"الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم- وعن بندار، عن غندر.
وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر، وبندار، وأبي موسى -ثلاثتهم عن غندر، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه- ثلاثتهم عن شعبة، به.
وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بَوَّبَ له المصنف، وهو استحباب التعجيل بصلاة العشاء، وهو مقيد بما إذا اجتمع الناس، كما هو المنصوص عليه في الحديث وإلا فالتأخير أولى.
ومنها: التعجيل بصلاة الظهر، وهذا محمول على غير شدة الحر، أو محمول على أول الأمر، ثم جاء الأمر بالإبراد، وهو الأولى.
ومنها: استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وهو قول الجمهور، خلافًا للحنفية.
ومنها: استحباب التعجيل بصلاة المغرب دائمًا. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة. في اختلاف أهل العلم في الأفضل من تعجيل العشاء، أو تأخيرها. قال العلامة المجتهد الفقيه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: اختلف الفقهاء في ذلك: فقال قوم: تقديمها أفضل، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال قوم: تأخيرها أفضل، لأحاديث كثيرة تأتي للمصنف برقم ٥٣٠، ٥٣١، ٥٣٢، ٥٣٣، ٥٣٤.
стр. 3922
وقال قوم: إن اجتمعت الجماعة، فالتقديم أفضل، وإن تأخرت فالتأخير أفضل، وهو قول المالكية، ومستندهم هذا الحديث.
وقال قوم: انه يختلف باختلاف الأوقات، ففي الشتاء، وفي رمضان تؤخر، وفي غيرهما تقدم، وإنما أخرت في الشتاء لطول الليل، وكراهة الحديث بعدها.
قال الصنعاني ﵀: هذا القول لا ينتهض عليه حديث، وإنما دليله الرأي الذي أشير إليه. اهـ.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا الحديث -يعني حديث جابر هذا- يتعلق بمسألة تكلموا فيها، وهو أن صلاة الجماعة أفضل من الصلاة في أول الوقت، أو بالعكس؟ حتى إنه إذا تعارض في حق شخص أمران: أحدهما أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردًا، أو يؤخر الصلاة في الجماعة، أيهما أفضل؟
قال: والأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وهذا الحديث يدل عليه، لقوله: "وإذا أبطئوا أخر"، فأخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم، ولأن التشديد في ترك الجماعة، والترغيب في فعلها موجود في الأحاديث الصحيحة، وفضيلة الصلاة في أول الوقت وردت على جهة الترغيب في الفضيلة، وأما جانب التشديد في التأخير عن أول الوقت، فلم يرد كما في صلاة الجماعة، وهذا دليل على الرجحان لصلاة الجماعة.
стр. 3923
نعم إذا صح لفظ يدل دلالةً ظاهرة على أن الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال كان متمسكًا لمن يرى خلاف هذا المذهب (١). والحديث الذي فيه "الصلاة لوقتها" (٢) ليس فيه دلالة قوية الظهور في أول الوقت. اهـ. "عمدة الأحكام " جـ ٢ ص ٣١ - ٣٣ بحاشية العدة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن دقيق العيد في هذه المسألة التي هي كون التأخير لأجل الجماعة هو الأفضلَ، هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
وأما مسألتنا- وهي مسألة اختلاف العلماء هل الأفضل في العشاء التقديم، أم التأخير؟ فالراجح عندي التفصيل الذي في هذا الحديث، وهو أن الإمام إذا رأى اجتماع الناس، يُعَجِّلُ، وإذا رأى تأخرهم يؤخر، وأما من كان يصلي وحده فالأفضل له أن يؤخر إلى ثلث الليل، وبهذا تجتمع الأحاديث. وسيأتي مزيد بسط لذلك في الباب رقم ٢٠/ ٥٣٠ إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 3924
١٩ - الشَّفَقُ
أي هذا باب ذكر الحديث، الدال على المعنى المراد من ذكر الشفق، في الأحاديث التي فيها أنه ﷺ "كان يصلي العشاء إذا غاب الشفق"، لكن استدلال المصنف به على ما قاله، من أنه الشفق الأبيض غير
صحيح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
٥٢٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِمِيقَاتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عِشَاءِ الآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن قُدَامة) بن أعين بن المِسْور الهاشمي مولاهم أبو عبد الله المِصِّيصِيّ، ثقة، من [١٠].
قال النسائي: لا بأس به، وقال مَرَّةً: صالح. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". مات قريبا من سنة ٢٥٠. وقال مَسْلَمَةُ: ثقة، صدوق، رَوَى عنه المصنف، وأبو داود، وهو من أفرادهما.
стр. 3925
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضَّبِّي، الكوفي نزيل الرَّيّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِمُ من حفظه، توفي سنة ١٨٨ عن ٧١ سنة، من [٨]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (رَقَبَةُ) بن مَصْقَلَةَ العَبْدِيّ الكوفي أبو عبد الله، ثقة مأمون، توفي سنة ١٢٩، من [٦]، تقدم في ٤٠٣ في كتاب الغسل.
٤ - (جعفر بن إِياس) أبو بشر بن أبي وَحْشيَّة، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في مجاهد، وحبيب بن سالم، من [٥]، تقدم في ٥٢٠.
٥ - (حبيب بن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، وكاتبه، لا بأس به، من [٣]، أخرج له مسلم والأربعة، روى عن مولاه، وعن حبيب بن يَسَاف، عنه، على اختلاف في ذلك، وقيل: عن أبيه عن النعمان بين بشير، وَرَوَى عن أبي هريرة. وعنه بشير بن ثابت، وأبو بشر جعفر بن إياس، وخالد بن عُرْفُطُةَ، وقتادة، فيما كتب إليه، ومحمد بن المنتشر، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو أحمد بن عدي: ليس في متون أحاديثه
حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يُرْوَى عنه. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، والأربعة.
٦ - (النعمان بن بشير) بن سَعْد بن ثَعْلَبَة بن جُلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله
стр. 3926
المدني، له ولأبيه صحبة، وأمه عمرة بنت رَوَاحَةَ. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن خاله عبد الله بن رواحة، وعمرَ، وعائشةَ. وعنه ابنه محمد، ومولاه حبيب بن سالم، والشعبي، وآخرون.
