بِالْمَغْرِبِ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ، فَأَقَامَ بِالْعِشَاءِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حِينَ انْصَرَفَ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَمْسِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ، حَتَّى انْصَرَفَ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ، حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: "الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبدة بن عبد الله) الصَّفَّار الخُزَاعي، أبو سَهْل البصري، كوفي الأصل، ثقة، من [١١].
قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، ووثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. مات بالأهواز سنة ٢٥٨، وقيل بالبصرة سنة ٢٥٧، أخرج له البخاري، والأربعة.
٢ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوِيّ، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٦١، من [١١]، انفرد به النسائي، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
стр. 3887
٣ - (أبو داود) الحَفَري عُمَر بن سَعْد بن عبيد، ثقة عابد، من [٩]، أخرج له مسلم والأربعة، والحَفَري بفتح المهملة والفاء نسبة إلى موضع بالكوفة.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري: سمعت ابن معين قَدَّمَ أبا داود على قبيصة وأبي أحمد ومحمد بن يوسف في حديث سفيان، وقال وكيع: إن كان يدفع بأحد في زماننا، فبأبي داود.
وقال ابن المديني: لا أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد منه.
وقال أبو حاتم: صدوق، كان رجلا صالحا. وقال الآجري عن أبي داود: كان جليلًا جدًّا.
قال ابن سعد: كان ناسكًا زاهدًا، له فضل، وتواضع. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من العباد الخُشُن. قال عثمان بن أبي شيبة. كنا في غرفته، وهو يُمْلِي، فلما فرغ، قلت له: أترب الكتاب؟ قال: لا، الغرفة بالكراء. وقال العجلي: كان رجلا صالحًا متعبدًا، حافظًا لحديثه، ثبتًا، وكان فقيرا متعففًا، والذي ظهر له من الحديث: ثلاثة
آلاف، أو نحوها، وكان أبو نعيم يأتيه، ويعظمه، وكان لا يُتِمُّ الكلام من شدة توقيه، ولم يكن بالكوفة بعد حسين الجعفي أفضل منه.
وقال ابن وضاح: كان أبو داود ثقة أزهد أهل الكوفة، قال: وسمعت محمد بن مسعود يقول: هو أحب إلي من حسين الجعفي، وكلاهما ثقة. قال أحمد، وابن معين: مات سنة ٢٠٣، وفيها أرخه
стр. 3888
جماعة، زاد ابن سعد في جمادى الأولى بالكوفة.
وقال بعضهم: سنة ٢٠٦ وهو خطأ. أخرج له مسلم والأربعة. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الذي ذكرته من كون أبي داود هنا هو الحَفَري هو الصواب لأن المصنف صرح به في "السنن الكبرى"، ووقع عند الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" جـ ٦ ص ٤٦٩ أنه أبو داود الطيالسي، وهو وهم، وقد نبه عليه الحافظ في "النكت الظراف". فتنبه. والله أعلم.
٤ - (بدر بن عثمان) الأموي مولاهم الكوفي، ثقة، من [٦]، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه في التفسير.
قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال العجلي، والدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو العباس بن شريح في كتاب الرد على ابن أبي داود: بدر بن عثمان ليس بالمشهور.
٥ - (أبو بكر بن أبي موسى) الأشعري، اسمه عمر، أو عامر، ثقة، من [٣].
قال الآجري: قلت لأبي داود: سمع من أبيه؟ قال: أرَاه قد سمع.
وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بردة، وكان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غادية الجهني قاتِل عمار، فأجلسه إلى جانبه، وقال: مرحبًا بأخي. وقال محمد بن عَبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بردة. وقال:
стр. 3889
مات في ولاية خالد بن عبد الله.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان اسمه كنيته، مات في ولاية خالد، ومن زعم أن اسمه عامر فقد وَهِمَ؛ عامر اسم أبي بردة.
وقال عبد الله بن أحمد في "العلل": قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا (١).
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن سعد. اسمه كنيته، وكان قليل الحديث يستضعف، ومات في ولاية خالد، وكان أكبر من أخيه أبي بردة. وقال خليفة: مات سنة ١٠٦، أخرج له الجماعة.
٦ - (أبو موسى) الأشعري عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٣/ ٣. والله تعالى ولي التوفيق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين إلا شيخه أحمد بن سليمان فُرهَاويّ، وأما عبدة فهو كوفي الأصل نزيل البصرة.
стр. 3890
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنة.
ومنها: قوله: "واللفظ له"، يعني أن لفظ الحديث لشيخه أحمد بن سليمان، وأما شيخه عبدة فرواه بمعناه، والقاعدة عند المحدثين أنه إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان، وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، قال، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات. وإلى هذا أشار الحافظ السيوطي في "ألفية الأثر"، بقوله:
وَلَوْ رَوىَ مَتنًا عَنْ أشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنَىً وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتصرًا بِلَفط وَاحدٍ وَلَمْ … يُبَيّن اخْتصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أو قَال: قَد تقارَبَا في اللَّفْظِ أوْ … واتَّحد المعنى على خُلْفٍ حَكَوْا
وَإِنْ يَكُن لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَع قَال أو قالا فَذاك أحسَنُ
ومنها: قوله: قال: إملاء علي، أي قال أبو داود: أملى هذا الحديث عَلَيَّ بدرُ بن عثمان إملاءً. والإملاء هو أن يُلقي الشيخ على الطالب الحديث، فيكتبه منه، وهو أعلى أنواع التحمل، وكان من عادة المحدثين عقد مجلس الإملاء. قال في "التقريب"، وشرحه "التدريب":
(فصل) يستحب للمحدث العارف عقدُ مجلس لإملاء الحديث،
стр. 3891
فإنه أعلى مراتب الرواية والسماع، وأحسن وجوه التحمل وأقواها، ورَوَى ابنُ عدي والبيهقي في "المدخل" من طريقه: ثنا عبد الصمد بن عبد الله، ومحمد بن بشر الدمشقيان، قالا: ثنا هشام بن عمار، ثنا أبو الخطاب معروف الخياط، قال: رأيت واثلة بن الأسقع ﵁ يملي على الناس الأحاديث، وهم يكتبونها بين يديه. اهـ. جـ ٢ ص ١٣٢ - ١٣٣. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن بدر بن عثمان) الأموي مولاهم (قال) أبو داود الحفري (إِمْلاءً علي) أي أملى بدرٌ عليّ هذا الحديث إملاء، فـ"إملاءً" منصوب على المصدرية لأملى مقدرًا.
