وأبو داود عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد.
والمذهب بالفتح الموضع الذي يتغوط فيه وأخرجه بقية الأربعة أيضا قلت يحتمل أنه ﷺ كان مشغولا في ذلك الوقت بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم فلعله طال عليه الأمر فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد وإنه لو بعد لكان تضرر.
فإن قلت روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: "كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال" الحديث، فهذا يخالف ما ذكرت فيما مضى عن قريب، قلت: يجوز أن يكون الجدار ها هنا عاد يا غير مملوك لأحد أو يكون قعوده متراخيا عن جرمه فلا يصيبه البول ا. هـ عمدة القارئ جـ ٣/ ص ١٠ بزيادة من الفتح.
"المسألة الخامسة": قوله "فبال قائما" فيه جواز البول قائما.
وقد اختلف العلماء في هذا، فأباحه قوم، وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر وابنه وزيد بن ثابت وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما، وأباحه سعيد ابن المسيب وعروة ومحمد بن سيرين وزيد بن الأصم وعَبيدة السَّلْماني والنخعي والحكم والشعبي وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه، وقال عامة العلماء البول قائما مكروه إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وكذلك روي البول قائمًا عن أنس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵃، وكرهه ابن مسعود وإبراهيم بن سعد وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائما، وقال ابن المنذر: البول جالسا أحب إلي وقائما مباح، وكل ذلك ثابت عن النبي ﷺ
(تنبيه) فإن قيل: رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب:
стр. 422
منها حديث عائشة ﵂ قالت: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا" أخرجه أصحاب السنن إلا أبا داود، وأبو عوانة في صحيحه، والحاكم، والبيهقي وأحمد.
ومنها: حديث بريدة مرفوعًا: "ثلاث من الجفاء" فذكر منها: "وأن يبول الرجل قائما" رواه البزار، والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح.
ومنها: حديث عمر ﵁ وأخرجه البيهقي من حديث ابن جريج، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر، قال: قال عمر ﵁ "رآني رسول الله ﷺ أبول قائما فقال يا عمر لا تبل قائما قال فما بلت قائما بعدُ".
ومنها: حديث جابر ﵁ أخرجه البيهقي أيضا من حديث عدي بن الفضل، عن علي بن الحكم، عن أبي نضرة، عن جابر "نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائما".
أجيب عنها بما يلي: أما حديث عائشة فإنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فقد لا تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة ﵁، وأما حديث بريدة فإنه كما قال الترمذي غير محفوظ، وأما حديث عمر ففي سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف، والصحيح ما روى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: "ما بلت قائما منذ أسلمت".
وأما حديث جابر ففي سنده عدي بن الفضل وهو متروك.
وقد بين الشيخ الألباني علته في إروائه، فراجعه جـ ١ ص ٩٦ - ٩٩.
وبالجملة فقد قال الحافظ ﵀: ولم يثبت عن النبي ﷺ في
стр. 423
النهي عن البول قائما شيء اهـ انظر فتح الباري جـ ١/ ص ٣٩٥.
"المسأله السادسة" تكلم العلماء في سبب بوله ﷺ قائما فقال الشافعي -لما سأله حفص الفرد عن الفائدة في بوله قائمًا- العرب تستشفى لوجع الصلب بالبول قائما فنرى أنه كان به إذ ذاك اهـ عيني، ونسبه الحافظ في الفتح إلى أحمد أيضا قال وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال "إنما بال رسول الله ﷺ قائما لجرح كان في مأبضه" والمأبض بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة باطن الركبة فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن غيره لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٣ بتغيير يسير.
وقال القاضي عياض: إنما فعله لشغله بأمور المسلمين فلعله طال عليه المجلس حتي حصره البول ولم يمكنه التباعد كعادته وأراد السباطة لدمثها وأقام حذيفة يستره عن الناس.
وقال المازري: فَعَلَ ذلك لأنها حالة يؤمن فيها من خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر بن الخطاب ﵁ البول قائما أحصن للدبر رواه عبد الرزاق كما في الفتح.
وقيل: لأنه ﷺ لم يجد مكانا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان مرتفعا قاله ابن حبان كما قال الحافظ.
وقال المنذري: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه، قيل فيه نظر لأن القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد، وقال الطحاوي لكون ذلك سهلا ينحدر فيه البول فلا يرتد على البائل اهـ عمدة جـ ٣/ ص ١١ بزيادة يسيرة.
وقال الحافظ: والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر أحواله البول عن قعود اهـ فتح ج ٢ ص ١٢٣.
стр. 424
وقال العلامة الشوكاني نقلا عن ابن القيم في الهدي: والصحيح إنما فعل ذلك تنزها وبعدا من إصابة البول فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم وهو مُلقَى الكناسة، وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله وهو ﷺ استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائما ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف.
والحاصل أنه قد ثبت عنه البول قائما وقاعدا والكل سنة، فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يأتي تلك السباطة فيبول قائما، هذا إذا لم يصح في الباب إلا مجرد الأفعال، إما إذا صح النهي عن البول حال القيام كما في حديث جابر أنه ﷺ نهى أن يبول الرجل قائما وجب المصير إليه والعمل بموجبه ولكنه يكون الفعل الذي صح عنه صارفا للنهي إلى الكراهة على فرض جهل التاريخ لو تأخر الفعل لأن لفظ الرجل يشمله ﷺ بطريق ظهور فيكون فعله صالحا للصرف، لكونه وقع بمحضر من الناس، فالظاهر أنه أراد التشريع، ويعضده نهيه ﷺ لعمر وإن كان فيه ما سلف اهـ المراد من كلام الشوكاني.
قال الجامع: حديث جابر المذكور في سنده عدي بن الفضل متروك وحديث نهى عمر غير صحيح. وقد تقدم عن الحافظ أنه لم يثبت في النهي شيء، فلا داعي إلى التكلف بالجمع. فتبصر. والله أعلم.
"المسألة السابعة": فيما بقي من الأحكام المستفادة من الحديث:
منها: جواز البول بالقرب من الدار.
ومنها: أن فيه دليلًا على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر.
ومنها: جواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء.
стр. 425
ومنها: خدمة المفضول للفاضل ذكر هذه الفوائد في العمدة جـ ٣/ ص ١١. ومنها جواز المسح في الحضر قاله في الفتح.
ومنها: دفع أشد المفسدتين بأخفهما والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معا، وبيانه أنه ﷺ كان يطيل الجلوس لمصالح الأمة ويكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حضره البول وهو في بعض تلك الحالات لم يؤخره حتى يبعد كعادته لما يترتب على تأخيره من الضرر، فراعَى أهم الأمرين، وقدم المصلحة في تقريب حذيفة منه ليستره من المارَّة على مصلحة تأخيره عنه إذ لم يمكن جمعهما اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٢.
وليس فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول لأن رواية البخاري "فأشار إليَّ" تدل أنه بالإشارة لا بالكلام أفاده الحافظ، وتعقبه البدر العيني بأنه ترده رواية الطبراني التي قدمناها من رواية عصمة بن مالك وفيها فقال "ياحذيفة استرني" فإنها صريحة بالتلفظ. قال: ويمكن أن يجمع بين الروايتين بأن يكون ﵇ أشار أولا بيده أو برأسه، ثم قال: "استرني" وقال أيضا ما معناه: إنه لا يدل على جواز الكلام وعدمه، إذ إشارته ﷺ أو قوله "استرني" لم يكن إلا قبل شروعه في البول اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العيني من الجمع أخيرًا هو الذي يكون أولى بالاعتماد عليه، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما ذكر ما يدل على مندوبية الإبعاد عند قضاء الحاجة، ثم أتبعه بما يدل على الرخصة في. ترك ذلك شَرعَ يبين ما يُقَالُ عند إرادة الخلاء، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 426
١٨ - القول عند دخول الخلاء
أي هذا باب ذكر الحديث المبين لما يقال عند إرادة دخول الخلاء، فالقول بمعنى المقول، والمراد بالدخول إرادته لما يأتي.
والخلاء بفتح الخاء والمد موضع قضاء الحاجة سمى بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف والحُشُّ والمرْفَق والمرْحاض أيضا، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تُجُوِّزَ به عن ذلك، وأما الخلا بالقصر فهو الحشيش الرطب والكلأ الخشن أيضا، وقد يكون الخلا مستعملا في باب الاستنجاء فإن كسرت الخاء مع المد فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل، وقال الجوهري: الخلاء ممدودا المتوضأ، والخلاء أيضا المكان الذي لا شيء به قال البدر العيني يصلح كل منها أن يكون مرادا ها هنا. اهـ.
١٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ".
رجال الإسناد: أربعه
١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي أبو محمَّد ابن راهويه المروزي ثقة حجة، ١٠ تقدم في ٢/ ٢.
стр. 427
٢ - (إسماعيل). بن إبراهيم بن مقْسَم الأسدي القرشي مولاهم أبو بشر البصري ابن علية وهي أمه مولاة لبني أسد بن خزيمة أيضا الحافظ أحد الأئمة الأعلام عن أيوب، وعبد العزيز بن رفيع، وروح بن القاسم، ويحيى بن سعيد التيمي، وخلق. وعنه إبراهيم بن طهمان، وأحمد، وابن راهويه، وعلي بن حجر، وخلق كثير، قال شعبة: ابن علية ريحانة الفقهاء. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت. وقال ابن معين: كان ثقة، مأمونا، ورعا، تقيا. قال عمرو بن زرارة: صحبت ابن علية أربع عشرة سنة، فما رأيته ضحك فيها. قال الفلاس: ولد سنة عشر ومائة، ومات سنة ثلاث وتسعين ومائة. اهـ صه جـ ١/ ص ٨٣، من الثامنة.
٣ - (عبد العزيز بن صهيب) البناني (نسبة إلى بُنَانة بن سعد بن لؤي ابن غالب) مولاهم البصري عن أنس، وشهر، وعنه شعبة والحمادان وثقه أحمد، قال ابن قانع مات سنة ثلاثين ومائة اهـ صة جـ ٢/ ص ١٦٦، من الرابعة.
٤ - (أنس بن مالك) الأنصاري خادم رسول الله ﷺ وأحد المكثرين السبعة تقدم. في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
فيه الإخبار في موضعين، والعنعنة في موضعين.
ورواته كلهم بصريون إلا شيخه فمروزي، فهو مسلسل بالبصريين وهو الثالث من رباعيات المصنف، وهي أعلى ما وقع له، كما تقدم في المقدمة.
стр. 428
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء) أي أراد دخول الخلاء.
لأن اسم الله لا يذكر بعد الدخول، وهذا التقدير جاء مصرحًا به في رواية أخرجها البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: حدثني أنس ابن مالك، قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال .. فذكر مثل حديث الباب. قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية تبيين المراد من قوله إذا دخل الخلاء، أي كان يقول هذا الذكر عن إرادة الدخول، لا بعده، وهذا في الأمكنة المعدة لذلك بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطال: رواية "إذا أتى" أعم لشمولها انتهى.
والخلاء بالمد موضع قضاء الحاجة قال (اللهم) أي يا ألله (أعوذ بك) أي ألوذ وألتجىء إليك من العوذ وهو عُودٌ يلجأ إليه الحشيش في مَهبِّ الريح، وقال ابن الأثير: يقال: عذت به عوذا وعياذا ومعاذا، أي لجأت إليه، والمعاذ المصدر والمكان والزمان، أي لقد لجأت إلى ملجأ ولذت بملاذ. اهـ عينى جـ ٢/ ص ٢٥٢ (من الخبث) بضمتين قال في الفتح كذا في الرواية اهـ. وجاءت بإسكان الموحدة جمع خبيث، والمراد به ذكور الشياطين اهـ. المنهل. (والخبائث) جمع خبيثة، والمراد إناث الشياطين.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ متفق عليه.
الثانية: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأمهات الست وغيرهم وفي اختلاف ألفاظه قال الحافظ المزي في ترجمة إسماعيل بن علية ما نصه
стр. 429
حديث: وكان إذا دخل الخلاء، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (م) في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب (س) فيه، أي الطهارة، وفي النعوت، يعني في الكبرى، عن إسحاق ابن إبراهيم (ق) في الطهارة، عن عمرو بن رافع، أربعتهم عنه، أي عن إسماعيل بهذا السند. اهـ.
وقال المزي أيضا عند ذكر شعبة عن عبد العزيز عن أنس (خ) في الطهارة عن آدم بن أبي إياس، وفي الدعوات عن محمَّد بن عرعرة (د) في الطهارة عن الحسين بن عمر، عن وكيع، ثلاثتهم عنه، أي شعبة به، أي بهذا السند (ت) في الطهارة، عن قتيبة، وهناد، كلاهما عن وكيع به. اهـ ١/ ٢٧٤.
وقال في المنتقى: رواه الجماعة ولسعيد بن منصور في سننه: كان يقول: "بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" اهـ.
المسألة الثالثة: قوله إذا دخل الخلاء أي أراد الدخول كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: آية ٩٨] أي إذا أردت قراءة القرآن وذلك لأن الله تعالى إنما يذكر في الخلاء بالقلب لا باللسان إذ هو معمروه لحديث ابن عمر وغيره "أن النبي ﷺ سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه، حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" أو قال: "على طهارة". وروى نحوه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كما في النيل.
وقال القشيري: المراد به ابتداء الدخول، قال العيني: لا يحتاج إلى هذا التأويل فإن المكان الذي تقضى فيه الحاجة لا يخلو إما أن يكون معدا لذلك كالكنيف، أو لا كالصحراء، فإن لم يكن معدا فإنه يجوز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدا، ففيه خلاف للمالكية فمن كرهه
стр. 430
أوَّلَ الدخولَ بمعنى الإرادة، لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح (١) أو لأنه بُيِّنَ في حديث آخر كما في راوية البخاري في الأدب المفرد السابقة وكما في قوله ﷺ "إن هذه الحشوش محتضرة" أي للجان والشياطين "فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث" ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل، ويحملُ دخل على حقيقتها، وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ ولفظه "فإذا أتى أحدكم الخلاء". وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضا، وقال الترمذي: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب وأشار إلى اختلاف الرواية فيه، وسأل الترمذي البخاري عنه، فقال: لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيباني، والنضر بن أنس، عن أنس، ولم يقض فيه بشيء، ولهذا أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال البزار: اختلفوا في إسناده، وقال الحاكم: مختلف فيه على قتادة، وقد احتج مسلم بحديث لقتادة، عن النضر، عن زيد، ورواه سعيد عن القاسم، وكلا الإسنادين على شرط الصحيح اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٥٣.
وقال العلامة المباركفوري في شرح الترمذي: قول البخاري المذكور في كلام العيني: لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيباني، والنضر ابن أنس، عن أنس، مخالف لقوله المذكور في كلام البيهقي بلفظ لعل قتادة سمع منهما جميعا عن زيد بن أرقم، والظاهر عندي أن لفظ: عن أنس المذكور، في كلام العيني؛ سهو من الناسخ، فتأمل. اهـ تحفة جـ ١/ ص ٤٦.
"المسألة الرابعة" قوله: "الخبث"، قال الخطابي: بضم الخاء والباء
стр. 431
جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم.
وعامة أصحاب الحديث يقولون: الخبث مسكنة الباء، وهو غلط، والصواب مضمومة الباء، قال: وقال ذلك لأن الشياطين يحضرون الأخْلية، وهي مواضعُ يُهجَر فيها ذكر الله تعالى، فقدم لها الاستعاذة احترازا منهم، انتهى. وفيه نظر؛ لأن أبا عبيد القاسم بن سلام حكى تسكين الباء، وكذا الفارابي في ديوان الأدب، والفارسي في مجمع الغرائب، ولأن فُعُلا بضمتين قد يسكن عينه قياسا ككتب وكتب، فلعل من سكنها سلك هذا المسلك، وقال التوربشتي: هذا مستفيض لا يسع أحدا مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه، بالخُبْث الذي هو المصدر.
وفي شرح السنة الخبث بضم الباء وبعضهم يَروي بالسكون، وقال الخبث الكفر، والخبائث الشياطين، وقال ابن بطال الخبث بالضم يعم الشر، والخبائث الشياطين، وبالسكون مصدر خبث الشيء يخبث خبثا، وقد يجعل اسما. وزعم ابن الأعرابي أن أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وان كان من الشراب فهو الضار. وقال ابن الأنباري وصاحب المنتهى: الخبث الكفر، ويقال: الشيطان، والخبائث المعاصي جمع خبيثة، ويقال: الخبث خلاف طيب الفعل، من فجور وغيره، والخبائث الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة. اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٥٢.
"المسألة الخامسة" من الأحكام المستنبطة من حديث الباب:
أن فيه مشروعية الاستعاذة عند إرادة الدخول في الخلاء، وقد أجمع أهل العلم على استحبابها، وسواء في ذلك البنيان والصحراء، لأن
стр. 432
الشياطين تحضر تلك الأمكنة، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى، فيقدم لها الاستعاذة، تحصنا منهم، لأن لهم تسلطا على ابن آدم لم يكن في غيرها، لبعد الحفظة عنه، والصحراء تصير مأوى لهم بخروج الخارج، فلو نسي التعوذ، فدخل، فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر ﵄ أفاده العيني.
قال الجامع: والراجح عندي القول الأول لما قدمنا من كراهة الذكر في محل النجاسات.
"المسألة السادسة" اختلف العلماء في جواز ذكر الله تعالى على الخلاء، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله تعالى عند الخلاء، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي. وقال عكرمة: لا يذكر الله فيه بلسانه بل بقلبه. ذكره العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٢٥٤.
قال الجامع: هذا القول عندي هو الراجح، لما روى أبو داود بسند صحيح عن المهاجر بن قُنْفُذ، أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه، حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر" أو قال: "على طهارة".
وأجاز ذلك جماعة روى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله تعالى في المرحاض، وقال العزرمي: قلت للشعبي: أعطس وأنا في الخلاء أحمد الله؟ قال: لا حتى تخرج، فأتيت النخعي فسألته عن ذلك، فقال لي: احمد الله، فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: الحمد يصعد ولا يهبط، وهو قول ابن سيرين، ومالك، وقال ابن بطال: وهذا الحديث (١) حجة لمن أجاز ذلك.
стр. 433
قال الجامع عفا الله عنه: في قول ابن بطال هذا نظر لما قدمنا من رواية البخاري في الأدب المفرد من قوله "إذا أراد أحدكم" فإنها تفسر المراد، فلا يتم الاحتجاج به.
وقال البدر العيني: وذكر البخاري في كتابه خلق أفعال العباد عن عطاء ﵀ الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يُلمّ بأهله، وهو في يده لا بأس به، وهو قول الحسن، وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله، قال البخاري وقال طاوس في المنطقة يكون على الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته لا بأس بذلك، وقال إبراهيم لا بد للناس من نفقاتهم، وأحَبَّ بعض الناس أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله تعالى، قال البخاري: وهذا من غير تحريم يصح، وأما حديث بئر جمل (١) فهو على الاختيار والأخذ بالاحتياط والفضل، لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء قاله الطحاوي، وقال الطبري: إن ذلك منه كان على وجه التأديب للمسلم عليه أن لا يسلم بعضهم على بعض على الحدث، وذلك نظير نهيه وهو كذلك أن يحدث بعضهم بعضا بقول "لا يحدث المتغوطان على طوفهما (٢) يعني حاجتهما فإن الله يمقت على ذلك" وروى أبو عبيدة الباجي عن الحسن عن البراء ﵁ "أنه سلم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتى فرغ" اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٥٤.
"المسألة السابعة" لفظ الاستعاذة أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك" وقد اختلف فيه ألفاظ الرواة ففي رواية شعبة "أعوذ بالله" وفي رواية وهب "فليتعوذ بالله" وهو يشمل كل ما يأتي به من أنواع الاستعاذة من
стр. 434
قوله: أعوذ بك أستعيذ بك أعوذ بالله، أستعيذ بالله اللهم اني أعوذ بك ونحو ذلك قاله العيني.
"المسألة الثامنة" قال ابن العربي: كان النبي ﷺ معصوما من الشيطان حتى من الموكل به بشرط استعاذ ته منه ومع ذلك فقد كان اللعين يعرض له، عرض له ليلة الإسراء فدفعه بالاستعاذة، وعرض له في الصلاة، فشد وثاقه، ثم أطلقه، وكان يخص الاستعاذة في هذا الموضع بوجهين:
أحدهما: أنه خلاء وللشيطان بعادة الله قدرة تسلط في الخلاء ليس له في الملاء قال ﷺ "الركب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"
الثاني: أنه موضع قذر ينزه ذكر الله عن الجريان فيه على اللسان فيغتنم الشيطان عدم ذكر الله فإنَّ ذكره يطرده فلجأ إلى الاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج وليعلّم أمته انتهى كلام ابن العربى.
وقال الحافظ: كان ﷺ يستعيذ إظهارا للعبودية ويجهر بها للتعليم اهـ
"المسألة التاسعة" قال الحافظ: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها تحضرها الشياطين، كما ورد في حديث زيد بن أرقم في السنن، أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلا في جانب البيت الأصح الثاني ما لم يشرع في قضاء الحاجة.
وقال أيضا: متى يقول ذلك فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يُفصِّل، أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقول قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقول في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلا، وهذا مذهب الجمهور، وقالو فيمن نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه ومن يجيز مطلقا كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى تفصيل اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٨.
стр. 435
"المسألة العاشرة" تسن التسمية قبل التعوذ لما أخرج سعيد بن منصور في سننه أنه ﷺ كان يقول: "باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" اهـ المنهل جـ ١/ ص ٣١.
وقال الحافظ: وقد رَوَى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث" وإسناده على شرط مسلم، قال: ولم أرها يعني زيادة التسمية في غير هذه الرواية. اهـ، قال الشوكاني وهذه الرواية تشهد لما رواه سعيد بن منصور. اهـ نيل.
"المسألة الحادية عشرة" فيما يقال عند الخروج، لم يُخرِّج المصنف ذلك، فروت عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: "غفرانك" رواه أصحاب السنن إلا المصنف، وأحمد وصححه الحاكم، وأبو حاتم. قاله الشوكاني.
وروى ابن ماجه عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني".
قال الحافظ البوصيري: هذا حديث ضعيف، ولا يصح بهذا اللفظ عن النبي ﷺ شيء. اهـ، مصباح الزجاجة جـ ١/ ص ١٢٩.
وأخرج النسائي مثله في عمل اليوم والليلة.
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا "الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك عليَّ ما ينفعني".
وذكره ابن الجوزي في العلل عن سهل بن أبي حثمة نحوه.
وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا "الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى علي قوته وأذهب عني أذاه" وكلها ضعاف ما عدا حديث عائشة كما أفاده العلامة العيني.
стр. 436
واستغفاره ﷺ :
قيل: لتركه الذكر في تلك الحالة لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء الحاجة فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرًا وذنبا يستغفر منه.
وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج.
وأما حمده: فإشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها وحقَّ على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة فسد به جوعه، وحفظ به صحته، وقوته، ثم لما قضى منه وطره، ولم يبق فيه نفع، واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة، خرج بسهولة من مخرج مُعَدّ لذلك أن يستكثر من محامد الله ﷻ ، اللهم أوزعنا شكر نعمائك أفاده الشوكاني في نيله جـ ١/ ص ١١٨.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما ذكر ما يقال عند الدخول في الخلاء ناسب أن يذكر الحالة التي يكون عليها المتخلي بعد الدخول عند قضاء الحاجة وهي عدم كونه مستقبلا للقبلة، أو مستدبرا لها بل يشرّق أو يغربّ، فلذا ذكرها
بالترتيب فقال:
стр. 437
١٩ - النهي عن استقبال القبلة عنه الحاجة
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة.
والمراد بالحاجة: الغائط والبول.
يقال: استقبل الشيء واجهته فهو مستقبل بالفتح اسم مفعول، "ولو استقبلت من أمري ما استدبرت" أي لو ظهر لي أولا ما ظهر لي آخرا، وفي النوادر استقبلت الماشية الوادي تُعدّيه إلى مفعولين، وأقبلتها إياه بالألف تعديه إلى مفعولين أيضا: إذا أقبلت بها نحوه. قاله في المصباح.
والقبلة: في الأصل الجهة.
قال في اللسان: القبلة ناحية الصلاة، وقال اللحياني القبلة وجهة المسجد، وليس لفلان قبلة أي جهة، ويقال: أين قبلتك؛ أي من أين جهتك؟ والقبلة التي يصلَّى إليها اهـ. وسميت الكعبة قبلة لأن المصلي
يقابلها، وكل شيء جعلته تلقاء وجهك فقد استقبلته. اهـ المصباح بزيادة يسيرة.
والحاجة: كناية عن البول والغائط وهي في الأصل قيل: تطلق على نفس الافتقار وعلى الشيء الذي يفتقر إليه. قاله في تاج العروس.
قال رحمه الله تعالى:
٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
стр. 438
مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ بِمِصْرَ يَقُولُ: وَاللهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَايِيسِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ أَوِ الْبَوْلِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا".
رجال الإسناد: سبعة
١ - (محمَّد بن سلمة) بن عبد الله بن أبي فاطمة المُرادي الجَمَلي بفتح الجيم والميم مولاهم أبوالحارث المصري الفقيه، عن ابن وهب وابن القاسم وجماعة، وعنه (م د س) وقال: ثقة ثقة وقال ابن يونس كان ثبتا توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين اهـ صة جـ ٢/ ص ٤٠٨، من الطبقة الحادية عشرة.
٢ - (الحارث بن مسكين) الأموي مولاهم أبو عمر قاضي مصر ثقة فقيه [١٠] تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن بن القاسم العُتَقيّ (بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف) أبو عبد الله المصري الفقيه، عن مالك وبكر بن مضر، ونافع القارئ، وعنه أصبغ بن الفرج، ومحمد بن سلمة المرادي. قال أبو زرعة: عنده ثلثمائة جلد عن مالك مسائل. قال النسائي: ثقة مأمون. وقال فيه مالك: مثله مثل جواب مملوء مسكًا قال يونس بن عبد الأعلى: مات سنة ١٩١ صة جـ ٢/ ص ١٤٩، من الطبقة العاشرة.
стр. 439
٤ - (مالك بن أنس) مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي أبو عبد الله المدني أحد أعلام الإسلام وإمام دار الهجرة، عن نافع، والمقبري، ونعيم بن عبد الله، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى ابن حبان، وإسحاق. بن عبد الله بن أبي طلحة، وأيوب وزيد بن أسلم، وخلق. وعنه من شيوخه: الزهري، ويحيى الأنصاري. وممن مات قبله: ابن جريج، وشعبة، والثوري، وخلق، وابن عيينة، والقطان، وابن وهب، وخلائق، آخرهم موتا أبو حذافة السهمي.
قال الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه، قال ابن مهدي: ما رأيت أحدا أتم عقلا ولا أشد تقوى من مالك، وقال ابن المديني: له نحو ألف حديث، وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، ولد مالك سنة ٩٣ وحمل به ثلاث سنين وتوفي سنة ١٧٩ ودفن بالبقيع صة جـ ٣/ ص ٣ من الطبقة السابعة.
٥ - (اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحه) زيد بن سهل الأنصاري، أبو يحيي المدني، عن أبيه، وأنس، والطفيل بن أبي بن كعب. وعنه حماد بن سلمة، وابن عيينة، ومالك. قال ابن معين: ثقة حجة. قال
ابن سعد: توفي سنة ١٣٢. وقال الفلاس: سنة أربع، من الطبقة الرابعة.
٦ - (رافع بن إسحاق) المدني مولى الشِّفَاء (١) عن أبي أيوب، وعنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وثقه النسائي. اهـ صة، من الطبقة الثالثة.
٧ - (أبو أيوب الأنصاري) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصاري النجاري المدني شهد بدرا والعقبة، وعليه نزل النبي ﷺ حين
стр. 440
دخل المدينة له مائة ونجمسون حديثا اتفقا على سبعة، وانفرد (خ) بحديث. و (م) بخمسة، روى عنه البراء وأفلح مولاه وعروة وعطاء الليثي، له فضائل، ومن كلامه من أراد أن يكثر علمه، ويعظم حلمه، فليجالس غير عشيرته، مات بأرض الروم غازيا سنة ٥٢ ودفن إلى أصل حصن القسطنطينية. اهـ صة جـ ١/ ص ٢٧٨.
لطائف الإسناد
منها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والتحديث، والسماع، والقول.
ومنها: أن رواته ما بين مصريين ومدنيين فمن قبل مالك كلهم مصريون ومنه إلى آخره كلهم مدنيون.
ومنها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: قوله والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع وذلك لأنه كان بينه وبين الحارث شيء فكان النسائي يسمع قراءة غيره من حيث لا يراه الحارث، وقد تقدم البحث عنه.
ومنها: قوله واللفظ أي لفظ الحديث الآتي للحارث يعني وأما ابن سلمة فلفظه غير هذا وإنما يوافقه في المعنى وفيه إشارة إلى قاعدة اصطلح عليها المحدثون، وهي أنه إذا كان الحديث عند رجل عن شيخين أو أكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات.
قال النووي ﵀ في التقريب: ولمسلم في صحيحه عبارة حسنة كقوله حدثنا أبو بكر، وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، فظاهره أن اللفظ لأبي بكر. قال
стр. 441
العراقي: ويحتمل أنه أعاده لبيان التصريح بالتحديث، وأن أبا سعيد لم يصرح.
فإن لم يخص فقال: أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ، أو والمعنى واحد قالا: حدثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، فإن لم يقل تقاربا فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب به
البخاري، وغيره.
قال ابن الصلاح: وقول أبي داود حدثنا مسدد، وأبو توبة المعنى قالا: حدثنا أبو الأحوص يحتمل أن يكون من قبيل الأول، فيكون اللفظ لمسدد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة بل رواه عنهما بالمعنى، قال وهذا الاحتمال يقرب في قول مسلم المعنى واحد. اهـ تقريب بزيادة من شرحه التدريب جـ ٢/ ص ١١٢.
وإلى ذلك أشار السيوطي بقوله في الألفية:
وَمَنْ رَوَى متنًا عن أشْيَاخ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنىً ولفظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتصرًا بلَفْظ وَاحد وَلَمْ … يُبَيِّن اخْتصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أوْ قَال قَدْ تَقَارَبا في اللَّفْظ أوْ … واتَّحَدَ المعْنَى عَلى خُلْف حَكَوا
وإنْ يكُنْ للفْظه يُبيّنُ … مَعْ قَالَ أوْ قَالا فَذَاكَ أحسَنُ
الشرح
(عن رافع بن إسحاق أنه سمع) يقال: سمعت الشيء سمعا وسماعا وسماعة، واختلف النحاة في سمعت هل يتعدى إلى مفعولين، على قولين: أحدهما نعم، وهو مذهب الفارسي، قال لكن لا بد أن يكون الثاني مما يسمع كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت: سمعت
стр. 442
زيدا أخاك لم يجز، والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي سمعته حال قوله كذا قاله العيني جـ ١/ ص ٢٥.
ويقال: سمع سواء كان بقصد أو بدونه، وإذا قيل: استمع لا بد أن يكون بقصد، لأنه لا يكون إلا بالإصغاء، ويقال: سمعت كلامه إذا فهمت معنى لفظه، وإن لم تفهم لبعد أو لغط فهو سماع صوت، لا
سماع كلام؛ لأن الكلام ما دل على معنى تتم به الفائدة، وهو لم يسمع ذلك. أفاده في المصباح.
(أبا أيوب) مفعول سمع (الأنصاري) بفتح الهمزة وسكون النون نسبة إلى الأنصار لكونه مشابها للمفرد حيث صار علمًا للقبيلة. قال ابن مالك في ألفيته.
والوَاحدَ أذكُرْ نَاسبًا للجَمْع .... إنْ لَمْ يُشَابة وَاحدًا بالوَضْع
قال في اللباب: وهم جماعة من أهل المدينة من الصحابة من أولاد الأوس والخزرج قيل لهم: الأنصار، لنصرتهم رسول الله ﷺ ، اهـ (وهو بمصر) جملة حالية من أبي أيوب، وفي رواية الصحيحين "فقدمنا الشام فوجدنا مراحض قد بنيت قبل القبلة فكنا ننحرف عنها" قال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح أبي داود: لا تنافي بين الروايتين فيمكن أنه وقع له هذا في البلدين معا، قدمَ كلا منهما، فرأى مراحيضهما إلى القبلة. اهـ زهر (يقول) جملة حالية من المفعول أيضا (والله ما أدري ما أصنع) ما استفهامية، وفي نسخة السيوطي كيف أصنع أي أيَّ شيء أصنع (بهده الكراييس) بياءين مثناتين من تحت، قال في النهاية: يعني الكنف واحدها كرياس، وهو الذي يكون مشرفا على سطح بقناة من الأرض فهذا كان أسفل فليس بكرياس، سمي به لما تعلق به من الأقذار
стр. 443
ويتكرس كتكرُّس الدِّمَن. وقال الزمخشري في كتاب العين: الكرْناس بالنون. اهـ الزهر.
وقال السندي: يعني بيوت الخلاء، قيل: ويفهم من كلام بعض أهل اللغة أنه بالنون ثم الياء. وكانت تلك الكراييس بنيت إلى جهة القبلة، فثقل عليه ذلك، ورأى أنه خلاف ما يفيده الحديث بناء على أنه فهم الإطلاق، لكن يمكن أن يكون محمل الحديث الصحراء وإطلاق اللفظ جاء على ما كان عليه العادة يومئذ إذ لم يكن لهم كنف في البيوت في أول الأمر، ويؤيده الجمع بين أحاديث هذا الباب منها ما ذكره المصنف، ومنها ما لم يذكره، ولذلك مال إليه الطحاوي من علمائنا، يعني الحنفية، والمسألة مختلف فيها بين العلماء والاحتراز عن الاستقبال والاستدبار في البيوت أحوط وأولى. اهـ.
(وقد قال رسول الله ﷺ ) حال من الكرابيس أي حال كون رسول الله ﷺ قائلا في شأنها موضحا حكمها (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط) أي محل قضاء الحاجة أو الحاجة نفسها لأن الغائط يطلق عليها مجازا، قال في اللسان الغوط عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمُطمَئنِّ (١) من الأرض غائط، ولموضع قضاء الحاجة غائط، لأن العادة أن يقضى في المنخفض من الأرض حيث هو أستر له، ثم اتسع فيه حتى صار يطلق على النجو نفسه. قال أبو حنيفة: من بواطن الأرض المُنْبتَة الغيطان، الواحد منها غائط، وكل ما انحدر في الأرض فقد غاط، قال: وقد زعموا أن الغائط ربما كان فرسخا، وكانت به الرياض، ويقال: أتى فلان الغائط، والغائط المطمئن من الأرض الواسعة، وفي الحديث "تنزل أمتي بغائط يسمونه البصرة" أي بطن مطمئن من الأرض، والتغويط كناية عن الحدث.
стр. 444
والغائط: اسم العذرة نفسها لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان، وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط وقضوا الحاجة، فقيل لكل من قضى حاجته: قد أتى الغائط يُكنى به عن العذرة، وفي التنزيل العزيز ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: آية ٦] وكان الرجل إذا أراد التبرز ارتاد غائطا من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، ثم قيل للبراز نفسه، وهو الحدث غائط كناية عنه إذ كان سببا له، وتَغَوَّطَ الرجل كناية عن الخرَاءة إذا أحدث فهو متغوط.
قال ابن جني: ومن الشاذ قراءة من قرأ "أو جاء أحد منكم من
الغَيْط" يجوز أن يكون أصله غَيِّطا (١) وأصله غَيْوط فخفف، قال أبو الحسن ويجوز أن يكون الياء واوا، للمعاقبة، ويقال: ضرب فلان الغائط إذا تبرز، وفي الحديث لا يذهب الرجلان يضربان الغائط يتحدثان" أي يقضيان الحاجة وهما يتحدثان، وقد تكرر ذكر الغائط في الحديث بمعنى الحدث، والمكان، اهـ لسان جـ ٧/ ص ٣٦٥.
(أو البول) هو في الأصل مصدر بال من باب قال، ثم استعمل في الخارج المعروف من القبل اهـ المنهل جـ ١/ ص ٣٨ (فلا يستقبل) أي لا يواجه، يقال: استقبلت الشيء واجهته، فهو مستقبل بالفتح اسم مفعول. اهـ المصباح، أي بفرجه لما في رواية "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم" اهـ منهل جـ ١/ ص ٣٨ (القبلة) أي الكعبة، فأل للعهد كما فسرها حديث أبي أيوب في قول، "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف ونستغفر الله" متفق عليه، وروى أبو داود، والترمذي نحوه (ولا يستدبرها) أي لا يجعلها وراء ظهره، وللبخاري "ولا يولها ظهره" وزاد مسلم "ببول أو غائط".
стр. 445
قال الحافظ: والغائط الثاني غير الأول أطلق على الخارج من الدبر مجازا من إطلاق اسم المحل على الحال كراهية لذكره بصريح اسمه، وحصل من ذلك جناس تام والظاهر من قوله ببول اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابر "إذا هَرَقْنا الماء" وقيل مثار النهي كشف العورة وعلى هذا فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلا، وقد نقله ابن شاش المالكي قولًا في مذهبهم، وكأن قائله تمسك برواية في الموطأ "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم" ولكنها محمولة على المعنى الأول أي حال قضاء الحاجة جمعا بين الروايتين اهـ فتح جـ ٢/ ص ٢٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ صحيح.
"الثانية": هذا الحديث بهذا السياق من أفراد المصنف.
"الثالثة": في هذا الحديث النهي عن استقبال القبلة حال قضاء الحاجة وقد اختلف العلماء في علة النهي عن ذلك:
فمنهم: من قال إنه لإظهار احترام وتعظيم القبلة وهوالظاهر لما روى من حديث سراقة بن مالك أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ولا يستقبلها" أخرجه الدارمي وغيره بسند ضعيف مرسلا.
ومنهم: من علله بأنه لا يخلو من أن يراه مصلّ، فعن عيسى الحناط عن نافع عن ابن عمر قال "رأيت رسول الله ﷺ في كنيفه مستقبل القبلة" قال عيسى: فقلت للشعبي عجبت لقول ابن عمر هذا، وقول أبي هريرة
стр. 446
رضي الله عنهما "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها" فقال الشعبي أما قول أبي هريرة ففي الصحراء لأن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأما في بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها، وذكر الدارقطني أن عيسى الحناط ضعيف.
وينبني على الخلاف في التعليل: خلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشيء هل يجوز الاستقبال والاستدبار فالتعليل باحترام القبلة يقتضي المنع، والتعليل برؤية المصلين يقتضي الجواز.
وقد اختلفوا أيضا في محل العلة فمنهم من قال: المنع للخارج المستقذر، ومنهم من قال المنع لكشف العورة.
وينبني على هذا الخلاف: خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج ومن علل بالعورة منعه أفاده ابن دقيق العيد اهـ المنهل جـ ١/ ص ٣٩.
"الرابعة": قال ابن دقيق العيد: الغائط في اللغة المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم استعمل في الخارج وغلب هذا الاستعمال في الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية والحديث يقتضى أن اسم الغائط لا ينطلق على البول لتفرقته بينهما، وقد تكلموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] هل يتناول الريح مثلا أو البول، أم لا؟ بناء على أنه يخصص لفظ الغائط لما كانت العادة أن يقصد لأجله، وهو الخارج من الدبر ولم يكلونوا يقصدون الغائط للريح مثلا، أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القبل أو الدبر كيف كان. اهـ إحكام الإحكام جـ ١/ ص ٥٤.
وبقية الفوائد تأتي إن شاء الله في الحديث الآتي.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
стр. 447
٢٠ - النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن استدبار القبلة عند قضاء الحاجة البول أو الغائط، وتقدم تفسير الحاجة غير مرة.
وهذا الحديث هو الحديث الماضي لكن كرره للاختلاف في سنده ومتنه، ولأنه استدل به فيما مضى على النهي عن الاستقبال وهنا عن الاستدبار.
٢١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخُزَاعي الجَوَّازُ، المكي ثقة ١٠ ت سنة ٢٥٢ (س).
٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران الهلالي مولاهم أبو محمَّد الأعور الكوفي ثم المكي أحد أئمة الإسلام، عن عمرو بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم، وصفوان بن سليم، وخلق كثير، وعنه شعبة
ومسعر، من شيوخه، وابن المبارك، من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وابن معين، وابن المديني، وأمم. قال العجلي: هو أثبتهم في الزهري
стр. 448
كان حديثه نحو سبعة آلاف. وقال ابن عيينة: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، ومولده سنة سبع ومائة.
وقال الحافظ: ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس لكن عن الثقات. رأس الطبقة الثامنة. اهـ تقريب.
٣ - (الزهري) أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني ثقة حافظ حجة رأس ٤ تقدم، في ١/ ١.
٤ - (عطاء بن يزيد الليثي) الجندعي بضم الجيم أبو محمَّد المدني
نزيل الشام، عن تميم الداري، وأبي أيوب، وأبي هريرة: وعنه أبو صالح السمان، وسهيل بن أبي صالح، والزهري. وثقه النسائي. قال
عمرو بن علي: مات سنة خمس ومائة. وقال ابن سعد: سنة تسع، من الطبقة الثالثة.
٥ - (أبو أيوب هو الأنصاري) المتقدم في السند السابق واسمه خالد ابن زيد.
لطائف هذا الإسناد
منها: أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة.
ومنها: أن رواته ما بين مكيين وهما محمَّد بن منصور، وسفيان، ومدنيين، وهم الزهري، وعطاء، وأبو أيوب.
ومنها: أنه من خماسيات المصنف.
стр. 449
شرح الحديث
"عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا" ناهية (تستقبلوا) أي تواجهوا بفروجكم "القبلة" أي الكعبة لما تقدم من رواية أبي أيوب عند الشيخين من قوله "نحو الكعبة" "ولا تستدبروها" أي لا تجعلوها خلفكم، والاستدبار خلاف الاستقبال. اهـ لسان "لغائط أو بول" هكذا باللام، وفي نسخة بالباء، وقال العراقي ضبطناه في سنن أبي داود بالباء الموحدة وفي مسلم باللام اهـ ومثله للنووي في شرح مسلم وزاد ورُوي للغائط باللام والباء وهما بمعنى اهـ المنهل، ١/ ٣٨.
وقال بعض من كتب على النسائي ههنها: واللام وقتيبة كما في قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: آية ١] اهـ أي وقت غائط أو بول وتقدم تفسير الغائط والبول.
وتقدم عن الحافظ ما يفيد أن قوله بغائط أو بول يفيد اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة ويؤيده قوله في حديث جابر "إذا هرقنا الماء". اهـ.
وقال المباركفوري في شرح الترمذي: الباء متعلقة بمحذوف وهو حال من ضمير لا تستقبلوا أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو بول قال السيوطي: قال أهل اللغة: أصل الغائط المكان المطمئن كانوا يأتونه للحاجة فكنو به عن نفس الحدث كراهة لاسمه، قال: وقد اجتمع الأمران في الحديث فالمراد بالغائط في أوله المكان وفي آخره الخارج، قال ابن العربي: غلب هذا الاسم على الحاجة حتى صار فيها أعرف منه في مكانها، وهو أحد قسمي المجاز. انتهى كلام السيوطي. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٥٣.
"ولكن شرقوا أو غربوا" أي توجهوا إلى جهة المشرق أو المغرب،
стр. 450
هذا خطاب لأهل المدينة ومن قبلته على ذلك السمت ممن هو في جهة الشمال أو الجنوب فأما من قبلته المغرب أو المشرق فإنه ينحرف إلى الجنوب، أو الشمال كذا في المجمع وشرح السنة اهـ تحفة جـ ١/ ص ٥٣ وقال السندي: والمقصود الإرشاد إلى جهة أخرى لا يكون فيها استقبال القبلة ولا استدبارها، وهذا مختلف بحسب البلاد فلكل أن يأخذ بهذا الحديث بالنظر إلى المعنى لا بالنظر إلى اللفظ اهـ.
مسائل تتعلق بهذا الإسناد
"الأولى" فى درجته: حديث أبى أيوب ﵁ متفق عليه.
"الثانية": فيمن أخرجه: أخرجه البخاري في الطهارة عن آدم، عن ابن أبي ذئب وفي الصلاة عن علي، عن سفيان كلاهما عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب.
ومسلم في الطهارة عن يحيى، وزهير بن حرب، وابن نمير، وأبو داود فيه أيضا عن مسدد، والترمذي، فيه عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي خمستهم عن سفيان به.
وأخرجه المصنف هنا عن محمَّد بن منصور، عن سفيان به وفي الباب الآتي عن يعقوب بن إبراهيم، عن غندر، عن معمر، عن الزهري بمعناه، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، نحوه. أفاده في تحفة الأشراف ج ٣/ ص ٩٧.
"الثالثة": قال السيوطي ﵀: أخذ بظاهر هذا الحديث أبو حنيفة وطائفة فحرموا ذلك في الصحراء والبنيان وخصه آخرون بالصحراء وعليه الأئمة الثلاثة لحديث ابن عمر الذي يليه.
стр. 451
قال القاضي أبو بكر ابن العربي: والمختار الأول لأننا إذا نظرنا إلى المعاني فالحرمة للقبلة فلا يختلف في البنيان ولا في الصحراء وإن نظرنا إلى الآثار فحديث أبي أيوب عام، وحديث ابن عمر لا يعارضه لأربعة أوجه:
أحدها: أنه قول وهذا فعل ولا معارضة بين القول والفعل.
قال الجامع: في هذا القول نظر، بل الصحيح أن الفعل كالقول يتعارض معه فيرجح أحدهما كما يتعارض القولان فيرجح أحدهما بطريقة من طرق الترجيح، والله أعلم.
الثاني: أن الفعل لا صيغة له، وإنما هو حكايته حال وحكايات الأحوال معرضة للأعذار والأسباب، والأقوال لا تحتمل ذلك.
الثالث: أن هذا القول شرع مبتدأ وفعله عادة، والشرع مقدم على العادة.
الرابع: أن هذا الفعل لو كان شرعا لما تستر به انتهى.
قال الحافظ السيوطي ﵀: وفي الآخرين نظر لأن فعله شرع كقوله والتستر عند قضاء الحاجة مطلوب بالإجماع.
قال الجامع: ما قاله السيوطي هو الحق عندي، فالراجح ما قاله الأئمة الثلاثة من الجواز في البنيان، والله أعلم.
"المسألة الرابعة" أنه قد اختلف العلماء في علة هذا النهي على قولين:
أحدهما: أن في الصحراء خلقا من الملائكة والجن فيستقبلهم بفرجه.
وثانيهما: أن العلة إكرام القبلة واحترامها لأنها جهة معظمة قال ابن العربي وهذا التعليل أولى ورجحه النووي أيضا في شرح المهذب. اهـ زهر.
стр. 452
"المسألة الخامسة" أنه وقع في رواية أبي أيوب عند الشيخين وغيرهما قال أبو أيوب "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى".
قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن للعموم صيغة عند العرب وأهل الشرع على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، وهذا أعني استعمال صيغة العموم فرد من الأفراد له نظائر لا تحصى، وإنما نبهنا عليه على سبيل ضرب المثل، فمن أراد أن يقطع بذلك فليتتبع نظائرها يجدها.
قال: أولع بعضُ أهل العصر وما يقرب منه بأن قالوا: إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلا أو على الأفعال كانت عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات، ثم يقولون يكفي في العمل به صورة واحدة، فلا يكون حجة فيما عداها، وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يحصى من ألفاظ الكتاب والسنة، وصار ذلك ديدنا لهم في الجدال، وهذا عندنا باطل، بل الواجب أن ما دل على العموم في الذوات مثلا يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ، ولا تخرج عنها ذات إلا بدليل يخصه، فمن أخرج شيئًا من تلك الذوات فقد خالف مقتضى العموم، نعم المطلق يكفي في العمل به مرة كما قالوا، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العمل به مرة واحدة مخالفة لمقتضى صيغة العموم؛ اكتفينا في العمل به بمرة واحدة، وإن كان العمل به مرة واحدة مما يخالف مقتضى صيغة العموم، قلنا بالعموم محافظة على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعم.
مثال ذلك: إذا قال من دخل داري فأعطه درهما فمقتضى الصيغة
стр. 453
العموم في كل ذات صدق عليها أنها داخلة، فإذا قال قائل هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات الداخلة الدار في أول النهار مثلا ولا أعمل به في غير ذلك الوقت لأنه مطلق في الزمان وقد عملت به مرة فلا يلزم أن أعمل به مرة أخرى لعدم عموم المطلق، قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار فهذا أخرجت تلك الذوات فقد أخرجت ما دلت الصيغة على دخوله وهي كل ذات، وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلناه، فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله "لا تستقبلوا ولا تستدبروا" عاما في الأماكن، وهو مطلق فيها وعلى ما قال هؤلاء المتأخرون لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعم لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. اهـ إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٤٠ - ٢٤٦ بنسخة العدة.
"المسألة السادسة": قول أبي أيوب في الحديث المذكور: "ونستغفر الله ".
قال ابن دقيق العيد: قيل يراد به ونستغفر الله لباني الكنيف على هذه الصورة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعا، فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطا أو سهوا، فيتذكر، فينحرف، ويستغفر الله.
فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعلا إثما فلا حاجة به إلى الاستغفار قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذ بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداء والله أعلم. اهـ إحكام الأحكام جـ ١/ ٥٥ - ٥٦.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 454
٢١ - الأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ عِنْدَ الْحَاجَةِ
٢٢ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا عْمَرٌ، قَالَ: أخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَكِنْ لِيُشَرِّقْ، أَوْ لِيُغَرِّبْ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم، أبو يوسف الدورقي البغدادي، ثقة -١٠ - (ع).
وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخطيب: كان ثقة متقنًا، صنف المسند. وقال مسلمة: كان كثير الحديث ثقة. ولد سنة ١٦٦ ومات سنة ٢٥٢. روى عنه الجماعة بدون واسطة، وروى النسائي أيضا عن أبي بكر بن علي المروزي، وزكريا السجزي عنه.
٢ - (غندر) محمَّد بن جعفر الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة -٩ - لزم شعبة عشرين سنة، ولم يكتب عن غيره شيئا، وكان يعرض عليه ما كتبه. وقال ابن معين: كان من أصح الناس كتابًا، وأراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر. وكان يصوم
стр. 455
منذ خمسين سنة يوما ويوما لا. قال ابن المديني: هو أحب إلى من عبد الرحمن في شعبة. وقال ابن مهدي: كنا نستفيد من كتب غندر في حياة شعبة. وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب. وقال أبو حاتم: كان صدوقا، وكان مؤدبا، وفي حديث شعبة ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من خيار عباد الله، ومن أصحهم كتابًا على غفلة فيه. وقال العيشي: إنما سماه غندر ابن جريج، كان يكثر التشغيب عليه، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرًا. وقال العجلي: بصري ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شعبة. وقال ابن مهدي: غندر أثبت في شعبة مني. وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم بينهم. وقال ابن مهدي: سمع غندر من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط. وقال ابن المديني: كنت إذا ذكرت غندر ليحيى ابن سعيد عوج فمه كأنه يضعفه. وعن ابن معين قال: اشترى غندر سمكا، وقال لأهله: أصلحوه، ونام، فأكلوا السمك، ولطخوا يده، فلما انتبه قال: هاتوا السمك، فقالوا: قد أكلت، قال: لا، قالوا: فشم يدك، ففعل، فقال: صدقتم، ولكني ما شبعت. وحكى الذهبي في الميزان عنه أنه أنكر هذه الحكاية، وقال: أما كان يدلني بطني. مات في ذي القعدة سنة ١٩٣، وقيل: ١٩٤، وقيل: ١٩٢، أخرج له الجماعة.
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار -٧ - ت ١٥٤ (ع) تقدم في ١٠/ ١٠.
والباقون تقدموا في الباب الماضي، وكذا شرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل، فارجع إليه تزدد علما، وبالله التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 456
٢٢ - الرخصة في ذلك في البيوت
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الرخصة في ذلك أي في استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في البيوت.
والرخصة: وزان غرفة وتضم الخاء للاتباع جمعه رخص ورخصات مثل غرف وغرفات: التسهيل في الأمر والتيسير يقال رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا وأرخص إرخاصا إذا يسره وسهله أفاده الفيومي.
٢٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.
رجال الإسناد: ستة
١ - "قتيبة بن سعيد" بن جميل بن طريف البغلاني ثقة ثبت [١٠] ت ٢٤٠ تقدم في ١/ ١.
٢ - "مالك" بن أنس إمام دار الهجرة ثقة حجة [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - "يحي بن سعيد" بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري البخاري قاضي المدينة، عن أنس، وابن المسيب، والقاسم، وعراك بن
стр. 457
مالك، وخلق. وعنه الز هري، والأوزاعي، ومالك، والسفيانان، والحمادان، والجريران، وأمم. قال ابن المديني: له نحو ثلثمائة حديث، وقال ابن سعد: ثقة، حجة، كثير، الحديث، وقال أبو حاتم: يوازي الزهري في الكثرة، وقال أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس، قال القطان: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، من الطبقة الخامسة.
٤ - "محمَّد بن يحيى بن حبان" -بفتح أوله والموحدة- بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني أبو عبد الله المدني الفقيه كانت له حلقة في مسجد النبي ﷺ ، عن عمه واسع. وعنه الزهري، وابن إسحاق، وطائفة. وثقه أبو حاتم وابن معين، توفي سنة إحدى وعشرين ومائة، من الطبقة الرابعة.
٥ - "واسع بن حبان" -بفتح الحاء المهملة ثم موحدة ثقيلة- بن منقذ ابن عمرو الأنصاري المازني المدني صحابي بن صحابي، وقيل: بل ثقة (١) وأبوه حبان، وجده منقذ، صحابيان كما في الفتح.
٦ - "عبد الله بن عمر" بن الخطاب ﵄ تقدم في ١٥/ ١٥.
لطائف الإسناد
فيه: الإخبار، والعنعنة.
وفيه: أن رواته كلهم مدنيون إلا شيخ المؤلف فإنه بغلاني، وكلهم أنصاريون، وتابعيون، إلا شيخ المؤلف، وشيخه مالكا، ولكن قيل: إن لواسع رؤية، فذكر لذلك في الصحابة، وعلى هذا ففيه رواية صاحبي عن صحابي.
стр. 458
شرح الحديث
"عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنه "قال لقد" اللام جواب قسم محذوف أي والله لقد "ارتقيت" أي علوت "على ظهر بيتنا" وفي رواية البخاري "بيت لنا" وفي رواية له أيضا "على ظهر بيت حفصة" أي أخته كما صرح به مسلم ولابن خزيمة "دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت" قال الحافظ: وطريق الجمع أن يقال إضافته البيت إليه على سبيل المجاز لكونها أخته فله منه سبب، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبي ﷺ فيه، واستمر في يدها إلى أن ماتت، فورث عنها، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال، لأنه ورث حفصة دون إخوته، لكونها شقيقته، ولم تترك من يحجبه. عن الاستيعاب اهـ
"فرأيت" عطف على ارتقيت وهو بمعنى أبصرت فلا يقتضي إلا مفعولا واحدا وهو قوله "رسول الله ﷺ ، على لبنتين" في محل النصب حال من رسول الله ﷺ ، وكذا قوله "مستقبل بيت المقدس" حال منه فيجوز أن يكونا حالين مترادفين أو متداخلين "لحاجته" اللام للتعليل أي لأجل أن يقضي حاجته أو للتوقيت أي وقت قضاء حاجته.
وحاصل المعني: أن ابن عمر ﵄ صعد على بيت حفصة ﵂ لبعض حاجته فرأى النبي ﷺ يقضي حاجته على لبنتين، تثنية لبنة بكسر الباء ما يعمل من الطين ويبنى به، ويجوز إسكان الباء تخفيفا مع فتح اللام وكسرها مستقبل بيت المقدس أي متوجها إليه.
والمقدس: فيه لغتان أحدهما: فتح الميم وسكون القاف وكسر الدال مخففة، وهو إما مصدر أو مكان، والثانية: ضم الميم وفتح القاف والدال المهملة المشددة من التقديس وهو التطهير وتطهيره إبعاده عن الأصنام
стр. 459
وإخلاؤه عنها، قال في النهاية ومنه الأرض المقدسة، قيل هى الشام وفلسطين، وسميت بيت المقدس لأنه الموضع الذي يتقدس فيه من الذنوب، يقال: بيت المقدس، والبيت المقدس وبيت المقدس. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٥٥.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ متفق عليه
الثانية: فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه البخاري في الطهارة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يزيد بن هارون كلاهما عن يحيى بن سعيد، وفي الخمس عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر، كلاهما عن محمَّد بن يحيى ابن حَبَّان، عن عمه واسع حبان به.
وأخرجه مسلم في الطهارة عن القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن عبيد الله به، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن القعنبي، عن مالك به.
وأخرجه الترمذي في الطهارة عن هناد عن عَبْدَة بن سليمان عن عبيد الله به، وقال حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن خلاد، ومحمد بن يحيى كلاهما عن يزيد بن هارون به، وعن هشام بن عمار، عن عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي، عن يحيى به، يزيد بعضهم على بعض قاله الحافظ المزي في التحفة جـ ٦/ ص ٢٥٦.
وأخرجه أحمد، والبيهقي، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم والترمذي بسند صحيح. قاله في الفتح.
стр. 460
الثالثة: قال في الفتح: قوله "على لبنتين" ولابن خزيمة "فأشرفت على رسول الله ﷺ وهو على خلائه"، وفي رواية له "فرأيته يقضي حاجته محجوبا عليه بلبن"، وللحكيم الترمذي بسند صحيح "فرأيته في كنيف"، وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانية ثم فاء، وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقا يحتمل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدل على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويرد هذا الاحتمال أيضا أن ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بساتر، كما رواه أبو داود، والحاكم بسند لا بأس به، ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي ﷺ في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الأخرى، فحانت منه التفاتة كما في رواية للبيهقي، من طريق نافع، عن ابن عمر، نعم لما اتفقت له رؤية في تلك الحالة عن غير قصد؛ أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره؛ حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، ودل ذلك على شدة حرصه على تتبع أحوال النبي ﷺ ليتبعها وكذا كان ﵁. اهـ فتح جـ ٢/ ص ٢٢.
الرابعة: من الفوائد المستنبطة من الحديث أنه ينبغي الوقوف على هدي النبي ﷺ حتى فيما يطلب إخفاؤه، وشدة حرص ابن عمر ﵂ على ذلك وجواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل به، واستعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وأن أحوال النبي ﷺ كلها أحكام شرعية.
الخامسة: في اختلاف العلماء في استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة: