وخبر كان قوله: (يصلين مع رسول الله ﷺ الصبح متلفعات) منصوب على الحال، وهو بعين مهملة بعد الفاء، أي متلففات، والتَّلَفُّعُ: التلفف، إلا أن فيه زيادة تغطية الرأس، فكل مُتَلَفِّعٍ متلفف، وليس كل متلفف متلفعًا، قاله في الزَّهْرِ، وتقدم مستوفى في الحديث السابق.
(بمروطهن) متعلق بمتلفعات، وهو جمع مِرْط، وهو الكساء، وأكثر ما يستعمل للنساء، وقال ابن فارس: هي ملْحَفَة يؤتزر بها، والأول أشهر، وقيل: المِرْط كساء من صوف مربع سَدَاهُ شعر. قاله في الزهر، وتقدم مستوفى أيضًا.
(فيرجعن) إلى بيوتهن.
(ما يعرفهن أحد من الغلس) أي لأجل الغلس، لا لأجل التلفع، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٤٦)، وفي "الكبرى" (١٥٢٧/ ١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنها.
стр. 4062
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وابن ماجه، فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلهم عن ابن عيينة به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، به.
وبقية مباحث الحديث تقدمت في الحديث السابق. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، إليه أنيب.
стр. 4063
٢٦ - التَّغْلِيسُ فِي الْسَّفَرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التغليس بصلاة الصبح في حال السفر.
٥٤٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِغَلَسٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُمْ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، -مَرَّتَيْنِ- إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه تقدم في السند السابق.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزدي الوَاشِحِيُّ البصري، القاضي بمكة، ثقة إمام حافظ، توفي سنة ١٢٤، من [٩]، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨.
٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجَهْضَمِيُّ، أبو إسماعيل
стр. 4064
البصري، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة ١٧٩، من كبار [٨]، تقدم في ٣/ ٣.
٤ - (ثابت) بن أسلم البُنَاني، أبو محمد البصري، ثقة عابد، من [٤]، تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. وبالله تعالى التوفيق.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، اتفقوا عليهم، وكلهم بصريون، إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري.
ومنها: أن ثابتًا ممن لزم أنسًا أربعين سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس) ﵁، أنه (قال: صلى رسول الله ﷺ ، يوم خيبر) أي يوم غزوة بلدة تسمى خيبر، وخيبر بلغة اليهود: الحصن، وقيل: أول من سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر، فسميت
به، وهي بلدة في جهة الشمال والشرق من المدينة النبوية على ستة مراحل، وكان لها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة
стр. 4065
والنضير، وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة، وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازيًا إلى خيبر،
ولم يبق من السنة السادسة إلا شهر وأيام، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، أفاده العيني في "عمدته" جـ ٤ ص ٨٤.
(صلاة الصبح بغَلَس) بفتحتين، هو ظلمة آخر الليل، والمراد به هنا أول طلوع الفجر، وهو محل الاستدلال للمصنف في مشروعية التغليس بصلاة الصبح في السفر.
(وهو قريب منهم) جملة في محل نصب على الحال من فاعل صلى، أي "صلى" حال كونه ﷺ قريبًا من أهل خيبر، أي في مكان قريب منهم.
(فأغار عليهم) أي هَجَم عليهم ديارهم، وأوقع بهم، قاله في المصباح.
(وقال) لَمَّا القوم خرجوا إلى أعمالهم بمكاتلهم ومساحيهم.
(الله أكبر) فيه مشروعية التكبير عند ملاقاة العدو.
(خربت) من باب تَعب، يقال: خَرِبَ المنزلُ، فهو خراب، ويتعدى بالهمزة، والتضعَيف، فيقال: أخْرَبْتُهُ، وخَرَّبته، وهو ضد العُمْرَان، وأما خَرَبَ، يَخْرُبُ، كقتل، يقتل، خِرَابَةً، بالكسر، إذا
стр. 4066
سرق، كما في المصباح، فلا يناسب هنا (خيبر) أي صارت خرابًا، وهذا يحتمل أنه قاله على سبيل الخبرية، فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب، ويحتمل أن يكون قاله على جهة الدعاء عليهم، أو على جهة التفاؤل لَمَّا رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، وذلك من آلات الهدم. ويجوز أن يكون أخذه من اسمها، وقيل: إن الله أعلمه بذلك.
ذكر نحوه العيني.