قال الواقدي: ولد على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي ﷺ ، هذا قول الأكثر، أنه ولد هو، وابن الزبير، عام اثنين من الهجرة، وقيل غير ذلك. وروى نحوه عن جابر أنه قال: أنا أسن منه بنحو من عشرين سنة، وما ولد قبل بدر إلا بثلاثة أشهر، أو أربعة.
وقال يحيى بن معين: ليس يروي عن النبي ﷺ حديثًا، يقول فيه سمعت إلا في حديث الشعبي "الجسد مضغة"، والباقي من حديثه إنما هو عن النبي ﷺ ، ليس فيه، سمعت. وقال أيضًا: أهل المدينة يقولون: لم يسمع من النبي ﷺ ، وأهل العراق يصححون سماعه منه.
وقال أبو نعيم: كان أميرًا على الكوفة في عهد معاوية. وقال أبو حاتم: كان أميرًا على الكوفة تسعة أشهر. وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز: كان قاضي دمشق بعد فَضَالة بن عُبَيد.
قال سماك بن حرب: استعمله معاوية على الكوفة، وكان من أخطب من سمعت. وقال الهيثم بن عدي: عزله معاوية عن الكوفة، ثم وَلاّه حِمْصَ.
وقال ابن سعد: أخبرت عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش،
стр. 3927
عن يزيد بن سعيد، عن عبد الملك بن عَمير، قال: أتَى بشيرُ بنُ سعد بالنعمان إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ادع له، فقال: أما ترضى أن يبلغ ما بلغت، ثم يأتي الشام، فيقتله منافق من أهل الشام.
وقال أبو مسهر: كان النعمان بن بشير عاملًا على حمص، فبايع لابن الزبير -يعني بعد موت- يزيد بن معاوية، فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا، فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي، فقتله. وقال خليفة ابن خياط: وفي أول سنة ستين، خرج النعمان من حمص، فاتبعه خالد ابن خلي الكلاعي، فقتله. وقال المفضل الغلابي، وغيره: قتل سنة ٦٦ وقيل: ٦٥، عن ٦٤ سنة، وأخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم موثقون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن النعمان، وحبيبًا، ومحمَد بنَ قُدامة، هذا الباب أول محل ذكرهم.
ومنها: أن فيه الإخبار والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن النعمان بن بشير) بن سَعْد ﵄، أنه (قال: أنا
стр. 3928
أعلم الناس بميقات هذه الصلاة) وفي الرواية الآتية "والله إني لأعلم الناس بوقت هذه الصلاة".
وإنما قال النعمان ﵁ هذا تحدثًا بنعمة الله تعالى عليه بزيادة العلم، مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه، ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة، وحفاظِهِم الذين هم أعلم بذلك منه. قاله القاري. ويحتمل أنه قال ذلك على ظن أنه لم يضبط وقت صلاة العشاء من الصحابة أحد، كما ضبطه هو، بناء على أنه بحث عنه، واستقرأه، واجتهد في علمه ومشاهدته ما لم ير شيئا من ذلك لأحد من الصحابة. قاله في "المرعاة".
(عشاء الآخرة) وفي الرواية الآتية "صلاة العشاء الآخرة"، وهو بالجر بدل من هذه الصلاة، ويحتمل النصب بتقدير "أغني".
(كان رسول الله ﷺ يصليها) أي العشاء الآخرة (لسقوط القمر) اللام بمعنى "عند" أى عند غروبه (١) (لثالثة) أي في ليلة ثالثة من الشهر، قال الطيبي: هو بدل من قوله: "لسقوط القمر"، أي وقت غروبه، قال القاري: وفيه بحث، والأظهر أنه متعلق بسقوط القمر. اهـ وقيل: صفة للقمر، أي لسقوط القمر الكائن لليلة ثالثة من الشهر.
стр. 3929
وحاصل المعنى أنه ﷺ كان يصلي العشاء الآخرة عند مغيب القمر في الليلة الثالثة من الشهر، وكأنه يريد به أن هذا هو الغالب، وإلا فقد علم أنه كان يعجل تارة، ويؤخر أخرى بحسب المصلحة، كما تقدم في حديث جابر ﵁ "كان إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم أبْطَئُوا أخر".
قال في "المرعاة": قال العلامة (١) في تعليقه على الترمذي: قد استدل بعض علماء الشافعية بهذا الحديث على استحباب تعجيل العشاء. انظر المجموع للنووي جـ ٣ ص ٥٥ - ٥٨.
وتعقبهم ابن التركماني في الجوهر النقي جـ ١ ص ٤٥٠، فقال: إن القمر في الليلة الثالثة يسقط بعد مضي ساعتين ونصف ساعة، ونصف سبع ساعة من ساعات تلك الليلة المجزأة على ثنتي عشرة ساعة، والشفق الأحمر يغيب قبل ذلك بزمن كثير، فليس في ذلك دليل على التعجيل عند الشافعية، ومن يقول بقولهم.
قال: وقد يظهر هذا النقد صحيحًا دقيقًا في بادئ الرأي، وهو صحيح من جهة أن الحديث لا يدل على تعجيل العشاء، وخطأ من جهة حساب غروب القمر، فَلَعَلَّ ابن التركماني راقب غروب القمر في ليلة ثالثة من بعض الشهور، ثم ظن أن موعد غروبه متحد في كل ليلة ثالثة من كل شهر، وليس الأمر كذلك.
стр. 3930
ثم نقل لإثبات خطأ ابن التركماني جدولين لأوقات غروب القمر في الليالي الثالثة من شهور سنة ١٣٤٥ هـ وسنة ١٣٥٦ هـ بحساب مدينة القاهرة ذكر فيهما أوقات العشاء، وأوقات الفجر، وأوقات غروب القمر بالساعة العربية بتقسيم اليوم والليلة إلى ٢٤ ساعة، واحتساب مبدئها من غروب الشمس، قالى: ومنه يظهر خطأ ابن التركماني، فإنك إذا قسمت الوقت بين غروب الشمس، وبين طلوع الفجر، إلى اثني عشر قسمًا -سماها ابن التركماني ساعات- وجدت أن القمر يغرب في بعض الليالي الثالثة قبل الوقت الذي ذكر، وفي بعض الليالي بعده.
ومنه يظهر أيضًا أن النعمان بن بشير لم يستقرئ أوقات صلاة النبي ﷺ العشاء استقراءً تامًا، ولعله صلاها في بعض المرات في ذلك الوقت، فظن النعمان أن هذا الوقت يوافق غروب القمر لثالثة دائمًا، ومما يؤيد ذلك أن رسول الله ﷺ لم يكن يلتزم وقتًا مُعَيَّنًا في صلاتها، كما قال جابر بن عبد الله في ذكر أوقات صلاة النبي ﷺ : "والعشاء أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر"، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. اهـ. مرعاة جـ ٢ ص ٣٢٠، ٣٢١. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 3931
حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا صحيح.
قال في "المرعاة": قال ابن العربي في عارضة الأحوذي جـ ١ ص ٢٧٧: حديث النعمان حديث صحيح، وإن لم يخرجه الإمامان، فإن أبا داود خَرَّجَهُ عن مسدد، والترمذي عن ابن أبي الشوارب، كلاهما عن أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم.
فأما حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، فقال أبو حاتم: هو ثقة، وأما بشير بن ثابت، فقال يحيى بن معين: إنه ثقة. ولا كلام فيمن دونهما، وإن كان هشيم قد رواه عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم بإسقاط بشير. وما ذكرناه أصح، وكذلك رواه شعبة، وغيره، وخطَأُ من أخْطَأَ في الحديث لا يخرجه عن الصحة. انتهى.
قال صاحب "المرعاة": حديث شعبة أخرجه أحمد جـ ٤ ص ٢٧٢ عن يزيد بن هارون، والحاكم جـ ١ ص ١٩٤ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة، وحديث هشيم أخرجه أحمد جـ ٤ ص ٢٧٠، وأبو داود الطيالسي- كلاهما عن هشيم.
وأخرجه الحاكم جـ ١ ص ١٩٤ من طريق عمرو بن عون، عن هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، بغير ذكر واسطة بشير بن ثابت. قال الحاكم: تابعه رَقَبَةُ بن مَصْقَلَةَ عن أبي بشر، هكذا اتفق رَقَبَةُ وهشيم على رواية هذا الحديث عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، وهو
стр. 3932
إسناد صحيح، وخالفهما شعبة، وأبو عوانة، فقالا: عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم. انتهى.
ورَقَبَةُ بن مَصْقَلَة ثقة، وروايته عند النسائي، عن محمد بن قدامة، عن جرير بن عبد الحميد، عن رقبة، وهذا كما ترى قد اختلفت الرُّواةُ عن أبي بشر، فبعضهم رواه عنه، عن حبيب بن سالم بلا واسطة، وبعضهم رواه عنه، عن بشير بن ثابت، عن حبيب.
وقد رجح الترمذي وتابعه ابن العربي روايةَ من زاد: عن بشير بن ثابت؛ قال الترمذي: وحديث أبي عوانة أصح عندنا، لأن يزيد بن هارون رَوَى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة. وصرح ابن العربي -كما تقدم- بأن هشيمًا أخطأ في روايته. ولكن متابعة رَقَبَة بن مَصْقَلَة له تُبْعِدُ احتمال الخطأ. والظاهر أن أبا بشر سمعه من حبيب،
وسمعه من بشير بن ثابت، عن حبيب، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا، كما تراه كثيرا في صنيع الرواة. والإسنادُ صحيح في الحالين. كذا حققه صاحب التعليق. وهو تحقيق جيد.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق حقيق بالقبول، لا كما قاله الترمذي، وتبعه عليه ابن العربي، وهذا الذي اعتمدته هو الذي يدل عليه صنيع المصنف ﵀ حيث ساق الحديث بالإسنادين، ولم يتعقب أحدهما بشيء من التعليل. والله أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
стр. 3933
أخرجه هنا (٢٥٨) وفي "الكبرى" (١٥١٠) عن محمد بن قُدَامَة، عن جرير، عن رَقَبَة، عن جعفر بن إياس، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير ....
و (٥٢٩) و"الكبرى" (١٥١١) عن عثمان بن عبد الله، عن عَفَّان، عن أبي عَوَانَةَ، عن أبي بِشْر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب به. وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارِب، عن أبي عوانة به. وعن محمد ابن أبان، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، نحوه. وقال: رَوَى هشيم هذا عن أبي بشر، عن حبيب -ولم يذكر بَشِيرَ بنَ ثابت- وحديثُ أبي عوانة أصَحُّ، لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة. اهـ.
وأخر جه أحمد، والحاكم، والبيهقي. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة:
أنه لم يتبين من ترجمة المصنف رحمه الله تعالى هنا في "المجتبى" بقوله: "الشفق" أىَّ شَفَقٍ يريد الاستدلالَ عليه بهذا الحديث؛ هو الشفق
стр. 3934
الأحمر، أم هو الشفق الأبيض؟، لكن بَيَّنَ مراده في "الكبرى" حيث قال: "ذِكْرُ مَا يُسْتَدَلُّ به عَلَى أنَّ الشفق البياضُ"، فأورد حديث النعمان هذا من طريق أبيَ عَوانة، عن أبي بشر، عن بشير، عن حبيب، عنه. فأفصح به أنه يريد ترجيح قول من قال: إن الشفق هو الأبيض، ولكن هذا الاستدلال غير واضح.
وقد تقدم الاعتراض على ابن التركماني -في قوله: إن الأحمر يدخل قبل سقوط القمر لثالثة بزمن كثير ردًا على الشافعية في قولهم استحباب تعجيل العشاء مستدلين بحديث النعمان هذا (١) - بأن ما قاله غير صحيح، بل أحيانًا يتقدم، وأحيانًا يتأخر، وهكذا هنا يعترض على المصنف في استدلاله بهذا الحديث على أن المراد بالشفق هو الأبيض بأن هذا غير صحيح، فقد يوافق هذا، وقد لا يوافقه، بأن يتقدم مع الأحمر، فلا يدل الحديث على ما قاله. والله أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في معنى الشفق:
قال المجد ﵀: الشَّفَقُ مُحَرَّكَةً: الحمرةُ في الأفُقِ من الغروب إلى العشاء الآخرة، أو إلى قريبها، أو إلى قريب العَتَمَةِ. اهـ. "ق".
وقال الفيومي ﵀: الشفق: الحمرةُ من غروب الشمس إلى
стр. 3935
وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفقُ، حكاه الخليل، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب كالشَّفق، وكان أحمر، وقال ابن قُتَيْبَةَ: الشفق: الأحمرُ من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ثم يغيب ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل. وقال الزَّجَّاج: الشفق: الحمرة التي تُرَى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهذا هو المشهور في كتب اللغة.
وقال المُطَرِّزِيُّ: الشفقُ: الحمرة عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وهو قول أهل اللغة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وعن أبي هريرة أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي حنيفة قولٌ متَأخِّر أنه الحمرة. اهـ. "المصباح" جـ ١ ص ٣١٨.
وقال النووي ﵀ في تهذيب الأسماء واللغات:
أجمع العلماء على أن وقت صلاة العشاء يدخل بغيبوبة الشفق، والأحاديث الصحيحة مشهورة بذلك. ولكن اختلفوا في الشفق المراد به، هل هو الأحمر، أو الأبيض؟، والأحمر يتقدم والأبيض يتأخر.
فذهب الشافعي، والجمهور ﵃ إلى أنه الحمرة. وذهب أبو حنيفة وآخرون ﵃ إلى أنه البياض.
وَرَوى البيهقيُّ بإسناده الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: الشفق: الحمرة. ورواه البيهقي أيضًا عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبادَة بن
стр. 3936
الصامت، وشَدَّادِ بن أوس ﵃. ورواه عن مكحول، وسفيان الثوري. ورواه مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ ، وليس بثابت عنه ﷺ .
وحكى ابن المنذر في "الإشراف" أنه الحمرة عن ابن أبي ليلى، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. قال: ورُوِيَ ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعن ابن عباس أيضًا أنه البياض. قال: وَرَوَيْنَا عن أنس، وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز، ما يدل على أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة. قال ابن المنذر: الشفق: البياض.
وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي ثور، وداود أنه الحمرة، وعن زُفَرَ، والمُزَنِيِّ أنه البياض.
وحكاه غيره عن معاذ بن جبل الصحابي ﵁. ونقل البغوي عن أكثر أهل العلم أنه الحمرة.
قال: واستدل أصحابنا للحمرة بأشياء من الحديث، والمعنى لا يظهر منها دلالةً مُحَقَّقَةً،، والذي ينبغي أن يُعتَمَدَ أن المعروف عند العرب أن الشفق الحمرة، وذلك مشهور في شعرهم، ونثرهم، ويدل عليه نقل أئمة اللغة.
قال الإمام أبو منصور الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: الشفق
стр. 3937
عند العرب: الحمرة. رَوَى سلمة عن الفراء، قال: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ، كأنه الشفق، وكان أحمرَ.
وقال ابن فارس في المُجْمَل: قال ابن دُرَيدٍ: الشفقُ: الحمرة. قال ابن فارس: وقال أيضا الخليل: الشفق الحمرة التي من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة. وذكر قول الفراء، ولم يذكر ابنُ فارس غَيرَ هذا.
وقال الزبيدي في "مختصر العين": الشفق الحمرة بعد غروب الشمس.
وقال الخطابي في "معالم السنن": حُكِيَ عن الفراء أنه الحمرة، قال: وأخبرني أبو عُمَر عن ثعلب أن الشفق: البياض، قال الخطابي: وقال بعضهم: الشفق: اسم للحمرة، والبياض، إلا أنه إنما يطلق على أحمر ليس بِقَانئٍ، وأبيض ليس بنَاصِع، وانما يعلما المراد به بالأدلة، لا بنفس الاسم، كالقُرّ، وغيره من الأسماء للشتاء. اهـ. "تهذيب الأسماء، واللغات" جـ ٣ ص ١٦٥ - ١٦٦.
وكتب الإمام المجتهد أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس -"المُحَلَّى"- بحثا نفيسًا في هذه المسألة، فقال:
(مسألة الشفق، والفجر) قال علي: الفجر فجران، والشفق شفقان، والفجر الأول هو المُستَطيل المُستَدَقُّ صاعدًا في الفَلَك، كَذَنبِ
стр. 3938
السِّرْحَان، وتَحْدُث بعده ظلمةٌ في الأفُقِ، لا يُحَرِّم الأكلَ، ولا الشربَ على الصائم، ولا يدخل به وقت صلاة الصبح. هذا لا خلاف فيه من أحد من الأمة كلها.
والآخر هو البياض الذي يأخذ في عرض السماء في أفق المشرق في موضع طلوع الشمس، في كل زمان، ينتقل بانتقالها، وهو مقدمة ضوئها، ويزداد بياضه، وربما كان ديه توريد بحمرة بديعة، وبتبينه يدخل وقت الصوم، ووقت الأذان لصلاة الصبح، ووقت صلاتها، فأما دخول وقت الصلاة بتبينه فلا خلاف فيه من أحد من الأمة.
وأما الشفقان: فأحدهما الحمرة، والثاني البياض، فوقت المغرب عند ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسي بن حي، وداود، وغيرهم: يخرج، ويدخل وقت صلاة العتمة، بمغيب الحمرة، وعلى قول أحمد بن حنبل، وإسحاق، إلا أن أحمد، قال: يستحب في الحضر خاصة دون السفر أن لا يصلي إلا إذا غاب البياض، ليكون على يقين من مغيب الحمرة، فقد تُواريها الجُدْران، وقال أبو حنيفة، وعبد
الله بن المبارك، والمُزَني، وأبو ثَوْر: لا يخرج وقت المغرب، ولا يدخل وقت العَتَمَة إلا بمغيب البياض.
قال علي: قد صح أن رسول ﷺ حد خروج وقت المغرب،
стр. 3939
ودخول وقت العتمة بمغيب نور الشفق، والشفق يقع في اللغة على الحمرة، وعلى البياض، فإن ذلك كذلك، فلا يجوز أن يخص قوله ﵇ بغير نص، ولا إجماع، فوجب أنه إذا غاب ما يسمى شفقًا، فقد خرج وقت المغرب، ودخل وقت العتمة، ولم يقل ﵇ قط: حتى يغيب كل ما يسمى شفقًا.
وبرهانٌ قاطعٌ، وهو أنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ حد وقت العتمة بأن أوله إذا غاب الشفق، وآخره ثلث الليل الأول، ورُوِيَ أيضًا نصف الليل، وقد عَلِمَ كلُّ من له علم بالمطالع، والمغارب، ودَوَرَان الشمسِ:
أن البياض لا يغيب، إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد ﵇ خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين. فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض بلا شك (١)، فإن ذلك كذلك، فلا قول أصلا، إلا أنه الحمرة بيقين، إذ قد بطل كونه البياض.
واحتج من قَلَّدَ أبا حنيفة بأن قال: إذا صلينا عند غروب البياض، فنحن على يقين بإجماع أننا قد صلينا عند الوقت، وإن صلينا قبل
стр. 3940
ذلك، فلم نصل بيقين إجماع في الوقت.
قال علي: هذا ليس شيئًا، لأنه إن التزموه، أبطل عليهم جمهورَ مذهبهم، فيقال مثل هذا في الوضوء بالنبيذ، وفي الاستنشاق، والاستنثار، وقراءة أم القرآن، والطمأنينة، وكل ما اختلف فيه، مما يبطل الصوم، والحج، ومما تجب فيه الزكاة، فيلزمهم أن لا يؤدوا عملًا من الشريعة إلا حتى لا يختلف اثنان في أنهم قد أدَّوْهُ، كما أمروا، ومع هذا لا يصح لهم من مذهمهم جزء من مائة جزء بلا شك.
وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه ﵇ كان يصلي العتمة لسقوط القمر ليلة ثالثة، ولو كان لكان أعظم حجةٍ لنا، لأن الشفق الأبيض يبقى بعد هذه مدة طويلة بلا خلاف.
واحتج بعضهم بالأثر: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي العشاء الآخرة إذا اسود الليل"، وبقاء البياض يمنع من سواد الأفق.
قال علي: وهذا خطأ، لأنه يصلي العتمة مع بياض القمر، وهو أمنع من سواد الأفق على أصولهم: من البياض الباقي بعد الحمرة الذي لا يمنع من سواد الأفق، لقلته، ودِقَّتِهِ. وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه ﵇ كان يصلي العتمة لسقوط القمر ليلة ثالثة. وهذا لا حجة لهم فيه، لأننا لا نمنع من ذلك، ولا من تأخيرها إلى نصف
стр. 3941
الليل، بل هو أفضل، وليس في هذا، المنع من دخول وقتها قبل ذلك.
وذكروا حديثًا ساقطًا موضوعًا، فيه أنه ﵇ صلى العتمة قبل غروب الشقق. (١)
وهذا لو صح -ومعاذ الله من ذلك- لما كان فيه إلا جواز الصلاة قبل وقتها، وهو خلاف قولهم، وقولنا.
وذكروا عن ثعلب: أن الشفق البياض. قال علي: لسنا ننكر أن الشفق البياض، والشفق الحمرة، وليس ثعلب حجة في الشريعة، إلا في نقله، فهو ثقة، وأما في رأيه فلا.
وأظرف ذلك احتجاج بعضهم بأن الشفق مشتق من الشفقة، وهي الرِّقَّة، ويقال: ثوب شفيق إذا كان رقيقًا، وقالوا: البياض أحق بهذا، لأنها أجزاء رقيقة تبقى بعد الحمرة.
قال علي: وهذا هَوَس، ناهيك به، فإن قيل لهم: بل الحمرة أولى به لأنها تتولد عن الإشفاق، والحياء!، وكل هذا تخليط هو في الهزل
стр. 3942
أدخل منه في الجِدِّ.
وقال بعضهم: لما كان وقت صلاة الفجر يدخل بالفجر الثاني وجب أن يدخل وقت صلاة العتمة بالشفق الثاني، فعورضوا بأنه لما كان الفجر فجرين، وكان دخول وقت صلاة الفجر الذي معه الحمرة وجب أن يكون دخول وقت العتمة بالشفق الذي معه الحمرة.
وقالوا أيضًا: لما كانت الحمرة -التي هي مقدمة طلوع الشمس- لا تأثير لها في خروج وقت صلاة الفجر، وجب أن يكون أيضا لا تأثير لها في خروج وقت المغرب، فعورضوا بأنه لما كانت الطوالع ثلاثة، والغوارب ثلاثة، وكان الحكم في دخول وقت صلاة الصبح للأوسط من الطوالع: وجب أن يكون الحكم في دخول صلاة العتمة للأوسط من الغوارب.
وهذه كلها تخاليط، ودعاوٍ فاسدة، متكاذبة، وإنما أوردناها لِيَعْلَمَ من أنعم الله تعالى عليه بأن هداه لإبطال القياس في الدين: عظيمَ نعمة الله تعالى عليه في ذلك، وليتبصر من غَلِطَ، فقال به (١). وما توفيقنا إلا
стр. 3943
بالله تعالى. اهـ المحلى جـ ١ ص ١٩٢ - ١٩٥.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تَبَيَّن بما قال هؤلاء الأئمة أن الأرجح في معنى الشفق المذكورِ في حديث صلاة العشاء هو الحمرة، لقوة مُتَمَسَّكِهِ الذي ذُكِرَ في كلامهم. والله أعلم.
خاتمة: نسأل الله تعالى حسنها- في ذكر ثلاث فوائد:
الأولى: قال النووي رحمه الله تعالى: للعشاء أربعة أوقات: فضيلة، واختيار، وجواز، وعذر، فالفضيلة أول الوقت، والاختيار بعده إلى ثلث الليل في الأصح، وفي قول: نصفه، والجواز إلى طلوع الفجر الثاني، والعذر وقت المغرب لمن جمع بسفر، أو مطر.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: والجواز إلى طلوع الفجر، هذا مذهبه ومذهب أكثر العلماء، لكن الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة أن الجواز إلى نصف الليل، وسيأتي تحقيق ذلك في بابه، إن شاء الله تعالى.
الثانية: قال النووي أيضًا: قال صاحب التتمة: في بلاد المشرق نَوَاحٍ تقصر لياليهم فلا يغيب الشفق عندهم، فأولُ وقت العشاء عندهم أن يَمْضِيَ من الزمان بعد غروب الشمس قدر ما يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم.
стр. 3944
الثالثة: قال أيضًا: قيل: إن بين المغرب، والعشاء نصف سدس الليل، فإن طال الليل، طال نصف السدس، وإن قصر: قصر. ذكر النووي هذه الفوائد في مجموعه جـ ٣ ص ٤٠، ٤١. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 3945
٢٠ - مَا يُسْتَحَبُ مِنْ تَأخِيرِ الْعِشَاءِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان ما يستحب من تأخير صلاة العشاء.
فما: موصولة بمعنى الذي، واقعة على العمل، و"من تأخير العشاء": بيان لها.
والتقدير: هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان العمل الذي يستحب، وهو تأخير صلاة العشاء. والله تعالى أعلم.
٥٣٠ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ: لَهُ أَبِي أَخْبِرْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يُصَلِّي الْعَصْر، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، قَالَ: وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تُؤَخَّرَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ
стр. 3946
يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (سُوَيد بنُ نَصْر) بن سويد المروزي، أبو الفضل لقبه الشَّاه، راوية ابن المبارك، ثقة، توفي سنة ٢٤٠، وله ٩٠ سنة، من [١٠]، أخرج له الترمذي والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي مولى بني حَنْظَلَة، ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جَوَاد، مُجَاهد، اجتمعت فيه خصال الخير، توفي سنة ١٨١ عن ٦٣ سنة، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (عوف) بن أبي جَمِيلَة الأعْرَابي العَبْدِي البصري، ثقة رمي بالقَدَر، والتشيع، توفي سنة ١٤٦ أو ١٤٧ عن ٨٦ سنة، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٤ - (سَيَّار بن سَلامَة) الرِّيَاحيُّ، أبو الْمنْهَال البصري، ثقة، توفي سنة ١٢٩، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقَدم في ٢/ ٤٩٥.
٥ - (أبو بَرْزَة الأسلمي) اختلف في اسمه، واسم أبيه، والأشهر الأصح: نَضْلَة بن عُبَيد، أو نَضْلَة بن عبد الله، ويقال. نضلة بن عائذ -بالذال المعجمة-، توفي سنة ٦٤، وقيل. توفي بعد ولاية ابن زياد، قبل موت معاوية، سنة ٦٠، وكانت وفاته بالبصرة. قاله ابن دقيق العيد
стр. 3947
رحمه الله تعالى. تقدم في ٢/ ٤٩٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنهم بصريون، إلا سويدًا، وعبد الله، فمروزيان.
ومنها: أن أبا برزة انفرد بهذه الكنية في الصحابة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن سيار بن سلامة) الرياحي البصري، أنه (قال: دخلت أنا) أتى بالضمير المنفصل ليعطف على الضمير المتصل قَولَه (وأبي) لم تعرف ترجمته، كما تقدم، وكان ذلك، كما زاد الإسماعيلي "زمن خَرَجَ ابن زياد على البصرة"، وقال الحافظ: وكان ذلك في سنة ٦٤.
(على أبي برزة الأسلمي) بفتح الموحدة، وسكون الراء، بعدها زاي، ﵁.
(فقال له أبي: أخبرنا كيف كان رسول الله ﷺ يصلي المكتوبة) يعني به كيفية الأوقات من تقديم، وتأخير، ونحو ذلك، والألف واللام للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها، لأنه فهم من السائل العموم. قاله ابن دقيق العيد.
стр. 3948
(قال) أبو برزة (كان يصلي الهجير) هو على حذف مضاف، أي صلاة الهجير، وقد تقدم أن الهجير، والهاجرة: شدة الحر، وقُوَّتُهُ.
قال ابن دقيق العيد ﵀: إن لفظة "كان" تشعر عرفًا بالدوام، والتكرار، كما يقال: كان فلان يكرم الضيوف، وكان فلان يقاتل العدو: إذا كان ذلك دأبه، وعادته.
(التي تدعونها الأولى) وتقدم سبب تسميتها بذلك، بأنها أول صلاة صلاها جبريل ﵇.
(حين تدحض الشمس) بفتح التاء، والحاء. والمراد به هنا زوالها، واللفظة من حيث الوضع أعم من هذا. وظاهر اللفظ يقتضي وقوع صلاته ﷺ عند الزوال، ولابد من تأويله، لأنه قد علم من ضرورية شرعية الأوقات أنه لا وقت للظهر إلا من بعد
الزوال.
وقد اختلف أصحاب الشافعي فيما تحصل به فضيلة أول الوقت؛ فقال بعضهم: إنما تحصل بأن يقع أول الصلاة مع أول الوقت، بحيث تكون شروط الصلاة متقدمة على دخول الوقت، وتكون الصلاة واقعة في أوله، وقد يتمسك هذا القائل بظاهر هذا الحديث، فإنه قال: "يصلي حين تزود"، فظاهره وقوع أول الصلاة في أول جزء من الوقت عند
стр. 3949
الزوال، لأن قوله: "يصلي" يجب حمله على يَبْتَدِئ الصلاة، فإنه لا يمكن إيقاع جميع الصلاة حين تدحض الشمس.
ومنهم من قال: تمتد فضيلة أول الوقت إلى نصف وقت الاختيار، فإن النصف السابق من الشيء ينطلق عليه أول الوقت بالنسبة إلى المتأخر.
ومنهم من قال -وهو الأعدل- كما قاله ابن دقيق العيد ﵀: إنه إذا اشتغل بأسباب الصلاة عقيب دخول أول الوقت، وسعى إلى المسجد، وانتظر الجماعة -وبالجملة لم يشغل بعد دخول الوقت، إلا بما يتعلق بالصلاة- فهو مدرك لفضيلة أول الوقت.
قال: ويشهد لهذا فعل السلف، والخلف، ولم ينقل عن أحد منهم أنه كان يشدد في هذا، حتى يُوقِعَ أول تكبيرة في أول جزء من الوقت. اهـ عمدة مع العدة جـ ٢ ص ٣٦ - ٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه العلامة ابن دقيق العيد ﵀ حسن جِدًّا. والله أعلم.
(وكان يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا) بعد انقضاء الصلاة.
(إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس حية) جملة حالية من مقدر، أي فيصل إلى رحله، والحال أن الشمس نقية بيضاء، لم يخالطها صفرة.
стр. 3950
وفيه دليل على استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها، وقد تقدم تمام البحث في بابه. ٨/ ٥٠٥ والحمد لله.
(قال) سيار؛ كما بينه أحمد في "مسنده".
(ونسيت ما قال) أبو برزة.
(في) بيان وقت صلاة (المغرب، قال) أبو برزة (وكان) ﷺ (يَسْتَحِبُّ) أي يستحسن.
(أن تُؤَخَّر صلاةُ العضاء) "أن" مصدرية، والفعل المبني للمفعول، ونائبه في تأويل المصدر مفعول يستحب، أي يستحب تأخير صلاة العشاء.
وفي الرواية السابقة (٤٩٥) "كان لا يبالي بعض تأخيرها -يعني العشاء- إلى نصف الليل" أي إلى قريب من نصف الليل.
وعند البخاري "ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل"، ثم قال: "إلى شطر الليل".
ولمسلم من طريق معاذ، عن شعبة، قال: ثم لقيته مرة، فقال: "أو ثلث الليل".
قال الحافظ: وجزم حماد بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله: "إلى ثلث الليل"، وكذا لأحمد عن حجاج، عن شعبة. اهـ.
والحاصل أن رواية نصف الليل لابد من تأويلها بما ذكرنا لتوافق
стр. 3951
رواية "وآخرُ وقت العشاء نصفُ الليل"، كما يأتي.
وهذا هو محل استدلال المصنف رحمه الله تعالى حيث بوب بقوله: "ما يستحب من تأخير العشاء". ففيه استحباب تأخيرها إلى ثلث الليل، أو بعده. وسيأتي بيان اختلاف العلماء في هذا قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وقوله (التي تدعونها العتمة) فيه أن الأحسن تسميتها بالعشاء، كما في لفظ الكتاب العزيز: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
وقد ورد في تسميتها بالعتمة ما يقتضي الكراهة، وورد أيضًا ما يدل علي جواز ذلك، وسيأتي بيان التوفيق بينهما في بابه إن شاء الله تعالى.
قال في "الفتح": وقال الطيبي: لعل تقييده الظهر، والعشاء دون غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظهر بالأولى يشعر بتقديمها، وتسمية العشاء بالعتمة يشعر بتأخيرها. اهـ جـ ٢ ص ٣٤.
(وكان يكره النوم قبلها) لأنه قد يكون سببًا لنسيانها، أو تأخيرها إلى خروج وقتها.
(و) كان يكره (الحديث بعدها) لأنه قد يؤدي إلى سهر يفضي إلى النوم عن الصبح، أو إلى إيقاعها في غير وقتها المستحب، أو لأن الحديث قد يقع فيه من اللغط واللغو، ما لا ينبغي ختم اليقظة به، أو
стр. 3952
لغير ذلك. قاله ابن دقيق العيد.
(وكان ينفتل) أي ينصرف (من صلاة الغداة) أي الصبح (حين يعرف الرجل جليسه) فيه دليل على التغليس بصلاة الفجر، فإن ابتداء معرفة الإنسان لجليسه يكون مع بقاء الغبش.
(وكان يقرأ بالستين إِلى المائة) أي بالستين من الآيات إلى المائة منها، وفي ذلك مبالغة في التقدم في أول الوقت، لاسيما مع ترتيل قراءته ﷺ ، فقد ثبت أنها كانت مدًا، يقف عند رأس كل آية، ومع ذلك كان يطيل الركوع، والسجود، والاعتدال على حسب ما يقتضية طول قيامه، ولذا ورد أن صلاته ﷺ كانت على سواء، وفيه دلالة واضحة على التغليس لصلاة الفجر. أفاده في العمدة مع حاشيته العدة جـ ٢ ص ٤٠. والله تعالى أعلم.
تنبيهان:
الأول: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدمت جميع المسائل المتعلقة به في (٢/ ٤٩٥) من كتاب المواقيت، فلا نطيل الكتاب بإعادتها، فارجع إليها إن شئت تستفد علمًا، والله المستعان، وعليه التكلان.
الثاني: أنه بقي علينا أن نكمل بحث الحديث ببيان الغرض الذي ساقه المصنف هنا من أجله، وهو استحباب تأخير العشاء، فلنذكر اختلاف أهل العلم فيه:
стр. 3953
قد اختلف العلماء، هل الأفضل تقديم العشاء في أول وقتها، أم تأخيرها؟
وهما مذهبان مشهوران للسلف، وقولان لمالك، والشافعي. قاله النووي.
وقال ابن دقيق العيد:
ذهب قوم إلى أن تقديمها أفضل.
وذهب قوم إلى أن تأخيرها أفضل.
وذهب قوم إلى أنه إن اجتمعت الجماعة فالتقديم أفضل، وإن تأخرت فالتأخير أفضل.
وقال قوم. إنه يختلف باختلاف الأوقات، ففي الشتاء، وفي رمضان تؤخر، وفي غيرهما تقدم (١).
احتج القائلون بأفضلية التقديم بأن العادة الغالبة للنبي ﷺ هي التقديم، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز، والشغل، والعذر، ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه، وإن كان فيه مشقة.
ورُدَّ بأن هذا إنما يتم لو لم يكن منه ﷺ إلا مجرد الفعل لها في ذلك
الوقت، وهو ممنوع لورود الأقوال، كما في حديث ابن عباس (٥٣١)، وحديث أبي هريرة (٥٣٤)، وحديث عائشة (٥٣٥)، وغير ذلك،
стр. 3954
وفيها تنبيه على أفضلية التأخير، وعلى أن ترك المواظبة عليه لما فيه من المشقة، كما صرحت به تلك الأحاديث.
واحتج القائلون بأفضلية التأخير لهذه الأحاديث التي أشرنا إليها، وهي أحاديث صحيحة صريحة.
واحتج القائلون بالتفصيل بين اجتماع الناس، وعدم اجتماعهم، بحديث جابر الذي مضى (٥٢٧) ففيه أنه: "إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر".
ولا حجة للقائلين: إنه يختلف باختلاف الأوقات، ففي الشتاء ورمضان تؤخر، وفي غيرهما تقدم إلا قولهم: إنما أخرت في الشتاء لطول الليل، وكراهة الحديث بعدها.
قال العلامة الصنعاني ﵀: هذا القول لا ينتهض عليه حديث، وإنما دليله هذا الرأي. اهـ العدة بتصرف يسير جـ ٢ ص ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي أن التأخير هو الأفضل إلا لأجل المشقة، بأن كان إمام جماعة يشق عليهم التأخير، فيكون في حقه التقديم أفصل، وهو الذي كان عليه النبي ﷺ ، حيث إنه بين أن تأخيرها هو الأولى، لولا خوف المشقة على أمته. وبه تجتمع الأدلة بدون إهمال لبعضها، وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم، فأحاديث الباب خاصة، فتقدم عليه. كما بينه العلامة الشوكاني ﵀ في نيله جـ ٢ ص ٦٤.
إِلَّا كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ لَا يُصَلُّوهَا إِلَّا هَكَذَا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (إِبراهيم بن الحسن) بن الهَيْثَم الخثعمي، أبو إسحاق المصِّيصِيُّ المقْسَمِيُّ، ثقة، من [١١]، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ٥١/ ٦٤.
٢ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم أبو يعقوب المِسْمَعِيُّ المصيصي نزيل أنطاكية، ثقة، حافظ، توفي سنة ٢٧١، وقيل قبل ذلك، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٣١/ ١٩٨.
٣ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد الترمذي الأصل، نزيل بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت لكنه اختلط آخرًا بعد دخوله بغداد، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، المكي، ثقة فقيه، فاضل، لكنه يدلس، ويرسل، توفي سنة ١٥٠، أو بعدها، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، توفي سنة ١١٤ على المشهور، من [٣]،
стр. 3957
أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات اتفقوا عليهم إلا شيخه يوسف فمن أفراده، وإبراهيم بن الحسن فانفرد له هو، وأبو داود، والترمذي.
ومنها: أنهم إلى الحجاج مصيصيون، ومن بعده مكيون.
ومنها: أن ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة روى ١٦٩٦ حديثًا، وآخر من مات من الصحابة بالطائف، مات سنة ٦٨. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) اشتهر بالنسبة إلى جده، وله كنيتان، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، أنه (قال: قلت لعطاء) بن أبي رباح (أيُّ حين) أي اسم استفهام مبتدأ، مضاف إلى حين، وخبره قوله: (أحب إِليك).
(أن أصلي العتمة) "أن" مصدرية، و"أصلي" صلتها، ومتعلقه
стр. 3958
محذوف، تقديره "فيه"، و"العتمة" منصوب على المفعولية، و"أن" وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف جر مقدر، أي لصلاتي، وتقدير الكلام: أيُّ وقت أحبُّ إليك لصلاتي العتمة فيه. والعتمة مُحرّكَةً: المراد هذا هنا العشاء، وتقدم الخلاف في معناها.
(إِمامًا) حال من فاعل "أصلي"، وهو المُقْتَدَى به في الصلاة.
قال الفيومي ﵀: والإمام: الخليفة، والعالمُ المقتدَى به، ومن يؤتم به في الصلاة، ويطلق على الذكر، والأنثى، قال بعضهم: وربما أنث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة، وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها، لأن الإمام اسم لا صفة. انتهى المصباح جـ ١ ص ٢٣.
(أو خِلْوًا) بالنصب عطفًا على "إمامًا"، والخلو بكسر فسكون: الخالي، والمراد به هنا المنفرد.
(قال) عطاء (سمعت ابن عباس) ﵄ (يقول: أعتم رسول الله ﷺ ) أي أبطأ، وتأخر (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي، فذات مقحمة (بالعتمة) أي بصلاة العشاء.
(حتى رقد الناس) أي ناموا، ويقال: رَقَدَ، رَقْدًا، ورُقَادًا، بالضم: نام، ليلًا كان، أو نهارًا، وبعضهم يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]. قاله في المصباح.
стр. 3959
والمراد بالناس: الحاضرون في المسجد.
(واستيقظوا، ورقدوا، واستيقظوا) يعني أن النوم والاستيقاظ تكرر منهم لطول الانتظار.
(فقام عمر) بن الخطاب ﵁.
(فقال: الصلاةَ الصلاةَ) زاد في رواية البخاري "نام النساء، والصبيان"، و"الصلاة" بالنصب على الإغراء، وعامله محذوفٌ وجوبًا، لكون المُغْرَى به مكررًا، كما قال ابن مالك في الخلاصة:
وكمُحذَّرٍ بلا "إِيَّا" اجْعلا … مُغْرى به في كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلا
بعد بيان حكم المحذَّر بقوله:
إيَّاك وَالشَّرَّ ونحْوهُ نَصَبْ … مُحذِّرٌ بِمَا اسْتتارُهُ وجَبْ
ودُون عَطْفٍ ذا لإيّا انْسُبْ وما … سواه سَترُ فعْلِه لنْ يَلْزَمَا
إِلا مع الْعَطْفِ أو التَكْرَارِ … كَالضَّيغم الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي
أي الزم الصلاة. ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا لمحذوف أي صَلِّ الصلاة، والتكرار للتأكيده.
(قال عطاء: قال ابن عباس: خرج نبي الله ﷺ ) وفي نسخة "رسول الله ﷺ "؛ أي من حجرته إلى المسجد.
(كأني أنظر إِليه الآن) أي كأني أشاهده في الوقت الذي أحدثكم فيه، وهذا قاله ابن عباس تأكيدًا لكلامه، وأنه ما نَسِيَ الواقعة، بل
стр. 3960
استحضرها في ذهنه، حتى كأنها مشاهَدَة له حين التحديث بها.
و"الآن" منصوب على الظرفية، متعلق بأنظر، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه ويلزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف، لأن التعريف تمييز المشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكُهُ في معناه.
قال ابن السَّرَّاج: ليس هوآنَ، وآن، حتى يدخل عليه الألف، واللام للتعريف، بل وُضِعَ مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل "الثُّرَيَّا"، "والذي"، ونحوِ ذلك. قاله في المصباح.
والجملة في محل نصب حال من محذوف، أي أخبركم به حال كوني مشبهًا نفسي ناظرة إليه في الوقت الحاضر.
(يقطر رأسه ماءً) وكأنه اغتسل قبيل خروجه، والجملة حال من الضمير في "إليه"، ويحتمل أن تكون حالًا من "نبي الله"، و"ماءً" تمييز محول عن الفاعل.
(واضعًا يده) حال أيضًا، إما مترادف، أو متداخل.
(على شق رأسه) أي على جانب رأسه، وإنما وضع يده عليه ليعصر ما فيه من الماء.
(قال:) عطاء (وأشار) أي ابن عباس إلى كيفية وضع يده على شق رأسه.