ومنها: إباحة الرمي بالنبل والسهام لتعلم وسائل الحرب، فقد ورد الترغيب في تعلمه، أخرج مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول، وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"، وأخرج أحمد، وأصحاب السنن من حديثه أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : "وارموا، واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا". والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، إليه أنيب.
стр. 3852
١٤ - تَأخِيرُ الْمَغْرِبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على تأخير صلاة المغرب.
الظاهر أن المصنف يستدل على تأخير المغرب بحديث أبي بصرة هذا، لكنه غير صحيح.
بل المراد بطلوع الشاهد الكناية عن غروب الشمس، لأن بغروبها ظهوره، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
٥٢١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، عَنْ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَضَيَّعُوهَا، وَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا، حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ".
وَالشَّاهِدُ النَّجْمُ.
رجال الإسناد: سته
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني أبو رَجاء، ثقة ثبت، تقدم في ١/ ١.
стр. 3853
٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث الفَهْمي المصري ثقة ثبت فقيه، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (خير بن نعيم) بن مُرَّة بن كُرَيب الحَضْرَمي أبو نعيم، ويقال: أبو إسماعيل المصري قاضي برقة، صدوق فقيه توفي سنة ١٣٧، من [٦]، أخرج له مسلم، وأبو داود في "مراسيله"، والنسائي.
روى عن عبد الله بن هُبَيرة، وسهل بن معلى بن أنس وأبي الزبير، وعطاء، وغيرهم.
وعنه عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعَة، والليث، ويزيد بن أبي حبيب، وسعيد بن أبي أيوب في آخرين.
قال أبو زرعة: صدوق، لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ضمام بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي حبيب: ما أدركت من قُضَاة مصر أفقه منه. وقال ابن يونس: توفي سنة ١٣٧، ووثقه المصنف، وابن حبان، وله في مسلم حديث الباب فقط، وعند المصنف هذا، وحديث في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر، آية: ٢].
والحضرمي: بفتح أوله، والر اء، وسكون المعجمة- نسبة إلى والحضرمي، بلد بأقصى اليمن، وقبيلة. قاله في لب اللباب جـ ١ ص ٢٤٩.
٤ - (ابن هبيرة) هو عبد الله بن هبيرة بن أسعد بن كهلان،
стр. 3854
السَّبائي -بفتح المهملة، والموحدة، ثم همزة مقصورة- الحضرمي، أبو هبيرة المصري، ثقة، من [٣].
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال أبو داود: معروف. وذكره ابن حبان في "الثقات".
ووثقه يعقوب بن سفيان، وفي صحيح مسلم من طريق ابن إسحاق: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن خير بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هُبيرة السَّبِئيّ، وكان ثقة. وقال ابن يونس: ولد سنة الجماعة (١)، ومات سنة ١٢٦ عن ٨٥ سنة، أخرج له مسلم والأربعة. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الذي ترجمت عليه هذين الاسمين: خير بن نعيم، وابن هبيرة، هو الذي في النسخة الهندية، وهو الصواب الموافق لما في "صحيح مسلم" جـ ٦ ص ١١٣ بشرح النووي، وهو الذي في "تحفة الأشراف" جـ ٣ ص ٨٤، ووقع في النسخة المصرية: خالد بن نعيم، عن ابن جبيرة بالجيم والباء مصغرًا- وهو تصحيف، كما نبه عليه الحافظ المنذري، ونقله عنه السيوطي في زهر الربى جـ ١ ص ٢٥٩، لكنه وقع عنده أيضًا تصحيف في الاسم الثاني، فقال: عن أبي هبيرة، والصواب: عن ابن هبيرة. فتنبه والله تعالى ولي التوفيق.
٥ - (أبو تميم الجيشاني) عبد الله بن مالك بن أبي الأسْحَم-
стр. 3855
بمهملتين- مشهور بكنيته، المصري، يمني الأصل، ثقة مخضرم، من [٢].
وْلِدَ هو، وأخوه يوسف في حياة النبي ﷺ ، وهاجر زمن عمر.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد: كان من أعبد أهل مصر، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو يونس: قرأ القرآن على معاذ باليمن، وشهد فتح مصر، وذكره يعقوب ين سفيان في جملة الثقات عن أهل مصر، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، ومات قديمًا. وذكره
الدولابي في الصحابة من "كتاب الكنى"، قال الحافظ: ولعل ذلك لإدراكه.
وقال ابن يونس. مات سنة ٧٧، أخرج له مسلم، وأبو داود في "القدر"، والترمذي والمصنف، وابن ماجه، قال الحافظ: لم يُعَلِّم له المزي علامة البخاري، وقد أخرج له أثرًا من رواية أبي الخير اليَزَنيّ عنه، وهو في الصلاة، وقد ذكره المزي في "الأطراف" في ترجمة أبي الخير، عن عقبة بن عامر. اهـ. تت جـ ٥ ص ٣٧٩ - ٣٨٠.
والجَيْشاني: بفتح أوله، والمعجمة: نسبة إلى جيشان قبيلة من اليمن، وموضع. اهـ. "لب" جـ ١ ص ٢٢٩.
٦ - (أبو بَصْرَة الغفاري) بفتح الموحدة وسكون الصاد- حُمَيل ابن بَصْرة بن أبي بصرة، وَقَّاص بن حاجب بن غِفار، رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي ذر. وعنه عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وأبو
стр. 3856
الخير مرثد اليزني، وعبيد بن جبير، وعبد الرحمن بن شُماَسة، وأبو تميم الجيشاني، وغيرهم. قال ابن يونس: شهد فتح مصر، واخْتَطَّ بها، ومات بها ودفن في مقبرتها.
واختلف في اسمه، فقيل: حَمِيل بفتح الحاء، قاله الدراوردي في روايته، وذكر ابن المديني عن بعض الغفاريين أنه تصحيف، وذكر البخاري أنه وَهَم، وقيل: حُمَيل بالضم، وعليه الأكثر، وصححه ابن المديني، وابن حبان، وابن عبد البر، وابن ماكولا، ونقل الاتفاق عليه، وغيرهم.
وقيل: جَميل بالجيم، قاله مالك في حديث أبي هريرة حين خرج إلى الطور، وذكر البخاري وابن حبان أنه وَهَم، وقيل: اسمه زيد، حكاه البارودي، وقيل فيه: بَصْرَة بن أبي بصرة، كأنه قلب. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. والله أعلم اهـ. تت جـ ٣ ص ٥٦.
قال مصعب الزبيري: لحميل، وبصرة، وجده أبي بصرة صحبة. اهـ الإصابة جـ ١ ص ٢٩٣.
والغقاري: بالكسر، وتخفيف الفاء، وراء: نسبة إلى غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. اهـ لب
جـ ٢ ص ١٣٤. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
стр. 3857
ومنها: أن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالمصريين، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: رواية تابعي عن تابعي: ابن هبيرة، عن أبي تميم.
ومنها: أن خير بن نعيم، وابن هُبَيرة، وأبا تَمِيم، وأبا بَصْرة، هذا الباب أول محل ذكرهم.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة من صيغ الأداء، وكلها للاتصال، على الراجح في "عن" إن لم تصدر من مدلس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن خير بن نعيم الحضرمي، عن) عبد الله (بن هبيرة) هذا هو الصواب، ووقع في النسخة المصرية: عن خالد بن نعيم، عن ابن جبيرة، وهو تصحيف، كما مر آنفًا (عن أبي تميم الجيشاني) عبد الله ابن مالك (عن أبي بصرة الغفاري) حُمَيل -مصغرًا- ابن بصرة على الصحيح، أنه (قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ) صلاة (العمر بالمخمص) بميم مضمومة، وخاء معجمة مفتوحة، ثم ميم مفتوحة مشددة، وقيل. بميم مفتوحة، وخاء ساكنة، وميم مكسورة بعدها، وفي آخرها صاد مهملة: اسم موضع معروف اهـ. "شرح مسلم" جـ ٦ ص ١١٣، و"مرقاة المفاتيح" جـ ٣ ص ٤٧٦.
وفي "ق" وشرحه جـ ٤ ص ٣٩٠. والمَخْمِص، كَمَنْزِل، وضبطه
стр. 3858
الصاغاني، كمَقعَد: اسم طريق في جبل عَيْرٍ إلى مكة حرسها الله تعالى.
وقد جاء ذكره في الحديث، قال أبو صَخْرٍ الْهُذَلِيّ (من الطويل):
فَجَلَّلَ ذَا عَيْرٍ وَوَالَى (١) رِهَامُهُ … وَعَن مَخمِصِ الْحَجَّاجِ لَيْسَ بِنَاكبِ
انتهى.
وعند أحمد من طريق ابن لهيعة عن ابن هُبَيرة صلى بنا رسول الله ﷺ في واد من أوديتهم، يقال له المخمص صلاة العصر …
(قال:) ولمسلم "فقال"، ولأحمد "فلما انصرف قال" (إِن هذه الصلاة) أي صلاة العصر (عرضت) بالبناء للمفعول، يقال: عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إِيَّاه، اهـ. "ق".
(على من كان قبلكم) أي من اليهود، والنصارى. قاله القاري.
(فضيعوها) أي ما قاموا بحقها، وما حافظوا على مراعاتها، فأهلكهم الله تعالى، فاحذروا أن تكونوا مثلهم، ولذا قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي العصر على الصحيح، خصت بالمحافظة. قاله القاري.
стр. 3859
وفي رواية لأحمد "فَتَوَانَوْا فيها، وتَرَكُوها"
(ومن حافظ عليها) ولمسلم "فمن حافظ" بالفاء، ولأحمد "فمن صلاها منكم" (كان له أجره مرتين) إحداهما للمحافظة عليها، خلافًا لمن قبلهم، والثانية أجر عمله كسائر الصلوات. قاله الطيبي. أو أجر للمحافظة على العبادة، وأجر لترك البيع والشراء بالزهادة، فإن وقت العصر كان زمان سوقهم، وأوان شغلهم، وقال ابن حَجَرٍ الهَيْتَمِيّ-: مرةً لفضلها، لأنها الوسطى، ومرة للمحافظة عليها، ومشاركة بقية الصلوات لها في هذا لا يؤثر في تخصيصها بمجموع الأمرين اهـ. "المرقاة" جـ ٣ ص ١٣٩.
قال الجامع: ما قاله الطيبي أقرب، والله أعلم.
(ولا صلاة بعدها) أي بعد صلاة العصر (حتى يطلُع الشاهد) بضم اللام، يقال: طَلَعتِ الشمس، طُلُوعًا، من باب قَعَدَ، ومَطْلَعِاَ، بفتح اللام، وكسرها، وكل ما بدا لك من علو، فقد طلع عليك. وهو كناية عن غروب الشمس، لأن لغروبها يظهر الشاهد.
(والشاهد النجم) مبتدأ وخبر. سمي شاهدًا، لأنه يَشْهَدُ بالليل، ويَحْضُر، ومنه قيل لصلاة المغرب صلاة الشاهد. ويجوز أن يحمل على الاستعارة، شُبِّهَ النجمُ عند طلوعه على وجود الليل بالشاهد الذي يَثبتُ به الدعاوِي. قاله الطيبي ﵀. ذكره في "المرقاة".
стр. 3860
وفي لسان العرب: ورَوَى شَمرِ في حديث أبي أيوب الأنصاري (١): أنه ذكر صلاة العصر، ثم قال: ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد، قال: قلنا لأبي أيوب: ما الشاهد؟ قال: النجم، كأنه يَشْهَدُ في الليل، أي يَحْضُرُ، وَيْظهَرُ، وصلاةُ الشاهد: صلاة المغرب، وهو اسمها، قال شَمِر: هو راجع إلى ما فسره أبو أيوب أنه النجم.
وقال غيره: وتسمى هذه الصلاة صلاة البَصَرِ، لأنه تبصر في وقته نجوم السماء، فالبَصَرُ يدرك رؤية النجم، ولذلك قيل له: صلاة البصر.
وقيل في صلاة الشاهد: إِنَّها صلاة الفجر، لأن المسافر يُصَلّيها كالشاهد، لا يَقْصُرُ منها، قال (من الرجز):
فَصَبَّحَتْ قَبْلَ أَذَانِ الأوَّلِ … تيْمَاءَ وَالصُّبْحُ كَسَيْفِ الصَيْقَلِ
قَبْلَ صَلاة الشَّاهِدِ الْمُسْتَعْجِلِ
ورُويَ عن أبي سعيد الضرير أنه قال: صلاة المغرب تسمى شاهدًا، لاستواء المقيم والمسافر فيها، وأنها لا تقصر. انتهى "لسان" جـ ٤ ص ٢٣٤٩.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق عندي: أنه عَنَى بقوله: "حتى يطلع الشاهد" غروب الشمس، وذلك لأن ظهور النجم
стр. 3861
ورؤيته لا يكون إلا بغروبها. وهذا لا ينافي النصوص السابقة أنه ﷺ صلى المغرب بغروب الشمس.
فيتبين بهذا: أن استدلال المصنف رحمه الله تعالى بالحديث على تأخير المغرب غير واضح، لأن تأخيرها لا يكون إلا إذا انتشرت الكواكب وأضاءت، وليس ذلك معنى الحديث، بل هو نص في الطلوع، والطلوع لا يستلزم التأخير، بل يوجد في أول الغروب.
فيكون معنى الحديث موافقًا للأحاديث الأخرى التي بينت صلاته ﷺ حين غروب الشمس، ولو كان معنى الحديث على ما ذهب إليه المصنف لكان الحديث نصًا في عدم جواز صلاة المغرب إلا إذا تأخر
الوقت حتى تنتشر النجوم وتشتبك، لأن قوله: "ولا صلاة" نفي لصحة الصلاة، وهذا خلاف الأحاديث الصحيحة الصريحة، في أن وقت صلاة المغرب يدخل بمجرد غروب الشمس. وأيضًا تأخير المغرب إلى ذلك الوقت ممنوع لحديث أبي أيوب، وعقبة بن عامر مرفوعًا: "لا تزال أمتي بخير" -أو قال: "على الفطرة"- "ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم". رواه أبو داود، وأحمد بسند صحيح.
وذكر العلامة السندي ﵀ عند قوله: "حتى يطلع الشاهد": أن هذا كناية عن غروب الشمس، لأن بغروبها يظهر الشاهد، والمصنف حمله على تأخير المغرب، وهو بعيد، لأن غاية الأمر جواز
стр. 3862
التأخير، لا وجوبه، ولو حمل الحديث عليه لأفاد الوجوب، فليتأمل. اهـ. جـ ١ ص ٢٦٠. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قوله: "والشاهِدُ النجم"، يحتمل أن يكون مرفوعًا، كما هو ظاهر رواية مسلم. والمصنف، ويحتمل أن يكون مدرجًا من أحد الرواة، ويدل عليه ما في المسند، قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، ثنا يحيى ابن إسحاق، قال: أخبرني ابن لَهِيعة، أنا عبد الله بن هُبَيرة، قال: سمعت أبا تميم الجَيْشَاني، عن أبَي بَصْرَة الغِفَارِي، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في واد من أوْديَتِهِمْ يقال له: المخمص صلاة العصر، فقال: "إن هذه الصلا صلاةَ الَعَصر عُرِضَت على الذين من قبلكم، فضيعوها، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين، ألا ولا صلاة بعدها حتى تَرَوُا الشاهدَ".
قلت لابن لهيعة: ما الشاهد؟ قال: الكوكب؛ الأعرابُ يُسَمُّون الكوكب شاهد الليل. اهـ. "المسند" جـ ٦ ص ٣٩٧.
فهذا يدل على أن التفسير من ابن لهيعة. وفيه ابن لهيعة؛ وهو متكلم فيه.
وما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدَة الحوطي، ثنا أحمد بن خالد الوَهْبي، ثنا محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال النبي ﷺ : "إن هذه الصلاة -يعني العصر-
стр. 3863
فرضت على من كان قبلكم، فضيعوها، فمن حافظ منكم اليوم عليها، أعطي أجرها مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد"، يعني النجم. فالظاهر أنه مدرج، وفيه عنعنة ابن إسحاق. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي بصرة الغفاري ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا عن قتيبة، عن الليث، عن خير بن نعيم، عن عبد الله ابن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني عنه، فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، عن ليث -وعن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب- كلاهما عن خير بن نعيم به.
وأخرجه أحمد في مسنده، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "المعجم الكبير".
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: عظم شأن صلاة العصر، حيث إنها عرضت على الأمم السابقة، وأمروا بالمحافظة عليها.
стр. 3864
ومنها: فضيلة هذه الأمة حيث قامت بالمحافظة على صلاةٍ لم يَقُم بها مَن تقدمها من الأمم، وهذا فضل من الله تعالى وتوفيق.
ومنها: مضاعفة الأجر لمن حافظ عليها مرتين.
ومنها: تحريم الصلاة بعدها إلى أن تغرب الشمس، وسيأتي تفصيل المسألة في هذا التحريم في بابه إن شاء الله تعالى.
"إن أريد الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 3865
١٥ - آخِرُ وَقْتِ الْمَعْرِبِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على آخر وقت صلاة المغرب.
٥٢٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَزْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ شُعْبَةُ: كَانَ قَتَادَةُ يَرْفَعُهُ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعُهُ، قَالَ: "وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَنْتَصِفِ اللَّيْلُ، وَوَقْتُ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن علي) بن بَحْر بن كُنَيز -بنون وزاي- أبو حَفْص الفَلاس الصَّيْرَفي الباهلي البصري ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصري، ثقة حافظ، غَلِطَ في أحاديث، توفي سنة ٢٠٤، من [٩]، أخرج له
стр. 3866
البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة، تقدم في ٣٤٣.
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بِسْطَامَ الواسطي، ثم البصري، ثقة حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (قتادة) بن دِعامَةَ بن قتادة السَّدُوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: وُلِدَ أكْمَهَ، وهو رأس الطبقة [٤]، توفي سنة بضع عشرة ومائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أبو أيوب الأزدي) المَرَاغي العَتَكِيّ البصري، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك، ثقة، من [٣].
يقال: إن المراغي نسبة إلى قبيلة من الأزد، ويقال: إلى موضع بناحية عمان.
رَوَى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وسَمُرَة بن جُندُب، وأبي هريرة، وابن عباس، وجُوَيرية بنت الحارث.
وعنه ثابت البناني، وقتادة، وأبو عمران الجَوْني، وأسلم العجلي، وأبو الواصل عبد الحميد بن واصل، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: توفي في ولاية الحجاج على العراق، وقال خليفة: مات بعد سنة ٨٠، وقال العجلي: بصري تابعي ثقة.
وقال ابن سعد في الطبقة الثانية: كان ثقة مأمونًا. أخرج له
стр. 3867
البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٦ - (عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد (١) ابن سَعْد بن سَهْم السهمي أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، أحد السابقين المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة لَيَالِيَ الحَرَّة على الأصح بالطائف على الراجح، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٩/ ١١١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله ثقات، اتفقوا عليهم، إلا أبا أيوب الأزدي، فما أخرج له الترمذي.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: قتادة، عن أبي أيوب الأزدي.
ومنها: أن أبا أيوب، هذا الباب أول محل ذكره من الكتاب.
ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة المذكورين في قول صاحب الألفية:
وَالْبَحْرُ وَاَبْنَا عمَرٍ وَعَمْرِو … وَابنُ الزّبَيرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابنِ مَسْعُودٍ لهُمْ عبَادِلَهْ … وَغَلَّطوا من غَيْرَ هذا مَال لَهْ
стр. 3868
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمرو) ﵄ (قال شعبة) بن الحجاج (كان قتادة) بن دعامة (يرفعه) أي يرفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ (أحيانًا) جمع حين، أي في بعض الأوقات (وأحيانًا لا يرفعه) ولمسلم من طريق أبي عامر العقدي، ويحيى بن أبي بُكَير، قال شعبة: رفعه مرة، ولم يرفعه مرتين.
والمعنى أن قتادة رَوَى هذا الحديث عدَّةَ مرات، ففي بعضها يرويه مرفوعًا، وفي بعضها موقوفًا، ومثل هذا لا يضر في صحة الحديث، كما سيأتي تحقيقه في المسائل إن شاء الله تعالى.
(قال) النبي ﷺ (وقت صلاة الظهر: ما لم تحضر العصر) "ما" مصدرية ظرفية، كما في قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] أصله: مدة عدم حضور العصر، فحذف الظرف، وخلفته "ما" وصلتها، كما جاز في المصدر الصريح، نحو جئتك صلاةَ العصر، وآتيك قُدُومَ الحاج، قاله العلامة ابن هشام في مغنيه جـ ٢ ص ٦ بحاشية الأمير، فـ"وقت" متبدأ خبره "ما لم تحضر العصر"، تقديره: وقت صلاة الظهر كائن مدة عدم حضور وقت العصر.
وفي رواية لمسلم "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر"، فقوله: "ما لم يحضر العصر" بيان، وتأكيد لقوله: "وكان ظل الرجل كطوله".
стр. 3869
وقوله: "إذا زالت الشمس" بيان لأول وقتها. وقوله: "وكان ظل الرجل كطوله" بيان لآخر وقتها، والمعنى أن وقت الظهر يدخل بزوال الشمس، ويستمر إلى أن يصير ظل الرجل مثل طوله.
وهذا الحديث يدل على أنه لا فاصلة بين وقت الظهر والعصر، ولا اشتراك بينهما، بل متى خرج وقت الظهر دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم يبق شيء من وقت الظهر، وأما حديث جبريل الذي يدل على الاشتراك، فقد تقدم الجواب عنه، ويدل أيضًا على أنه لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت.
(ووقت العصر ما لم تصفرِّ الشمسُ) مبتدأ وخبر، و"تصفرّ"- بكسر الراء، ويجوز فتحها (١) بفتح الراء، ويجوز كسرها، يعني أنه يدخل وقت العصر بما تقدم، ويستمر من غير كراهة مدة عدم اصفرار الشمس، فإذا اصفرت صار وقتَ كراهة، وتكون أيضًا أداءً حتى تغرب الشمس، للحديث السابق "ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر".
وفي هذا الحديث رَدّ على أبي سعيد الإصطخري رحمه الله تعالى في قوله: إذا صار ظل الشيء مثليه صارت العصر قضاء. قاله النووي في شرح مسلم جـ ٥ ص ١١٠.
(ووقت المغرب ما لم يسقط) أي لم يغب (ثور الشفق) بفتح الثاء المثلثة، وسكون الواو: أي انتشاره، وثوران حمرته، من ثَارَ
стр. 3870
الشيءُ يَثُور: إذا انتشر، وارتفع. قال ابن منظور ﵀: والثَّوْرُ: حُمْرَةُ الشفق الثائرةُ فيه، وفي الحديث "صلاة العشاء الآخرة: إذا سقط ثور الشفق" وهو انتشار الشفَقِ، وثَوَرَانُهُ: حُمْرَتُهُ، ومُعْظَمُهُ، ويقال: قد ثَارَ يَثُور، ثَوْراَ، وثَوَرَانًا: إذَا انتشر في الأفق، وارتفع، فإذا غاب
حلت العشاء الآخرة، وقال في المَغْرِب: ما لم يسقط ثور الشفق، اهـ. لسان العرب جـ ١ ص ٥٢١.
ولأبي داود "فور الشفق" بالفاء المفتوحة، أي بقية حمرة الشمس، في الأفق الغربي، وسمي فورًا، لسُطُوعه وحمرته. قال العراقي: صحفه بعضهم بالنون، ولو صحت الرواية لكان له وجه. اهـ المنهل جـ ٣ ص ٣٠٣.
وفيه رد على من يقول: إن للمغرب وقتًا واحد، وهو عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن، ويقيم، وسيأتي تحقيق الكلام فيه في المسائل إن شاء الله تعالى.
(ووقت العشاء ما لم ينتصف الليل) وإعرابه كسابقه، يعني أن وقت صلاة العشاء يدخل بغروب الشفق، ثم يمتد إلى نصف الليل. وفيه دليل على أن آخر وقت العشاء نصف الليل، وقد ثبت في الحديث الآخر تحديده بثلث الليل، لكن أحاديث النصف صحيحة، فيجب العمل بها.
واحتج به أبو سعيد الإصطخري على أن وقت العشاء إلى نصف الليل فقط، وعند غيره محمولا على بيان وقت الاختيار، وأما وقت الجواز، فيمتذ إلى طلوع الفجر، لما رَوَى أبو قتادة مرفوعًا "إنما التفريط
стр. 3871
على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى".
قال الحافظ ﵀: عموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح، فللإصطخري أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور، وغيره من الأحاديث في العشاء، قال: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثًا صريحًا يثبت اهـ: فتح الباري جـ ٢ ص ٦٢.
قال الجامع: سيأتي تحقيق الخلاف مع ترجيح رأي الإصطخري ومن تبعه في محله إن شاء الله تعالى.
(ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس) يعني أن وقت صلاة الفجر يدخل بطلوع الفجر، ويستمر مدة عدم طلوع الشمس. وهذا بالإجماع، الا ما رُوِي عن ابن القاسم، وبعض أصحاب الشافعي من أن آخر وقت الفجر الإسفار، كما قاله ابن رشد في "بدايته" جـ ١ ص ٩٧ وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٢٢) وفي "الكبرى" (١٥٠٠) عن عمرو بن علي، عن
стр. 3872
أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الأزدي عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه- وعن زهير بن حرب، عن أبي عامر العَقَدي- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بُكَير- ثلاثتهم عن شعبة- وعن أبي غَسَّان مالك بن عبد الواحد المسْمَعيّ، ومحمد بن المثنى، كلاهما عن مُعَاذ بن هشام، عن أبيه- وعنَ أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، عن عبد الصمد، عن همام- وعن أحمد بن يوسف الأزدي، عن عمر بن عبد الله بن رَزين، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن حجاج بت حجاج- أربعتهم عن قتَادة، عن أبي أيوب عنه.
وفي حديث العَقَدِي، وابن أبي بكير، قال شعبة: رفعه مرة، ولم يرفعه مرتين.
وأخرجه أبو داود فيه عن عبيد الله بن معاذ به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو بيان آخر المغرب، وهو غروب الشفق الأحمر وهذا هو القول المختار، كما يأتي في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان آخر وقت الظهر، وأنه لا فصل بين الظهر والعصر، ولا اشتراك بينهما على الراجح، كما مر بيانه.
стр. 3873
ومنها: بيان آخر وقت العصر، وهو اصفرار الشمس، وهذا هو وقت الاختيار، على الراجح، كما مر في بابه.
ومنها: بيان آخر وقت العشاء، وهو نصف الليل، على المختار، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى.
ومنها: بيان آخر وقت الصبح، وهو طلوع الشمس، وهذا بالإجماع، إلا قولًا لا يعتد به، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة: في ذكر مذاهب العلماء في آخر وقت المغرب:
اختلفوا في المغرب هل لها وقت مُوَسَّع كسائر الصلوات، أو لا؟
فذهب قوم إلى أن وقتها واحد، غير موسع، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك، والشافعي.
وذهب قوم إلى أن وقتها موسع، وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب الشفق. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور، وداود، وقد روي هذا القول عن مالك، والشافعي.
وسبب اختلافهم في ذلك معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمرو، وذلك أن في حديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد، وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: "ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق"، فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل لها وقتًا واحدًا، ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتًا
стр. 3874
موسعًا، وحديث عبد الله أخرجه مسلم، ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل، وفي معنى حديث عبد الله بن عمرو حديثُ بريدة الأسلمي، أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف (٥١٩) قالوا حديث بريدة أولى، لأنه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات، وحديثُ جبريل كان في أول الفرض بمكة. أفاده ابن رشد
في "بدايته" جـ ١ ص ٩٥ - ٩٦.
قال الجامع: وفي قوله: "كان بمكة" نظر، يأتي تحقيقه قريبًا.
وقال النووي رحمه الله تعالى في المجموع: أما حكم المسألة، فأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وتكامل غروبها، وهذا لا خلاف فيه، نقل ابن المنذر، وخلائق لا يحصون الإجماعَ فيه (١)، قال أصحابنا: والاعتبار سقوط قرصها بكماله، وذلك ظاهر في الصحراء، قال الشيخ أبو حامد، والأصحاب: ولا نَظَرَ بعد تكامل الغروب إلى بقاء
شعاعها، بل يدخل وقتها مع بقائه، وأما في العمران، وقُلَلِ الجبال، فالاعتبار بأن لا يُرَى شيء من شعاعها على الجدران، وقُلَلِ الجبال.
وأما آخر وقت المغرب فالمشهور في مذهبنا أن لها وقتًا واحدًا، وهو أول الوقت، والصحيح أن لها وقتين يمتد ثانيهما إلى غروب الشفق. وممن قال بالوقتين أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وأبو ثور،
стр. 3875
وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وممن قال بوقت واحد الأوزاعي، ونقله أبو علي السنجي في "شرح التلخيص" عن أبي يوسف، ومحمد (١)، وأكثر العلماء.
وعن مالك ثلاث روايات:
الصحيحة منها، وهي المشهورة في كتب أصحابه وأصحابنا: إنه ليس لها إلا وقت واحد، ولم ينقل ابن المنذر عنه غيرها.
والثانية: وقتان إلى مغيب الشفق.
والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر، ونقله ابن المنذر عن طاوس، وعطاء.
قال ﵀: نص الشافعي ﵀ في كتبه المشهورة -الجديدة والقديمة- أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو أول الوقت، ونقل أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق. هكذا نقله عنه القاضي أبو الطيب، وغيره.
قال القاضي: والذي نص عليه الشافعي في كتبه أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو أول الوقت، وقال صاحب الحاوي: حكى أبو ثور عن الشافعي في القديم: أن لها وقتين، يمتد ثانيهما إلى مغيب الشفق، وقال: فمن أصحابنا من جعله قولًا ثانيًا، قال: وأنكره جمهورهم،
стр. 3876
لأن الزعفراني، وهو أثبت أصحاب القديم حكَى عن الشافعي أن للمغرب وقتًا واحدًا.
واختلف أصحابنا المنصفون في المسألة على طريقين:
أحدهما: القطع بأن لها وقتًا واحدًا فقط، وبهذا قطع صاحب المهذب، والمحاملي، وآخرون من العراقيين، ونقله صاحب الحاوي عن الجمهور.
والثاني: على قولين: أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق، وله أن يبدأ بالصلاة في كل وقت من هذا الزمان، وبهذا الطريق قطع أبو إسحاق في التنبيه، وجماعات من العراقيين، وجماهير الخراسانيين، وهو الصحيح، لأن أبا ثور ثقة إمام، ونقل الثقة مقبول، ولا يضره كون غيره لم ينقله، ولا كونه لم يوجد في كتب الشافعي،
وهذا مما لا شك فيه.
فعلى هذا الطريق اختلف في أصح القولين، فصحح جمهور الأصحاب القول الجديد، وهو أنه ليس لها إلا وقت واحد، وصحح جماعة القديم، وهو أن لها وقتين، وممن صححه من أصحابنا أبو بكر ابن خزيمة، وأبو سليمان الخطابي، وأبو بكر البيهقي، والغزالي في إحياء علوم الدين، وفي درسه، والبغوي في التهذيب، ونقله الروياني
في الحلية عن أبي ثور، والمزنيِّ، وابن المنذر، وأبي عبد الله الزبيري، قال: وهو المختار، وصححه أيضًا العجلي، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح.
قال النووي: قلت: هذا القول هو الصحيح، لأحاديث صحيحة:
стр. 3877
منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: "وقت المغرب ما لم يَغب الشَّفَقُ"، وفي رواية "وقت المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقطَ الشَفق"، وفي رواية: "وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" رواه مسلم بهذه الألفاظ كلها.
وعن أبي موسى الأشعري في بيان النبي ﷺ مواقيت الصلاة، قال: "ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق"، رواه مسلم، وهو الآتي للمصنف (٥٢٣).
وعن بريدة: "أن النبي ﷺ صلى المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق" رواه مسلم، ومضى للمصنف (٥١٩) وعن أبي قتادة "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" رواه مسلم.
قال: فإذا عُرِفَت الأحاديثُ الصحيحةُ تعين القول به جزمًا، لأن الشافعي نص عليه في القديم، كما نقله أبو ثور، وعلق القول به في "الإملاء" على ثبوت الحديث، وقد ثبت الحديث، بل أحاديث، و"الإملاء" من كتب الشافعي الجديدة، فيكون منصوصًا عليه في القديم، والجديد، وهذا كله مع القاعدة العامة التي أوصى بها الشافعي ﵀ أنه إذا صح الحديث على خلاف قوله، يُتركُ قوله، ويُعمَل بالحديث، وأن مذهبه ما صح فيه الحديث، وقد صح الحديث، ولا معارض له، ولم يتركه الشافعي إلا لعدم ثبوته عنده،
стр. 3878
ولهذا علق القول به في الإملاء على ثبوت الحديث. وبالله التوفيق.
وأما حديث صلاة جبريل ﵇ في اليومين في وقت واحد، فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحسنها، وأصحها: أنه إنما أراد بيان وقت الاختيار، لا وقت الجواز، فهكذا هو في أكثر الصلوات، وهي العصر، والعشاء، والصبح، وكذا المغرب.
والثاني: أن حديث جبريل مقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث متأخرة بالمدينة، فوجب تقديمها في العمل.
قال الجامع عفا اللة عنه: هذا الوجه ضعيف، لأن حديث جبريل من جملة من رواه أبو هريرة وجابر بن عبد الله، كما تقدم، وهما من أهل المدينة، وقد قدمنا أن الراجح تعدد القصة، فلا يمكن أن يكون منسوخًا، بل الوجه الأول هو الصواب في الجواب، ويليه الوجه الثالث الآتي، فتبصر. والله أعلم.
والثالث: أن هذه الأحاديث أقوى من حديث جبريل، لوجهين: أحدهما أن رواتها أكثر. والثاني أنها أصح إسنادًا، ولهذا خرجها ممسلم في صحيحه، دون حديث جبريل، وهذا لا شك فيه.
فحصل أن الصحيح المختار أن للمغرب وقتين: يمتد ما بينهما إلى مغيب الشفق، ويجوز ابتداؤها في كل وقت من هذا.
стр. 3879
فعلى هذا لها ثلاثة أوقات: وقت فضيلة واختيار؛ وهو أول الوقت. والثاني: وقت جواز؛ وهو ما لم يغب الشفق. والثالث: وقت عذر؛ وهو وقت العشاء في حق من جمع لسفر أو مطر.
وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن العلماء كافة، من الصحابة فمن بعدهم، كراهة تأخير المغرب. اهـ. مجموع، بنوع اختصار جـ ٣ ص ٢٩ - ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: فاتضح بهذا كله كون أرجح المذاهب هو مذهب من قال بأن آخر وقت المغرب هو غروب الشفق الأحمر، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، وإنما أطلت في نقل كلام النووي ﵀، لكونه تحقيقًا بليغًا في عدم التعصب لقول الإمام الشافعي المنصوص عليه في كثير من كتبه واتفق عليه معظم أصحابه، أنه لا وقت لها إلا واحد. فرأيت هذا الإمام أعطى المسألة حقها، ولم يُحَابِ فيها، واعتذر عن إمامه بعدم صحة الحديث عنده، أو بأن ما روي عنه من موافقة الجمهور هو الصحيح.
وهكذا يجب على المسلم أن يكون مع الحق حيثما كان، ولا يهاب إلا الحق، وإن خالفه جل الناس، ويعتذر عن الأئمة الذين خالفوه بوجه من وجوه الأعذار الصحيحة، وياليت أصحاب المذاهب اتبعوا هذا، فإن هذا هو منشأ ائتلاف كلمتهم وتوحيد صفوفهم، وكونهم يدًا واحدة على أعداء الإسلام، ولا يتفرقون تفرق أهل الأهواء الزائغة،
стр. 3880
وهذا هو وصيةُ الأئمة لأتباعهم، وليس وصيةً للشافعي فقط، إلا أن أتباعهم ما عملوا بوصاياهم إلا من وفقه الله، قاتل الله التعصب.
ولله در العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ﵀، حيث يقول (من الطويل):
عَلامَ جَعَلْتُمْ أيُّها النَّاسُ دِيننَا … لأرْبَعَةٍ لا شَكَّ فِي فَضْلِهِمْ عِنْدِي
هُمُ عُلَمَاءُ الدِّينِ شَرْقًا وَمَغْربًا … وَنُورُ عُيُونِ الْفَضْلِ وَالْحَق وَالزُّهْدِ
وَلَكِنَّهمْ كالنَّاسِ لَيْسَ كلامُهُمْ … دَلِيلًا وَلا تَقْلِيدُهُمْ فِي غَدٍ يُنْجِي
وَلا زَعَمُوا -حَاشَاهُمْ- أنَّ قَوْلَهُمُ … دَلِيلٌ فَيَسْتَهْدِي بِهِ كُلُّ مُسْتَهْدِي
بَلَى صَرَّحُوا أنَّا نُقَابِلُ قَوْلَهُمْ … إذَا خَالَفَ الْمَنْصُوصَ بالْقَدْحِ وَالرَّدِّ
اللهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. آمين.
المسألة السادسة: في قوله: "ما لم تصفر الشمس" حكاية مَلِيحَة أحببت إيرادها هنا لكونها ظريفة، مستحسنة، مشتملة على أحكام حركات الفعل المضارع المضعف الآخِرِ، وأمره، لكثرة تكرره في الأحاديث، مثل هذا الحديث:
قال العلامة ابن حمدون ﵀ في "حاشيته" على شرح المكودي لألفية ابن مالك في "باب الإدغام"، ما نصه:
(تتمة) حكاية جرت عادتهم بذكرها هنا، لمناسبتها، نَقَلَها صاحبُ
стр. 3881
"الأنيس المطرب" عن الفقيه البوعصامي في ترجمته، وذلك أن بعضهم سأل الفقيه المذكور عن حركة آخر الفعل المضارع المجزوم المضعف الآخر، وعن الأمر منه، نحو لم يَشُدّ، وشُدّ؟ فقال: إن لهذه المسألة قصةً اتفقت للراعي ﵀ مع بعض أصحابه.
قال الراعي: كان لي صاحب في خواص الملك، فسألني يومًا عن الفعل المضارع المجزوم المضعف، وعن الأمر منه؟ فلما شرعت في الجواب، فَهِمتُ منه، كأنه إنما سألني مختبرًا ما عندي، وأنه غير محتاج إلى جوابي، فسكت عنه، فأعاد السؤال مرارًا، فحلفت يمينًا مغلظة أن لا أخبره حتى ينزل من موضع عال، هو به، ويقعد على الأرض وسط المدرسة من غير حائل بينه، وبين الأرض، ويخضع لي، كما يخضع الصبي لمؤدبه، وإلا فهؤلاء العلماء فيهم كفاية عني في هذه المسألة وغيرها.
فردد ﵀ الأمر في نفسه مرارًا، وأطرق، ثم قال: لا بأس بالذل في طلب العلم، فإنه عِزّ على الحقيقة، ثم فعل ما طُلب منه، والطَّلَبَةُ ينظرون.
فقلت: يا عبد الله لم تجئني هذه المسألة رَخِيصَة، وسأحدثك كيف استوفيتها:
اعلم أني رحلت يومًا لشيخنا وسيدنا أبي الحسن علي بن محمد الأندلسي الغُرْنَاطي ﵀، وكان فقيرًا مُقِلًا، وكان أبوه، وأخوه
стр. 3882
يعيشان من نقل الحطب على حمارين لهما، وكان أبي تاجرًا في سوق القُمَاش.
فكنت أخدم الشيخ خدمة العبيد الناصحين، فأتيت له صبيحة يوم بارد، فقلت: هل من حاجة؟ قال: نعم، ليس عندنا ماء، ثم أخرج إليّ سَطلًا من نحاس وقُلَّة يسعان أربعين رطلًا من الماء، والماء من بيته على مسافة بعيدة، فأتيت بنحو اثني عشر نَقْلَة حتى امتلأ الزِّير (١)، وجميع أواني الدار.
ثم سلمت عليه، وأردت الخروج، وأنا في غاية التعب، قد ابْتَلَّتْ ثيابي، وامتلأت بالطين، وأنا أرتعد من البرد، فلما رأى ما بي، قال: اقعد حتى أعطيك مسألة جليلة، فقعدت معه.
فقال: ذكر صاحب الدار (٢) المكنون إنه وصل رجل إلى أشبيلية يقصد قراءة الحديث على أبي بكر الحافظ، فلما قرأ عليه قوله ﷺ : "ما لم تصفر الشمس"، وفي الحلقة جماعة من الطلبة، فيهم أبو بكر الشلوبين، فقال الشيخ: كيف تضبطون الراء من قوله: "ما لم تصفر الشمس"، فقالوا بأجمعهم بالفتح، ما عدا أبا بكر، فإنه بقي ساكتًا.
فأنشد الشيخ:
أورَدَها سَعدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ … مَا هَكَذَا يا سَعْدُ تورَدُ الإِبلْ
стр. 3883
ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: ما تقول أنت؟
فقال: إن العرب على ثلاث فِرَقٍ، مُتْبِعُون، وكاسرون، وفاتحون.
فالمتبعون، يتبعون الحرف المضعف لحركة الحرف الذي قبله؛ فإن كانت ضمة ضموه، نحو: لم يردُّ، ورُدُّ، وإن كانت فتحة، أو ألفًا فتحوا، نحو: لم يَعَضَّ، وعَضَّ، وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإن كانت كسرة كسروه، نحو لم يفرّ، وفرّ يا عمرو، إلا في ثلاث مواضع، فإنهم لا يتبعون لما قبله:
أحدهما: إذا اتصل بالفعل ضمير مذكر غائب، فإن المتبعين إنما يتبعون لحركة الضمير، فيقولون: لم يَفِرُّهُ، وفِرُّهُ، بضم الراء فيهما، ولم يَعَضُّهُ، بضم الضاد، وعليه يخرج قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إن قلنا: إن "لا ناهية"، لا نافية.
ثانيها: إذا اتصل بالفعل ضمير مؤنث غائب، نحو رُدَّهَا، ولم يَرُدَّهَا، وفرها، بفتح الحرف المدغم فيه اتباعًا لحركة الهاء، وإنما أتبعوا حركة الهاء في الموضعين لخفة الهاء، فلم يعتدوا بها فاصلًا، فكأن الضمةَ باشرت واو الصلة، والفتحةَ باشرت ألف الصلة.
ثالثها: إن لقي آخرَ الفعل ساكنٌ من كلمة أخرى، لامُ تعريف، أو غيرُها، فيرجع المتبعون هنا للكسر، نحو غُضِّ الطرفَ، وعليه
стр. 3884
يقال: "ما لم تصفرِّ الشمس" بكسر الراء، لا غير.
والفرقة الثانية: الكاسرون؛ يَكسرُون آخرَ الفعل مطلقًا على أصل التقاء الساكنين، فيقولون: ردِّ زيدًا، ولم يردّ، بكسر الدال فيهما، فعلى هذه اللغة، إنما يقال: "ما لم تصفرّ" بالكسر أيضًا، وهذه اللغة لغة كعب، ونمير.
والفرقة الثالثة: الفاتحون، وهم على قسمين: فُصَحاء، وغير فصحاء، فالفصحاء ينتقلون إلى الكسر إذا عارضهم ساكن من كلمة أخرى، فيقولون مُدِّ الحبل، وشُدِّ الرَّحْلَ، بكسر المدغم فيه منها، فيقال حينئذ: "ما لم تصفر" بالكسر أيضًا، وغير الفصحاء لا يزالون على أصلهم من الفتح، ولو لقي آخرَ الفعل ساكنٌ؛ وعليه فيقال: "ما لم
تصفرَّ" بفتح الراء، وعليه فجميع العرب يكسرون آخر الفعل إذا لقيه ساكن، إلا غير الفصحاء، ممن لغتهم الفتح، فإنهم يفتحونه.
فلما فرغ الشلوبين، أنشد الشيخ (من الخفيف):
ذُو المَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تعالَى … هَكذَا هَكَذا وإِلاَّ فلَا لَا
وقد نظم هذا التفصيل العلامة القاضي الولي الصالح أبو العباس سيدي أحمد بن الحاج، فقال (من الرجز):
إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَلا تُضَرَّ أَحَدَا
بِالْمَغْرِبِ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْعِشَاءِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حِينَ انْصَرَفَ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَمْسِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ، حَتَّى انْصَرَفَ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ، حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: "الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبدة بن عبد الله) الصَّفَّار الخُزَاعي، أبو سَهْل البصري، كوفي الأصل، ثقة، من [١١].
قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، ووثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. مات بالأهواز سنة ٢٥٨، وقيل بالبصرة سنة ٢٥٧، أخرج له البخاري، والأربعة.
٢ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوِيّ، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٦١، من [١١]، انفرد به النسائي، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
стр. 3887
٣ - (أبو داود) الحَفَري عُمَر بن سَعْد بن عبيد، ثقة عابد، من [٩]، أخرج له مسلم والأربعة، والحَفَري بفتح المهملة والفاء نسبة إلى موضع بالكوفة.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري: سمعت ابن معين قَدَّمَ أبا داود على قبيصة وأبي أحمد ومحمد بن يوسف في حديث سفيان، وقال وكيع: إن كان يدفع بأحد في زماننا، فبأبي داود.
وقال ابن المديني: لا أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد منه.
وقال أبو حاتم: صدوق، كان رجلا صالحا. وقال الآجري عن أبي داود: كان جليلًا جدًّا.
قال ابن سعد: كان ناسكًا زاهدًا، له فضل، وتواضع. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من العباد الخُشُن. قال عثمان بن أبي شيبة. كنا في غرفته، وهو يُمْلِي، فلما فرغ، قلت له: أترب الكتاب؟ قال: لا، الغرفة بالكراء. وقال العجلي: كان رجلا صالحًا متعبدًا، حافظًا لحديثه، ثبتًا، وكان فقيرا متعففًا، والذي ظهر له من الحديث: ثلاثة
آلاف، أو نحوها، وكان أبو نعيم يأتيه، ويعظمه، وكان لا يُتِمُّ الكلام من شدة توقيه، ولم يكن بالكوفة بعد حسين الجعفي أفضل منه.
وقال ابن وضاح: كان أبو داود ثقة أزهد أهل الكوفة، قال: وسمعت محمد بن مسعود يقول: هو أحب إلي من حسين الجعفي، وكلاهما ثقة. قال أحمد، وابن معين: مات سنة ٢٠٣، وفيها أرخه
стр. 3888
جماعة، زاد ابن سعد في جمادى الأولى بالكوفة.
وقال بعضهم: سنة ٢٠٦ وهو خطأ. أخرج له مسلم والأربعة. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الذي ذكرته من كون أبي داود هنا هو الحَفَري هو الصواب لأن المصنف صرح به في "السنن الكبرى"، ووقع عند الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" جـ ٦ ص ٤٦٩ أنه أبو داود الطيالسي، وهو وهم، وقد نبه عليه الحافظ في "النكت الظراف". فتنبه. والله أعلم.
٤ - (بدر بن عثمان) الأموي مولاهم الكوفي، ثقة، من [٦]، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه في التفسير.
قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال العجلي، والدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو العباس بن شريح في كتاب الرد على ابن أبي داود: بدر بن عثمان ليس بالمشهور.
٥ - (أبو بكر بن أبي موسى) الأشعري، اسمه عمر، أو عامر، ثقة، من [٣].
قال الآجري: قلت لأبي داود: سمع من أبيه؟ قال: أرَاه قد سمع.
وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهني قاتِل عمار، فأجلسه إلى جانبه، وقال: مرحبًا بأخي. وقال محمد بن عَبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة. وقال:
стр. 3889
مات في ولاية خالد بن عبد الله.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان اسمه كنيته، مات في ولاية خالد، ومن زعم أن اسمه عامر فقد وَهِمَ؛ عامر اسم أبي بردة.
وقال عبد الله بن أحمد في "العلل": قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا (١).
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد. اسمه كنيته، وكان قليل الحديث يستضعف، ومات في ولاية خالد، وكان أكبر من أخيه أبي بردة. وقال خليفة: مات سنة ١٠٦، أخرج له الجماعة.
٦ - (أبو موسى) الأشعري عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٣/ ٣. والله تعالى ولي التوفيق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين إلا شيخه أحمد بن سليمان فُرهَاويّ، وأما عبدة فهو كوفي الأصل نزيل البصرة.
стр. 3890
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة.
ومنها: قوله: "واللفظ له"، يعني أن لفظ الحديث لشيخه أحمد بن سليمان، وأما شيخه عبدة فرواه بمعناه، والقاعدة عند المحدثين أنه إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان، وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، قال، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات. وإلى هذا أشار الحافظ السيوطي في "ألفية الأثر"، بقوله:
وَلَوْ رَوىَ مَتنًا عَنْ أشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنَىً وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتصرًا بِلَفط وَاحدٍ وَلَمْ … يُبَيّن اخْتصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أو قَال: قَد تقارَبَا في اللَّفْظِ أوْ … واتَّحد المعنى على خُلْفٍ حَكَوْا
وَإِنْ يَكُن لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَع قَال أو قالا فَذاك أحسَنُ
ومنها: قوله: قال: إملاء علي، أي قال أبو داود: أملى هذا الحديث عَلَيَّ بدرُ بن عثمان إملاءً. والإملاء هو أن يُلقي الشيخ على الطالب الحديث، فيكتبه منه، وهو أعلى أنواع التحمل، وكان من عادة المحدثين عقد مجلس الإملاء. قال في "التقريب"، وشرحه "التدريب":
(فصل) يستحب للمحدث العارف عقدُ مجلس لإملاء الحديث،