والإملاء، ويقال فيه الإملال: الإلقاء على الكاتب، قال في المصباح: وأمللت الكتاب على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمليته عليه إملاءً، والأولى لغة الحجاز وبني أسد، والثانية لغة بني تميم وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، اهـ. جـ ٢ ص ٥٨٠.
قال بدر (حدثنا أبو بكر بن أبي موسى) الأشعري، عمرو، أو عامر (عن أبيه) أبي موسى عبد الله بن قيس ﵁، أنه (قال: أتى النبي ﷺ سائل) فاعل مؤخر لأتى، ولم يُعرَف اسمه (يسأله عن مواقيت الصلاة) الجملة في محل رفع صفة لسائل (فلم
стр. 3892
يرد) النبي ﷺ (شيئًا) أي لم يرد عليه جوابا ببيان الأوقات باللفظ بل قال له: "صل معنا" لتعرف ذلك، ويحصل لك البيان بالفعل، وإنما تأولناه لنجمع بينه وبين حديث بريدة، حيث قال له: "صل معنا هذين اليومين"، ولأن من المعلوم من أحواله ﷺ أنه كان يجيب إذا سئل عما يحتاج إليه. أفاده النووي في شرح مسلم جـ ٥ ص ١١٦.
(فأمر بلالًا) بالأذان، فأذن، ثم أمره بالإقامة (فأقام: بالفجر) الباء سببية، أي أقام بسبب حضور صلاة الفجر، أو هي بمعنى اللام، أي أقام للفجر (حين انشق) أي طلع الفجر، يقال: شق الفجر، وانشق: طلع، كأنه شَقَّ محل طلوعه، وخرج منه. ولمسلم: "فأقام الفجر، حين انشق الفجر، والناس لا يعرف بعضهم بعضًا"، والمراد أنه أراد أول الطلوع.
(ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس) عن بطن السماء.
(والقائل يقول: أنتصف النهار؟) قال الشيخ ولي الدين: أنتصف بفتح الهمزة على سبيل الاستفهام، وهمزة الوصل محذوفة، كقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: ١٥٣]. وقال السندي: يحتمل أن تكون بكسرها على أن حرف الاستفهام مقدر، كما في قول
القائل: طلعت الشمس؟ اهـ.
والجملة في محل نصب على الحال، والتقدير: أمره ﷺ بالإقامة
стр. 3893
للظهر حين زالت الشمس، والحال أن القائل يقول -من شدة تبكيره- هل انتصف الآن النهار؟.
(وهو أعلم) أي والحال أنه ﷺ أعلم بانتصاف النهار، ودخولِ وقت الظهر، وإنما خفي على غيره، حتى استفهم. وهذا هو الذي يظهر من معنى الحديث، وأما ما وقع في "المنهل العذب" في شرح هذا المحل فغير صحيح (١).
(ثم أمره بالعصر، والشمس مرتفعة) أي في أول وقتها، كما قال في حديث بريدة: "بيضاء نقية" (ثم أمره، فأقام بالمغرب حين غربت الشمس) أي في أول وقتها (ثم أمره، فأقام بالعشاء، حين غاب الشفق) والمراد به الأحمر.
(ثم أخر الفجر من الغد حين انصرف) هكذا في النسخة المصرية والهندية: "حين انصرف"، وأشار في هامش الهندية، وهو ما في "الكبرى" أيضًا: "حتى انصرف" وهو أوضح، وللأول أيضًا وجه صحيح، بأن يتعلق "حين" بمقدر، أي فانصرف حين انصرف (و) الحال أنه (القائل يقول: طلعت الشمس) يعني أنه أخر الفجر في اليوم
стр. 3894
الثاني حتى إنه حين انصرافه من الصلاة يتخيل بعض من رأى أن الشمس قد طلعت، وهي لم تطلع.
(ثم أخر الظهر إِلى قريب العصر بالأمس) يعني أنه أخر صلاة الظهر حتى اقترب وقت العصر في اليوم الأول.
(ثم أخر العصر، حتى انصرف) أي سلم منها (و) الحال أنه (القائل يقول: احمرت الشمس) من شدة تأخيره (ثم أخر المغرب حتى كان) اسم "كان" ضمير يعود إلى الوقت، أي حتى كان الوقت، وخبرها قوله (عند سقوط الشفق) أي غروب الشفق، والمراد قربه من الغروب؛ يدل عليه رواية أبي داود: "وصلى المغرب قبل أن يغبيب الشفق".
(ثم أخر العشاء إلى ثلث الليل)، ولمسلم: "حتى كان ثلث الليل الأول"، وفي حديث بريدة: "وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل"، رواه مسلم، وفي رواية له: "عند ذهاب ثلث الليل، أو بعضه" والمعنى متقارب، يعني أنه صلى العشاء في اليوم الثاني في وقت
الثلث، بحيث انتهى منها بعد الثلث.
