الحاء المهملة والفاء، وهو تصحيف. فتنبه.
٣ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة ثبت، من [٧]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عبد الله بن أبي لبيد) بفتح اللام، مولى الأخنس بن شَرِيق، أبو المغيرة المدني، نزيل الكوفة، ثقة، رمي بالقدر، من [٦].
قال عبد الله بن أحمد عن أييه: مَدَنِيٌّ قدم الكوفة، ما أعلم به بأسًا، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الحميدي عن سفيان. وكان من عباد أهل المدينة.
وقال الدراوردي: كان يرْمَى بالقدر، فلم يُصَلِّ عليه صفوان بن سُلَيم. وقال ابن عدي: أما في الروايات، فلا بأس به. وقال: ابن سعد: كان من العباد المنقطعين، وكان يقول بالقدر، وكان قليل الحديث. وقال العجلي: ثقة. وقال الساجي: كان صدوقًا، غير أنه اتهم بالقدر، وقال العقيلي: يخالف في بعض حديثه، وكان من المجتهدين في العبادة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الواقدي: مات في خلافة أبي جعفر سنة يضع وثلاثين ومائة. أخرح له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
стр. 4027
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الى. هري المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ١/ ١.
٦ - (عبد الله بن عمر) الصحابي الجليل ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. وبالله تعالى التوفيق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄، أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : لا) ناهية (تغلبنكم) فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، يقال. غَلَبَهُ على كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا. قاله الطيبي.
(الأعراب) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، واحده أعرابي، بالفتح أيضا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتيَادٍ للْكَلأِ، قال الأزهري: سواء كان من العرب، أو من موالَيهم، قَالَ: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بِظَعْنهم، فهم: أعْرَاب، ومن نزل بلاد
стр. 4028
الرِّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربية، فهم عرب، وإن لم يكونوا فُصَحَاء.
ويقال: سُمُّوا عَرَبًا، لأن البلاد التي سَكَنُوهَا تسمى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يعرب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغات الحجاز، وما والاها. قاله في المصباح.
(على اسم صلاتكم هذه) نعت، أو بدل من "صلاتكم"، والإشارة إلى العشاء، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عادتهم، من تسمية العشاء بالعتمة، فتَغْصبَ منكم اسم العشاء التي سماها الله تعالى به، أي لا يليق العدول عما في كتاب الله من تسميتها عشاء، إلى ما ألفَهُ الأعراب من تسميتها عَتَمَةً، ولعل حكمةَ العدول عنه قبح لفظهَ، إذ العتمة شدة الظلام، والصلاة هي النور الأعظم، فلا يليق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها. قاله القاري ﵀ في "المرقاة" جـ ٢ ص ٣٢٥.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀: المعنى فيه: أن العادة أن العظماء، إذا سَمَّوا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه إلى غيره، لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، والله سماها في كتابه العشاء، في
стр. 4029
قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فيقبح بعد تسمية ذي الحلال والإكرام العدولُ إلى غيره. اهـ "زهر" جـ ١ ص ٢٧٠.
وقال السندي ﵀: قوله: (لا تغلبنكم الأعراب) أي الاسمُ الذي ذكر الله تعالى في كتابه لهذه الصلاة اسمُ العشاء، والأعراب يسمونها العتمةَ، فلا تُكثروا استعمالَ ذلك الاسم، لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء، موافقة للقرآن، فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة، لا عن استعماله أصلًا، فاندفع ما يتوهم من التنافي بين حديثي البابين. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي ذكره العلامة السندي ﵀ من الجمع بين حديثي البابين بحمل النهي على إكثار الاستعمال، حسن جدًا، وهو الذي يدل عليه تعبيره بقوله. "لا تغلبنكم"، فإن الغلبة تكون بإكثار الاستعمال، لا بالاستعمال أحيانًا للحاجة. والله أعلم.
(فإِنهم) أي الأعراب (يعتمون) من الإعتام رباعيًا، يقال: أعْتَمَ الرجل: إذا دخل في العتمة وهي الظلمة، كأصبح: إذا دخل في الصباح. أفاده في المصباح، والفاء للتعليل، فالجملة تعليل للنهي عن التسمية.
(على الإبل) "على" بمعنى اللام، للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي يؤخرون الوقت لأجل حِلاب الإبل، في الظلام، ورواية مسدم "وإنها تُعتِم بحلاب الإبل".
стр. 4030
وقال السندي ﵀: أي يؤخرون الصلاة، ويدخلون في ظلمة الليل بسبب الإبل، وحلبها. اهـ.
وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة، ويسمون ذلك الوقت العَتَمَةَ، فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته، أي لا تطلقوا هذا الاسم على العشاء، لئلا يغلب مصطلحهم على ما جاء في كتاب الله تعالى، كما قال (وإِنها العشاء) أي اسمها الذي سماها الله به في كتابه هو: العشاء؛ حيث قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فلا ينبغي العدول عنه. والجملة عطف على جملة التعليل. والله أعلم.
تنبيه:
ورد النهي أيضًا عن تسمية المغرب بالعشاء:
فقد أخرج البخاري في "صحيحه" بسنده عن عبد الله بن مغفل ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب"، قال: "وتقول الأعراب: هي العشاء". وأخرجه أحمد، وابن خزيمة.
قال الطيبي: المعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء، والعشاء بالعتمة، فيَغْصبَ منكم الأعراب اسمَ العشاء التي سماها الله هذا. قال: فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم.
стр. 4031
وقال غيره: معتى الغلبة أنكم تسمونها اسمًا، وهم يسمونها اسمًا، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه: صار كأنه انقطع له حتى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غصب، ولا أخذ.
وقال التوربشتي: المعنى: لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيَغلِبَ مصطلحُهم على الاسم الذي شرعته لكم. اهـ فتح جـ ٢ ص ٥٢. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٤١) وفي "الكبرى" (١٥٢٢/ ١) عن أحمد بن سليمان، عن أبي داود الحفَرَي، عن الثوري، من عبد الله بن أبي لَبِيد، عن أبي سلمة، عنه.
وفي (٥٤٢) "المجتبى"، و"الكبرى" (١٥٢٣) عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن ابن عيينة، عن عبد الله بن أبي لبيد به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة"
стр. 4032
عن زهير بن حرب، وابن أبي عمر، كلاهما عن سفيان بن عيينة- وعن أبي بكر بن ألي شيبة، عن وكيع، عن الثوري- كلاهما عن عبد الله بن أبي لبيد به. وأخرجه أبو داود في الأدب عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن عيينة به. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن هشام بن عمار، ومحمد ابن الصباح، كلاهما عن ابن عيينة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: النهي عن تسمية العشاء بالعتمة، وتقدم أنه محمول على كثرة استعماله حتى يغلب على الاسم الشرعي، أو محمول على التنزيه.
ومنها: أن الاسم الذي سماها الله تعالى به في كتابه هو العشاء، حيث قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾.
ومنها: أن الأسماء الشرعية إذا خالفت الأسماء العرفية ينبغي أن تقدم عليها.
ومنها: أنه ينبغي للمسلم أن لا يقلد الجاهلية حتى في الأسماء، بل يتبع الشرع في جميع أموره، فإن للشارع حكمة في اختيار الأسماء وغيرها، فلا ينبغي العدول عنه. والله أعلم. ومنه التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٤٢ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ
стр. 4033
أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سُوَيدُ بنُ نصر) أبو الفضل المروزي، لقبه: الشاه، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي مولاهم المروزي، ثقة ثبت حجة، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (سفيان بن عيينة) أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة ثبت حجة من كبار [٨]، تقدم في ١/ ١.
وأما الباقون فقد تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث، وما يتعلق به من المسائل، فلا حاجة إلى إعادته، فارجع إليه إن شئت تزدد علمًا والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4034
٢٤ - أوَّلِ وَقْتُ الصُّبْحِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على أول وقت صلاة الصبح.
والصُّبْحُ: بضم فسكون: الفجر، والصباح مثله، وهو أول النهار، والصباح أيضًا: خلاف المساء، قال ابن الْجَوَاليقيِّ: الصباح عند العرب من نصف الليل الآخر إلى الزوال، ثم المساءَ إلى آخر نصف الليل، هكذا رُوِيَ عن ثَعْلَب. قاله في "المصباح".
٥٤٣ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إِبراهيم بن هارون) الْبَلْخِيُّ العابد، صدوق، من [١١].
روى عن حاتم بن إسماعيل، وداود بن الجراح، والنضر بن زرارة الذهلي، وغيرهم.
وروى عنه الترمذي في الشمائل، والنسائي، ومحمد بن علي بن
стр. 4035
الحكيم الترمذي.
قال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به.
٢ - (حاتم بن إِسماعيل) المدني، أبو إسماعيل الحارثي مولاهم كوفي الأصل، صحيح الكتاب صدوق يهم، توفي سنة ١٨٦ أو ١٨٧، من [٨].
قال أحمد: هو أحب إليَّ من الدَّرَاوَرْدي، وزعموا أن حاتمًا فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح. وقال أبو حاتم: هو أحب إليَّ من سعيد بن سالم. وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال ابن سعد: كان أصله من الكوفة، ولكنه انتقل إلى المدينة، فنزلها، ومات هذا سنة ١٨٦، وكان ثقة مأمونًا كثير الحديث. وقال البخاري عن أبي ثابت المديني: مات سنة ١٨٧، وكذا قال ابن حبان، وزاد ليلة الجمعة لتسع ليال مضين من جمادى الأولى.
وقال العجلي: ثقة. وكذا قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وقال ابن المديني: روى عن جعفر، عن أبيه أحاديث مراسيل أسندها، قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي في الميزان: قال النسائي: ليس بالقوي. أخرج له الجماعة.
٣ - (جعفر بن محمد بن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام،
стр. 4036
توفي سنة ١٤٨، من [٦]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد" ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٢٣/ ١٨٢.
٤ - (محمد بن علي) والد جعفر الباقر المدني، ثقة فاضل، من [٤]، تقدم في ٨٧/ ٩٥.
٥ - (جابر بن عبد الله) الأنصاري الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٣١/ ٣٥. وبالله تعالى التوفيق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فبلخي، ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، ومنها: أن جابرًا أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن محمد بن علي (أن جابر بن عبد الله) ﵄ (قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح) أي صلاة الصبح.
(حين تَبَيَّن له الصبح) فيه أن أول الصبح إذا تبين الفجر، واتضح، فأما قبل تبينه فلا تصح صلاة الصبح، ولا يحرم الأكل في الصوم. وهذا الفجر هو الفجر الثاني المسمى بالصادق، الذي تتعلق به الأحكام، من صلاة الصبح، وحرمة الأكل ونحوه على الصائم، كما يأتي قريبًا. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4037
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى:
حديث جابر ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف (١) كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في "تحفته" جـ ٢ ص ٢٨٠، أخرجه هنا (٥٤٣) وفي "الكبرى" (١٥٢٥/ ١) عن إبراهيم بن هارون البلخي، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عنه.
المسألة الثانية:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى.
قال أصحابنا: الفجر فجران: أحدهما يسمى الفجر الأول، والفجر الكاذب، والآخر يسمى الفجر الثاني، والفجر الصادق؛ فالفجر الأول يطلع مستطيلًا نحو السماء، كذنب السِّرْحَان، وهو الذئب، ثم يغيب ذلك ساعة، ثم يطلع الفجر الثاني الصادق مستطيرًا -بالراء- أي منتشرًا عرضًا في الأفق.
قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثاني؛ فيه يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء (٢)، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام، والشراب على الصائم، وبه ينقضي الليل، ويدخل
стр. 4038
النهار، ولا يتعلق بالفجر الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين، قال صاحب الشامل: سمي الأول كاذبًا لأنه يضيء ثم يسود ويذهب، وسمي الثاني صادقًا، لأنه صَدَقَ عن الصبح، وبَيَّنَهُ.
ومما يستدل به من الحديث للفجرين حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يمنعن أحدكم -أو واحدًا منكم- أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن -أو ينادي- بليل، ليَرْجِعَ قائمكم، ولينتبه نائمكم، وليس أن يقول الفجر -أو الصبح- هكذا -وقال بأصابعه، ورفعها إلى فوق، وطأطأها إلى أسفل- حتى يقول هكذا؛ وقال بسبابتيه، إحداهما فوق الأخرى، ثم مَدَّهما عن يمينه وشماله". رواه البخاري ومسلم.
وعن سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا العارض، لعمود الصبح، حتى يستطير". رواه مسلم، ورواه الترمذي عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق"، قال الترمذي: حديث حسن.
وعن طلق بن علي ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال: كلوا، واشربوا، ولا يَهِيدَنَّكُم الساطع المصعد، وكلوا، واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر"، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، قال: والعمل عليه عند أهل العلم أنه لا يحرم الأكل والشرب على
стр. 4039
الصائم حتى يكون الفجر المعترض. والله أعلم. انتهى. "المجموع" جـ ٣ ص ٤٤، ٤٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة:
قال النووي رحمه الله تعالى أيضًا: صلاة الصبح من صلوات النهار، وأول النهار طلوع الفجر الثاني، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة، إلا ما حكاه الشيخ أبو حامد في تعليقه عن قوم أنهم قالوا: ما بين طلوع الشمس والفجر، لا من الليل ولا من النهار، بل زمن مستقل، فاصل بينهما، قالوا: وصلاة الصبح لا في الليل، ولا في النهار.
وحكى الشيخ أبو حامد أيضًا عن حذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي مجْلَز، والأعمش ﵃ أنهم قالوا: آخر الليل طلوع الشمس، وهو أول النهار، قالوا: وصلاة الصبح من صلوات الليل، قالوا: وللصائم أن يأكل حتى تطلع الشمس، هكذا نقله أبو حامد عن هؤلاء، ولا أظنه يصح عنهم.
وقال القاضي أبو الطيب، وصاحب الشامل: وحكي عن الأعمش أنه قال: هي من صلوات الليل، وإن ما قبل طلوع الشمس من الليل؛ يحل فيه الأكل للصائم، قالا: وهذه الحكاية بعيد صحتها مع ظهور تحريم الأكل بطلوع الفجر في كل عصر مع ظاهر القرآن، فإن احتُجَّ له بقوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:
١٢] وآية النهار هي الشمس، فيكون النهار من طلوعها، وبقول أمية ابن أبي الصلت (من الكامل):
стр. 4040
والشَّمْسُ تطْلُعُ كلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ … حمْرَاءَ تُبْصَرُ لوْنُهَا تَتوَقَّدُ
فالجواب أنه يثبت كونه من النهار بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وبإجماع أهل الأعصار على تحريم الطعام والشراب بطلوع الفجر.
وثبت في حديث جبريل ﵇: أن النبي ﷺ قال: "ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحَرُمَ الطعامُ على الصائم"، وهو حديث صحيح، كما سبق. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يُؤَذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، والليل لا يصح الصوم فيه بإجماع المسلمين.
وأما الجواب عن الآية التي احتج له هذا، فليس فيها دليل، لأن الله تعالى أخبر أن الشمس آية للنهار، ولم ينف كون غيرها آية، فإذا قامت الدلائل على أن هذا الوقت من النهار وجب العمل هذا، ولأن الآية العلامة، ولا يلزم أن يقارن جميع الشيء، كما أن القمر آية الليل، ولا يلزم مقارنته لجميع الليل.
وأما الشعر، فقد نقل الخليل بن أحمد إمام اللغة أن النهار هو الضياء الذي بين طلوع الفجر، وغروب الشمس، وحينئذ يحمل قول الشاعر أنه أراد قريب آخر كل ليلة، لا آخرها حقيقة.
فإن قيل: فقد رُويَ عن النبي ﷺ : "صلاة النهار عَجْماءُ"، قلنا: قال الدارقطني، وغيره من الحفاظ: هذا ليس من كلام النبي ﷺ ، ولم
стр. 4041
يرو عنه، وإنما هو قول بعض الفقهاء، قال الشيخ أبو حامد: وسألت عنه أبا الحسن الدارقطني، فقال: لا أعرفه عن النبي ﷺ صحيحًا، ولا فاسدًا، مع أن المراد معظم صلوات النهار، ولهذا يجهر في الجمعة
والعيد. والله أعلم.
واحتج الأصحاب على من قال: إن ما بين الفجر والشمس، لا من الليل ولا من النهار، بقول الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣]، فدل على أنه لا فاصل بينهما. والله أعلم. انتهى المجموع جـ ٣ ص ٤٥، ٤٦. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٤٤ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ؟ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا مِنَ الْغَدِ أَمَرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَسْفَرَ، ثُمَّ أَمَرَ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟؛ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ".
رجال الإسناد: أربعة
١ - (علي بن حُجْر) بن أوس المروزي، ثم البغدادي، ثم
стр. 4042
المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩]، تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القارئ المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٠، من [٩]، تقدم في ١٦/ ١٧.
٣ - (حُمَيد) بن أبي حُمَيد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة عابد مدلس، توفي سنة ١٤٢ أو ١٤٣، من [٥]، تقدم في ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه [٢٤] من رباعيات المصنف ﵀ في هذا الكتاب، وهو أعلى ما وقع له، وقد تقدم غير مرة، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يُخْرج له أبو داود، وابن ماجه، وأنهم مدنيون إلا شيخه، فمروزي، وأن أنسًا أحد المكثرين السبعة، وتقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رجلًا) لم أعرف اسمه (أتَى النبيَّ ﷺ ، فسأله عن وقت صلاة الغداة) فيه استعمال الغداة للفجر، وهو قول الجمهور، وكرهه بعضهم، ولا وجه له.
стр. 4043
قال النووي رحمه الله تعالى: لصلاة الصبح اسمان: الفجر، والصبح، جاء القرآن بالفجر، والسنة بالفجر والصبح، قال الشافعي ﵀ في الأم: أحب أن لا تُسَمَّى إلا بأحد هذين الاسمين، ولا أحب أن تسمى الغداة، هذا نص الشافعي، وكذا قال المحققون من أصحابنا، فقالوا: يستحب تسميتها صبحًا وفجرًا، ولا يستحب تسميتها غداةً، ولم يقولوا: تكره تسميتها غداة، وقول صاحب المهذب، وشيخه أبي الطيب: "يكره أن تسمى غداة" غريب ضعيف، لا دليل له، وما استدل به؛ من أن الله تعالى سماها بالفجر، وسماها النبي ﷺ الصبح، لا يدل على الكراهة، لأن المكروه ما ثبت فيه نهي غير جازم، ولم يَرِدْ في الغداة نهي، بل اشتهر استعمال لفظ الغداة فيها في الحديث وفي كلام الصحابة ﵃ من غير معارض، فالصواب أنه لا يكره، لكن الأفضل الفجر، والصبح. والله أعلم. انتهى "المجموع" جـ ٣ ص ٤٦.
قال الجامع: هذا الذي قاله النووي ﵀ حسن جدًا. والله أعلم.
(فلما أصبحنا) أي دخلنا في الصباح (من الغد) أي اليوم الثاني ليوم السؤال، والغَدُ: اليوم الذي بعد يومك على إِثْره، ثم توسعوا فيه حتى أطلق على البعيد المرتقب، وأصله غَدْوٌ مثل فَلْس، حذفت لامه، وجُعِلَتِ الدال حرف إعراب، أفاده في المصباح.
(أمر حين انشق الفجر) أي طلع (أن تقام الصلاة) في تأويل
стр. 4044
المصدر منصوب بنزع الخافض قياسًا، كما قال ابن مالك:
وَعَدِّ لازِمًا بِحَرْفِ جَرٍّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ
نَقْلًا وَفِي أنَّ وَأنْ يَطَّرِدُ … مَعْ أمْن لَبسٍ كعَجِبتُ أن يَدُوا
أي بأن تقام الصلاة، وأل في المواضع الثلاثة للعهد الذكري، أي صلاة الغداة التي سئل عنها.
(فصلى بنا) أي تلك الصلاة، حذف المفعول لكونه معلومًا.
(فلما كان من الغد) الظاهر أن "كان" تامَّة، و"من" زائدة على رأي من يرى زيادتها في الإثبات، وهو مذهب الأخفش، و"الغد" فاعل "كان"، أي فلما جاء الغد. ويحتمل أن يكون اسم "كان" ضميرًا عائدًا على النبي ﷺ ، و"من" بمعنى "في"، أي فلما كان ﷺ كائنًا في اليوم الثاني (أسفر) أي دخل في وقت الإضاءة (ثم أمر، فأقيمت الصلاة) أي صلاة الغداة (فصلى بنا) أي بمن حضر معه من الصحابة.
(ثم قال) ﷺ (أين السائل عن وقت الصلاة؟) أي صلاة الغداة (ما) موصولة في محل رفع مبتدأ (بين هذين) منصوب على الظرفية، صلة "ما"، وقوله: (وقت) خبر المبتدإ، أي الوقت الذي استقر بين هذين الوقتين، وقت لصلاة الصبح.
وأورده المصنف رحمه الله تعالى مُستَدلًا به على أول وقت الصبح، ودلالته عليه واضحة من صلاته في اليَوم الأول، حيث إنه
стр. 4045
صلى حين طلع الفجر.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف ﵀، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفته" جـ ١ ص ١٧٧، أخرجه هنا (٥٤٤)، وفي الكبرى (١٥٢٦/ ٢) عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس ﵁.
وفوائده، وسائر متعلقاته تعرف من الأحاديث السابقة. فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4046
٢٥ - التَّغْلِيسُ فِي الْحَضَرِ
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على استحباب التغليس بصلاة الصبح في الحضر.
والتغليس: هو الدخول في الغَلَس، وهو بفتحتين: ظلام آخر الليل، يقال: غَلَّس القَومُ، تَغْليسًا: خَرَجُوا بغَلَس، وغَلَّسَ في الصلاة: صلاها بغلس. قاله في "المصباح". والله تعالى أعلم.
والحَضَر بفتحتين: خِلافُ البَدْوِ، والنسبة إليه حَضَري، على لفظه، وحَضَر: أقام بالحضر، والحَضارة بفتح الحاء، وكسرها: سكون الحَضَر. قاله في "المصباح". والله تعالى أعلم.
٥٤٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البَغْلانيُّ، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
стр. 4047
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٤٤، من [٥]، تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٤ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سَعْد بن زُرَارَةَ الأنصارية المدنية، أكثرت عن عائشة، ثقة، توفيت قبل سنة ١٠٠، ويقال: بعدها، من [٣]، تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وقتيبة وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة، ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعية، ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: إن) مخففة من الثقيلة، وإذا خففت "إن" لا تعمل غالبًا، وتلزمها اللام الفارقة بينها، وبين "إن" الشرطية، ولا يليها من الأفعال غالبًا إلا النواسخ؛ ككان،
стр. 4048
وظن، وأخواتهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وإلى ذلك كله أشار ابن مالك بقوله:
وَخُفِّفَتْ "إِنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِي عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلا … تَلْفِهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلا
(كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات) بالنص على الحال من النساء، اسم فاعل من التَّلَفُّع -بالفاء والعين المهملة- أي ملتحفات، ورُويَ بالفاء المكررة، بدل العين، والأكثرون على خلافه.
قال الأصمعي: التلفع بالثوب أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهو اشتمال الصماء عند العرب، لأنه لم يرفع جانبًا منه، فيكون فيه فُرْجَة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللِّفَاعُ: الثوبُ، تَلْتَفِعُ به المرأة، أي تلتحف به، فيُغَيِّبُهَا، وعن كُرَاع: وهو المِلْفَع أيضًا.
وعن ابن دُرَيدٍ: اللِّفَاع الْمِلْحَفَةُ، أو الكِسَاء. وقال أبو عمرو: وهو الكساء.
وعن صاحب العين: تَلَفَّعَ بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب: كأنه غطى سواد رأسه، ولحيته.
وفي "شرح الموطأ": التلفع أن يُلْقِيَ الثوب على رأسه، ثم يلتف
стр. 4049
به، لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه.
وفي المحكم: الملْفَعَة ما يُلْفَعُ به من رِدَاء، أو لحَاف، أو قِنَاعٍ، وفي المُغيث: وقيل: اللِّفَاع: النطع، وقيل. الكساءً الغليظ. وفي الصَحاح: لَفَّعَ رأسه تَلْفِيعًا: أي غطاه. اهـ عمدة القاري جـ ٤ ص ٨٩.
(بمروطهن) جمع مِرْط بكسر الميم، قال القزاز: المِرْط: مِلْحَفَة يُتَّزَرُ بها، والجمع أمْرَاط، ومُرُوط. وقيل: يكون المِرْطُ كِسَاءً من خَزٍّ، أو صوف، أو كَتَّان. وفي المحكم: وقيل. هو الثوب الأخضر، وفي مجمع الغرائب: أكسية من شعر أسود، وعن الخليل: هي أكسية معلمة. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار.
وقال النضر بنت شميل: لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء.
وقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": هو كساء صوف رقيق، خفيف، مربع، كن النساء في ذلك الزمان يتزرن به، ويتلفعن. أفاده العيني.
(ما) نافية (يعرفن) وللبخاري "لا يعرفهن أحد"، قال في "الفتح": قال الداودي: لا يعرفن أنساء هن أم رجال، فلا يظهرن للرائي، إلا أشخاصًا خاصة.
وقيل: لا يعرف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة، وزينب. وضعف
стр. 4050
النووي، لأن المتلفعة في النهار، لا تعرف عينها، فلا تبقى في الكلام فائدة.
قال الحافظ: يريد لا تبقى فائدة للتقييد بمتلفعات، وهذا بناء على أن عدم معرفتهن، لأجل التلفع، وليس كذلك، بل عدم المعرفة للغلس، وإلا لم يكن الحديث حجة على التغليس، وإنما ذكرت عائشة التلفع بيانًا للواقع. قال: وتعقب -يعني كلام النووي- بأن المعرفة إنما تعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر، لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغَطّى.
وقال الباجي: هذا يدل على أنهن كن سافرات، إذ لو كن متغطيات لمنع تغطية الوجه معرفتهن، لا التغليس، وفيه ما فيه، لأنه مبني على الاشتباه الذي أشار إليه النووي، وأما إذا كان لكل واحدة منهن هيئة غالبًا ففيه ما سلف. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٦٦ - ٦٧.
قال الصنعاني: نعم قد يسلم للحافظ مدعاه فيمن تطول مصاحبته من الأهل ونحوهم، فيعرف الهيئة والمشي المعين، كما قال عمر لسودة: قد عرفناك يا سودة، مع أنها كانت متلفعة، ولكن الكلام في أعم من ذلك.
قال الجامع: فيما قال الصنعاني في سودة: "مع أنها كانت متلفعة" نظر، لأن القصة كانت قبل الأمر بالحجاب فلا يعلم كونها متلفعة.
стр. 4051
فتأمل. والله أعلم.
(من الغلس) أي من اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. قال الأزهري: الغَلَس: بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر. وفي "ق" والصحاح: الغَلَس محركة: ظلمة آخر الليل. قاله في العدة جـ ٢ ص ١٧ بتصرف.
فمن ابتدائية، أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا، وبين حديث أبي برزة الأسلمي السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه، لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعات على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. قاله في "الفتح" جـ ٢ ص ٦٧. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٤٥)، وفي "الكبرى" (١٥٢٨/ ٢) عن قتيبة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي. فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، والقعنبي، وأخرجه
стр. 4052
مسلم فيه عن نصر بن علي، وإسحاق بن موسى، كلاهما عن مَعْنِ بنِ عيسى، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة- كلهم عن مالك، عن يحيى به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم عليه المصنف، وهو استحباب التغليس بصلاة الصبح، وفيه اختلاف العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة بالليل مع الرجال، وليس في الحديث ما يدل على كونهن عُجُزًا، أو شواب، وكره بعضهم الخروج للشواب، وهو رأي ابن عمر، وجماعة من السلف، قال الصنعاني: ويحسن حمله على خشية الفتنة عليهن، أو بهن، فإنها مفسدة تربو على مصلحة حضور الجماعة، ودفع المفاسد أهم من جلب المصالح. اهـ "العدة" جـ ٢ ص ٧٠.
وقال الحافظ: ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى، لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يُخشَ عليهن، أو بهن فتنة. اهـ.
قال الصنعاني: ويقال: الفتنة بالنهار أكثر لظهور محاسنهن، ولذا كان نساؤه ﷺ لا يخرجن لقضاء حاجتهن إلا ليلًا، كما أفاده حديث عائشة في قصة الإفك. اهـ عدة. وستأتي المسألة في بابها إن شاء الله تعالى.
ومنها: ما استدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف
стр. 4053
والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة. وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف. اهـ "فتح".
قال الصنعاني: رواية البخاري التي ذكرناها أولًا، ورواية مسلم- يعني قوله: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن"- يدل لما قاله ذلك البعض، لأنه جعل متلفعات
حالًا من فاعل شهود الصلاة، والحال قيد في عاملها، أي شهدنها حال كونهن متلفعات فهو صريح في صلاتهن متلفعات، أي يحضرنها معه على تلك الحال، نعم إحدى الروايات نيست على اللفظ -يعني رواية النسائي- إلا أنه قد يقال: من أين يلزم منه تغطية الأنف والفم، إلا أن يكون عرف ذلك العصر كذلك. اهـ "العدة" جـ ٢ ص ٢٢.
(قال الجامع عفا الله عنه): رواية المصنف الآتية بعد هذا صريحة في كون الصلاة مع التلفع، ولفظه: "كُنَّ النساءُ يصلين مع رسول الله ﷺ الصبح متلفعات بمروطهن": فالظاهر جواز صلاتها مختمرة،
لظاهر هذا النص، مع أنه ليس في المنع دليل مرفوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في بيان مذاهب العلماء في التغليس بصلاة الصبح:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأفضل فيها التغليس، وهو مذهب عمر، وعثمان، وابن الزبير، وأنس، وأبي موسى، وأبي هريرة ﵃ (١)، ونقله الحازمي عن بقية الخلفاء الأربعة، وابن
стр. 4054
مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأهل الحجاز (١)، وبه قال الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجمهور العلماء.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإسفار أفضل من التغليس، وهو مذهب النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيِّ، وأكثر العراقيين، وهو مروي عن علي، وابن مسعود ﵄.
قال النووي ﵀: احتج هؤلاء بحديث رافع بن خديج ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر"، رواه أبو داود، والترمذي (٢)، وقال: حسن صحيح وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية أبي داود: "أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها، إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بجمع -يعني بالمزدلفة- وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها"، رواه البخاري، ومسلم، قالوا: ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسًا هذا، فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفرًا هذا، قالوا: ولأن الإسفار يفيد كثرة الجماعة، واتصال الصفوف، ولأن الإسفار يتسع به وقت التنفل قبلها، وما أفاد كثرة النافلة كان أفضل.
واحتج الأولون القائلون بأفضلية التغليس بقول الله تعالى:
стр. 4055
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت، لأنه إذا أخرها عَرَّضَهَا للفوات، وبقوله تعالى: فهو ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والصلاة تحصل ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨].
وبحديث عائشة ﵂ هذا، وهو متفق عليه، وبحديث أبي برزة ﵁، وتقدم (٥٢٥)، وفيه: "وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة". متفق عليه. وبحديث جابر ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا غابت الشمس، والعشاء إذا رأى في الناس قلة أخر، وإذا رأى كثرة عجل، والصبح بغلس". متفق عليه.
وبحديث أنس ﵁، قال: "تسحر نبي الله ﷺ ، وزيد بن ثابت، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي الله ﷺ ، فصلى، قال قتادة: قلت لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما، ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية". رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه.
وعن سهل بن سعد ﵁، قال: "كنت أتسحَّر في أهلي، ثم يكون سُرْعَةٌ بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول آلله ﷺ "، رواه البخاري.
وعن أبي مسعود البدري ﵁ "أن رسول الله ﷺ صلى
стр. 4056
الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر هذا، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، حتى مات لم يعد إلى أن يسفر"، رواه أبو داود بإسناد حسن، قال الخطابي: هو صحيح الإسناد.
وعن مغيث بن سُمَيّ، قال: "صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر، فصلى بغلس، وكان يُسْفِرُ هذا، فلما سلم قلت لابن عمر: ما هذه الصلاة؟ وهو إلى جانبي، فقال: هذه صلاة رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما قتل عمر أسفر بها عثمان ﵁"، قال الترمذي في كتاب العلل: قال البخاري: هذا حديث حسن (١).
وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج، فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد بالإسفار طلوع الفجر، وهو ظهوره، يقال: سفرت المرأة، أي كشفت وجهها، فإن قيل: لا يصح هذا التأويل، لقوله ﷺ : "فإنه أعظم للأجر"، لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار، لكن الأجر فيها أقل، فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت، ولم يتيقنه جازت الصلاة، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر، وهو ظهوره الذي يتيقن به طلوعه أفضل، وقيل: يحتمل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة، فإنه لا يتيقن فيها الفجر إلا باستظهار في الإسفار.
стр. 4057
والثاني: ذكره الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين الفجر الأول، والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم.
فإن قيل: لو صلَّوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون على نيتهم، وإن لم تصح صلاتهم، لقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم، فأخطأ فله أجر".
وأما الجواب عن حديث ابن مسعود ﵁، فمعناه أن النبي ﷺ صلى الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام، وصلى في هذا اليوم أول طلوع الفجر، ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير
هذا اليوم كان يؤخر عن طلوع الفجر قدر ما يتوضأ المحدث، ويغتسل الجنب، ونحوه، فقوله قبل ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير، والجواب عن قولهم: الإسفار يفيد كثرة الجماعة، ويتسع به وقت النافلة إن هذه الفائدة لا تلحق بفائدة فضيلة أول الوقت، ولهذا كان رسول الله ﷺ يُغَلِّس بالفجر. اهـ "المجموع" بتصرف يسير جـ ٣ ص ٥١ - ٥٤.
قال الجامع عفا الله عنه: في بعض هذه الأجوبة تعسف ظاهر، وأحسن الأجوبة عندي، وأولاها في الجمع بين الأحاديث جواب من أجاب بأن حديث الإسفار معناه مد القراءة إلى الإسفار، فيكون الدخول في القراءة في الغلس، والخروج في الإسفار.
стр. 4058
قال العلامة ابن القيم ﵀ بعد ذكر حدث رافع بن خديج ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دوامًا، لا ابتداء، فيدخل فيها مُغَلِّسًا، ويخرج مُسْفِرًا، كما كان يفعله ﷺ ، فقوله موافق لفعله، لا مناقض له، وكيف يُظَنُّ به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟ اهـ.
وهذا هو الذي اختاره الطحاوي في شرح معاني الآثار، وقد بسط الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول الله ﷺ ، وأصحابه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. اهـ (١).
وأصرح حديث يدل على هذا الجمع: ما يأتي للمصنف من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (٥٥٢)، وفيه " … ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر"، ولفظ أحمد في مسنده (٢) "والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر"، ففيه دلالة على أنه كان يدخل في الغلس، ويمد القراءة إلى أن يُسْفِرَ. والله أعلم، وبه التَوفيق، وعليه التكلان.
стр. 4059
والحاصل أن أرجح المذهبين في هذه المسألة مذهب جمهور العلماء وهو أن الأفضل التغليس، لقوة دليله، ولأنه واظب عليه النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر بعده، ولأن فيه العمل بالحديثين جميعًا، حيث يحمل
حديث الإسفار على مد القراءة حتى يسفر الصبح.
كما اعترف زعيم الحنفية الطحاوي رحمه الله تعالى كما مر آنفًا. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٤٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كُنَّ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، فَيَرْجِعْنَ، فَمَا يَعْرِفْهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) بن مخلد الحنظلي المروزي ثم النيسابوري، المعروف بابن راهويه، ثقة حافظ حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الهلالي مولاهم الكوفي، ثم المكي، ثقة فقيه حجة عابد، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر الإمام الحجة الفقيه
стр. 4060
المدني، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام الفقيه الحجة الثبت المدني، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، اتفقوا عليهم، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري، وسفيان فكوفي ثم مكي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن عروة.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: كُنَّ النساءُ) النساء بدل من الضمير، وهو الفصيح، ويحتمل أن يكون اسم كان على لغة أكلوني البراغيث، قال ابن مالك:
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أسْنِدَا … لاثْنَيْنِ أوْ جَمْعٍ كفَازَ الشُّهَدَا
وَقَدْ يُقَالُ: سَعِدَا، وسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ لِلظَاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
стр. 4061
وخبر كان قوله: (يصلين مع رسول الله ﷺ الصبح متلفعات) منصوب على الحال، وهو بعين مهملة بعد الفاء، أي متلففات، والتَّلَفُّعُ: التلفف، إلا أن فيه زيادة تغطية الرأس، فكل مُتَلَفِّعٍ متلفف، وليس كل متلفف متلفعًا، قاله في الزَّهْرِ، وتقدم مستوفى في الحديث السابق.
(بمروطهن) متعلق بمتلفعات، وهو جمع مِرْط، وهو الكساء، وأكثر ما يستعمل للنساء، وقال ابن فارس: هي ملْحَفَة يؤتزر بها، والأول أشهر، وقيل: المِرْط كساء من صوف مربع سَدَاهُ شعر. قاله في الزهر، وتقدم مستوفى أيضًا.
(فيرجعن) إلى بيوتهن.
(ما يعرفهن أحد من الغلس) أي لأجل الغلس، لا لأجل التلفع، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٤٦)، وفي "الكبرى" (١٥٢٧/ ١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنها.
стр. 4062
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وابن ماجه، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلهم عن ابن عيينة به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، به.
وبقية مباحث الحديث تقدمت في الحديث السابق. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، إليه أنيب.
стр. 4063
٢٦ - التَّغْلِيسُ فِي الْسَّفَرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التغليس بصلاة الصبح في حال السفر.
٥٤٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِغَلَسٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُمْ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، -مَرَّتَيْنِ- إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه تقدم في السند السابق.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزدي الوَاشِحِيُّ البصري، القاضي بمكة، ثقة إمام حافظ، توفي سنة ١٢٤، من [٩]، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجَهْضَمِيُّ، أبو إسماعيل
стр. 4064
البصري، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة ١٧٩، من كبار [٨]، تقدم في ٣/ ٣.
٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَاني، أبو محمد البصري، ثقة عابد، من [٤]، تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. وبالله تعالى التوفيق.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم بصريون، إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري.
ومنها: أن ثابتًا ممن لزم أنسًا أربعين سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) ﵁، أنه (قال: صلى رسول الله ﷺ ، يوم خيبر) أي يوم غزوة بلدة تسمى خيبر، وخيبر بلغة اليهود: الحصن، وقيل: أول من سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر، فسميت
به، وهي بلدة في جهة الشمال والشرق من المدينة النبوية على ستة مراحل، وكان لها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة
стр. 4065
والنضير، وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة، وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازيًا إلى خيبر،
ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، أفاده العيني في "عمدته" جـ ٤ ص ٨٤.
(صلاة الصبح بغَلَس) بفتحتين، هو ظلمة آخر الليل، والمراد به هنا أول طلوع الفجر، وهو محل الاستدلال للمصنف في مشروعية التغليس بصلاة الصبح في السفر.
(وهو قريب منهم) جملة في محل نصب على الحال من فاعل صلى، أي "صلى" حال كونه ﷺ قريبًا من أهل خيبر، أي في مكان قريب منهم.
(فأغار عليهم) أي هَجَم عليهم ديارهم، وأوقع بهم، قاله في المصباح.
(وقال) لَمَّا القوم خرجوا إلى أعمالهم بمكاتلهم ومساحيهم.
(الله أكبر) فيه مشروعية التكبير عند ملاقاة العدو.
(خربت) من باب تَعب، يقال: خَرِبَ المنزلُ، فهو خراب، ويتعدى بالهمزة، والتضعَيف، فيقال: أخْرَبْتُهُ، وخَرَّبته، وهو ضد العُمْرَان، وأما خَرَبَ، يَخْرُبُ، كقتل، يقتل، خِرَابَةً، بالكسر، إذا