← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

النصف ليس وقتا لها، فلابد من هذا التأويل جمعًا بين الأدلة، فتبصر. والله أعلم، ومنه التوفيق وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٣٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "إِنَّكُمْ تَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ" ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى. رجال الإسناد: ستة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) ابن راهويه الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، أبو يعقوب، أو أبو محمد، ثقة حافظ حجة، توفي سنة ٢٣٨، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، توفي سنة ١٨٨، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٣٢، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢.

стр. 3992

٤ - (الحَكَم) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكِنْدِي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس، توفي سنة ١١٣ أو بعدها عن نيف و ٦٠ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٤. ٥ - (نافع) مولى ابن عمر العدوي، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، توفي سنة ١١٧ أو بعدها، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢/ ١٢. ٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء. ومنها: أنه اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه. ومنها: أن إسحاق مروزي نيسابوري، وجريرًا كوفي رازي، ومنصورًا، والحكم، كوفيان، ونافعًا، وابن عمر، مدنيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها. أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة. ومنها: أن فيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، وكلها من صيغ

стр. 3993

الاتصال، على الراجح في "عن". والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عمر) ﵄، أنه (قال: مكثنا) بفتح الكاف، وضمها. قال في المصباح: مَكَثَ مَكثًا، من باب قَتَلَ: أقام، ولَبِثَ، فهو ماكث، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيث، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريب، لغة، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتَمَكَّث في أمره، إذا لم يعجل فيه. اهـ أي لبثنا في المسجد (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي (ننتظر رسول الله ﷺ ) والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "مكث". (لعشاء الآخرة) أي لأجل صلاة العشاء الآخرة، قال النووي: فيه دليل على جواز وصفها بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه خلافًا لما حكي عن الأصمعي من كراهة هذا. اهـ شرح مسلم. (فخرج علينا) أي من حجرته الشريفة (حين ذهب) أي مضى (ثلث الليل، أو) للشك من الراوي (بعده) أي بعد الثلث. (فقال حين خرج) زاد في رواية مسلم: "فلا ندري، أشيء شغله في أهله، أو غير ذلك"، فقال حين خرج (إِنكم تنتظرون صلاة، ما) نافية (ينتظرها أهل دين غيركم) بالرفع على البدل، وبالنصب على

стр. 3994

الاستثناء، والأول المختار، قاله القاري. قال في الخلاصة: وَاستَثنِ مَجرُورًا بغَيْرِ مُعْرَبَا … بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِإِلا نُسِبَا وقد بين قبله حكم المستثنى بإلا بقوله: ما اسْتَثنَت إِلا مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعدَ نفيٍ أَو كنَفْيٍ انْتُخِبْ إِتبَاعُ مَا اتَّصَلَ وانصِبْ مَا انْقَطَعْ … وَعَن تَمِيمٍ فِيه إِبْدَالٌ وَقَعْ يعني أن انتظار هذه الصلاة من بين سائر الأمم من خصوصياتكم التي اختصكم الله هذا، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل، مع أن الوقت يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة. قاله القاري. وفيه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يَظُنُّ أنه يشق عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي عذر، أو نحو هذا. قاله النووي في شرح مسلم جـ ٥ ص ١٣٩. (ولولا أن يثقل على أمتي) يثقل: بالياء، وهكذا لمسلم، والضمير يعود إلى التأخير، أو الفعل، أي لولا أن يثقل التأخير، أو هذا الفعلُ، وعند أبي داود "تثقل" بالتاء، أي الصلاة في هذه الساعة (لصليت بهم) أي دائمًا (هذه الساعة) قال الطيبي: أي لزمت على صلاتها في مثل هذه الساعة. وفيه تصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، والثقل على الأمة. وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في الأفضل من التقديم والتأخير،

стр. 3995

وترجيح القول بأفضلية التأخير إذا لم تكن مشقة، في الباب الماضي فراجعه. (ثم أمر المؤذن فأقام) ولمسلم "فأقام الصلاة"، والظاهر أن الأذان تقدم قبل خروجه، وهو الذي يدل عليه قول عمر: "الصلاة"، في حديث عائشة، ويحتمل أن يكون تقدير الكلام، فأمر المؤذن بالأذان، فأذن، ثم بالإقامة، فأقام (ثم) بعد الإقامة (صلى) بهم العشاء. والله تعالى أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٣٧) عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، فقط. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم وأبو داود؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن عثمان ابن أبي شيبة- ثلاثتهم عن جرير به. قال الجامع عفا الله عنه: فوائد الحديث، وبقية المسائل تعرف من

стр. 3996

الأحاديت السابقة، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها، فارجع إليها تزدد علمًا، وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٣٨ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا، وَنَامُوا، وَأَنْتُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وَسُقْمُ السَّقِيمِ لأَمَرْتُ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تُؤَخَّرَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ". رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عمران بن موسى) القَزَّازُ الليثي، أبو عمرو البصري صدوق، توفي سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٦/ ٦. ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العَنْبَرِي مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوري البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٠٨، من [٨]،

стр. 3997

أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٧/ ١٦٢. ٣ - (داود) بن أبي هند دينار بن عُذَافِر، وقيل: طَهْمان (١)، القشيري مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصَري، ثقة متقن، كان يهم بآخره، توفي سنة ١٤٠ وقيل قبلها، من [٥]. قال ابن عيينة عن أبيه: كان يفتي في زمان الحسن. وقال ابن المبارك عن الثوري: هو من حفاظ البصريين. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة ثقة. قال: وسئل عنه مرة أخرى، فقال: مثل داود يسئل عنه؟!. وقال ابن معين: ثقة، وهو أحب إلي من خالد الحذاء. وقال العجلي: بصري ثقة جيد الإسناد، رفيع، وكان صالحًا، وكان خياطًا. وقال أبو حاتم والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت. وقال يزيد بن هارون وغير واحد: مات سنة ١٣٩، وقال علي بن المديني وغير واحد: سنة ١٤٠، وقيل: سنة ١٤١. وقال ابن حبان: روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه، وكان من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يَهِم إذا حدث من حفظه، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال

стр. 3998

الحاكم: لم يصح سماعه من أنس. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن داود، وعَوْف، وقُرَّةَ؟ فقال: داود أحب إلي، وهو أحب إلي من عاصم، وخالدٍ الحذَاء. وقال ابن خراش: بصري ثقة. وقال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف. أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. ٤ - (أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة -بضم القاف، وفتح الطاء- العبدي، ثم العَوَقي -بفتحتين، آخره قاف- البصري، مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة ١٠٨ أو ١٠٩، من [٣]. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وكذا قال أبو زرعة، والنسائي. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية؟ فقال: أبو نضرة أحب إلي. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس كل أحد يحتج به. قيَل: مات قبل الحسن. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من فصحاء الناس فُلِجَ في آخر عمره. مات سنة ثمان، أو تسع ومائة، وأوصى أن يصلي عليه الحسن، وكان ممن يخطىء. وأورده العقيلي في "الضعفاء"، ولم يذكر فيه قدحًا لأحد، وكذا ابن عدي في الكامل، وقال: كان عَرِيفًا لقومه، قال الحافظ: وأظن ذلك

стр. 3999

ما أشار إليه ابن سعد، ولهذا لم يحتج به البخاري. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن حنبل: ثقة. علق له البخاري، وأخرج له مسلم، والأربعة. ٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي بن الصحابي ﵄، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا الصحابي، فمدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومها: أن فيه أبا سعيد أحد المكثرين السبعة من الصحابة روى ١١٧٠ حديثًا. ومنئها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سِنَان ﵄، أنه (قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة المغرب، ثم لم يخرج إِلينا) مع انتظارهم له في المسجد.

стр. 4000

(حتى ذهب شطر الليل) غاية لعدم خروجه، أي أنه لم يخرج إليهم إلى أن مضى شطر الليل. قال المجد: الشطر: نصف الشيء، وجزؤه، وفي حديث الإسراء "فوضع شطرها"، أي بعضها، جمعه أشطر، وشطو ر. اهـ. "ق". والمراد بالشطر هنا: قريب الشطر، فيكون المعنى، "حتى كاد يذهب نصف الليل"، ويؤيد ذلك حديث أنس الآتي بعده "أخر صلاة العشاء إلى قريب من شطر الليل"؛ إذ لو ذهب نصف الليل حقيقة لخرج وقتها، على الراجح للأحاديث المتقدمة، أو خرج وقتها المختار على قول الجمهور، ولم ينقل أنه ﷺ صلاها بعد النصف. أو معنى الشطر: مطلق الجزء؛ فيكون ما قبل النصف. والله أعلم. (ثم قال:) أي بعد الصلاة، لما في سنن ابن ماجه: "فخرج فصلى بهم، ثم قال" (إِن الناس) أي الذين لم يحضروا صلاة العشاء معه في تلك الليلة (قد صلوا وناموا، وأنتم لن تزالوا في صلاة) أي في ثواب صلاة، والتنكير للتعميم، لئلا يتوهم اختصاص هذا الحكم بصلاة العشاء، أيْ أيُّ صلاة انتظرتموها، فأنتم فيها. (ما انتظرتم الصلاة) "ما" مصدرية ظرفية، أي مدة انتظاركم الصلاة، إذ المقصود من الصلاة هو الخضوع والذل بين يدي الله تعالى، فمنتظر الصلاة في المسجد فيه هذا المعنى، فله ثوابها.

стр. 4001

(ولولا) حرف امتناع لامتناع (ضعف الضعيف): "الضعف" بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمها في لغة قريش: خلاف القوة، والصحة، فالمضموم مصدر ضَعُفَ، مثال قَرُبَ، قُرْبًا، والمفتوح مصدر ضَعَفَ، ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم في الجسد. والضعيف: فعيل بمعنى مفعول، جمعه ضُعفَاء وضِعاف، وجاء ضَعَفَة، وضَعْفَى، لأن فعيلًا إذا كان صفة، وهو بمعنى مفعول، جُمِعَ على فَعْلَى، مثل قَتِيل، وقَتْلَى، وجَرِيح، وجَرْحَى. قال الخليل: قالوا: هَلْكَى، ومَوْتَى: ذهابًا إلى أن الْمَعْنَى مَغنَى مَفْعُولٍ، وقالوا: أحمق، وحَمْقى، وأنْوَك، ونَوْكَى (١) لأنه عيب أصيبوا به، فكان بمعنى مفعول، وشذ من ذلك سَقِيم، فجمع على سِقَام، بالكسر، لا على سَقْمَى، ذَهَابًا إلى أن المعنى معنى فاعل، ولوحظ في ضعيف معنى فاعل، فجمع على ضِعاف، وضَعَفَة، مثل كافر، وكفرة. أفاده في المصباح. (وسُقْم السقيم) "السَّقَم": بفتحتين، وبضم، فسكون، مصدر، قال في الَمصبَاح: سَقِم، سَقَمًا، من باب تَعِبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْمًا، من باب قَرُبَ قُرْبًا، فهو سقيم: وجمعه: سِقام -بالكسر- مثل

стр. 4002

كَرِيم، وكِرَام، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، والسَّقام، بالفتح اسم منه. اهـ. والضعيف أعم من السقيم، لأنه يتناول من به سقم، ومن ذهبت قوته كالشيخ الهرم، وكل عاجز عن الحضور، فعطف الثاني على الأول لشدة الاهتمام. أفاده في المنهل جـ ٣ ص ٣٤٧. فقوله: "ضعف الضعيف": مبتدأ، وقوله: "سقم السقيم" عطف عليه، والخبر محذوف وجوبًا كما تقدم، أي موجودان، وزاد أحمد في روايته "وحاجة ذي الحاجة"، وجواب "لولا" قوله: (لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إِلى شطر الليل) يريد قريب نصفه. والمعنى: لولا الضُّعْفُ، والسُّقمُ موجودان في الناس لأمرت بتأخير هذه الصلاة دائمًا إلى شطر الليل، لكن تركت ذلك لدفع المشقة، فَبَيَّنَ ﷺ فضيلة تأخير صلاة العشاء من وجهين: أحدهما: أن الناس في حالة التأخير يكونون في صلاة ما داموا منتظرين لها. ثانيهما: أن تأخيرها إلى شطر الليل أكثر ثوابًا، لكون ذلك وقتها المستحب، حيث قال في حديث عائشة: "إنه الوقت"، أي الوقت المستحب، لكن رعايةً لجانب أصحاب الأسقام، والعاجزين الذين لا يستطيعون التأخير قدمها، فإن في إحراز فضيلة التأخير، تفويت فضيلة تكثير الجماعة، وهي أهم هذا.

стр. 4003

واستدل به على فضل تأخير العشاء لمن لا يشق عليه، قال في الفتح: ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت، لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة، لأنه ﷺ أمر بالتخفيف، وقال: "إن فيهم الضعيف وذا الحاجة"، فترك التطويل عليهم في الانتظار أولى. قال الحافظ ﵀: وقد روَى أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري: "صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: إن الناس قد صلوا، وأخذوا مضاجعهم، وإنكم بن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل". وفي حديث ابن عباس: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا". وللترمذي، وصححه من حديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه". فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية،

стр. 4004

وغيرهم. ونقل ابن المنذر عن الليث، وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبيل الثلث. وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر الصحابة، والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في الإملاء، وصححه النووي، وجماعة، وقالوا. إنه مما يُفْتَى به على القديم، وتعقب بأنه ذكره في الإملاء، وهو من كتبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل. والله أعلم. اهـ فتح جـ ٢ ص ٥٨. قال الجامع عفا الله عنه: الذي عندي أن المختار من حيث الدليل أيضًا التفصيل الذي مر في هذه الأحاديث، فمن كان لا يشق عليه التأخير فالأفضل له التأخير سواء كان منفردًا، أو مع جماعة، ومن كان يشق عليه ذلك فالأفضل له التقديم. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري هذا صحيح. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:

стр. 4005

أخرجه هنا (٥٣٨) وفي "الكبرى" (١٥/ ١٥٢٠) عن عمران بن موسى، عن عبد الوارث، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة عنه. والله أعلم. الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود وابن ماجه؛ فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن داود به. وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة" أيضًا عن شيخ المصنف بسنده. قال الجامع: وفوائد الحديث، وسائر مسائله واضحة مما تقدم فلا حاجة إلى إعادتها فارجع إليها تزدد علمًا. وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٣٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ، هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَنْ صَلَّى أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا"، قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ. فِى حَدِيثِ عَلِيٍّ: "إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ".

стр. 4006

رجال الإسناد: ستة ١ - (علي بن حُجْر) بن إياس السَّعْدِي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٤، وقد قارب ١٠٠ سنة أو جاوزها، من صغار [٩]، أخرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقي، أبو إسحاق القارئ، المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٠، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦/ ١٧. ٣ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنزِي البصري، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٦٠/ ٨٠. ٤ - (خالد) بن الحارث بن عُبَيد بن سُلَيم الهُجَيْمِيُّ، أبو عثمان البصري، ثقهْ ثبت، توفى سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧. ٥ - (حميد) بن أبي حميد، تير، أو تيرويه الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة عابد مدلس، توفي سنة ١٤٢ عن ٧٥ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٧/ ١٠٨. ٦ - (أنس) بن مالك الصحابي ﵁ تقدم فى ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو الثالث والعشرون من

стр. 4007

رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنهم بصريون، إلا عليًا فمروزي، وإسماعيل فمدني. ومنها: كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند، كما قال في ألفية الأثر: وَكتَبُوا (ح) عِندَ تَكرِيرِ سَنَد … فَقِيلَ مِن صحَّ وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ مِنَ الحَديثِ أو لِتَحْويلٍ وَرَدْ … أَو حَائِلٍ وقَوْلُهَا لَفْظًا أسَدْ فله إسنادان لهذا الحديث: أحدهما علي بن حجر، عن إسماعيل، والثاني محمد بن المثنى، عن خالد الحذاء- كلاهما عن حميد، عن أنس ﵁. ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث قال حميد الطويل ﵀: (سئل أنس) ﵁ (هل اتخذ النبي ﷺ خاتمًا؟) هو حَلْيٌ للأصبع، كما في "ق". وفي المصباح: حلقة ذات فَصٍ من غيرها، فإن لم يكن لها فص، فهي فَتَخَةٌ، بفاء وتاء مثناة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة. اهـ. وفيه لغات: الخاتَم بفتح التاء، وكسرها، والخَاتَام، والْخَيْتَامُ بفتح

стр. 4008

الخاء، وكسر ها، والخَتَمُ محركة، والخَاتِيَام، وجمعه خَوَاتِم، وخَوَاتِيم. قاله المجد. وقد نظم الحافظ العراقي لغاته، بقوله (من البسيط): خذَ عَدَّ نَظْمِ لُغاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَت … ثَمَانيًا ما حَواهَا قَبْلُ نِظَامُ خَاتامُ خَاتَمُ خَتمٌ خاتمٌ وَخِتَا … مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيتُومٌ وَخَيْتَامُ وَهمَزُ مفتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وإِذَا … ساغَ الْقيَاسُ أتَمَ الْعَشْرَ خَأتامُ قال المرتضى ﵀: ولم يذكر الناظم خَتَمًا محركة، وقد ذكره صاحب "ق" وابن سيده، وابن هشام في شرح الكعبية. اهـ تاج جـ ٨ ص ٢٦٦. أي فتصير اللغات مع ما قاله الناظم إحدى عشرة لغة. (قال) أنس (نعم) اتخذ خاتمًا، وقد بين سبب اتخاذه في رواية البخاري من طريق قتادة، عن أنس ﵁ قال: "كتب النبي ﷺ كتابًا -أو أراد أن يكتب- فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، نقشه محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده". (أخر) الضمير للنبي ﷺ ، والجملة مستأنفة، أتى بها أنس ﵁ لبيان كونه شاهد النبي ﷺ لابسًا خاتمًا في تلك الليلة. (ليلة) منصوب على الظرفية متعلق بأخَّرَ، أي ليلة من الليالي. (صلاة العشاء الآخرة) مفعول به لأخر، وقوله: "الآخرة" بالجر

стр. 4009

صفة للعشاء، قال القاري: ولعل تأنيثها باعتبار مرادف العشاء، وهو العتمة، قال: وجُوِّز النصبُ على أنها صفة لصلاة، أو بتقدير "أعني". اهـ. (إِلى قريب من شطر الليل) متعلق بـ "ـأخَّرَ"، أي إلى وقت قريب من نصف الليل. هذه الرواية فيها بيان معنى الرواية الأخرى أنه أخرها إلى "شطر الليل" بأن المعنى قريب الشطر. (فلما أن صلى) "لَمَّا" حينية مضافة إلى جملة "صلى"، متعلقة بجوابها، وهو "أقبل"، و"أنْ" مُقْحَمَة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [يوسف: ٩٦]، و ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣]. (أقبل النبي ﷺ علينا بوجهه) الشريف، ثم قال: (إِنكم لن تزالوا في) ثواب (صلاة، ما) مصدرية ظرفية (انتظرتموها) أي مدة انتظاركم إياها. (قال أنس: كأني أنظر إِلى وبيص خاتمه) الوَبيصُ: كالبَريق وزنًا ومعنى، أي إلى لَمَعَانِ خاتمه ﷺ . قال المصنف ﵀: (في حديث علي) في النسخة الهندية: "في حديث علي، وهو ابن حجر" (إِلى شطر الليل) يعني أن شَيْخَهُ محمد بن المثنى قال في روايته: إلى قريب من شطر الليل، وشيخَهُ عليَّ بنَ حُجْر قال: "إلى شطر الليل"، فبين له اختلاف الشيخين. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 4010

مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته:. حديث أنس ﵁ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢١/ ٥٣٩) عن علي بن حجر، عن إسماعيل، وعن محمد ابن المثنى، عن خالد بن الحارث، كلاهما عن حميد، عنه. وفي الكبرى (١٤/ ١٥١٩) عن علي بن حجر، عن إسماعيل به، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري وابن ماجه، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد عنه. وعن عبد الرحمن المحاربي، عن زائدة، عن حميد عنه. وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: استحباب تأخير صلاة العشاء إلى قريب نصف الليل وقد تقدم تمام البحث فيه في الأحاديث السابقة. ومنها: جواز اتخاذ الخاتم من الفضة للرجال، قال القاضي عياض ﵀: أجمع العلماء على جواز اتخاذ الخواتم من الورق -وهي

стр. 4011

الفضة- للرجال، إلا ما روي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلا لذي سلطان، وهو شاذ مردود. وأجمعوا على تحريم خاتم الذهب على الرجال، إلا ما روي عن أبي بكر بن محمد بن عوو بن حزم إباحته، وروي عن بعضهم كراهته، قال النووي ﵀: هذان النقلان باطلان. وحكى الخطابي أنه يكره للنساء التختم بالفضة، لأنه من زِيِّ الرجال، ورُدَّ عليه ذلك، قال النووي: الصواب أنه لا يكره لها ذلك، وقول الخطابي ضعيف، أو باطل، لا أصل له. ومنها: جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحب الخاتم، ونقش اسم الله تعالى فيه؛ بل فيه: كونه مندوبًا، وهو قول مالك، وابن المسيب، وغيرهما، وكرهه ابن سيرين، وأما نهيه ﵊ أن ينقش أحد على نقش خاتمه، فلأنه إنما نقش فيه ذلك ليختم به كُتُبَهُ إلى الملوك، فلو نقش على نقشه لدخلت المفسدة، وحصل الخلل. قاله في "عمدة القاري" جـ ٢ ص ٣٠. ومنها: استحباب انتظار الصلاة بعد الصلاة، وفيه فضل عظيم، وسماه النبي ﷺ الرِّباط. ومنها: مشروعية إقبال الإمام على المأمومين عند إرشادهم أو بيان فضل العبادة لهم، ليكون صوته مسموعًا للجميع والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 4012

٢٢ - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي أنْ يُقَالَ لِلْعِشَاءِ الْعَتَمَةَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الرخصة في استعماله لفظ العتمة للعشاء. والرُّخْصَةُ: وِزَانَ غُرْفَةٍ، وتضم الخاء للإتباع، جمعه رُخَص، ورُخُصَات، مثل غُرَفٍ، وغُرُفَات، وهي التسهيل في الأمر والتيسير، يقال: رخص الشرع في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا: إذا يسره وسهله. اهـ "المصباح". والعتمة: محركة: ثلث الليل الأول. بعد غَيْبُوبَة الشَّفَقِ، أعْتَمَ الرجلُ: صار في ذلك الوقت، ويقال: أعْتَمْنَا مِنَ الْعَتَمَة، كما يقال: أصْبَحْنَا من الصُّبح، وأعْتَمَ القومُ، وَعَتَّمُوا تَعْتيمًا: سَارُوا في ذلك الوقت، أو أوردوا، أو أصدروا، أو عَمِلُوا أيَّ عمل كان. وقيل: العَتَمَةُ: وقت صلاة العشاء الأخيرة، سُمِّيت بذلك لاسْتعْتَامِ نَعَمِهَا، وقيل: لتَأخُّرِ وقتها. قال ابن الأعرابي: عَتَمَ الليلُ، وَأعْتَمَ: إذَا مَرَّ قِطعَةٌ مِنَ الليل، وقال: إذا ذهب النهار، وجاء الليل، فقد جنح الليل. وأهلُ البادية يُرِيحون نَعَمَهُمْ بُعَيدَ المغربِ، ويُنيخُونَهَا في مُرَاحِهَا سَاعَةً، يَسْتَفيقُونَهَا، فَإذَا أفَاقَتْ، وذلك بَعْدَ مَرِّ قِطْعَةٍ من الليل، أثَارُوهَا، وحَلَبُوها، وتلك الساعة تُسَمَّى عَتَمَةً. اهـ لسان العرب

стр. 4013

باختصار. والله ولي التوفيق. ٥٤٠ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ، وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي التَّهْجِيرِ، لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ عَلِمُوا مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا". رجال الإسناد: سبعة ١ - (عُتْبَةُ بن عبد الله) بن عُتْبَةَ الْيُحْمديُّ، أبو عبد الله المروزي، صدوق، توفي سنة ٢٤٤، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٨١/ ٩٨. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو المصري قاضيها، ثقة فقيه، توفي سنة ٢٥٠، عن ٩٦ سنة، من [١٠]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في ٩/ ٩.

стр. 4014

٣ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جُنَادة العُتَقِيُّ -بضم ففتح- أبو عبد الله المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة، توفي سنة ١٩١، من كبار [١٠]، أخرج له البخاري وأبو داود في "المراسيل"، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله الإمام الحجة المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٥ - (سمي) لصيغة التصغير- مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، المخزومي، أبو عبد الله المدني، ثقة، من [٦]. قال أحمد، وأبو حاتم: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: سهيل بن أبي صالح عن أبيه أحب إليك، أو سمي؟ قال: سمي خير منه. وقال النسائي في الجرح والتعديل: ثقة. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: سمي أثبت عندك، أو القعقاع؟ فقال: القعقاع أحب إلي منه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: قتلته الحرورية سنة ١٣٥، وقال البخاري: قال لنا عبد الملك بن شيبة: قتل بقديد سنة ١٣٠، وقال ابن عيينة: قتله الحرورية يوم قديد، وقال غيره: وذلك سنة ١٣١، أخرج له الجماعة.

стр. 4015

٦ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٠١، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠. ٧ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١/ ١. وبالله تعالى التوفيق. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف عن طريق شيخة عتبة، ومن سداسياته عن شيخه الحارث بن مسكين. ومنها. قوله: قراءة عليه، وأنا أسمع؛ وذلك أن الحارث كان لا يسمح له بالدخول عليه، لأمر جرى بينهما، وقد تقدم ذكر القصة في أوائل هذا الشرح، فكان يستمع المصنف قراءة من يقرأ على الحارث بحيث لا يراه، فكان يقول إذا حدث عنه أخبرنا الحارث، قراءة عليه، وأنا أسمع، وفيه ما كان عليه المصنف من شدة رغبته للعلم بحيث لا يمنعه منه جفاء الشيخ. ومنها: أن السند الأول عال حيث إنه وصل إلى مالك بواسطة، بخلاف الثاني، فبواسطتين. ومنها: كتابة (ح) بين الإسنادين وتقدم البحث عنها في المسند الماضي. ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين من الأحاديث روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.

стр. 4016

شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، (أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس) أي لو علموا فَوَضَعَ المضارعَ موضع الماضي ليفيد استمرار العلم، وأنه مما ينبغي أن يكون على بال. (ما في النداء) أي الأذان، قال الحافظ: وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند السَّرَّاج. اهـ. (والصف الأول) زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة "من الخير، والبركة"، وقال الطيبي ﵀: أطلق مفعول يَعْلَم، وهو "ما" ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد بُيِّنَت في الرواية الأخرى بالخير والبركة. قاله في الفتح جـ ٢ ص ١١٥. واختلف في المراد بالصف الأول: فقيل: ما يلي الإمام مطلقًا، وهو الأصح. وقيل: أول صف تام يلي الإمام، لا ما تخلله شيء، كمقصورة، وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة، ولو صلى آخر الصفوف. وسيأتي تمام البحث فيه في بابه إن شاء الله تعالى. (ثم لم يجدوا) أي للتمكن من النداء والصف الأول (إِلا أن يستهموا) أي يقترعوا؛ من الاستهام وهو الاقتراع، يقال: استهموا فسَهَمَهُم فلان سَهْمًا: إذا أقرعهم. قاله العيني، قيل: سمي بذلك،

стр. 4017

لأنها سهام تكتب عليها الأسماء، فمن وقع له منها سهم فاز بالحظ المقسوم. قاله القاري في "المرقاة" جـ ٢ ص ٣٢٢. يعني أنهم لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية: أما في الأذان، فبأن يستووا في معرفة الوقت، وحسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن، وتكملاته. وأما في الصف الأول، فبأن يَصِلُوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل، فيقرع بينهم، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين. واستدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر، لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام، لما فيه من المزية. وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا: الترامي بالسهام، وأنه أخْرِجَ مَخرَجَ المبالغة، واستأنس لحديث لفظه: "لتجالدوا عليه بالسيوف"، لكن الأَوْلى، كما قال الحافظ ﵀. حمله على معنى الاقتراع، وتدل عليه رواية مسلم "لكانت قرعة". أفاده في "الفتح" جـ ٢ ص ١١٥. وقال النووي ﵀: معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان، وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقًا يحصلونه، لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيله.

стр. 4018

وقال الطيبي ﵀: المعنى: لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة ثم حاولوا الاستباق، لوجب عليهم ذلك، وأتى بـ "ثم" المؤذنة بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقَدَّم ذكر الآذان دلالة على تهييء المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة. اهـ عمدة جـ ٥ ص ١٢٥. (عليه) أي على كل واحد من الأذان والصف الأول. وقد تنازع ابن عبد البر، والقرطبي في مرجع الضمير؛ فقال ابن عبد البر: يرجع إلى الصف الأول، لأنه أقرب المذكورين، وقال القرطبي: يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا، لا فائدة له، بل الضمير يعود على الكلام المتقدم، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، أي جميع ما ذكر. قال البدر العيني: الصواب مع القرطبي، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ: "لاستهموا عليهما". (ولو يعلم الناس ما في التهجير) أي التبكير إلى الصلوات، قاله الهروي. وحمله غيره على ظاهره، فقالوا: المراد: الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت، لأن التهجير مشتق من الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر. وقال ابن منظور ﵀ نقلًا عن الأزهري: يذهب كثير من الناس إلى أن التهجير في هذه الأحاديث من المهاجرة وقت الزوال، قال: وهو غلط، والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النضر

стр. 4019

ابن شُمَيل أنه قال: التهجير إلى الجمعة، وغيرها: التبكير، والمبادرة إلى كل شيء، قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث. يقال: هَجَّرَ، يُهَجِّر، تَهْجيرًا، فهو مُهَجِّر. قال الأزهري: وهذا صحيح، وهي لغة أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس. قال لبيد (من البسيط): رَاحَ الْقَطِينُ بِهَجْرٍ بَعْدَمَا ابْتَكَرُوا فقرن الهجر بالابتكار، والرواح عندهم: الذهابُ، والمُضِيُّ، يقال: رَاحَ القومُ، أي خَفُّوا، ومَرُّوا، أيَّ وقت كان. وقول ﷺ "لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه" أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضي إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هَجَّرَ الرجل، إذا خرج بالهاجرة، وهي نصف النهار، ويقال: أتيته بالهَجِير وبالْهَجْرِ. اهـ "لسان العرب" جـ ٦ ص ٤٦١٩. وقال الطيبي: لما فرغ من الترغيب في الصف الأول عقبه بالترغيب في إدراك أول الوقت، وبهذا وجب أن يفسر التهجير بالتبكير، كما ذهب إليه الكثيرون. قال في النهاية: التهجير: التبكير إلى كل شيء، والمبادرة إليه، وهي لغة حجازية، أراد المبادرة إلى وقت الصلاة. اهـ. قال الجامع: هذا الذي رجحه الأزهري وغيره من تفسير التهجير

стр. 4020

بالتبكير إلى جميع الصلوات في أول وقتها هو الأولى، لكونه لغة أهل الحجاز التي هي لغة النبي ﷺ وقومه. والله أعلم. (لاستبقوا إِليه) أي إلى التهجير، وقال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق: مَعْنىً، لا حِسًّا، لأن المسابقة على الأقدام حِسًّا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوع منه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: بل الصواب في معنى الاستباق هنا، كما قال العيني ﵀: التبكير في الحضور، بأن يسبق غيره في الحضور إلى الصلاة وليس من لازم ذلك السعي المنهي عنه، والله أعلم. (ولو علموا) بصيغة الماضي، وعند البخاري: "ولو يعلمون" (ما في العتمة) أي صلاة العشاء، وفيه جواز تسمية العشاء بالعتمة، يعني لو يعلمون ما في أدائها، وأداء صلاة (الصبح) من مزيد الفضل (لأتوهما) بالقصر، ثلاثيًا، يقال: أتَى الرجلُ، يَأتِي، أتْيًا: جاء، والإتيان اسم منه، وأتيته، يستعمل لازمًا، ومتعديًا، قال الشاعر: فَاحْتَل لِنَفْسِك قَبْلَ أَتَي الْعَسْكَرِ وأتَا يَأتُو أتْوًا لُغَةٌ، قاله في "المصباح". قلت: المناسب هنا المتعدي، لأنه عَمِل في ضمير المثنى. والمراد: لأتوا المحل الذي يُصَلِّيَان فيه جماعة، وهو المسجد وخصتا

стр. 4021

لهذا لأنهما في وقت النوم، والغفلة، والكسل عن العبادة، فحث عليهما، لكونهما مظنة التفويت. أفاده القاري. (ولو حبوًا) أي ولو كانوا حابين، من حَبَى الصبيُّ: إذا مشى على أربع، قاله صاحب المجمل، ويقال: إذا مشى على يديه، أو ركبتيه، أو استه. قاله العيني. أي يزحفون إذا منعهم مانع من المشي، كما يزحف الصغير، ولابن أبي شيبة عن حديث أبي الدرداء: "ولو حبْوًا على المرافق والركب". قاله في الفتح جـ ٢ ص ١٦٦. والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٤٠) وفي "الكبرى" (١٥٢١) عن عتبة بن عبد الله، عن مالك، وعن الحارث بن مسكين، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عنه. وفي (٦٧١) و"الكبرى" (١٦٣٥) عن قتيبة، عن مالك به. والله أعلم المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخر جه البخاري، ومسلم، والترمذي؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة"

стр. 4022

عن عبد الله بن يوسف وقتيبة، وفي "الشهادات" عن إسماعيل- كلهم عن مالك به. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى عن مالك به. وأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن إسحاق بن موسى، عن مَعْن، عن مالك به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف، وهو جواز تسمية العشاء عتمة وهو لبيان الجواز، والنهي الآتي في الباب التالي ليس للتحريم، ويأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ومنها: بيان فضيلة الأذان، وتمام البحث فيه سيأتي في بابه، إن شاء الله تعالى. ومنها: بيان فضيلة الصف الأول والقرب من الإمام لاستماع القرآن إذا جهر، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، والمسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد. ومنها: بيان فضيلة التبكير إلى الصلاة في أول وقتها. ومنها: الحث على حضور صلاتي العشاء والصبح، وبيان ما فيه من الفضل الكثير، لما فيهما من المشقة على النفس بتنقيص أول النوم

стр. 4023

وآخره. ومنها: مشروعية الاقتراع فيما فيه التساوي من الأمور الجائزة. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في تسمية العشاء بالعتمة: اختلف السلف في ذلك: فمنهم من كرهه، كابن عمر ﵁، كان إذا سمعهم يقولون: العتمة، صاح، وغضب. ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق ﵁ وغيره. ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، ونقله ابن المنذر عن مالك، والشافعي، واختاره، ونقل القرطبي عن غيره: إنما نهي عن ذلك تنزيهًا لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطلَقَ عليها ما هو اسم لِفِعْلَة دنيوية، وهي الحَلْبَةُ التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمة. قال الحافظ: وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفًا من السُّؤَّال والصعاليك، فعلى هذا فهي فعْلَة دنيوية مكروهة، لا تطلق على فِعْلة دينية محبوبة. ومعنى العتم في الأصل: تأخير مخصوص. وقال الطبري: العتمة بقية اللبن، تغبق هذا الناقة بعد هُوِيّ من الليل، فسميت الصلاة بذلك، لأنهم كانوا يصلونها في تلك

стр. 4024

الساعة. وروى ابن أبي شيبة من طريق ميمون بن مِهْران، قال: قلت لابن عمر: من أول من سمى صلاة العشاء العتمة؟ قَال: الشيطان. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٥٦. وقيل. إن استعمال العتمة هنا لمصلحة، لأن العرب كانت تستعمل العشاء في المغرب، فلو قال ما في العشاء لحملوها على المغرب، ففسد المعنى، وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التي لا يشكون فيها، وقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين، لدفع أعظمهما. قاله في "عمدة القاري" جـ ٥ ص ١٢٦. قال الجامع عفا الله عنه: ما رجحه ابن المنذر، وتبعه عليه الحافظ رحمهما الله تعالى من حمل النهي على خلاف الأولى حسن، جمعًا بين الأحاديث، وأحسن منه ما يأتي عن العلامة السندي ﵀ من أن النهي محمول على الإكثار من الاستعمال، ويدل عليه قوله: "لا تغلبنكم". والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4025

٢٣ - الْكَرَاهِيَة فِي ذَلِكَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الكراهية في أن يقال للعشاء العتمة. ٥٤١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، هُوَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عن أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ عَلَى الإِبِلِ، وَإِنَّهَا الْعِشَاءُ". رجال الإسناد: ستة ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد اللك، أبو الحسين الرُّهاوي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٦١، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٢ - (أبو داود) عمر بن سعد بن عُبَيد الحَفَرِي، ثقة عابد، توفي سنة ٢٠٣، من [٩]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ٥٢٣. تنبيه: وقع في النسخة المصرية الخُضَري بالخاء والضاد المعجمتين بدل

стр. 4026

الحاء المهملة والفاء، وهو تصحيف. فتنبه. ٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة ثبت، من [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧. ٤ - (عبد الله بن أبي لبيد) بفتح اللام، مولى الأخنس بن شَرِيق، أبو المغيرة المدني، نزيل الكوفة، ثقة، رمي بالقدر، من [٦]. قال عبد الله بن أحمد عن أييه: مَدَنِيٌّ قدم الكوفة، ما أعلم به بأسًا، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الحميدي عن سفيان. وكان من عباد أهل المدينة. وقال الدراوردي: كان يرْمَى بالقدر، فلم يُصَلِّ عليه صفوان بن سُلَيم. وقال ابن عدي: أما في الروايات، فلا بأس به. وقال: ابن سعد: كان من العباد المنقطعين، وكان يقول بالقدر، وكان قليل الحديث. وقال العجلي: ثقة. وقال الساجي: كان صدوقًا، غير أنه اتهم بالقدر، وقال العقيلي: يخالف في بعض حديثه، وكان من المجتهدين في العبادة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الواقدي: مات في خلافة أبي جعفر سنة يضع وثلاثين ومائة. أخرح له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

стр. 4027

٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الى. هري المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ١/ ١. ٦ - (عبد الله بن عمر) الصحابي الجليل ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. وبالله تعالى التوفيق. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ومنها: أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عمر) ﵄، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : لا) ناهية (تغلبنكم) فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، يقال. غَلَبَهُ على كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا. قاله الطيبي. (الأعراب) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، واحده أعرابي، بالفتح أيضا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتيَادٍ للْكَلأِ، قال الأزهري: سواء كان من العرب، أو من موالَيهم، قَالَ: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بِظَعْنهم، فهم: أعْرَاب، ومن نزل بلاد

стр. 4028

الرِّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربية، فهم عرب، وإن لم يكونوا فُصَحَاء. ويقال: سُمُّوا عَرَبًا، لأن البلاد التي سَكَنُوهَا تسمى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يعرب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغات الحجاز، وما والاها. قاله في المصباح. (على اسم صلاتكم هذه) نعت، أو بدل من "صلاتكم"، والإشارة إلى العشاء، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عادتهم، من تسمية العشاء بالعتمة، فتَغْصبَ منكم اسم العشاء التي سماها الله تعالى به، أي لا يليق العدول عما في كتاب الله من تسميتها عشاء، إلى ما ألفَهُ الأعراب من تسميتها عَتَمَةً، ولعل حكمةَ العدول عنه قبح لفظهَ، إذ العتمة شدة الظلام، والصلاة هي النور الأعظم، فلا يليق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها. قاله القاري ﵀ في "المرقاة" جـ ٢ ص ٣٢٥. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: المعنى فيه: أن العادة أن العظماء، إذا سَمَّوا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه إلى غيره، لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، والله سماها في كتابه العشاء، في

стр. 4029

قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فيقبح بعد تسمية ذي الحلال والإكرام العدولُ إلى غيره. اهـ "زهر" جـ ١ ص ٢٧٠. وقال السندي ﵀: قوله: (لا تغلبنكم الأعراب) أي الاسمُ الذي ذكر الله تعالى في كتابه لهذه الصلاة اسمُ العشاء، والأعراب يسمونها العتمةَ، فلا تُكثروا استعمالَ ذلك الاسم، لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء، موافقة للقرآن، فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة، لا عن استعماله أصلًا، فاندفع ما يتوهم من التنافي بين حديثي البابين. اهـ. قال الجامع: هذا الذي ذكره العلامة السندي ﵀ من الجمع بين حديثي البابين بحمل النهي على إكثار الاستعمال، حسن جدًا، وهو الذي يدل عليه تعبيره بقوله. "لا تغلبنكم"، فإن الغلبة تكون بإكثار الاستعمال، لا بالاستعمال أحيانًا للحاجة. والله أعلم. (فإِنهم) أي الأعراب (يعتمون) من الإعتام رباعيًا، يقال: أعْتَمَ الرجل: إذا دخل في العتمة وهي الظلمة، كأصبح: إذا دخل في الصباح. أفاده في المصباح، والفاء للتعليل، فالجملة تعليل للنهي عن التسمية. (على الإبل) "على" بمعنى اللام، للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي يؤخرون الوقت لأجل حِلاب الإبل، في الظلام، ورواية مسدم "وإنها تُعتِم بحلاب الإبل".

стр. 4030

وقال السندي ﵀: أي يؤخرون الصلاة، ويدخلون في ظلمة الليل بسبب الإبل، وحلبها. اهـ. وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة، ويسمون ذلك الوقت العَتَمَةَ، فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته، أي لا تطلقوا هذا الاسم على العشاء، لئلا يغلب مصطلحهم على ما جاء في كتاب الله تعالى، كما قال (وإِنها العشاء) أي اسمها الذي سماها الله به في كتابه هو: العشاء؛ حيث قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فلا ينبغي العدول عنه. والجملة عطف على جملة التعليل. والله أعلم. تنبيه: ورد النهي أيضًا عن تسمية المغرب بالعشاء: فقد أخرج البخاري في "صحيحه" بسنده عن عبد الله بن مغفل ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب"، قال: "وتقول الأعراب: هي العشاء". وأخرجه أحمد، وابن خزيمة. قال الطيبي: المعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء، والعشاء بالعتمة، فيَغْصبَ منكم الأعراب اسمَ العشاء التي سماها الله هذا. قال: فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم.
следующие страницы →