(ثم قال) ولمسلم: "ثم أصبح، فدعا السائل، فقال (الوقت) مبتدأ، خبره قوله (فيما بين هذين)؛ أي الوقت المقتصد الذي لا إفراط فيه تعجيلًا، ولا تفريط فيه تأخيرًا، هو هذا، أوَ بيَّنْتُ بما فعلتُ أولَ الوقت، وآخره، والصلاة جائزة في جميعه، أوله، وأوسطه،
стр. 3895
وآخره، والمراد بالآخر هنا آخر الوقت المختار، لا الجواز، إذ يجوز تأخير الظهر ما لم يدخل وقت العصر، وتأخير العصر ما لم تغرب الشمس، والعشاء إلى نصف الليل. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي موسى الأشعري ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٢٣) عن عبدة بن عبد الله، وأحمد بن سليمان، كلاهما عن أبي داود الحَفَري، عن بدر بن عثمان، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، وفي "الكبرى" (١٤٩٩) عن أحمد بن سليمان وحده، عن أبي داود به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- كلاهما عن بدر بن عثمان به.
وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن بدر بن عثمان به. وأخرجه البيهقي.
قال الجامع عفا الله عنه: أورد المصنف رحمه الله تعالى هذا
стр. 3896
الحديث مستدلًا به على آخر وقت المغرب، ومحل الاستدلال قولُهُ: "ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق".
وفوائد الحديث، وأقوال العلماء فيه قد تقدمت في شرح حديث بريدة ﵁، وحديث عبد الله بن عمرو الذي قبله، فلا حاجة إلى إعادتها. فارجع إليها تزدد علمًا. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٢٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلاَّمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، فَقُلْنَا لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَذَاكَ زَمَنُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ، حِينَ كَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ وَظِلِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ
стр. 3897
صَلَّى مِنَ الْغَدِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ طُولَ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ مِثْلَيْهِ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سَيْرَ الْعَنَقِ إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، أَوْ نِصْفِ اللَّيْلِ -شَكَّ زَيْدٌ- ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ، فَأَسْفَرَ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاوي المتقدم في السند السابق، ثقة حافظ، من [١١].
٢ - (زيد بن الحُبَاب) أبو الحسين العُكّلي الكوفي، خُراسَاني الأصل، صَدُوق يُخْطِىء في حديث الثوري، توفي سنة ٢٠٣، من [٩]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٣ - (خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت) الأنصاري، أبو زيد، وقيل: أبو ذر المدني، وقد ينسب إلى جده، صدوق، له أوهام، من [٧].
قال أبو طالب عن أحمد: ضعيف، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ حديثه صالح. وقال أبو داود: شيخ. وقال ابن عدي: لا بأس به، وبرواياته عندي. ذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة ١٦٥، وكذا أرخه ابن حبان في "الثقات"، وكذا قال ابن سعد،
стр. 3898
وقال: كان قليل الحديث. وقال ابن الجوزي: ضعفه الدارقطني. وقال الأزدي: اختلفوا فيه، ولا بأس به، وحديثه مقبول كثير المنكر، وهو إلى الصدق أقرب. أخرج له المصنف والترمذي.
٤ - (الحسين بن بشير بن سَلاَّم) أبو سلمان المدني مولى الأنصار، مقبول، من [٧]، أخرج له النسائي.
روى عن أبيه، وعنه خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت. له هذا الحديث فقط، ذكره ابن حبان في الثقات. انفرد به المصنف.
٥ - (بشير بن سلام) أو سلمان الأنصاري المدني، والد حسين مولى صفية بنت عبد الرحمن، صدوق، من [٣]، أخرج له النسائي.
روى عن جابر في الصلاة، وعنه ابنه. روى له المصنف هذا الحديث فقط، وقال. ليس به بأس، وقال أبو داود: لا بأس به، وسمى النسائي، وأبو داود، والبخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "الثقات"، أباه سلمان، ووقع عند عبد الرزاق: ثنا خارجة بن عبد الله بن زيد، عن حسين بن بشير بن سَلاَّم، عن أبيه، فذكر الحديث الذي أخرجه النسائي (١)، وهكذا وقع في "المعجم الأوسط" للطبراني، قال الحافظ: وكأن الصواب سلمان. والله أعلم.
٦ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي الصحابي الجليل ﵁ توفي بالمدينة بعد سنة ٧٠ عن ٩٤ سنة،
стр. 3899
أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الاسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته مدنيون، إلا شيخه، فُرهَاوِيّ، وزيدًا فكوفي.
ومنها: رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة رَوَى ١٥٤٠ حديثًا.
ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، والقول.
ومنها: أن الحسين بن بشير، وأباه من أفراده، ولم يخرج لهما إلا في هذا الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن بشير بن سَلاَّم) أنه (قال: دخلت أنا) أكد الضمير المتصل بالمنقصل لأجل العطف عليه، كما قال ابن مالك:
وإن عَلَى ضَمِيرِ رفعٍ مُتَّصِلْ … عَطفتَ فَافصِل بَالضَّمير الْمُنْفَصِلْ
(ومحمد بن علي) عطف على الضمير الفاعل، هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، مات سنة بضع عشرة ومائة، من [٤].
(على جابر بن عبد الله الأنصاري) بفتح الهمزة، وسكون
стр. 3900
النون: نسبة إلى الأنصار، وهم جماعة من أهل المدينة، من الصحابة، من أولاد الأوس، والخزرج، قيل لهم: الأنصار، لنصرتهم رسول الله ﷺ ، وفيهم كثرة على اختلاف بطونها، وأفخاذها. اهـ اللباب جـ ١ ص ٨٩.
(فقلنا له: أخبرنا عن صلاة رسول الله ﷺ ) أي عن أوقات صلواته، فالمراد جنس الصلاة، يعني الصلوات الخمس (وذاك) إشارة إلى دخولهم عليه، وسؤالهم له وهو مبتدأ (زمن الحجاج بن يوسف) منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف خبر المبتدإ، أي ذاك كائن وقت ولاية الحجاج.
والحجاج هو ابن يوسف هو بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر ابن مُعَتِّب بن مالك بن كعب الثقفي، قال ابن قتيبة: هو من الأجلاف، قاَل. وكان أخفش دقيق الصوت، وأول ولاية وليها تَبَالَة -بمثناة فوق مفتوحة، ثم باء موحدة مخففة- فلما رآها احتقرها، فتركها، ثم تولى قتال ابن الزبير ﵁، فقهره على مكة والحجاز، وقتل ابن الزبير، وصلبه بمكة سنة ٧٣، فولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، وكان يصلي بالناس ويقيم لهم الموسم، ثم ولاه العراق وهو ابن ٣٣ سنة، فوليها عشرين سنة، وحطم أهلها، وفعل ما فعل، وتولى بواسط، ودفن هذا، وعفي قبره، وأجري عليه الماء، وكان موته سنة ٩٥. اهـ. "تهذيب النووي" جـ ١ ص ١٥٣.
стр. 3901
(قال) جابر ﵁ (خرج رسول الله ﷺ ، فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفيء) هو الظل بعد الزوال، وتقدم الفرق بينه، وبين الظل، في شرح حديث جبريل (قدر الشراك) بكسر الشين المعجمة، وفتح الراء: سَيْر من سُيُور النعل التي تكون على وجهها. وقدر الشراك في هذا الموضع ليس على طريقة التحديد، وإنما أراد أن يدل به على زوال الشمس، وأنه أول وقت الظهر، ولا يكاد يَبين الزوالُ في أول الأمر إلا بأقل ما يُرَى من الفيء الذي يستبين به أول الزوال، وليس هذا المقدار مما يبين به الزوال في جميع البلاد، إنما يظهر أثر ذلك في مثل مكة من البلاد التي تجتاز الشمس برؤوس أهلها، ولا يبقى حينئذ لشيء من الأشخاص ظل عند كون الشمس في خط نصف النهار، وهو ما يُسَامِتُ الرؤوس من السماء، فإذا زالت الشمس: ظهر للشخص القائم ظلَ من جهة الشَّمال، فأما ما عدا هذا الحد من البلاد، مما لا تجتاز الشمس برؤوس أهله، فإن الظل من جهة الشمال لا ينعدم، بل يقل ويكثر بأحد أمرين، إما ببعد تلك البلدة عن مُعَدَّل النهار في جهة الشمال، وإما بانحطاط الشمس إلى البروج الجنوبية، فإن الظل يكثر في جهة الشمال بأحد هذين، وبهما جميعًا، فإنهما يجتمعان
لبعض البلاد دون بعض. اهـ. "المغني" لابن باطيش جـ ١ ص ٧٧.
وانتصاب "قدر" على الظرفية، فيكون خبرًا لـ"كان".
(ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وظلِّ الرجل) بجر "ظل" عطفًا على "الشراك"، يعني أنه صلى صلاة العصر حين كان
стр. 3902
الظل الذي بعد الزوال مثل ظل الرجل مع مقدار الشراك (ثم صلى المغرب حين غابت الشمس) أي في أول وقتها (ثم على العشاء حين غاب الشفق) أي في أول الوقت (ثم صلى الفجر حين طلع الفجر) أي في أول الوقت.
(ثم صلى من الغد الظهر، حين كان الظل طولَ الرجل) أي مثل طوله، والمراد أنه انتهى من صلاة الظهر في ذلك الوقت، وليس أنه ابتدأ الصلاة في ذلك الوقت، للدلائل الصريحة أن وقت الظهر آخره إذا صار ظل كل شيء مثله، وتقدم تحقيق البحث في هذا في بابه.
وانتصاب "طولَ" على الظرفية، كـ"قدرَ"، فيكون خبرًا لـ"كان".
(ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه) آخر الوقت المختار (قدر ما يسير الراكب العَنَقَ) بفتح المهملة، والنون، آخره قاف: ضرب من السير فسيح سريع. قاله في "المصباح ". وقال السندي: هو إلى التوسط أقرب. اهـ.
قال الجامع: يدل على ما قاله السندي حديث: "أن النبي ﷺ حين دفع من عرفة، سار العَنَقَ، فإذا وجد فَجْوَة نَصَّ"، فإن النَّصَّ هو مُنتهَى الإسراع، كما في "اللسان" وغيره، فيكون العَنَقُ وسطًا.
(إِلى ذي الحليفة) متعلق بيسير، يعني أنه صلى العصر في الوقت الذي يُقَدَّر بأن الراكب إذا سار بعد الصلاة سيرًا عَنَقًا وصل إلى ذي الحليفة قبل الغروب.
стр. 3903
(ثم صلى المغرب حين غابت الشمس) في الوقت الذي صلاها فيه بالأمس، وهذا يدل على أنه صلاها في اليومين في وقت واحد، وبه استدل من قال: إن للمغرب وقتًا واحدًا، وقد تقدم الجواب عنه مستوفى في الأحاديث السابقة.
(ثم صلى العشاء إِلى ثلث الليل) متعلق بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول، تقديره: حال كونه مؤخرًا أو حال كونها مؤخرة إلى ثلث الليل، أو "إلى" بمعنى "في"؛ أي صلاها في ثلث الليل (أو) للشك (نصفه) أي نصف الليل.
(شك زيد) هو ابن الحباب، يعني أن زيد بن الحباب شك، هل قال له: "إلى ثلث الليل" أو قال له: "إلى نصف الليل"، لكن الروايات الأخرى على الثلث، وعلى النصف يكون معناه، أنه صلى العشاء، فأخرها، حتى يكون فراغه منها عند النصف، لا أنه صلاها عنده، لأن النصف آخر وقتها، كما يأتي.
(ثم صلى الفجر، فأسفر) أي أخرها إلى انتشار الضوء جدًا.
تنبيه:
حديث جابر ﵁ هذا من أفراد المصنف، أخرجه هنا في "المجتبى" بهذا السند فقط. وهو صحيح بشواهده. فإن الأحاديث المتقدمة، والآتية تشهد له، كما أشار إليه الشيخ الألباني في "صحيح النسائي".
стр. 3904
وفوائده، وسائر المسائل المتعلقة به تعرف مما سبق، فلا حاجة إلى إعادتها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3905
١٦ - باب كَرَاهِيَةِ النَّوْمِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كراهية النوم بعد صلاة المغرب، قبل أداء صلاة العشاء، فالكراهية ليست للوقت، وإنما هي لأجل أنه يؤدي إلى فوات العشاء، وإلا فلا كراهة كما يأتي تحقيقه، ومحل الاستدلال من الحديث واضح.
٥٢٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَرْزَةَ، فَسَأَلَهُ أَبِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، حِينَ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
стр. 3906
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن بَشَّار) بُنْدار البصري ثقة حافظ، من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (يحيى) بن سعيد القَطَّان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عوف) بن أبي جَمِيلَة بَنْدَوَيْه الأعرابي البصري ثقة رمي بالقدر والتشيع، من [٦]، تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٤ - (سيَّار بن سلامة) أبو الْمِنْهَال الرّيَاحِيُّ البصري، ثقة، من [٤]، تقدم في ٤٩٥.
٥ - (أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ) نَضْلَةُ بن عُبَيد صحابي مشهور، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة، وغزا خُرَاسَان، ومات بها سنة ٦٥ على الصحيح، تقدم في ٤٩٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أنه مسلسل بسماع كل راو عمن روى عنه صريحًا. والله تعالى أعلم.
стр. 3907
شرح الحديث
(قال) سيار بن سلامة (دخلت على أبي برزة الأسلمي) نَضْلَة ابن عُبَيد ﵁ (فسأله أبي) لم توجد ترجمة والده سلامة هذا، كما تقدم في قول الحافظ (٤٩٥) (كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة) والمراد الأوقات التي كان يصلي فيها الصلوات المكتوبة (قال) أبو برزة (كان) ﷺ (يصلي الهجير) أي الظهر، وأصل الهَجِير، كما في المصباح: نصف النهار في القَيْظِ خاصة.
وقال ابن منظور ﵀: الهَجِير، والهَجِيَرةُ، والهَاجرَة: نصف النهار عند زوال الشمس إلى العَصر، وقيلَ في كل ذلك: إنه شدة الحر، وقال الجوهري: هو نصف النهار عند اشتداد الحر. اهـ لسان جـ ٦ ص ٤٦١٩.
(التي تدعونها) أي تسمونها (الأولى) أي الصلاة الأولى، سميت بذلك لكونها أول صلاة صُلِّيَت أولَ ما فُرِضَت الصلاة، كما تقدم في حديث جبريل ﵇ (حين تدحض الشمس) أي تزول عن وسط السماء إلى جهة الغرب، كأنها دَحَضَت، أي زَلَقَت. قاله في "الزهر".
(وكان يصلي العصر حين يرجع أحدنا) أي بعد فراغه من الصلاة (إِلى رحله) أي منزله، قال المجد: الرَّحْل: مَرْكَبٌ للبعير، جمعه أرْحُل، ورِحَال، ومَسْكَنُكَ، وما تَسْتَصْحبُهُ من الأثَاث. اهـ."ق"، والمناسب هنا معنى المسكن (في أقصَى المدينة) جار
стр. 3908
ومجرور متعلق بمحذوف حالٍ من "رحله"، أي حال كون ذلك الرحل كائنًا في أبعد محل من المدينة.
وقوله (والشمس حية) جملة حالية من محذوف، تقديره: فَيَصِلُ إليه، والحال أن الشمس بيضاء نقية، فحياة الشمس كناية عن بقاء حرها، لم تتغير.
وفيه دليل على استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وقد مر البحث عنه مستوفىً في بابه، والحمد لله.
قال سيار (ونسيت ما قال) أبو برزة (في) وقت (المغرب) قال أبو برزة (وكان) ﷺ (يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العَتَمَةَ) بفتحات: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: العَتَمَة: وقت صلاة العشاء الأخيرة، سميت بذلك لاستعتام نَعَمها، أي احتلابها، وقيل: لتأخر وقتها. وسيأتي النهي عن تسمية العشاء عتمة، والترخيص فيه في بابه إن شاء الله تعالى.
(وكان يَكْرَهُ النومَ قبلها) لما فيه من التعرض لتفويتها، وقد تقدم أن هذا لمن لا يجد من يوقظه، وإلا فلا بأس لحديث ابن عمر ﵄ الماضي في شرح حديث (٤٩٥).
(و) يَكْرَهُ (الحديث بعدها) أي محادثة الناس بعضهم لبعض، وهذا أيضًا فيما إذا لم يكن الحديث في أمر مهم، وإلا فقد تقدم أنه ﷺ كان يتحدث بعدها (وكان ينفتل) أي ينصرف (من صلاة الغداة) أي
صلاة الصبح (حين يعرف الرجل جليسه) فعيل بمعنى فاعل، أي
стр. 3909
مجالسه، وفي الرواية السابقة: "فينصرف الرجل، فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه، فيعرفه".
وفيه دليل على استحباب التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغَلَس، وقد صرح في الحديث بأن ذلك كان عند الفراغ من الصلاة، ومن المعلوم من عادته ﷺ ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مُغَلِّسا. وسيأتي تمام البحث في هذا في بابه إن شاء الله تعالى (وكان يقرأ) فيها (بالستين إِلى المائة) يعني من الآي، وقَدَّرَهَا في رواية الطبراني بـ "سورة الحاقة"، ونحوها.
تنبيه:
هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم بيان مواضع ذكره، ومَن أخرجه معه، وفوائد الحديث في الحديث رقم (٤٩٥) فارجع إليه تزدد علمًا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 3910
١٧ - أول وَقْتِ الْعِشَاءِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان أول وقت صلاة العشاء.
ومحل الاستدلال واضح في قوله: "حتى إذا ذهب الشفق" الخ. وهذا مجمع عليه لا خلافت بين أهل العلم أن أول وقت العشاء غروب الشفق، وإنما اختلفوا في معنى الشفق، هل هو الحمرة، كما هو رأي الجمهور، أو هو البياض؛ كما هو رأي أبي حنيفة ﵀؟. وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
٥٢٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَصَلِّ الظُّهْرَ، حِينَ مَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَهُ جَاءَهُ لِلْعَصْرِ، فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَصَلِّ الْعَصْرَ، ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، جَاءَهُ، فَقَالَ: قُمْ، فَصَلِّ الْمَغْرِبَ، فَقَامَ فَصَلاَّهَا حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ سَوَاءً، ثُمَّ مَكَثَ، حَتَّى إِذَا
стр. 3911
ذَهَبَ الشَّفَقُ، جَاءَهُ، فَقَالَ: قُمْ، فَصَلِّ الْعِشَاءَ، فَقَامَ، فَصَلاَّهَا، ثُمَّ جَاءَهُ حِينَ سَطَعَ الْفَجْرُ فِي الصُّبْحِ، فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَصَلِّ، فَقَامَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الْغَدِ، حِينَ كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَهُ، فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَصَلِّ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ حِينَ كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَيْهِ، فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَصَلِّ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْمَغْرِبِ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ وَقْتًا وَاحِدًا، لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، فَقَالَ: قُمْ، فَصَلِّ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْعِشَاءِ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ، فَقَالَ: قُمْ، فَصَلِّ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلصُّبْحِ حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا، فَقَالَ: قُمْ، فَصَلِّ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، فَقَالَ: "مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ كُلُّهُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، لقبه: الشاه، راوية ابن المبارك، ثقة، توفي سنة ٢٤٠ عن ٩٠ سنة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
стр. 3912
٢ - (عبد الله بن المبارك) أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي، ثقة حجة عابد فقيه إمام، توفي سنة ١٨٠، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (حسين بن علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، صدوق مُقِلّ، توفي سنة ١٦٠، من [٧].
يقال له: حسين الأصغر، رَوَى عن أبيه، وأخيه أبي جعفر، وَوَهْب ابن كَيْسَان، وعنه موسى بن عقبة، وابن أبي الموالى، وابن المبارك، وأولاده: إبراهيم، ومحمد، وعبيد الله، بنو الحسين، وغيرهم. قال النسائي. ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج له الترمذي، والمصنف هذا الحديث فقط.
٤ - (وهب بن كيسان) القرشي مولى آل الزبير، أبو نعيم المدني المعلم المكي، ثقة، توفي سنة ١٢٧، من كبار [٤].
قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمَر: لم يكن له فتوى، وكان مُحَدِّثًا ثقة. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال علي بن الحسين بن الجنيد عن ابن معين: ثقة، وكذا قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه. أخرج له الجماعة.
٥ - (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
стр. 3913
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات مدنيون، إلا شيخه، وابن المبارك، فمروزيان.
ومنها: أن فيه جابر بن عبد الله أحد المكثرين السبعة رَوَى ١٥٤٠ حديثًا.
ومنها: أن فيه الإخبار، والإنباء، والتحديث، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الصحيح في "عن" من غير المدلس.
قال الجامع عفا الله عنه: وأما شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به، فقد تقدمت في شرح حديث جابر- ﵁ هذا برقم (٥١٣) فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته، فارجع إليه تزدد علمًا. وبالله التوفيق.
تنبيه:
قوله هنا: "سواء"، أي مساوية للغروب، حال من مفعول "صلاها". قاله السندي.
وقوله: "لم يَزُلْ عنه": أي لم يتغير الوقت عما كان عليه بالأمس، بمعنى أن صلاته للمغرب في اليومين وقعت في وقت واحد. والله
стр. 3914
أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3915
١٨ - تَعْجِيلُ الْعِشَاءِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب التعجيل بصلاة العشاء. وهذا مقيد بما إذا اجتمع الناس في أول الوقت، وكان التأخير يشق عليهم، وإلا فالتأخير أفضل للأحاديث الآتية في "باب ما يستحب من تأخير العشاء".
٥٢٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ، قَالَ: قَدِمَ الْحَجَّاجُ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ.
رجال الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة حافظ، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (محمد بن بشار) بُنْدَار أبو بكر البصري، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
стр. 3916
٣ - (محمد) بن جعفر غُنْدَر البصري، ثقة، من [٩]، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٤ - (شعبة) بن الحجاج البصري الواسطي الأصل، ثقة، حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٥ - (سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة، ثقة فاضل عابد، توفي سنة ١٢٥، وقيل: بعدها، وهو ابن ٧٢ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٦/ ١٢٤.
٦ - (محمد بن عمرو بن حسن) بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، أبو عبد الله المدني، أمه رملة بنت عقيل بن أبي طالب، ثقة، من [٤].
رَوَى عن عمة أبيه زينب بنت علي، وابن عباس، وجابر. وعنه سعد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وأبو الجحاف: داود بن أبي عوف، وعبد الله بن ميمون. قال: أبو زرعة والنسائى، وابن خراش: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنف.
٧ - (جابر بن عبد الله) ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
стр. 3917
ومنها: أن نصف السند الأول بصريون إلى شعبة، والثاني مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: سعد عن محمد، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمد بن عمرو بن حسن) بن علي بن أبي طالب، ولمسلم من طريق معاذ، عن شعبة، عن سعد، سمع محمد بن عمرو بن الحسن، أنه (قال: قدم الحجاج) أي المدينة، والحجاج -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم، آخره جيم- هو: ابن يوسف الثقفي، قال الحافظ ﵀: وزعم الكرماني أن الرواية بضم أوله، قال: وهو جمع حاج انتهى. وهو تحريف بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عوانة في صحيحه من طريق أبي النضر عن شعبة: "سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة"، وفي رواية مسلم من طريق معاذ عن شعبة: "كان الحجاج يؤخر الصلاة".
فائدة:
كان قدوم الحجاج المدينة أميرًا عليها من قبَلِ عبد الملك بن مروان سنة -٧٤ - وذلك عقيب قتل ابن الزبير، فَأمَّرَهُ عَبد الملك على الحرمين وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق. اهـ. فتح جـ ٢ ص ٥٠.
(فسألنا جابر بن عبد الله) لم يبين المسئول ما هو؟ وقد فسره في
стр. 3918
رواية أبي عوانة المتقدمة، "أي عن وقت الصلاة" فـ (قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بالهاجرة) هي شدة الحر، والمراد هذا نصف النهار بعد الزوال، سميت بها لأن الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر؛ لأجل القيلولة وغيرها. اهـ. جـ ٥ ص ٥٦.
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ ما حاصله: هذا يدل على تقديمها في أول الوقت، فإنه قد قيل في الهاجرة والهَجيرِ: إنهما شدة الحر وقُوَّتُهُ، ويعارضه ظاهر قوله ﷺ "إذا اشتد الحر، فأبردوا"،
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقا، فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد، وفيه بُعْد. وقد يقرب بما نقل عن صاحب العين، أن الهجير والهاجرة نصف النهار، فإذا أخذ بظاهر هذا الكلام كان مطلقًا على الوقت. انتهى. "إحكام الأحكام" جـ ٢ ص ٢٣ - ٢٤.
والذي ارتضاه العلامة الصنعاني في حاشيته: أن يقال: إن أحاديث التهجير منسوخة كما قال أحمد، ودل له حديث المغيرة، وأنه كان أول الأمر صلاته بالهاجرة، ثم نسخه بالإبراد، وهو خاص بأيام شدة الحر.
وقد يقال: إن الصحابي إذا عبر بعبارة تدل على أن هجّيرَاهُ وعادته كان التهجيرَ بالصلاة، فمراده الأغلبُ ذلك؛ إذ أيام شَدَة الحر قليلة
стр. 3919
بالنسبة إلى خلافها في المدينة، انتهى كلام الصنعاني في "العدة" جـ ٢ ص ٢٦ وهو جمع حسن. والله أعلم.
(و) كان يصلي (العصر والشمس حية بيضاء نقية) جملة اسمية وقعت حالًا على الأصل بالواو، ومعنى نَقِيَّة: خالصة صافية، لم يدخلها بَعْدُ صفرة، ولا تغير. أفاده العيني.
(و) كان يصلي (المغرب إِذا وجبت الشمس) أي غابت، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص الشمس، وفيه دليل على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربةً، وبين الرائي حائل. قاله في الفتح.
(والعشاء أحيانًا) جمع حينٍ، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، على المشهور، وهو المراد هنا، وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة، وبمعنى ستة أشهر، اهـ. عمدة القاري جـ ٥ ص ٥٧.
فقوله: "والعشاء" بالنصب مفعول لفعل محذوف كسابقيه، وقوله: "أحيانًا" ظرف لذلك الفعل المقدر، أي كان يصلي العشاء في أوقات مختلفة، يقدم في بعضها، ويؤخر في بعضمها. فقوله: "كان إذا رآهم … الخ" بيان لمعنى قوله "أحيانًا". ورواية البخاري "والعشاء أحيانًا، وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجَّلَ، وإذا رآهم أبطئوا أخَّرَ"، ولمسلم "أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل" إلخ.
(كان إِذا رآهم اجتمعوا عجل) يعني أنه إذا رأى الجماعة اجتمعوا
стр. 3920
عجل صلاة العشاء، لأن في تأخيرها تنفيرهم (وإذا رآهم قد أبطئوا) من الإبطاء رباعيًا، أي تأخروا عن الحضور (أخر) صلاة العشاء ليحرزوا فضيلة الجماعة.
تنبيه:
حديث جابر هذا أخرجه المصنف هنا وفي "الكبرى"، بدون بيان وقت الصبح، وقد أخرجه البخاري، وفيه بيانه، ولفظه "والصبح كانوا أو كان النبي ﷺ يصليها بغلس"، ونحوه لمسلم، وأبي داود؛ ففي رواية المصنف اختصار، والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٢٧) عن عمرو بن علي، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر، وفي "الكبرى" (١٥٠٥) عن عمرو بن علي وحده، عن محمد ابن جعفر غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو ابن الحسن، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في
стр. 3921
"الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم- وعن بندار، عن غندر.
وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر، وبندار، وأبي موسى -ثلاثتهم عن غندر، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه- ثلاثتهم عن شعبة، به.
وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بَوَّبَ له المصنف، وهو استحباب التعجيل بصلاة العشاء، وهو مقيد بما إذا اجتمع الناس، كما هو المنصوص عليه في الحديث وإلا فالتأخير أولى.
ومنها: التعجيل بصلاة الظهر، وهذا محمول على غير شدة الحر، أو محمول على أول الأمر، ثم جاء الأمر بالإبراد، وهو الأولى.
ومنها: استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وهو قول الجمهور، خلافًا للحنفية.
ومنها: استحباب التعجيل بصلاة المغرب دائمًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة. في اختلاف أهل العلم في الأفضل من تعجيل العشاء، أو تأخيرها. قال العلامة المجتهد الفقيه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: اختلف الفقهاء في ذلك: فقال قوم: تقديمها أفضل، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال قوم: تأخيرها أفضل، لأحاديث كثيرة تأتي للمصنف برقم ٥٣٠، ٥٣١، ٥٣٢، ٥٣٣، ٥٣٤.
стр. 3922
وقال قوم: إن اجتمعت الجماعة، فالتقديم أفضل، وإن تأخرت فالتأخير أفضل، وهو قول المالكية، ومستندهم هذا الحديث.
وقال قوم: انه يختلف باختلاف الأوقات، ففي الشتاء، وفي رمضان تؤخر، وفي غيرهما تقدم، وإنما أخرت في الشتاء لطول الليل، وكراهة الحديث بعدها.
قال الصنعاني ﵀: هذا القول لا ينتهض عليه حديث، وإنما دليله الرأي الذي أشير إليه. اهـ.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا الحديث -يعني حديث جابر هذا- يتعلق بمسألة تكلموا فيها، وهو أن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت، أو بالعكس؟ حتى إنه إذا تعارض في حق شخص أمران: أحدهما أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردًا، أو يؤخر الصلاة في الجماعة، أيهما أفضل؟
قال: والأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وهذا الحديث يدل عليه، لقوله: "وإذا أبطئوا أخر"، فأخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم، ولأن التشديد في ترك الجماعة، والترغيب في فعلها موجود في الأحاديث الصحيحة، وفضيلة الصلاة في أول الوقت وردت على جهة الترغيب في الفضيلة، وأما جانب التشديد في التأخير عن أول الوقت، فلم يرد كما في صلاة الجماعة، وهذا دليل على الرجحان لصلاة الجماعة.
стр. 3923
نعم إذا صح لفظ يدل دلالةً ظاهرة على أن الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال كان متمسكًا لمن يرى خلاف هذا المذهب (١). والحديث الذي فيه "الصلاة لوقتها" (٢) ليس فيه دلالة قوية الظهور في أول الوقت. اهـ. "عمدة الأحكام " جـ ٢ ص ٣١ - ٣٣ بحاشية العدة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن دقيق العيد في هذه المسألة التي هي كون التأخير لأجل الجماعة هو الأفضلَ، هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
وأما مسألتنا- وهي مسألة اختلاف العلماء هل الأفضل في العشاء التقديم، أم التأخير؟ فالراجح عندي التفصيل الذي في هذا الحديث، وهو أن الإمام إذا رأى اجتماع الناس، يُعَجِّلُ، وإذا رأى تأخرهم يؤخر، وأما من كان يصلي وحده فالأفضل له أن يؤخر إلى ثلث الليل، وبهذا تجتمع الأحاديث. وسيأتي مزيد بسط لذلك في الباب رقم ٢٠/ ٥٣٠ إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3924
١٩ - الشَّفَقُ
أي هذا باب ذكر الحديث، الدال على المعنى المراد من ذكر الشفق، في الأحاديث التي فيها أنه ﷺ "كان يصلي العشاء إذا غاب الشفق"، لكن استدلال المصنف به على ما قاله، من أنه الشفق الأبيض غير
صحيح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
٥٢٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِمِيقَاتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عِشَاءِ الآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن قُدَامة) بن أعين بن المِسْور الهاشمي مولاهم أبو عبد الله المِصِّيصِيّ، ثقة، من [١٠].
قال النسائي: لا بأس به، وقال مَرَّةً: صالح. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". مات قريبا من سنة ٢٥٠. وقال مَسْلَمَةُ: ثقة، صدوق، رَوَى عنه المصنف، وأبو داود، وهو من أفرادهما.
стр. 3925
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضَّبِّي، الكوفي نزيل الرَّيّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِمُ من حفظه، توفي سنة ١٨٨ عن ٧١ سنة، من [٨]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (رَقَبَةُ) بن مَصْقَلَةَ العَبْدِيّ الكوفي أبو عبد الله، ثقة مأمون، توفي سنة ١٢٩، من [٦]، تقدم في ٤٠٣ في كتاب الغسل.
٤ - (جعفر بن إِياس) أبو بشر بن أبي وَحْشيَّة، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في مجاهد، وحبيب بن سالم، من [٥]، تقدم في ٥٢٠.
٥ - (حبيب بن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، وكاتبه، لا بأس به، من [٣]، أخرج له مسلم والأربعة، روى عن مولاه، وعن حبيب بن يَسَاف، عنه، على اختلاف في ذلك، وقيل: عن أبيه عن النعمان بين بشير، وَرَوَى عن أبي هريرة. وعنه بشير بن ثابت، وأبو بشر جعفر بن إياس، وخالد بن عُرْفُطُةَ، وقتادة، فيما كتب إليه، ومحمد بن المنتشر، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو أحمد بن عدي: ليس في متون أحاديثه
حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يُرْوَى عنه. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، والأربعة.
٦ - (النعمان بن بشير) بن سَعْد بن ثَعْلَبَة بن جُلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله