وأما القص فهو كما قال الحافظ: ما في أكثر الأحاديث، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري، والمصنف، وحديث عائشة عند مسلم، وحديث أنس عنده، أيضا، وحديث ابن عمر عند البخاري.
قال الجامع عفا الله عنه:
فلما صحت الأحاديث في الأمرين علمنا أن المكلف مخير فيهما.
قال صاحب المنهل، ١/ ١٨٥ والحاصل أن السنة دلت على الأمرين ولا تعارض، فيختار المكلف أيهما شاء فينبغي لمن يريد المحافظة على السنن أن يستعمل هذا مرة، وهذا مرة، فيكون قد عمل بكل ما ورد. اهـ كلام صاحب المنهل. وهذا أحسن ما يحصل به العمل بالأحاديث المقتضية للأمرين من غير إهمال لبعضها والله أعلم.
"المسألة الخامسة" في فوائد تتعلق بهذا الحديث ذكرها الحافظ ﵀:
الأولى: قال النووي: يستحب أن يبدأ في قص الشارب باليمين.
الثانية: يتخير بين أن يقص ذلك بنفسه، أو يولي ذلك غيره، لحصول المقصود من غير هتك مروءة بخلاف الإبط، ولا ارتكاب حرمة بخلاف حلق العانة. قال الحافظ: محل ذلك حيث لا ضرورة، وأما من لا يحسن فقد يباح له إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة، لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنور به، فإنه يغني عن الحلق ويحصل المقصود به. وكذا من لا يَقْوَى على النتف، ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة كما تقدم عن الشافعي، وهذا لمن لم يقو على التنور من أجل أن النورة تؤذي الجلد الرقيق كجلد الإبط. وقد يقال: مثل ذلك في حلق العانة من جهة المغابن التي بين الفخذين والأنثيين، وأما الاخذ من الشارب فينبغي
стр. 387
فيه التفصيل بين من يحسن أخذه بنفسه بحيث لا يتشوه، وبين من لا يحسن، فيستعين بغيره، ويلتحق به من لا يجد مرآة ينظر وجهه فيها عند أخذه.
الثالثة: قال النووي: يتأدى أصل السنة بأخذ الشارب بالمقص وبغيره، وتوقف ابن دقيق العيد في قَرْضه بالسن، ثم قال: من نظر إلى اللفظ منع، ومن نظر إلى المعنى أجاز.
الرابعة: قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو هو. واحترز بذلك من وجوبه بعارض حيث يتعين كما تقدمت الإشارة إليه من كلام ابن العربي، وكأنه لم يقف على كلام ابن حزم في ذلك فإنه قد صرح بالوجوب في ذلك، وفي إعفاء اللحية. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٦. وبالله التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 388
١٤ - التوقيت في ذلك
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على التوقيت في استعمال خصال الفطرة، واسم الإشارة راجع إلى مجموع ما تقدم من الخصال لا إلى الجميع لأن الاختتان ليس داخلا فيه، إذ التوقيت فيه لم يذكر في الحديث، وقد قدمنا اختلاف العلماء في وقته. والتوقيت مصدر وَقَّتَ مضعفا بمعني حدد، يقال: وقت الله الصلاة توقيتا، ووقتها يقتها من باب وَعَدَ: حدَّد لها وقتًا، والوقت: مقدار من الزمن مفروض لأمر ما. أفاده في المصباح.
١٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ -هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت من العاشرة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (جعفر بن سليمان) الضُّبَعي بضم الضاد المعجمة، وفتح
стр. 389
الموحدة، أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع من الثامنة، مات سنة ١٧٨. وفي (صة): روى عن ثابت، والجعد بن عثمان، وعنه سفيان، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وطائفة، وثقه
أحمد وابن معين. أخرج له (بخ م ٤).
والضبعي: نسبة إلى ضبيعة، بضم الضاد وفتح الباء الموحدة، وفي آخره عين مهملة، نسبة إلى المحلة التي سكنها بنو ضُبَيْعَة بالبصرة، نسب إليها لنزوله إياها. أفاده في اللباب.
٣ - (أبو عمران الجوني) (ع) عبد الملك بن حبيب الأزدي، أو الكندي، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة ١٢٨، وقيل بعدها.
وفي (صة) البصري أحد العلماء، روى عن جندب، وأنس، وعنه سليمان التيمي، والحمادان، وخلق، وثقه ابن معين.
والجوني: بفتح الجيم وسكون الواو نسبة إلى الجَون بن عوف، بطن من الأزد، أفاده في اللباب.
٤ - (أنس بن مالك) الصحابي الجليل ﵁ تقدم. في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف وهي أعلي ما وقع له من العلو، وهو ثانى رباعياته في هذا الكتاب.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم بصريون إلا شيخه فبغلاني.
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى -٢٢٨٦ - كما تقدم غير مرة.
стр. 390
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الأخبار في أوله بصيغة الجمع، والتحديث كذلك في الثاني، والعنعنة في باقيه.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: وقَّتَ لنا) أي حدد لنا قال الفيومي ﵀: كل شيء قَدَّرت له حينا فقد وَقَّتَّه توقيتًا. وكذلك ما قدرت له غاية، اهـ المصباح باختصار.
وتقدم في أول الباب بأتم من هذا (رسول الله ﷺ ) فاعل وقت، هكذا في رواية المصنف، وأبي داود والترمذي بذكر الفاعل، وفي رواية مسلم، وابن ماجه: وقت لنا بالبناء للمفعول، وسيأتي الكلام عليه في المسائل إن شاء الله تعالى (في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق
العانة، ونف الإبط) متعلق بوقت، (أن) مصدرية (لا نترك أكثر من أربعين يوما) والمصدر المؤل من أن وصلتها مفعول وقَّتَ.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: معناه: لا نترك تركا نتجاوز به أربعين، لا أنه وقت لهم الترك أربعين، قال والمختار أن يضبط بالحاجة والطول، فإذا طال حلق، اهـ شرح مسلم جـ ٢/ ص ١٤٩. وقال في شرح المهذب: ينبغي أن يختلف بإختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة في كلها. اهـ بتغيير يسير.
وقال الحافظ: لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة فإن المبالغة في التنظيف فيه مشروع اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١١. وقال الشوكاني بعد نقل كلام النووي الأول متعقبا عليه: قلت: بل المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله ﷺ فلا يجوز تجاوزها، ولا يعد مخالفا من ترك القص ونحوه بعد الطول إلى انتهاء تلك الغاية اهـ نيل جـ ١/ ص ١٦٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قلت: لا معنى للتعقب المذكور فإن مآل
стр. 391
كلامه وكلام النووي واحد لأن حاصل كلامه أن التحديد جاء لعدم الترك، لا للترك، فإن الحديث يمنع الترك بعد الأربعين، ولا يأمر بالترك إلى الأربعين، فلو احتاج الإنسان قبل الأربعين له ذلك، وأما إذا لم يحتج فله أن يؤخر، لكن لا يتجاوز الأربعين. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث أنس حديث صحيح. وقد اختلفوا فيه كما سيأتي تحقيقه قريبا.
"المسألة الثانية" في بيان موضعه عند المصنف رحمه الله تعالى:
أخرجه في هذا الباب ١٤/ ١٤ المجتبى، وفي ١٢/ ١٦ الكبري بهذا السند المذكور.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (م د ت ق) فأخرجه مسلم في الطهارة ١٦/ ٣ عن يحيى وقتيبة بن سعيد كلاهما عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني الخ. وأخرجه أبو داود في الترجل ١٦/ ٣ عن مسلم بن إبراهيم. عن صدقة الدقيقي، عن أبي عمران الخ. وأخرجه الترمذي في الاستئذان ٤٩/ ١ عن إسحاق بن منصور عن عبد الصمد، عن صدقة الخ. وفي ٤٩/ ٢ عن قتيبة بإسناده، نحوه، وقال: هذا أصح من الأول. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ٨/ ٥ عن بشر بن هلال، عن جعفر مثله. أفاده المزي ﵀. وأخرجه أحمد في مسنده ٣/ ١٢٢، و ٢٠٣، و (٢٥٥) عن صدقة، عن أبي عمران الخ.
"المسألة الرابعة" أنه قد تكلم المحدثون في هذا الحديث، وإليك أقوالهم:
قال العلامة الشوكاني في الرواية الأولى يعني رواية مسلم وابن
стр. 392
ماجه: "وقت لنا" على البناء للمجهول، وقد وقع خلاف في علم الأصول والإصطلاح هل هي صيغة رفع أولا؟ والأكثرون أنها صيغة رفع إلى النبي ﷺ إذا قالها الصحابي مثل قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وقد صرح في الرواية الثانية يعني رواية أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبي داود بأن الموقت هو النبي ﷺ فارتفع الاحتمال لكن في إسنادها صدقة بن موسى أبو المغيرة (١)، ويقال أبو محمَّد السلمي البصري الدقيقي، قال يحيي بن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، وقال الترمذي: ليس بالحافظ، وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث يكتب حديثه، ولا يحتج به، ليس بالقوي، وقال أبو حاتم بن حبان: كان شيخا صالحا إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان إذا روى قلب الأخبار حتى خرج عن حد الاحتجاج به. اهـ نيل جـ ١/ ص ١٦٩.
وقال الحافظ في الفتح: وأما ما أخرج مسلم من حديث أنس: "وُقِّتَ لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا يترك أكثر من أربعين يوما" كذا وقت فيه على البناء للمجهول، وأخرجه أصحاب السنن بلفظ: "وقت لنا رسول الله ﷺ " وأشار العقيلي إلى أن جعفر بن سليمان الضبعي تفرد به، وفي حفظه شيء وصرح ابن عبد البر بذلك، فقال: لم يروه غيره، وليس بحجة، وتعقب بأن أبا داود، والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى، عن ثابت (٢)، وصدقة بن موسى وإن كان فيه مقال لكن تبين أن جعفرا لم ينفرد به، وقد أخرج ابن ماجه نحوه، من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن أنس
стр. 393
وفي علي أيضًا ضعف، وأخرجه ابن عدي من وجه ثالث من جهة عبد الله بن عمران شيخ مصري، عن ثابت، عن أنس، لكن أتى فيه بألفاظ مستغربة، قال: "أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولايدع شاربيه يطولان وأن يقلم أظافره من الجمعة إلى الجمعة". وعبد الله والراوي عنه مجهولان. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٣.
وقال الحافظ العراقي ﵀: بعد ذكر حديث مسلم: وهكذا أخرجه ابن ماجه بلفظ "وُقِّتَ لنا"، على البناء للمفعول، وحكمه الرفع على الصحيح عند أهل الحديث والأصول، وقال أبو داود، والنسائي، والترمذي في هذا الحديث: "وَقَّتَ لنا رسول الله ﷺ " فصرح بالفاعل، وقد تكلم العقيلي، وابن عبد البر في حديث أنس هذا فقال العقيلي في الضعفاء في ترجمة جعفر بن سليمان: وليس بحجة لسوء حفظه، وكثرة غلطه، قلت: تابعه عليه صدقة بن موسى الدقيقي فرواه عن أبي عمران الجوني، عن أنس. أخرجه كذلك أبو داود، والترمذي، ولكن صدقة ضعيف، وروي أيضا من رواية عبد الله بن عمران شيخ مصري عن أبي عمران كما سيأتي، وله طريق آخر رواه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان في زياداته على سنن ابن ماجه من رواية علي بن زيد بن جُدعان عن أنس، وابن جُدعان أيضا ضعفه الجمهور، والله أعلم.
قال العراقي: وقد ورد حديث أنس هذا من وجه لا يثبت، وفرق
بين هذه الخصال في التوقيت، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي في الكامل في ترجمة أبي خالد إبراهيم بن سالم النيسابوري، قال: حدثنا عبد الله بن عمران مصري، عن أبي عمران الجوني، عن أنس، قال: "وقت رسول الله أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة
стр. 394
إلى الجمعة، وأن يتعهد البراجم إذا توضأ" … الحديث. قال صاحب الميزان: وهو حديث منكر، وأصح طرقه طريق مسلم على ما فيها من الكلام، وليس فيها تأقيت لما هو أولى بل ذكر أنه لا يزيد على أربعين. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من مجموع ما قالوا أن حديث
الباب صحيح، أما المرفوع: فلأن جعفر بن سليمان لم يتفرد به بل وافقه عليه صدقة بن موسى الدقيقي، وهو وإن كان ضعيفًا إلا أنه يصلح للاعتباركما يفيده كلام الأئمة فيما تقدم.
وأما الموقوف: فهو رواية مسلم، وحكمه أنه مرفوع، فإن قوله: "وقت لنا" كقول الصحابي: "أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا" وهو مرفوع، كقوله قال لنا رسول الله ﷺ على المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول، كما أفاده النووي في
المجموع جـ ١/ ص ٢٨٧. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 395
١٥ - إحفاءُ الشارب، وإعفاء اللِّحَى
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على إحفاء الشارب، وإعفاء اللحى.
والإحفاء: الاستئصال. قال في المصباح: أحْفي الرجلُ شاربه بالغ في قصه. اهـ.
وقال في (ق): وَحَفَا شاربه حَفْوًا بالغ في أخذه. اهـ.
وأما الإعفاء فهو التوفير، قال في المصباح: عفا الشيء: أكثر وفي التنزيل: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا، وعفوته: كثرته، يتعدى، ولا يتعدى، ويعدى أيضا بالهمزة، فيقال: أعفيته، وقال: السرقطسي: عَفَوت الشعر أعفُوه عَفْوا وعَفَيته أعفيه عَفْيا: تركته حتى يكثر ويطول، ومنه: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى"، يجوز استعماله ثلاثيًا ورباعيًا. اهـ.
وتقدم تفسير الشارب في ٩/ ٩، ويأتي تفسير اللِّحى في شرح الحديث.
١٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى".
стр. 396
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) (خ م س) بن يحيى اليَشْكري، أبو قُدَامَة السرخسي نزيل نيسابور، ثقة مأمون سني، من العاشرة، مات سنة ٢٤١، وفي (صة) روى عن ابن عيينة، وحفص بن غياث، وأبي
معاوية، وخلق، وعنه (خ م س) وقال: ثقة مأمون، قال ابن حبان هو الذي أظهر السنة بسرخس، ودعا إليها. اهـ.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري الحجة من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عببدالله) (ع) بن عمر بن حفص عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، أبو عثمان ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن
عروة عنها، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومائة.
٤ - (نافع) (ع) أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة ١١٧، أو بعد ذلك، أخرج له الجماعة. وفي (صة): أحد الأعلام. روى عن ابن عمر، وأبي لبابة، وأبي هريرة، وعائشة وخلق. وعنه ابناه أبو بكر، وعمر، وأيوب، وابن جريج، ومالك، وخلائق. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر. قال حماد بن زيد: مات سنة ١٢٠ اهـ. أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن عمر) (ع) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة، والعبادلة، وكان من
أشد الناس إتباعا للأثر، مات سنة ٧٣ في آخرها أو أول التي تليها. روى له الجماعة.
стр. 397
وفي (صة) هاجر مع أبيه، وشهد الخندق وبيعة الرضوان. له ألف وستمائة حديث وثلاثون حديثًا، اتفقا على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين. وعنه بنوه: سالم، وحمزة، وعبيد الله، وابن المسيب، ومولاه، نافع، وخلق.
وفي الصحيح: "عبد الله رجل صالح" قال شمس الدين الذهبي: كان إماما متينا واسع العلم كثير الإتباع وافر النسك كبير القدر متين الديانة عظيم الحُرْمَة، ذكر للخلافة يوم التحكيم وخوطب في ذلك، فقال: على أن لا يجرى فيها دم. قال أبو نعيم: مات سنة ٧٤.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين نيسابوري، وهو شيخه، وبصري، وهو يحيى، ومدنيين، وهم الباقون. وأنهم ممن اتفقوا عليهم إلا شيخه فإنه ممن أخرج له (خ م س).
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: عبيد الله، عن نافع.
ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطي في ألفيته:
والبَحرُ وابْنَا عُمَر وعَمْرو … وابنُ الزُّبيْر في اشْتهَار يَجْري
دُونَ ابْن مَسْعُود لَهُم عَبَادله … وغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وجمعهم بعضهم بقوله (من الكامل):
أبناءُ عبَّاس وعَمْرو وعُمر .... وابْنُ الزُّبير هُمُ العَبَادلةُ الغُرَرْ
وأنه أحد المكثرين السبعة روى ٢٦٣٠، ولا ينافي هذا ما تقدم عن (صة) لأنه أراد ما ثبت له في الكتب الستة، وهذا ما ثبت له في مسند
стр. 398
بقي بن مخلد، وهو أجمع ما ألف في مسانيد الصحابة كما بينه العلامة أحمد محمَّد شاكر في تعليقته على ألفية السيوطي انظر ص ٢١٨.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار في موضعين. والتحديث في موضع، والعنعنة في الباقي.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: أحفوا الشوارب) وفي نسخة الشارب بالإفراد، وأحفوا بقطع الهمزة من الإحفاء قال النووي: وقال ابن دريد: يقال أيضا: حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا إذا أستأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزته همزة وصل. اهـ لكن الأول هو أكثر.
وقال الحافظ: الإحفاء بالحاء المهملة والفاء: الإستقصاء، ومنه "حتى أحفوه بالمسألة"، وقد ورد بلفظ: "انهكوا الشوارب"، وبلفظ "جزوا الشوارب"، وكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الجز قص الشعر، والصوف إلى أن يبلغ الجلد، والنهك المبالغة في الإزالة. ومنه قوله ﷺ للخافضة: "أشمي ولا تَنهكي" أي لا تبالغي في ختان المرأة. اهـ. وقد تقدم تمام البحث في ١٣/ ١٣.
(وأعفوا اللحى) أي وفِّرُوهَا، قال ابن الأثير في النهاية: إعفاء اللحية: أن يوفر شعرها ولا يقص كالشوارب، من عفى الشيء: إذا كثر، وزاد، يقال: أعفيته (١)، وعفيته. اهـ، ٣/ ٢٦٦ واللحى: بكسر اللام وحكي ضمها، وبالقصر والمد جمع لحية بالكسر فقط، وهي اسم لما نبت على الخدين والذقن. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٨.
وفي اللسان: اللحية اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين
стр. 399
والذقن، والجمع لحىّ يعني بالكسر، ولحُىَ، بالضم، مثل ذروة وذُرَى اهـ جـ ١/ ص ٢٤٣. ومثله في (ق). وفي المصباح: اللحية الشعر النازل على الذقن، والجمع لحىَ مثل سدْرة وسدَر، وتضم اللام أيضا مثل حلية وحُلَى اهـ جـ ٢/ ص ٥٥١.
وقال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب؛ لأن حقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرض للحية يستلزم تكثيرها، وأغرب ابن السيد فقال: حمل بعضهم قوله: "أعفوا اللحى" على الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولا وعرضا، واستشهد بقول زهير (من الوافر):
علَى آثَار مَنْ ذَهَبَ العَفَاءُ
وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفّروا، أو أكثروا، وهو الصواب، قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا فهم من الأمر في قوله: "وأعفوا اللحى تجويز معالجتها بما يُغَرِّزها كما يفعله بعض الناس، قال: وكان الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله في بقية الخبر: "وأحفوا الشوارب" اهـ.
قال الحافظ: ويمكن أن يؤخذ من بقية طرق ألفاظ الحديث الدالة على مجرد الترك اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١٢٠.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر مما تقدم من تفسير صاحبي اللسان و (ق) وكذا الحافظ في الفتح للحية بأنه اسم لما نبت على الخدين والذقن أنه لا يجوز التعرض لشيء من ذلك بحلق ولا تقصير خلاف ما يفعله بعض الناس من حلق ما نبت على الخدين بادعاء أنه لا يسمى باسم اللحية أو هذا خطاء فبم فهم معني اللحية. فتنبه.
وقال الحافظ: في قوله "أعفوا" و"أحفوا" ثلاثة أنواع من البديع: الجناس والمطابقة والموازنة. اهـ جـ ١/ ص ١٢٠.
стр. 400
مسائل تتعلق بحديث الباب
"المسألة الأولى" في درجته: حديث ابن عمر متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان مواضعه عند المصنف
ذكر المصنف هذا الحديث في المجتبى في موضعين: هنا ١٥/ ١٥ وفي الزينة ٥/ ٥٢٢٦ وفي الكبرى ١٠/ ١٣ عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرج هذا الحديث (خ م ت) فأخرجه (خ) ١٠/ ٢٨٨ ومسلم ٣/ ١٤٧ نووي من طريق عمر بن محمَّد، حدثنا نافع به. وأخرجه (ت) ٨/ ٤٦ تحفة، وقال: هذا حديث صحيح، وروى أيضا من طريق مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر فذكره، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو بكر بن نافع هو مولى ابن عمر ثقة، ومثله عمر بن نافع، وعبد الله بن نافع مولى ابن عمر يضعف.
وأخرجه أحمد ٢/ ١٦، وأبو عوانة ١/ ١٨٩، والبيهقي ١/ ١٥٠ عن نافع عن ابن عمر وكذلك مالك ٣/ ١٢٣ تنوير، وفي الباب عن أبي هريرة، رواه مسلم ١٤٧٣ نووي، وأحمد ٢/ ٣٥٦ وأيضا ٢/ ٣٦٥، ٣٦٦، وأبو عوانة ١/ ١٨٨، والبيهقي ١/ ١٥٠ وجاء بلفظ الأمر رواه أبو داود ١١/ ٢٥٣ عون، وأحمد ٢/ ٥٢ ومالك في الموطأ ٣/ ١٢٣ تنوير واللفظ لأبي داود عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى" قاله صاحب بذل الإحسان جـ ١/ ص ١١٤.
стр. 401
"المسألة الرابعة" في أقوال أهل العلم في إعفاء اللحية:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: بعد ذكر اختلاف الروايات في "أعفوا اللحى": ما نصه: فحصل خمس روايات: "أعفوا وأوفوا"، و"أرخوا"، و"أرجوا"، و"وفروا"، ومعناها كلها تركها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يكره حلقها وقصها، وتحذيفها (١)، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره فبم قَصِّها وجَزِّها، قال: وقد اختلف السلف هل لذلك حد؟ فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة، ويأخذ منها، وكَرهَ مالك طولها جدّا، ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. اهـ كلام النووي في شرح مسلم جـ ٣/ ص ١٥١.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله عياض ﵀ من الأخذ من طولها وعرضها وكراهة الشهرة بها فمما لا مستند له، بل هو مخالف للنصوص المذكورة، فلا ينبغي الإلتفات إليه، وأما ما نقل عن ابن عمر ﵁ كما سيأتي قريبا فلا يعارض به المرفوع لأنه لا قول مع قول الرسول ﷺ ، والصحابي إذا خالف فعلُهُ مرويَّه فالعبرة بما روى لا بما رأى. والله أعلم.
وأخرج البخاري في صحيحه: حدثنا محمَّد بن منهال، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا عمر بن محمَّد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين، ووفّروا اللحى، وأحفوا الشوارب"
стр. 402
وكان ابن عمر: إذا حج، أو أعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.
قال الحافظ: هو موصول بالسند المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في الموطأ عن نافع بلفظ: "كان ابن عمر إذا حلق راسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه". وفي حديث الباب مقدار المأخوذ، وقوله: فضل بفتح الفاء والضاد المعجمة، ويجوزكسر الضاد كعلم، والأشهر الفتح، قاله ابن التين. وقال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧]، وخص ذلك من عموم قوله: "وفروا اللحى" فحمله على حالة غير حالة النسك.
قال الحافظ: الذي يظهر لي أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية، أو عرضه، فقد قال الطبرى: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فعل ذلك، وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله. وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: "كنا نُعَفِّي السِّبَال إلا في حج أو عمرة"، وقوله: نعفي بضم أوله وتشديد الفاء: أي نتركه وافرا، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر، فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سَبَلة بفتحتين: وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك.
стр. 403
ثم حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية: هل له حدّ أم لا؟ فاسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه. قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها. قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة، وأسنده عن جماعة، واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به، واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، وهذا أخرجه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون: لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا. اهـ. وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة.
ثم نقل الحافظ ما تقدم عن القاضي عياض. من الأخذ من طولها وعرضها وكراهة الشهرة في تعظيمها، ثم قال: وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها. قال: والمختار تركها على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره. قال الحافظ: وكان مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: وكأن مراده الخ فيه نظر، لأن نص الشافعي لا يعارض به المرفوع، فتبصر. والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى، ما حاصله:
واستدل بفعل ابن عمر بعض أهل العلم، والروايات المرفوعة ترده، ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب، وضعفه، ثم قال: فعلى هذا لا تقوم بالحديث حجة، أي لضعفه. نيل جـ ١/ ص ١٧٧.
стр. 404
وقال النووي في المجموع: ما نصه: فرع:
سبق في الحديث أن إعفاء اللحية من الفطرة فالإعفاء بالمد قال الخطابي وغيره: هو توفيرها وتركها بلا قص، كره لنا قصها كفعل الأعاجم، قال: وكان من زيّ كسرى قص اللحى، وتوفير الشوارب، قال الغزالي في الإحياء: اختلف السلف فيما طال من اللحية؟ فقيل: لا بأس أن يقبض عليها ويقص ما تحت القبضة فعله ابن عمر، ثم جماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي، وابن سيرين، وكرهه الحسن، وقتادة، وقالوا: يتركها عافية، لقوله ﷺ "وأعفوا اللحى" قال الغزالي: والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيصها، لأن الطول المفرط قد يشوه الخلقة. هذا كلام الغزالي. قال النووي: والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقا، بل يتركها على حالها، كيف كانت، للحديث الصحيح "وأعفوا اللحى"، وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته في عرضها وطولها. فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النووي ﵀ مخالفا للغزالي هو عين التحقيق، من هذا المحقق الوثيق. والله أعلم.
قال النووي: أما المرأة إذا نبت لها لحية فيستحب حلقها صرح به القاضي حسين وغيره. وكذا الشارب والعَنْفَقَة (١) لها، هذا مذهبنا، وقال محمَّد بن جرير: لا يجوز لها حلق شيء من ذلك ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص.
قال الجامع: ما رأيت لمدعي الاستحباب، ولا لمدعي عدم الجواز
стр. 405
دليلا صر يحا، فالأولى أن يقال بالإباحة حتى يوجد نص صريح لأحدهما. والله أعلم.
قال النووى: وأما الأخذ من الحاجبين إذا طال فلم أر فيه شيئا
لأصحابنا، وينبغي أن يكره لأنه تغيير لخلق الله لم يثبت فيه شيء فكره، وذكر بعض أصحاب أحمد أنه لابأس به. قال: وكان أحمد يفعله،
وحكي أيضا عن الحسن البصري.
قال الجامع: وما ذهب إليه أحمد ونقل عن الحسن هو الأولى لعدم النص أمرا أو نهيا فكان على أصل الإباحة. والله أعلم.
قال النووى: قال الغزالي: تكره الزيادة في اللحية والنقص منها، وهو أن يزيد في شعر العذارين من شعر الصدغين إذا حلق رأسه، أو ينزل فيحلق بعض العذارين، قال: وكذلك نتف جانبي العنفقة، وغير ذلك فلا يغير شيئا، وقال أحمد بن حنبل لا بأس بحلق ما تحت حلقه من لحيته، ولا بقص ما زاد منها على قبضة اليد، وروي نحوه عن ابن عمر، وأبي هريرة، وطاوس.
قال النووي: وما ذكرناه أوّلا هو الصحيح.
ثم نقل عن الغزالي وهو تابع في ذلك لأبي طالب المكي: أن في اللحية عشر خصال مكروهة:
أحدها: خضابها بالسواد إلا لغرض الجهاد إرعابا للعدو بإظهار الشباب والقوة فلا بأس إذا كان بهذه النية لا لهوى وشهوة.
الثانية: تبيضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة وإظهارا للعلو في السن لطلب الرياسة والتعظيم والمهابة والتكريم، ولقبول حديثه، وإيهاما للقاء المشايخ ونحوه.
стр. 406
الثالثة: خضابها بحمرة، أو صفرة تشبيها بالصالحين، ومتبعي السنة، لا بنية اتباع السنة.
الرابعة: نتفها في أول طلوعها وتخفيفها بالموسى إيثارا للمرودة، واستصحابا للصبا، وحسن الوجه، وهذه الخصلة من أقبحها.
الخامسة: نتف الشيب.
السادسة: تصفيفها وتعبيتها طاقة فوق طاقة، للتزين والتصنع ليستحسنه النساء وغيرهن.
السابعة: الزيادة فيها والنقص منها كما سبق.
الثامنة: تركها شَعثَةً مُنْتَفشَةً إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه.
التاسعة: تسريحها تصنعا.
العاشرة: النظر إليها إعجابا وخيلاء غرَّة بالشباب، وفخرا بالمشيب، وتطاولا على الشباب، وهاتان الخصلتان في التحقيق لا تعود الكراهة فيهما إلى معنى في اللحية بخلاف الخصال السابقة. اهـ المجموع جـ ١/ ص ٢٩١ - ٢٩٢.
وزاد في شرح مسلم على المذكور:
١١ - عَقْدَها وضَفْرها.
١٢ - حلقها، إلا إذا نبت للمرأة لحية فيستحب لها حلقها. اهـ جـ ٣/ ص ١٤٩.
قال الجامع: قد تقدم ما في حلق المرأة للحيتها. فتنبه.
وذكر في المجموع: حديثا أخرجه أبو داود في الطهارة، والمصنف في الزينة عن رويفع ﵁ بإسناد جيد قال: قال لي رسول الله
стр. 407
- ﷺ : "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخْبر الناسَ أنه من عَقَد لحيته، أو تَقلَّد وَتَرًا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم فإن محمدا منه بريء"
قال الخطابي: في عقدها تفسيران: أحدهما: أنهم كانوا يعقدون لحاهم في الحرب وذلك من زي العجم، والثاني: معالجة الشعر ليتعقد، ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث، والتواضع. اهـ جـ ١/ ص ٢٩٢.
(تنبيه) قال في الفتح: أنكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال: ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته بل كان يمسك عليها فيزيل ما شك منها فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليساوي طول لحيته.
قال الجامع: هكذا نقل الحافظ عن ابن التين، ولم يتعقبه بشيء، وأنا أستغرب ذلك منه، لأن نص البخاري لا يفيد ما ذكره، وعلى أي حال ففعل ابن عمر لا يتمشى مع ظاهر النص سواء فسر بما فسر به ابن التين، أم لا؟ لأن النص يقتضي عدم التعرض لها بشيء كما رجحه النووي. فيما تقدم.
وقال أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٩.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما أنهى الكلام على خصال الفطرة والتوقيت فيها أتبعه بذكر أدب الخلاء؛ لأنه يتقدم الاستنجاء الذي هو مقدمة الوضوء، والاستنجاء من خصال الفطرة كما تقدم فناسب ذكره عقبها، وقدمه على الوضوء لتقدمه عليه.
قال ﵀:
стр. 408
١٦ - الإبعاد عند إرادة الحاجة
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، والإبعاد مصدر بمعنى تباعد، يقال: أبعدت في المذهب إبعادا بمعنى تباعدت، قال ابن قتيبة: ويكون أبعد لازما ومتعديا فاللازم أبعد زيد عن المنزل بمعنى تباعد، والمتعدى أبعدته قاله في المصباح، والمناسب هنا الأول.
والحاجة كناية عن البول والغائط، وهي في الأصل قيل تطلق على نفس الافتقار، وعلى الشيء الذي يُفتَقَر إليه قاله في التاج.
١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ -عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ- قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ. رجال الإسناد: ستة
١ - عمرو بن علي الفلاس البصري ثقة حافظ [١٠] تقدم في ٤/ ٤.
٢ - يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة حجة من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤.
стр. 409
٣ - أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد بن حبيب الأنصاري الخطمي بفتح المعجمة وسكون الطاء المدني نزيل البصرة من السادسة، صدوق، روى له الأربعة.
٤ - الحارث بن فضيل الأنصاري الخطمي، أبو عبد الله المدني، ثقة من السادسة، روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٥ - عُمَارة بضم العين وتخفيف الميم بن خُزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي، أبو عبد الله أو أبو محمَّد المدني ثقة من الثالثة مات سنة خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين، روى له الأربعة.
٦ - عبد الرحمن بن أبي قُرَاد بضم القاف وتخفيف الراء الأنصاري، صحابي له حديث واحد، ويقال له ابن الفاكه، روى له النسائي، وابن ماجه. وقوله: له حديث واحد، أي بالنسبة لما عند النسائي، وابن ماجه، وإلا فقد ذكر له في الإصابة حديثين آخرين.
ودونك عبارته بتمامها عبد الرحمن بن أبي قراد بضم القاف وتخفيف الراء الأنصاري، ويقال السلمي، وجزم بالثاني أبو نعيم وابن عبد البر، وقالا هما وابن منده: عداده في أهل الحجاز، قال ابن منده: ويقال له ابن الفاكه بالفاء وكسر الكاف بعدها هاء، قال ابن سعد، وأبو حاتم، وابن السكن: له صحبة، وقال مسلم، والأزدي: تفرد عمارة ابن خزيمة بالرواية عنه، وهو متعقب بأن البخاري ذكر في تاريخه رواية الحارث بن فضيل عنه أيضًا، وحديثه عند النسائي من طريق أبي جعفر الخطمي عنهما جميعا عنه وضم ابن عبد البر إليهما في الرواية عنه أبا جعفر الخطمي فوهم وإنما روايته عنهما عنه ولفظه "خرجت مع النبي ﷺ إلي الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد" وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجه أيضا، وذكر ابن منده أن علي بن المديني أخرج له من هذا
стр. 410
الوجه حديثا آخر قال "رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأدخل يده في الإناء" الحديث وأورد له ابن منده حديثا آخر من رواية الحارث بن فضيل عنه "أن رسول الله ﷺ توضأ يوما فجعل الناس يتمسحون بعرقوبه" وأخرجه أبو نعيم في فوائد ميمونة وزاد فقال "ما يحملكم على ذلك قالوا حب الله ورسوله فقال: من سره أن يحبه الله ورسوله، فليصدق في حديثه وليؤد أمانته، وليحسن جوار من جاوره" وفي إسناده الحارث بن أبي الحارث ابن أبي جعفر وهو ضعيف، وقد خالفه فيه ضعيف آخر كما سأذكره في الكنى في ترجمة أبى قراد السلمى اهـ عبارة الإصابة جـ ٢/ ص ٤١١.
لطائف الإسناد
فيه الأخبار في أوله بلفظ الجمع والتحديث في ثلاثة مواضع، الأولان بلفظ الجمع، والثالث بلفظ الإفراد، والعنعنة في آخره.
وفيه أن رواته ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون ومدنيين، وهما الحارث وعمارة، وحجازي، وهو الصحابي، لكن إن كان هو من أهل المدينة كان النصف الثاني كلهم مدنيين.
وفيه أنه من سداسيات المصنف.
شرح الحديث
(خرجت مع رسول الله ﷺ ) أي مصاحبا له (إلى الخلاء) مثل الفضاء وزنا ومعنى، والخلاء أيضا المُتَوَضَّأ أفاده في المصباح، وفسره بالثاني في "ق" وعبارته: والخلاء المتوضأ قال الشارح: سمى بذلك لخلوه، وهو بالمد، ومثله في الصحاح. قال شيخنا: وفيه نظر، فإن الخلاء في الأصل مصدر، ثم استعمل في المكان الخالي المتخذ لقضاء الحاجة لا للوضوء فقط كما يوهمه قوله المتوضا أي محل الوضوء، وقال الحَطَّابُ في شرح المختصر: يقال لموضع قضاء الحاجة الخلاء بالمد، وأصله المكان
стр. 411
الخالي، ثم نقل إلى موضع قضاء الحاجة، قال شيخنا: قوله وأصله المكان الخالي كأنه أراد الأصل الثاني، وإلا فأصله الأول هو مصدر خلا المكان خلاء إذا فرغ ولم يكن فيه أحد ثم نقل الحطاب عن الحكيم الترمذي أنه سمي بذلك باسم شيطان يقال له خلاء وأورد فيه حديثًا، وقيل لأنه يتخلى فيه أي يتبرز، والجمع أخلية. قال شيخنا: وهذا الذي ذكره الحكيم الترمذي يحتاج إلى ثبت، ولعل العرب الذين وضعوه لا يعرفون ذلك لأنه قديم الوضع فتأمل اهـ تاج العروس في مادة خلا.
(وكان) من عادته ﷺ (إذا أراد الحاجة) أي قضاء الحاجة من بول أو غائط (أبعد) أي تباعد لأن أبعد يأتي لازما ومتعديا كما قدمنا، والمناسب هنا الأول، فقول السندي قوله: أبعد، أي تلك أو نفسه عن أعين الناس لا داعي إليه.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁ صحيح.
"المسألة الثانية" فيمن أخرجه معه: أخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن بشار كلاهما، عن يحيى بن سعيد بإسناد المصنف.
وأخرجه ابن خزيمة أخبرنا أبو طاهر، ثنا أبو بكر بندار، ثنا يحيي بن سعيد بإسناد المصنف وفيه قال بندار قلت ليحيي: ما اسم أبى جعفر الخطمي؟ فقال عمير بن يزيد.
"المسألة الثالثة": من فوائد الحديث طلب التباعد عن الناس عند قضاء
الحاجة بولا كان أو غائطا إكراما لهم وإراحة لنفسة، لأنه مع قربه من الناس ربما يمنعه الحياء من إخراج الريح ونحوه.
وكونه ﷺ مجبولا على مكارم الأخلاق.
стр. 412
١٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ، قَالَ: فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ: "ائْتِنِي بِوَضُوءٍ". فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْقَارِئُ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حجر) بضم فسكون بن إياس السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الزُّرَقي مولاهم أبو إسحاق المدني القارئ (١) أحد الكبار عن عبد الله بن دينار، والعلاء بن عبد الرحمن، وربيعة، وحميد. وعنه قتيبة وعلي بن حجر ويحيى بن يحيى. له نحو خمسمائة حديث، وثقه أحمد بن حنبل، توفي سنة ثمانين ومائة. أخرج له الجماعة من الثامنة.
٣ - (محمد بن عَمْرو) بن علقمة الليثي المدني مشهورمن شيوخ مالك، صدوق أحد أئمة الحديث تُكُلِّمَ فيه من قبل حفظه، وثقه النسائي، وقال الجوزجاني: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا
стр. 413
بأس به، وعن ابن معين أنه ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، روى عن أبيه، وعبد الرحمن بن يعقوب، وطائفة. وعنه موسى بن عقبة، وشعبة، والسيفانان، وغيرهم، روى له البخاري مقرونا حديثا واحدا، ومسلم متابعة، توفى سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة. من السادسة.
٤ - (أبو سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري قيل: اسمه كنيته، وهو الأصح، وقيل: عبد الله أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. من [٣] وتقدم. في ١/ ١.
٥ - (المغيرة بن شعبة) بن أبي عامر الثقفي أبو محمَّد شهد الحديبية، وأسلم زمن الخندق، له مائة وستة وثلاثون حديثا، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، وعنه ابناه حمزة، وعروة،
والشعبي، وخلق، شهد اليمامة، واليرموك، والقادسية، وكان عاقلا أديبا فطنا لبيبا داهيا قيل، أحصن ألف امرأة، قال الهيثم: توفي سنة خمسين بالكوفة، وله ٧٠ سنة، قاله ابن حبان.
لطائف الإسناد
منها: الإخبار في أوله وثانيه، والعنعنة في الباقي.
ومنها: أن رواته ما بين مروزي، وهو الأول، ومدنيين وهم الثلاثة بعده، وكوفي، وهو الصحابي فإنه مات بها، وهو وال عليها وأنه من خماسياته.
شرح الحديث
(كان إذا ذهب المذهب) قال الحافظ ولي الدين العراقي بفتح الميم، وإسكان الذال، مَفْعَل من الذهاب، ويطلق على معنيين: أحدهما المكان الذي يذهب إليه، والثاني المصدر، يقال: ذهب ذهابًا،
стр. 414
ومذهبًا. فيحتمل أن يراد المكان فيكون التقدير إذا ذهب في المذهب أي موضع التغوط، ويحتمل أن يراد المصدر أي ذهب ذهابا والاحتمال الأول هو المنقول عن أهل العربية، وقال به أبو عبيدة وغيره، وجزم به فيه النهاية، ويوافق الاحتمال الثاني قوله في رواية الترمذي "أتي حاجته فأبعد في المذهب" فإنه يتعين فيها أن يراد بالمذهب المصدر انتهى.
وقال ابن منظور في اللسان والمذهب المتوضأ لأنه يذهب إليه، وقال الكسائي: يقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمرفق، والمرحاض. اهـ لسان.
(أبعد) أي تباعد عن أعين الناس وتقدم في الحديث السابق أنه لازم والمعنى أنه ﷺ كان إذا أراد قضاء حاجته ذهب ذهابا بعيد أو إلى مكان بعيد حتي يَتَوَارى عن أعين الناس.
(قال) المغيرة ﵁ (فدهب) أي أراد النبي ﷺ الذهاب (لحاجته) يريد البول والغائط (وهو في بعض أسفاره) جملة حالية أي والحال أنه كان في بعض أسفاره، وهو في غزوة تبوك كما في رواية للمصنف تأتي إن شاء الله وأبي داود (فقال) النبي ﷺ (ائتنى بوضوء) بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به (فأتيته بوضوء) بالفتح أيضا (فتوضأ) النبي ﷺ أي غسل وجهه ويديه ومسح برأسه لا أنه أكمل الوضوء بغسل الرجلين بدليل ما بعده (ومسح) بعد الغسل المذكور (على الخفين).
(قال الشيخ) أي المصنف الظاهر أنه من بعض التلاميذ، أي قال المصنف مبينا لما أهمل في السند (إسماعيل) الراوي عن محمَّد بن عَمْرو (هو ابن جعفر بن أبي كثيرالقارىء) قارئ أهل المدينة.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته حديث المغيرة ﵁ صحيح.
стр. 415
"الثانية": فيمن أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه أبو داود في أول الطهارة، عن القعنبي، عن الدراوردي، عن محمَّد ابن عمرو، بسند المصنف إلا أنه مختصر، والترمذي في الباب السادس عشر من الطهارة عن ابن بشار، عن الثقفي عن محمَّد بن عمرو به، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل ابن علية، عن محمَّد بن عمرو به، أفاده الحافظ المزي.
وأخرجه الدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وأخرجه أحمد في مسنده.
"الثالثة": قال الترمذي وفي هذا الباب عن عبد الرحمن بن أبي قراد، وأبي قتادة، وجابر، ويحيى بن عبيد، عن أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وبلال بن الحارث.
"الرابعة": يستفاد من الحديث مشروعية البعد عن أعين الناس عند قضاء الحاجة بولا أو غائطا احتراما لهم وإبعادا للأذى عنهم، وراحة لقاضي الحاجة؛ لأنه مع قربه منهم يمنعه الحياء من إخراج ريح ونحوه.
وكونه ﷺ مجبولا على مكارم الأخلاق وجواز الاستعانة في إحضار ماء الوضوء بغيره، وخدمة الأكابر، ومشروعية المسح على الخفين. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 416
١٧ - الرخصة في ترك ذلك
أي هذا باب يذكر فيه الرُّخصة في ترك الإبعاد عند قضاء الحاجة، والرخصة وزان غرفة وتضم الخاء للإتباع جمعه رُخَص ورُخُصَات، مثل غُرف، وغرفات: التسهيل في الأمر، والتيسير، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله قاله في المصباح. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله: "فكنت عند عقبيه".
١٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَثَّنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَدَعَانِي، وَكُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) هو إسحاق بن راهويه تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل، ثقة، من الثامنة، تقدم في ٨/ ٨.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمَّد الكوفي، أحد الأعلام الحفاظ والقراء رأى أنسًا يبول، وروى عن عبد الله
стр. 417
ابن أبى أوفى، وعكرمة، قال أبو حاتم: لم يسمع منهما، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وإبراهيم التيمي، والشعبي، وخلق. وعنه أبو إسحاق، والحكم، وزبيد من شيوخه، وسليمان التيمي من طبقته، وشعبة، وسفيان، وزائدة، ووكيع، وخلائق. قال ابن المديني: له نحو ألف وثلثمائة حديث، وقال ابن عيينة: كان أقرأهم وأحفظهم وأعلمهم. وقال عمرو بن علي: كان يسمى المصحف لصدقه. وقال العجلى: ثقة ثبت، يقال: ظهر له أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب، وكان فصيحا، وقال النسائي: ثقة، وعده في المدلسين، قال أبو نعيم: مات سنة في ١٤٨ عن ٨٤ سنة.
٤ - (شقيق) بن سلمة الأسدي هو أبو وائل ثقة، من الثانية، تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (حذيفة بن اليمان) الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٢/ ٢.
شرح الحديث
(قال) أي حذيفة ﵁ (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ) أي في المدينة، لما روى الطبراني من حديث عصمة بن مالك، قال "خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: يا حذيفة استرنى" الحديث، قاله في الفتح. (فانتهى) أي وصل، قال في اللسان: الإنهاء: الإبلاغ، وأنهيت إليه الخبر، فانتهى، وتناهى، أي بلغ، وتقول: أنهيت إليه السهم أي أوصلته إليه اهـ جـ ١٥/ ٣٤٥ (إلى سباطة قوم) بضم السين المهملة وتخفيف الموحدة، قال في النهاية: هي الموضع الذى يُرمى فيه التراب والأوساخ، وما يكنس من المنازل، وقيل هي الكُنَاسة نفسها وإضافتها إلى القوم إضافة
стр. 418
تخصيص، لا ملك لأنها كانت مواتا مباحة اهـ زهر ١٩١. قال في العمدة: وكانت يعني السباطة بالمدينة، ذكره محمَّد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش اهـ جـ ٣/ ص ٩ (فبال) النبي ﷺ في تلك السباطة (قائما) حال من فاعل بال، قاله العيني. قال حذيفة ﵁ (فتنحيت عنه) أي تباعدت تأدبا معه على ظن أنه يكره القرب منه في تلك الحالة كما عليه العادة أفاده السندي (فدعاني) أي فقال ﷺ يا حذيفة استرني" كما في رواية الطبراني من حديث عصمة بن مالك المتقدم آنفا، (وكنت عند عقبيه) الظاهر أنه عطف على محذوف أي فأتيته، وكنت الخ ورواية أبي داود، والترمذي "حتى كنت عند عقبيه" وإنما دنى منه ليستره كما تقدم عند الطبراني (حتى فرغ) النبي ﷺ من حاجته (ثم توضأ) بعد الفراغ من البول وفي رواية البخاري "ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ (ومسح على خفيه) أي بعد غسل سائر الأعضاء ومسح الرأس.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته، حديث حذيفة ﵁ متفق عليه.
"الثانية": فيمن أخرجه مع المصنف:
قال الحافظ أبو الحجاج المزي في التحفة حديث "أتى النبي ﷺ سباطة قوم فبال قائما" الحديث ومنهم من ذكر فيه المسح على الخفين عن الأعمش وحده، فأخرجه (ع) فأخرجه (خ) في المظالم عن سليمان بن حرب مختصرا كما هنا، وفي الطهارة عن محمَّد بن عرعرة كلاهما عن شعبة، وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، كلاهما عن منصور، وعن آدم عن شعبة، عن الأعمش، كلاهما عنه به، وأول حديث محمَّد بن عرعرة، وكان أبو موسى يشدد في البول، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه و (م) في الطهارة عن يحيى
стр. 419
ابن يحيى، عن جرير نحو حديث محمَّد بن عرعرة (د) فيه أي في الطهارة عن حفص بن عُمَر، ومسلم بن إبراهيم كلاهما عن شعبة وعن مسدد عن أبي عوانة.
(ت) فيه أي الطهارة عن هناد، عن وكيع ثلاثتهم عن الأعمش به، وفيها ذكر المسح، قال الترمذي: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعا يحدث بهذا الحديث عن الأعمش، ثم قال وكيع هذا أصح حديث روي عن النبي ﷺ في المسح.
(س) في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، وعن المؤمل بن هشام، عن ابن علية، عن شعبة كلاهما عن الأعمش به، وعن ابن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن منصور به، وعن
سليمان بن عبيد الله الغيلاني، عن بهز، عن شعبة، عن الأعمش، ومنصور به وليس فيها ذكر المسح إلا في حديث عيسى بن يونس، وفي حديث بهز.
(ق) فيه أي الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك، وهشيم، ووكيع، ثلاثتهم عن الأعمش به من غير ذكر المسح، وعن إسحاق بن منصور، عن أبي داود، عن شعبة، عن منصور مثله، وعن محمَّد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمَّد، كلاهما عن وكيع، وعن الوليد بن شجاع، عن أبيه، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن أبي زائدة، أربعتهم عن الأعمش بقصة المسح فحسب. اهـ كلام المزي جـ ٣/ ص ٣٥.
وكتب الحافظ على قوله وليس فيها يعني رواية النسائي ذكر المسح الخ ما نصه قلت ليس في حديث بهز عن شعبة عن منصور ذكر المسح وإنما هو في حديثه عن شعبة عن الأعمش وقد بين ذلك النسائي اهـ نكت.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه بألفاظ متقاربة وأخرجه
стр. 420
البيهقي من عدة طرق اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٩٤.
"المسألة الثالثة": قوله عن الأعمش عن شقيق، ولأبي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة، عن الأعمش: أنه سمع أبا وائل، ولأحمد عن يحيى القطان، عن الأعمش، حدثني أبو وائل. قاله في الفتح.
قال الجامع: فانتفى تهمة التدليس عن الأعمش.
"الرابعة": قوله سباطة إضافة السباطة إلى القوم إضافة اختصاص، لا ملك لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم فأضيفت إليهم لقربها منهم ولهذا بال ﷺ عليها وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهن الجدار وفيه ضرر فكيف هذا من النبي ﷺ وقد يقال: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في صحيحه، وقيل يحتمل أن يكون علم إذنهم في الجدار بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه ﷺ بإيثارهم إياه، بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم.
قال الحافظ ﵀: وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يُعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٠.
وقال البدر العيني قلت هذا كله على تقدير أن تكون السباطة ملكا لأحد أو لجماعة معينين وقال الكرماني وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه بل يفرحون به ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه، قال العيني: هذا أيضا على تقدير أن تكون السباطة ملكا لقوم.
فإن قلت كان من عادته ﷺ التباعد في المذهب وقد روى المصنف
стр. 421
وأبو داود عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد.
والمذهب بالفتح الموضع الذي يتغوط فيه وأخرجه بقية الأربعة أيضا قلت يحتمل أنه ﷺ كان مشغولا في ذلك الوقت بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم فلعله طال عليه الأمر فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد وإنه لو بعد لكان تضرر.
فإن قلت روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: "كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال" الحديث، فهذا يخالف ما ذكرت فيما مضى عن قريب، قلت: يجوز أن يكون الجدار ها هنا عاد يا غير مملوك لأحد أو يكون قعوده متراخيا عن جرمه فلا يصيبه البول ا. هـ عمدة القارئ جـ ٣/ ص ١٠ بزيادة من الفتح.
"المسألة الخامسة": قوله "فبال قائما" فيه جواز البول قائما.
وقد اختلف العلماء في هذا، فأباحه قوم، وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر وابنه وزيد بن ثابت وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما، وأباحه سعيد ابن المسيب وعروة ومحمد بن سيرين وزيد بن الأصم وعَبيدة السَّلْماني والنخعي والحكم والشعبي وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه، وقال عامة العلماء البول قائما مكروه إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وكذلك روي البول قائمًا عن أنس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵃، وكرهه ابن مسعود وإبراهيم بن سعد وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائما، وقال ابن المنذر: البول جالسا أحب إلي وقائما مباح، وكل ذلك ثابت عن النبي ﷺ
(تنبيه) فإن قيل: رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب:
стр. 422
منها حديث عائشة ﵂ قالت: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا" أخرجه أصحاب السنن إلا أبا داود، وأبو عوانة في صحيحه، والحاكم، والبيهقي وأحمد.
ومنها: حديث بريدة مرفوعًا: "ثلاث من الجفاء" فذكر منها: "وأن يبول الرجل قائما" رواه البزار، والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح.
ومنها: حديث عمر ﵁ وأخرجه البيهقي من حديث ابن جريج، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر، قال: قال عمر ﵁ "رآني رسول الله ﷺ أبول قائما فقال يا عمر لا تبل قائما قال فما بلت قائما بعدُ".
ومنها: حديث جابر ﵁ أخرجه البيهقي أيضا من حديث عدي بن الفضل، عن علي بن الحكم، عن أبي نضرة، عن جابر "نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائما".
أجيب عنها بما يلي: أما حديث عائشة فإنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فقد لا تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة ﵁، وأما حديث بريدة فإنه كما قال الترمذي غير محفوظ، وأما حديث عمر ففي سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف، والصحيح ما روى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: "ما بلت قائما منذ أسلمت".
وأما حديث جابر ففي سنده عدي بن الفضل وهو متروك.
وقد بين الشيخ الألباني علته في إروائه، فراجعه جـ ١ ص ٩٦ - ٩٩.
وبالجملة فقد قال الحافظ ﵀: ولم يثبت عن النبي ﷺ في
стр. 423
النهي عن البول قائما شيء اهـ انظر فتح الباري جـ ١/ ص ٣٩٥.
"المسأله السادسة" تكلم العلماء في سبب بوله ﷺ قائما فقال الشافعي -لما سأله حفص الفرد عن الفائدة في بوله قائمًا- العرب تستشفى لوجع الصلب بالبول قائما فنرى أنه كان به إذ ذاك اهـ عيني، ونسبه الحافظ في الفتح إلى أحمد أيضا قال وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال "إنما بال رسول الله ﷺ قائما لجرح كان في مأبضه" والمأبض بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة باطن الركبة فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن غيره لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٣ بتغيير يسير.
وقال القاضي عياض: إنما فعله لشغله بأمور المسلمين فلعله طال عليه المجلس حتي حصره البول ولم يمكنه التباعد كعادته وأراد السباطة لدمثها وأقام حذيفة يستره عن الناس.
وقال المازري: فَعَلَ ذلك لأنها حالة يؤمن فيها من خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر بن الخطاب ﵁ البول قائما أحصن للدبر رواه عبد الرزاق كما في الفتح.
وقيل: لأنه ﷺ لم يجد مكانا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان مرتفعا قاله ابن حبان كما قال الحافظ.
وقال المنذري: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه، قيل فيه نظر لأن القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد، وقال الطحاوي لكون ذلك سهلا ينحدر فيه البول فلا يرتد على البائل اهـ عمدة جـ ٣/ ص ١١ بزيادة يسيرة.
وقال الحافظ: والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر أحواله البول عن قعود اهـ فتح ج ٢ ص ١٢٣.
стр. 424
وقال العلامة الشوكاني نقلا عن ابن القيم في الهدي: والصحيح إنما فعل ذلك تنزها وبعدا من إصابة البول فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم وهو مُلقَى الكناسة، وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله وهو ﷺ استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائما ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف.
والحاصل أنه قد ثبت عنه البول قائما وقاعدا والكل سنة، فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يأتي تلك السباطة فيبول قائما، هذا إذا لم يصح في الباب إلا مجرد الأفعال، إما إذا صح النهي عن البول حال القيام كما في حديث جابر أنه ﷺ نهى أن يبول الرجل قائما وجب المصير إليه والعمل بموجبه ولكنه يكون الفعل الذي صح عنه صارفا للنهي إلى الكراهة على فرض جهل التاريخ لو تأخر الفعل لأن لفظ الرجل يشمله ﷺ بطريق ظهور فيكون فعله صالحا للصرف، لكونه وقع بمحضر من الناس، فالظاهر أنه أراد التشريع، ويعضده نهيه ﷺ لعمر وإن كان فيه ما سلف اهـ المراد من كلام الشوكاني.
قال الجامع: حديث جابر المذكور في سنده عدي بن الفضل متروك وحديث نهى عمر غير صحيح. وقد تقدم عن الحافظ أنه لم يثبت في النهي شيء، فلا داعي إلى التكلف بالجمع. فتبصر. والله أعلم.
"المسألة السابعة": فيما بقي من الأحكام المستفادة من الحديث:
منها: جواز البول بالقرب من الدار.
ومنها: أن فيه دليلًا على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر.
ومنها: جواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء.
стр. 425
ومنها: خدمة المفضول للفاضل ذكر هذه الفوائد في العمدة جـ ٣/ ص ١١. ومنها جواز المسح في الحضر قاله في الفتح.
ومنها: دفع أشد المفسدتين بأخفهما والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معا، وبيانه أنه ﷺ كان يطيل الجلوس لمصالح الأمة ويكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حضره البول وهو في بعض تلك الحالات لم يؤخره حتى يبعد كعادته لما يترتب على تأخيره من الضرر، فراعَى أهم الأمرين، وقدم المصلحة في تقريب حذيفة منه ليستره من المارَّة على مصلحة تأخيره عنه إذ لم يمكن جمعهما اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٢.
وليس فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول لأن رواية البخاري "فأشار إليَّ" تدل أنه بالإشارة لا بالكلام أفاده الحافظ، وتعقبه البدر العيني بأنه ترده رواية الطبراني التي قدمناها من رواية عصمة بن مالك وفيها فقال "ياحذيفة استرني" فإنها صريحة بالتلفظ. قال: ويمكن أن يجمع بين الروايتين بأن يكون ﵇ أشار أولا بيده أو برأسه، ثم قال: "استرني" وقال أيضا ما معناه: إنه لا يدل على جواز الكلام وعدمه، إذ إشارته ﷺ أو قوله "استرني" لم يكن إلا قبل شروعه في البول اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العيني من الجمع أخيرًا هو الذي يكون أولى بالاعتماد عليه، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما ذكر ما يدل على مندوبية الإبعاد عند قضاء الحاجة، ثم أتبعه بما يدل على الرخصة في. ترك ذلك شَرعَ يبين ما يُقَالُ عند إرادة الخلاء، فقال رحمه الله تعالى: