صلاته بعد الحدث على نحو مما التزمه … إلى آخر ما قال، وأطال في الرد عليهم. قال صاحب "المرعاة": قلت. ويلزمهم أيضًا أن يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها في الجزء الصحيح الكامل، أي قبل الاصفرار، ومدها إلى أن غربت، مع أنها لا تكره عندهم فضلًا عن أن تفسد، وما اعتذروا عنه بعذر الخشوع والخضوع لا ينفع، كما أقر به صاحب "فيض الباري"، فإن الاحتراز عن المد إلى غروب الشمس ليس

стр. 3811

مما يتعذر، كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف. واختار صاحب الكوكب في معنى الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين؛ العصرِ والصبحِ، وفراغِ الذمة لمن صلى في هذين الوقتين، وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة. واعلم أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل ببعض هذا الحديث، وترك بعضه مع أن النقص قارَنَ العصر ابتداء، والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاوي إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، خلافًا لمذهب الحنفية. قال صاحب الفيض: إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافق لما ذهب إليه الجمهور، وتفريق الحنفية باشتمال العصر على الوقت الناقص دون الفجر عَمَلٌ بإحدى القطعتين، وترك الأخرى بنحو من القياس. وذا لا يَرِدُ على الطحاوي، فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، إلا أن المعروف من مذهب الحنفية خلافه، فإنهم قائلون في العصر بصحتها، كما في الحديث، قال: فَلَمْ أرَ جوابًا شافيًا عنه في أحد من كتب الحنفية بعدُ. ثم حَمَلَ هو هذا الحديث على المسبوق، وقال: إن المراد بالإدراك إداراك الجماعة، لا إدراك الوقت، وإن الصلاة كلها في الوقت قبل الطلوع في الفجر، وقبل الغروب في العصر، ومعنى الحديث: من أدرك ركعة من الصبح مع الإمام، وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما

стр. 3812

في الوقت قبل الطلوع، وكذا في العصر أدرك ركعة مع الإمام، وثلاث ركعات بعد سلامه، لكن الصلاة كلها وقعت في الوقت قبل الغروب. قال صاحب المرعاة: وهذا تحريف للحديث، وإبطال لمؤداه، لا توجيه له مع أنه يبطل شرحه، ويهدمه -كما اعترف هو- ما تقدم من رواية البيهقي بلفظ "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة هذا". وقد أطال الكلام في الجواب عن هذه الرواية، وتقرير ما رامه من تحريف الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات، ودعاوى محضة، ونسبة الوهم، وسوء الفهم، والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان. اهـ كلام صاحب "المرعاة" جـ ٢ ص ٣٠٩ - ٣١١. قال الجامع عفا الله عنه: وبهذا ظهر لك تعصب هؤلاء، وانحرافهم عن قبول ما صح من الحديث إذا خالف مذهبهم، ومنهم العينيُّ في شرحه على البخاري، فقد أتى هناك بما لا يتناسب مع خدمته للبخاري، وقيامه في حل عويصات الكتاب اللغوية والنحوية قيامًا حسنًا، ولكن قاتل الله التعصب الذي يُعمِي عن رؤية الحق حَقًا، ويُصِمُّ عن سماعه صدقًا. اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. والحاصل أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور القائلين بأن من

стр. 3813

أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح، فَيُتِمُّ ما بقي، كما أن الكل اتفقوا على أن من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك العصر. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، أَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَ". رجال الإسناد: ستة كلهم تقدموا في السند السابق، إلا أبا سلمة، وهو ابن عبد الرحمن ابن عوف الزهري المدني، ثقة مكثر فقيه، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، من [٣]، تقدم في ١/ ١. وشرح الحديث مضى في الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادته. تنبيهات: الأول: حديث أبي هريرة من طريق الزهري عن أبي سلمة أخرجه المصنف هنا (٥١٥)، وفي "الكبرى" (١٥٠٣)، وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر بسند المصنف نحوه، وأخرجه ابن ماجه فيه أيضًا عن جَمِيل بن الحسن، عن عبد

стр. 3814

الأعلى، عن معمر به نحوه. الثاني: قال النووي ﵀: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وأنه لا يكون بالركعة مدركًا لكل الصلاة، وتكفيه، وتحصل براءته من الصلاة بهذه الركعة، بل هو مُتَأوَّلٌ، وفيه إضمار، تقديره: فقد أدرك حكم الصلاة، أو وجوبها، أو فضلها. قال أصحابنا: يدخل فيه ثلاث مسائل: إحداها: إذا أدرك من لا تجب عليه الصلاة ركعة من وقتها لزمته تلك الصلاة، وذلك في الصبي يبلغ، والمجنون والمُغْمَى عليه يُفيقان، والحائض والنفساء تطهران، والكافر يسلم، فمن أدرك من هؤلاء ركعة قبل خروج وقت الصلاة لزمته تلك الصلاة، وإن أدرك دون ركعة كتكبيرة، ففيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى أحدهما: لا تلزمه، لمفهوم هذا الحديث. وأصحها عند أصحابنا تلزمه، لأنه أدرك جزءًا منه، فاستوى قليله وكثيره، ولأنه يشترط (١) قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق، فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة، وأجابوا عن الحديث بأن التقييد بركعة خرج على الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة، فلا يكاد يحس بها، وهل يشترط مع التكبيرة أو الركعة إمكان الطهارة؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه لا يشترط.

стр. 3815

قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الأول للإمام الشافعي هو الأصح لظاهر مفهوم هذا الحديث، كما قال ﵀. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها، فصلى ركعة، ثم خرج الوقت، كان مدركًا لأدائها، ويكون كلها أداء، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يكون كلها قضاء، وقال بعضهم: ما وقع في الوقت أداء، وما بعده قضاء. وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نَوَى القصر، وصلى ركعة في الوقت، وباقيها بعده، فإن قلنا: الجميع أداء، فله قصرها، وإن قلنا: كلها قضاء، أو بعضها، وجب إتمامها أربعًا، إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها، هذا كله إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن أدرك دون ركعة، فقال بعض أصحابنا: هو كالركعة، وقال الجمهور: يكون كله قضاء. واتفقوا على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت، وإن قلنا: إنها أداء، وفيه احتمال لأبي محمد الجُوَيني على قولنا: أداء، وليس بشيء. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعة كان مدركًا لفضيلة الجماعة بلا خلاف، وإن لم يدرك ركعة، بل أدرك قبل السلام بحيث لا يحسب له ركعة، ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يكون مدركًا

стр. 3816

للجماعة، لمفهوم قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة". والثاني: وهو الصحيح، وبه قال جمهور أصحابنا، يكون مدركًا لفضيلة الجماعة؛ لأنه أدرك جزءًا منه، ويجاب عن مفهوم الحديث بما سبق. اهـ. "شرح مسلم" جـ ٥ ص ١٠٥، ١٠٦. قال الجامع عفا الله عنه: وفي ترجيحه القول الثاني نظر، بل الراجح هو القول الأول، لظهور دلالة الحديث عليه. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ أَوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ أَوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ". رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (الفضل بن دُكَين) الكوفي، واسم دكين. عمرو بن حماد بن زهير، التيمي مولاهم الأحول، المُلَائي أبو نعيم مشهور بكنيته، ثقة

стр. 3817

ثبت، من [٩]، وهو من كبار شيوخ البخاري. قال محمد بن سليمان الباغندي: سمعت أبا نعيم يقول: أنا الفضل بن عمرو بن حماد، ودُكَين لقب، وقيل: إن رجلًا قال لأبي نعيم: كان اسم أبيك دُكينًا؟ قال: كان اسم أبي عمرًا، ولكنه لقبه فَرْوةُ الجُعْفي دُكَينًا. وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو نعيم: كتبت عن نيف ومائة شيخ ممن كتب عنه سفيان. وقال الفضل بن زياد الجعفي عن أبي نعيم: شاركت الثوري في ثلاثة عشر ومائة شيخ. وقال أبو عوف اليُزُوريُّ عن أبي نعيم: قال لي سفيان مرة، وسألته عن شيء: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلها بالليل، فضحك. وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيعٌ، وعبدُ الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال: على النصف، إلا أنه كَيِّس، يتحرى الصدق، قلت: فأبو نعيم أثبت، أو وكيع؟ قال: أبو نعيم أقل خطأ. قلت: فأيما أحب إليك، أبو نعيم، أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثبت، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم. وقال حنبل عن أحمد: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأنسابِهِم، وبالرجال، ووكيع أفقه. وقال يعقوب بن شيبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم يُزَاحَمُ به ابن عيينة، فقال رجل: وأي شيء عند أبي نعيم من الحديث؟ ووكيع أكثر رواية، فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وعن أبي زرعة الدمشقي، عن أحمد مثله. وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فُضَيل

стр. 3818

مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فضيل أثبت، فقلت: وأبو نعيم يجرى مجراهما؟ قال: لا، أبو نعيم يَقْظاَنُ في الحديث، وقام في الأمر، يعني الامتحان. وقال المروذي عن أحمد: قال يحيى، وعبد الرحمن: أبو نعيم: الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتًا. وقال أيضًا عن أحمد: إنما رفع الله عفان، وأبا نعيم بالصدق حتى نوه بذكرهما. وقال مهنا: سألت أحمد عن عفان، وأبي نعيم؟ فقال: هما العقدة، وفي رواية ذهبا مَحْمُودَيْنِ. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين، أي أصحاب الثوري أثبت؟ قال: خمسة، يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وابن المبارك، وأبو نعيم. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت ابن معين، يقول: ما رأيت أثبت من رجلين: أبي نعيم، وعفان. قال: وسمعت أحمد بن صالح، يقول: ما رأيت محدثًا أصدق من أبي نعيم. وقال أبو حاتم: سألت علي بن المديني: مَنْ أوثق أصحاب الثوري؟ قال: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وأبو نعيم، وأبو نعيم من الثقات. وقال ابن عمار: أبو نعيم متقن حافظ، إذا روى عن الثقات فحديثه أرجح ما يكون. وقال الحسين بن إدريس: خرج علينا عثمان بن أبي شيبة، فقال: حدثنا الأسد، فقلنا: من هو؟ فقال: الفضل بن دُكَين. وقال الآجري: قلت لأبي داود: كان أبو نعيم حافظًا؟ قال: جِدًا. وقال العجلي: أبو نعيم الأحول كوفي ثقة ثبت في الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في

стр. 3819

الإتقان. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن أبي نعيم، وقبيصة؟ فقال: أبو نعيم أتقن الرجلين. وقال أبو حاتم: ثقة، كان يحفظ حديث الثوري ومسعر حفظًا، كان يحرز حديث الثوري ثلاثة آلاف وخمسمائة، وحديث مسعر نحو خمسمائة، كان يأتي بحديث الثوري على لفظ واحد، لا يغيره، وكان لا يلقن، وكان حافظًا متقنًا، وقال أبو حاتم أيضًا: لَمْ أرَ من المحدثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد، لا يغيره، سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحِمَّاني في شريك، وعلي بن الجَعْد في حديثه. وقال أحمد بن عبد الله الحداد: سمعت أبا نعيم يقول: نظر ابن المبارك في كتبي، فقال: ما رأيت أصح من كتابك. وقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما، ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به، عَفَّانُ، وأبو نعيم- يعني بالكلام فيهما لأنهما كانا يأخذان الأجرة على التحديث، وبقيامهما عدم الإجابة في المحنة. قال أبو نعيم: يلومونني على الأجر، وفي بيتي ١٣، وما في بيتي رغيف. قال أبو نعيم. ولدت سنة ١٣٠، في آخرها، وقال إبراهيم الحربي: كان بين وكيع، وأبي نعيم سنة، وَفَاتَ أبا نعيم في تلك السنة الخلقُ. مات أبو نعيم سنة ٢١٨، وقيل: ٢١٩، قيل: في سلخ شعبان، وقيل:

стр. 3820

في رمضان. أخرج له الجماعة. اهـ تت باختصار جـ ٨ ص ٢٧١ - ٢٧٦. ٣ - (شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، أبو معاوية البصري، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، توفي سنة ١٦٤، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤٧. ٤ - (يحيى) بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نَصْرِ اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، توفي سنة ١٣٢، وقيل: قَبل ذلك، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن، تقدم في السند السابق. ٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في السابق أيضًا. لطائف هذا الإِسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، غير شيخه، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأن فيه أبا هريرة ﵁ أكثر الصحابة رواية للحديث، روى -٥٣٧٤ - حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: إِذا أدرك أحدكم أول سجدة) أي السجدة الأولى، فهو من إضافة الصفة
следующие страницы →