(مرتين) أي قال ذلك مرتين، وللبخاري "قالها ثلاثًا".
(إِنا إِذا نزلنا بساحة قوم) ساحة الدار: الموضع المتسع أمامها، والجمع سَاحَاتٌ، وسَاحٌ، مثل ساعة، وساعات، وساع. قاله في المصباح.
(فساء صباح المنذرين) أي بئس وقت القوم المنذرين، وصباح فاعل "ساء"، والمخصوص بالذم محذوف، أي صباحهم، ويحتمل أن يكون صباح مخصوصًا بالذم، والفاعل ضمير يعود إليه، والتمييز مقدر، أي ساء هو، أي صباحهم صباحًا (١)، وقال البيضاوي في تفسيره: أي فبئس صباح المنذرين صباحهم، واللام للجنس، والصباح
مستعار من صباح الجيش المُبَيِّت لوقت نزول العذاب، ولما كثر الهجوم، والغارة في الصباح سَمّوَا الغارة صباحًا، وإن كان في وقت آخر. اهـ.
وإنما قال: اللام للجنس، لأن ما بعد بئس ونعم يشترط أن يكون
стр. 4067
شائعًا، ليكون فيه التفسير بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، فلو كان "ساء" بمعنى قبح جاز كونها للعهد، أفاده الشهاب الخفاجي في حاشيته جـ ٧ ص ٢٩٢، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر، إذ الظاهر أن يقول: صباحهم، إيذانًا بكونهم مُنذَرِين، من قبلُ، أي بلغتهم دعوته، فعاندوا، فاستحقوا الإغارة عليهم. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٤٧)، وفي "الكبرى" (١٥٢٩)، وفي السير عن إسحاق ابن إبراهيم، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عنه، وفي "النكاح" (٣٣٨٠)، وفي "الوليمة" من "الكبرى" عن زياد بن أيوب، وفي "التفسير" من "الكبرى" عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عنه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه.
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن مسدد، وفي "المغازي" عن سليمان بن حرب، كلاهما
стр. 4068
عن حماد به، وفي "الصلاة" عن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، عن إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁.
وأخرجه مسلم في "النكاح"، وفي "المغازي" عن زهير بن حرب، عن ابن علية، به.
وأخرجه أبو داود في "الخراج" عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده.
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو مشروعية التغليس بصلاة الصبح في السفر.
ومنها: جواز الإغارة على العدو، ولكن هذا فيمن بلغتهم الدعوة، وأما قبلها فلا يجوز.
ومنها: مشروعية التكبير عند ملاقاة العدو، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4069
٢٧ - الإسْفَارُ
وفي نسخة "باب الإسفار".
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على استحباب الإسفار بصلاة الصبح.
وقد تقدم في الباب (٢٥) أن المختار في معنى الإسفار هو مد القراءة إلى أن يدخل وقت الإسفار، فيكون الدخول في الصلاة في الغلس، والخروج منها في الإسفار، جمعًا بين الأحاديث. والله أعلم.
٥٤٨ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ".
رجال الإسناد: سته
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامَة السرخسي، نزيل نيسابور ثقة مأمون سُنِّيّ، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (ابن عَجْلان) هو محمد بن عجلان المدني، صدوق، إلا أنه
стр. 4070
اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، توفي سنة ١٤٨، من [٥]، تقدم في ٣٦/ ٤٠.
٤ - (عاصم بن عمر بن قتادة) بن النعمان بن زيد بن عامر بن سَوَادَة بن كعب وهو ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الأنصاري الظفري، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر المدني، ثقة عالم بالمغازي، توفي بعد ١٢٠، من [٤].
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي. وقال ابن سعد: كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير، أمَرَهُ عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، فيحدث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، ففعل، وكان ثقة، كثير الحديث، عالمًا، توفي سنة ١٢٠، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: توفي سنة ١١٩، وقيل: توفي سنة ١٢٦، وقيل: سنة ١٢٧، وقيل: ١٢٩، وكناه ابن حبان أبا محمد. وقال البزار: ثقة مشهور. وقال عبد الحق في الأحكام: هو ثقة عند أبي زرعة، وابن معين، وقد ضعفه غيرهما، وقد رد ذلك عليه ابن القطان. وقال: بل هو ثقة عندهما، وعند غيرهما، ولا أعرف أحدًا ضعفه، ولا ذكره في الضعفاء. أخرج له الجماعة.
٥ - (محمود بن لَبِيد) بن عُقْبَةَ بن رافع بن امرئ القيس بن زيد ابن عبد الأشهل الأوسي الأنصاري الأشهلي، أبو نعيم المدني، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة. روى عن النبي ﷺ أحاديث، ولم تصح
стр. 4071
له رؤية، ولا سماع منه، وعن عمر، وعثمان، وشداد بن أوس، ورافع ابن خَدِيج، وقتادة بن النعمان، وأبي سعيد الخدري، وسلمة بن سلامة ابن وقش، وجابر، وعبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة، ورفيدة امرأة صحابية، وجماعة.
روى عنه الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وجعفر بن عبد الله ابن الحكم، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف، وحصين بن عبد الرحمن الأشهلي، وبكير بن الأشج، والمسيب بن عبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، فيمن ولد على عهد النبي ﷺ ، وقال: سمع من عمر، وتوفي بالمدينة سنة ٩٦، وكان ثقة قليل الحديث. قال الواقدي: مات، وهو ابن ٩٩ سنة، وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة ٩٧. وقال ابن أبي خيثمة تبعًا للهيثم بن عدي: مات في خلافة ابن الزبير، زاد ابن أبي خيثمة، وقد قيل: سنة ٩٦، قال الحافظ: على مقتضى قول الواقدي في سنه يكون له يوم موت النبي ﷺ ١٣ سنة، وهذا يقوي قول من أثبت الصحبة، وقد قال البخاري: قال أبو نعيم: حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد: "أسرع النبي ﷺ حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ"، وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، قال ابن عبد البر: قول البخاري أولى. يعني
стр. 4072
في إثبات صحبته، وكذا ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال الترمذي: رأى النبي ﷺ ، وهو غلام صغير. وفي "ت" صحابي صغير، وجُلُّ روايته عن الصحابة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم،
والأربعة.
٦ - (رافع بن خَدِيج) بن رافع بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري، صحابي جليل، أول مشاهده أحد، ثم الخندق، توفي سنة ٧٣ أو ٧٤، وقيل: قبل ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٢/ ١٥٥. وبالله تعالى التوفيق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فسرخسي ثم نيسابوري، ويحيى فبصري.
ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي، إن قلنا: إن محمودًا صحابي، وهو الراجح.
ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض؛ ابن عجلان، عن عاصم، عن محمود، إن قلنا: تابعي، وإلا ففيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن عاصمًا، ومحمودًا هذا الباب أول محل ذكرهما من
стр. 4073
الكتاب. والباقون تقدموا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن رافع بن خديج) ﵁، (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: "أسفروا بالفجر") أمر بالإسفار، أي صلوا صلاة الفجر إذا أضاء الفجر، وأشرق، قال الجزري في "النهاية": أسفر الصبح: إذا انكشف، وأضاء. وقال في المصباح: وأسفر الصبحُ إسفارًا: أضاء، وأسفر الوجهُ من ذلك: إذا علاه جَمَالٌ، وأسفر الرجلُ بالصلاة: صلاها في الإسفار. اهـ.
وزاد الترمذي من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رافع، "فإنه أعظم للأجر"، ولفظ أبي داود من طريق سفيان، عن ابن عجلان "أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم لأجوركم، أو "أعظم للأجر".
واستدل به من قال: باستحباب الإسفار بالفجر، وهو مذهب الحنفية، كما تقدم، وقد أجاب القائلون باستحباب التغليس عن هذا الحديث بأجوبة.
الأول: ما قاله البيهقي: إنه حديث مختلف في سنده ومتنه. وفيه نظر إذ الحديث صحيح لا يضر فيه الاختلاف، كما سيأتي.
الثاني: أنه محمول على تحقق طلوع الفجر بدليل أنه قد ثبت مداومة
стр. 4074
النبي ﷺ على التغليس حتى فارق الدنيا.
الثالث: أنه محمول على الليالي المُقْمِرَة التي يصبح القمر فيها موجودًا، فإنه قد يخفى فيها الفجر غالبًا.
الرابع: أنه محمول على الأمر بتطويل القراءة حتى يخرج من الصلاة مُسْفِرًا.
الخامس: أنه وقع منه ﷺ ، ثم كانت صلاته بالغلس حتى مات، كما أخرجه أبو داود من حديث أبي مسعود ﵁: "أنه ﷺ : أسفر بالفجر، ثم كانت صلاته بالغلس، حتى مات، لم يَعُدْ إلى أن يسفر".
قال الصنعاني ﵀: فيكون الفعل قرينة على صحة الأجوبة، والتأويل لحديث الإسفار.
السادس: أن أعظم بمعنى عظيم، من باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
قال الصنعاني ﵀: وأجاب ابن الهمام في شرح الهداية عن الثاني بأنه ليس بشيء، إذ ما لم يتبين لا يحكم بجواز الصلاة فيه، فضلًا عن إصابة الأجر المفاد بقوله: "فإنه أعظم للأجر"، وقد سبقه إلى هذا ابن دقيق العيد. وأجاب أيضًا الأخير بأن في بعض رواياته ما ينفيه، وهي رواية الطحاوي، وفيها "فكلما أسفرتم، فهو أعظم للأجر"، ثم
стр. 4075
ذكر إسناده إلى الطحاوي من حديث إبراهيم النخعي أنه اجتمع الصحابة على التنوير"، قال: وإسناده صحيح. ورَدّ الرابع بأن الإسفار بالفجر إيقاعها فيه، فإنه الذي يفيده اللفظ، فإنها اسم لمجموعها، فيلزم إدخال مجموعها فيه، ثم قال: فالأولى حمل التغليس في حديث الكتاب على غلس المسجد، لأن بيتها ﵂ كان فيه، وكان سقفه عريشًا، ونحن نشاهد الآن أنه يظن بقاء الغلس داخل المسجد، وصَحْنُهُ قد انتشر فيه ضوء الفجر، وهو الإسفار، وإنما وجب هذا الاعتبار لما وجب من ترجيح رواية الرجال، فإن الحال أكشف لهم في صلاة الجماعة، سيما ابن مسعود، وقد قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: المغرب، والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها"، مع أنه كان بعد الفجر، كما يفيده لفظ البخاري، "والفَجَرَ حينَ بَزغً الفجرُ"، فعلم أن المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه، لأنه غلس يومئذ. انتهى.
قال الصنعاني ﵀: أما التأويل بأن عائشة ﵂ ظنت شهود النساء بغلس، لكونها تحت سقف بيتها، فظاهر أكثر الروايات ينافيه، لقولها "ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ما يعرفهن أحد من الغلس"، واللفظ الآخر فيه، كما أسلفناه، فإنه ظاهر أن عدم معرفتهم لهن بعد الانقلاب في الأزِقَّةِ والطرقات، فلو كان انقلابهن
بعد الإسفار لعُرِفْنَ فيها، ويبعد أن عائشة عبرت عن ظنها أنه غلس،
стр. 4076
ويفرع عليه أن تخبر بأنهن لا يعرفن، وإن أريد أنها أرادت لا يعرفن في المسجد من الغلس الذي توهمته لبقائها تحت سقف بيتها، فيبعده قولها: "ثم ينقلبن إلى بيوتهن، لا يعرفهن أحد"، فإنه ظاهر في استمرار عدم معرفة إحداهن حتى يدخلن بيوتهن.
وأما قوله: لَمَّا وَجَبَ من ترجيح رواية الرجال، وذكر أثر ابن مسعود، فيقال عليه: قد ثبتت رواية الغلس من رواية الرجال، فقد أخرجها الشيخان من رواية جابر بن عبد الله، قال: "والصبحُ كان النبي ﷺ يصليها بغلس"، وقد تقدم من حديث أبي مسعود عند أبي داود، وفيه أن صلاته ﷺ كانت بالغلس، حتى مات، بعد وقوع الإسفار منه في بعض الأحيان، فالواجب صرف قوله في حديث ابن مسعود: "قبل ميقاتها" إلى أن المراد أنه بالغ في صلاة الفجر في جمع في التغليس الذي كان يعتاد الصلاة فيه، ليوافق حديثه حديث أبي داود، فيجتمع الحديثان، فقد كان يتراخى ﷺ قليلًا بعد الأذان رَيْثَمَا يَقضِي الرجلُ حاجته، ويتوضأ، أخرجه أبو الشيخ في الأذان عن سلمان وأبي هريرة، وابنُ أحمد بن حنبل في زوائده عن أبي ذر، ويدل له ما في رواية البخاري حيث قال: "والفجرَ حين بَزَغَ الفجرُ".
على أن رواية "أسفروا بالفجر" لا أكْشَفِيَّةَ فيها في أن صلواتهم كانت بالإسفار، إذ هو حكاية قول الإخبار عن إيقاعها في الإسفار، وحديث عائشة خبر عن إيقاعها، فلا معارضة بينهما، ولو حملناه على ما قاله
стр. 4077
ابن الهمام لأبطلنا حديث أبي داود، وأما ما ذكره من رواية الطحاوي وأن لفظها ينفي تأويل أعظم بعظيم فغير واضح، إذ التأويل جار فيها، واجتماع الصحابة الذي رواه النخعي يُحمَل على ظهور الفجر، لا على الإسفار، ليوافق ما سلف، ولفظ التنوير يحتمل ما ذكرناه. اهـ "العدة" جـ ٢ ص ١٧ - ١٩.
قال الجامع عفا الله عنه: الأولى في معنى ما نُقِلَ عن إبراهيم من اجتماع الصحابة على التنوير أن يقال: هو تطويل الصلاة مبتدءًا بالغلس، ومدها إلى إضاءة الإسفار، فالتنوير بها هو التطويل إلى اتضاح النور، وقد تقدم في "باب التغليس في الحضر" أن أولى ما يجمع به بين الأحاديث في هذا الباب هو حمل الإسفار على مد الصلاة إلى الإسفار، مبتدءًا بالغلس فتفطن. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث رافع بن خَدِيج ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٤٨)، وفي "الكبرى" (١٥٣٠/ ١) عن عُبَيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، عنه.
стр. 4078
وفي (٥٤٩)، وفي "الكبرى" (١٥٣١)، عن إبراهيم بن يعقوب، عن ابن أبي مريم، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد، عن رجال من قومه من الأنصار أن النبي ﷺ … والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن إسحاق بن إسماعيل الطَّالَقَاني، عن سفيان بن عيينة، عن ابن عَجْلان، به.
وأخرجه الترمذي فيه عن هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عن عَبْدَة بن سليمان، عن ابن إسحاق، عن عاصم به.
وقال: حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح، عن سفيان به.
وأخرجه أحمد، والطحاوي، وابن حبان، والطبراني، والدارمي، وابن أبي شيبة.
قال الجامع عفا الله عنه: وبقية مباحث الحديث تعرف مما سبق، فلا حاجة إلى إعادتها فارجع إليها -إن شئت- تزدد علمًا. والله أعلم ومنه الإعانة والتوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٤٩ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ
стр. 4079
رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْفَرْتُمْ بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ بِالأَجْرِ".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (إِبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الجُوزَجَانِى، نزيل دمشق، ثقة حافظ رُمِيَ بالنصب، توفي سنة ٢٥٩، من [١١]، تقدم في ١٢٢/ ١٧٤.
٢ - (ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحَكَم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجُمَحي بالولاء، أبو محمد المصري، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة ٢٢٤، وله ٨٠ سنة، من كبار [١٠].
قال أبو داود: ابن أبي مريم عندي حجة. وقال الحسين بن الحسن الرازي: سألت أحمد عمن أكتب بمصر؟ فقال: عن ابن أبي مريم. وقال العجلي: كان عاقلًا، لم أر بمصر أعقل منه، ومن عبد الله بن الحكم. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال ابن يونس: كان فقيهًا، ولد سنة ١٤٤، ومات سنة ٢٢٤، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين: ثقة
من الثقات. وقال الحكم عن الدارقطني: قال النسائي: سعيد بن عُفَير صالح، وسعيد بن الحكم لا بأس به، وهو أحب إليّ من ابن عفير. أخرج له الجماعة.
٣ - (أبو غَسَّان) محمد بن مُطَرِّف بن داود الليثي، المدني، نزيل عسقلان، أحد العلماء الأثبات، ثقة، توفي بعد سنة ١٦٠، من [٧]،
стр. 4080
قال علي بن السراج: كان من أهل وادي القرى، قدم بغداد أيام المهدي، ووثقه يزيد بن هارون، وأحمد، وأبو حاتم، والجُوزجاني، ويعقوب بن شيبة. وقال أبو حاتم أيضًا: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ذكره أحمد، فجعل يثني عليه. وقال ابن الغلابي عن ابن معين: شيخ ثقة ثبت. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة. وقال إسحاق بن
منصور عن ابن معين: أرجو أن يكون ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال أبو داود، والنسائي. وقال ابن المثنى: كان شيخًا صالحًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يُغْرِب. أخرج له الجماعة.
٤ - (زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم، يرسل، توفي سنة ١٠٦، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠.
وأما عاصم، ومحمود بن لبيد فتقدما في الإسناد السابق. وشيوخ محمود لم يذكروا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته. وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم مدنيون، إلا شيخه فجوزجاني، دمشقي، وابن أبي مريم، فمصري.
ومنها: أن شيوخ محمود بن لبيد مجهولون، ولكن لا يضر جهالتهم، لأنهم صحابة، من الأنصار، وقد تقدم عن طريق ابن
стр. 4081
عجلان تسمية بعضهم، وهو رافع بن خديج الأنصاري. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن محمود بن لبيد) الأنصاري المدني (عن رجال من قومه) بيان لرجال (من الأنصار) بدل من الجار والمجرور قبله.
(أن رسول الله ﷺ قال: "ما أسفرتم بالفجر)، "ما" شرطية، و"أسفرتم" في محل جزم فعل شرطها، و"بالفجر" متعلق به، وتقدم معنى الإسفار، واختلاف العلماء فيه، وجواب الشرط جملة قوله (فإِنه
أعظم بالأجر) هكذا في بعض النسخ بالباء، وفي بعضها "للأجر" باللام، وهي واضحة، فتكون الأولى: بمعناها.
قال الجامع: هذا الحديث من أفراد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وهو صحيح الإسناد، وأخرجه الطبراني، وأحمد، والطحاوي (١).
وقد تقدم ما يتعلق به من المباحث في الحديث الذي قبله، فإن شئت فارجع إليه تزدد علمًا، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4082
٢٨ - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم من أدرك ركعة من صلاة الصبح.
٥٥٠ - أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وَمَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا".
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إبراهيم بن محمد) بن عبد الله بن عُبَيد الله بن مَعْمَرٍ التيمي المَعْمَري، أبو إسحاق البصري قاضيها، ثقة، من [١١].
قال أحمد: ما بلغني عنه إلا الجميل. وقال النسائي والدارقطني: ثقة. وقال محمد بن خَلَفٍ وَكِيعٌ (١): وليَ قضاءَ البصرة سنة ٢٣٩، ومات في ذي الحجة سنة ٢٥٠، وهو على القضاء. وذكر أحمد بن
стр. 4083
كامل أنه كان -وهو قاض- يَعْمَلُ في بُسْتَانه بِمِسْحاة، فإذا جاء الخصمان نظر في أمرهما، ثم عاد إلى حاله، وكان رَجلًا صالحًا. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له أبو داود، والمصنف.
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٤ - (عبد الله بن سعيد) بن أبي هِند الفزاري مولاهم، أبو بكر المدني، صدوق رُبَّما وَهِمَ، من [٦].
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال أبو بكر بن خلاد الباهلي: سألت يحيى بن سعيد عنه؟ فقال: كان صالحًا يعرف وينكر. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. روى عنه يحيى، ولم يرفعه كما رفع غيره، وَرَوى عنه مالك كلامًا. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال يخطئ. قال البخاري عن مكي بن إبراهيم: سمعت منه سنة ١٤٤، وقال أحمد، عن مكي: سمعت منه سنة ٤٧، وذكر ابن حبان أنه مات فيها. وقال ابن سَعْدٍ: كان كثير الحديث، مات سنة ١٤٦ أو ١٤٧، وكذا أرخه ابن أبي خيثمة، قال: فيما بلغني. وقال
стр. 4084
العجلي ويعقوب وسفيان (١): مدني ثقة. وقال ابن خلفون: وثقه ابن المديني وابن البرقي. أخرج له الجماعة.
٥ - (عبد الرحمن الأعرج) بن هُرْمُز المدني أبو داود ثقة ثبت عالم، من [٣]، تقدم في ٧/ ٧.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله موثقون اتفقوا عليهم، إلا شيخه إبراهيم، فمن أفراده هو وأبي داود.
ومنها: أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقون مدنيون.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، روى ٥٣٧٤ حديثًا.
ومنها: أن قوله واللفظ له: أي لفظ الحديث الذي ساقه هنا لمحمد ابن المثنى، وأما إبراهيم فرواه بالمعنى. والله أعلم.
شرح الحديت
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ) أنه (قال: من أدرك) "من" شرطية، مبتدأ في محل رفع، جوابها قوله "فقد أدركها"
стр. 4085
وهو الخبر، على بعض الأقوال، أو هو دليل الخبر، وقيل: غير ذلك.
(سجدة) أي ركعة، إطلاقًا للبعض على الكل، أو سميت الركعة سجدة لإتمامها بها، قاله القاري (من) صلاة (الصبح، قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها) أي أدرك حكمها، فليتم ما بقي، وليس المراد أن ما أدركه من الركعة يكفيه عن الإتمام، وهذا بالإجماع، فيحمل على معنى أنه أدرك الوقت، فإذا صلى ركعة أخرى فقد كملت صلاته، وقد صرح بذلك كما في الفتح في رواية الدَّراَوَرْدِيّ عن زيد بن أسلم.
أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعد ما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة"، وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة بلفظ "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس، فلم يفته العصر"، وقال مثل ذلك في الصبح.
وللبخاري من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة "فليتم صلاته"، وللنسائي من وجه آخر "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته"، وللبيهقي من وجه آخر "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليصل إليها أخرى".
أفاده في "الفتح" جـ ٢ ص ٦٧، ٦٨.
(ومن أدرك سجدة من) صلاة (العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدركها) أي أدرك حكم صلاة العصر، فليتم ما بقي.
стр. 4086
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ﵁ من هذا الوجه من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في تحفته جـ ١٠ ص ٢١٠ وهو حديث صحيح أخرجه هنا (٥٥٠)، وفي الكبرى (١٥٣٥/ ٣) بهذا السند، وقد تقدم ما يتعلق به من الفوائد، وبيان مذاهب العلماء بأدلتها، وترجيح الراجح منها بدليله في باب من أدرك ركعتين من العصر، مستوفى، فارجع إليه إن شئت تستفد علمًا. والله تعالى أعلم. وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٥١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا".
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد، توفي سنة ٢٤٥، من [١١]، تقدم في ٩٣/ ١١٤.
٢ - (زكريا بن عدي) بن زريق بن إسماعيل، ويقال: ابن عدي
стр. 4087
ابن الصلت بن بسطام التيمي، أبو يحيى الكوفي، نزيل بغداد، ثقة جليل يحفظ، من كبار [١٠].
قال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: لا بأس به. وقال ابن الجنيد. قيل لابن معين: ذكر لأبي نعيم حديث عن زكريا بن عدي، فقال: ماله وللحديث؟ ذاك بالتوراة أعلم، فقال ابن معين: كان زكريا ابن عدي لا بأس به، وكان أبوه يهوديًا فأسلم. وقال العجلي: كوفي ثقة رجل صالح، وأخوه يوسف ثقة، وزكريا أرفع منه، كان متقشفًا حسن الهيئة، له نفس. وقال المنذر بن شاذان: ما رأيت أحفظ منه، جاءه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقالا له: أخرج إلينا كتاب عبيد الله بن عمر، فقال: ما تصنعون بالكتاب، خذوا حتى أملي عليكم كله، وكان يحدث عن عدة من أصحاب الأعمش، فيميز ألفاظهم. وقال عباس الدوري: حدثنا زكريا بن عدي، كان من خيار خلق الله. وقال ابن خراش: ثقة جليل، ورع. وقال ابن سعد: توفي ببغداد في جمادى الأولى سنة ٢١١، كان رجلًا صالحًا، ثقة صدوقًا، كثير الحديث.
وقال مطين، وإسماعيل بن أبي الحارث: مات سنة ٢١٢، زاد إسماعيل، وابن حبان يوم الخميس ليومين مضيا من جمادى الآخرة.
أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في "المراسيل"،
стр. 4088
والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٣ - (ابن المبارك) عبد الله الإمام الجليل المروزي، ثقة حجة ثبت، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٤ - (يونس بن يزيد) الأيلي أبو يزيد، ثقة من كبار [٧]، تقدم في ٩/ ٩.
٥ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة، رأس [٤]، تقدم في ١/ ١.
٦ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه، وزكريا فأخرج له أبو داود في "المراسيل".
ومنها: أنهم ما بين نيسابوري وهو شيخه، وكوفي ثم بغدادي وهو زكريا، ومروزي وهو ابن البارك، وأيلي وهو يونس، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة،
стр. 4089
وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الإسناد
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٥١)، وفي "الكبرى" (١٥٣٣/ ١)، عن محمد بن رافع، عن زكريا بن عدي، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عنها. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي طاهر ابن السرح، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب، وعن الحسن بن الربيع، عن ابن المبارك، كلاهما عن يونس به.
وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن أبي طاهر، وحرملة، به.
قال الجامع عفا الله عنه: أما شرح الحديث، وسائر متعلقاته فتعرف مما تقدم، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادتها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4090
٢٩ - آخِرُ وَقْتِ الصُّبْحِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على آخر وقت صلاة الصبح.
والظاهر أنه أراد آخر الوقت الذي يمد إليه ﷺ الصلاة، وإلا فآخر وقت الجواز طلوع الشمس لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا "ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس". رواه مسلم ولحديث الباب الماضي "من أدرك ركعة من الفجر" … الحديث فتنبه. والله تعالى أعلم.
٥٥٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي صَدَقَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ بَيْنَ صَلَاتَيْكُمْ هَاتَيْنِ، وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ قَالَ عَلَى إِثْرِهِ: وَيُصَلِّي الصُّبْحَ إِلَى أَنْ يَنْفَسِحَ الْبَصَرُ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري، أبو مسعود البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨، من [١٠]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
стр. 4091
٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٥/ ٥.
٣ - (خالد) بن الحارث بن عُبَيد بن سُلَيم الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٤ - (شعبة) بن الحجاج العَتكي مولاهم الواسطي، ثم البصري ثقة ثبت حجة، توفي سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٥ - (أبو صدقة) الأنصاري، اسمه توبة، مولى أنس البصري، ثقة (١)، من [٥].
روى عن أنس هذا الحديث، وعنه شعبة، ومعاوية بن صالح، وأبو نعيم، ووكيع.
روى له المصنف هذا الحديث الواحد، وقال أبو الفتح الأزدي: لا يحتج به. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبي، بل هو ثقة، روى عنه شعبة، يعني وروايته عنه توثيق له.
قال الجامع: بل أثنى عليه شعبة، ففي "مسند أحمد" جـ ٣ ص ١٦٩
стр. 4092
قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي، ثنا حجاج، حدثني شعبة، عن أبي صدقة مولى أنس، وأثنى عليه شعبة خيرًا، قال: سألت أنسًا عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يصلي الظهر … ". فثبت بهذا أن شعبة زكاه قولًا أيضًا، وليس مجرد الرواية فقط.
وأما قول الشيخ الألباني: ذكره ابن حبان، وسمى أباه كيسان الباهلي، وقال: روى عنه شعبة، ومطيع بن راشد. اهـ. فهو خطأ، فإن هذا رجل آخر، وهو أبو المُوَرعّ العنبري، جد العباس بن عبد العظيم ولم يترجم ابن حبان لأبي صدقة أصلًا، وانظر تهذيب التهذيب جـ ١ ص ٥١٥ - ٥١٦ فقد ترجم للاثنين فتنبه.
٦ - (أنس بن مالك) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا أبا صدقة فمختلف فيه؛ لكن تابعه فيه بيان بن بشر كما يأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن فيه أنسًا أحد المكثرين السبعة، روى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة، توفي سنة ٩٢ أو ٩٣ وقد جاوز ١٠٠ سنة. والله تعالى أعلم.
стр. 4093
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر إِذا زالت الشمس) عن بطن السماء (ويصلي العصر بين صلاتيكم هاتين) يعني الظهر والعصر، ففي رواية السراج: "وكان
يصلي العصر بين صلاتيهم: الظهر والعصر". يعني أنه كان يصلي العصر بين ظهركم وعصركم، وأراد به أنه ﷺ كان يُعَجِّل، وأنهم يؤخرون.
وقد تقدم في باب تعجيل العصر ٨/ ٥٠٩ عن أبي أمامة بن سهل، قال: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا، حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر، قلت: يا عم: ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي" ٥٠٩.
(ويصلي المغرب إِذا غربت الشمس، ويصلي العشاء إِذا غاب الشفق) يعني الأحمر (ثم قال) أنس (على أثره) بفتحتين، أو بكسر، فسكون، يقال: وجئت في أثره، وأثره: أي تبعته. قاله في المصباح، أي قال بعد الكلام السابق بغير فصل.
(ويصلي الصبح إِلى أن ينفسح البصر) الجملة مقول القول أي كان ﷺ يصلي الصبح، ويمده إلى أن ينفسح البصر، فالجار والمجرور يتعلق بمحذوف، كما قدرناه.
стр. 4094
ويوضح هذا المعنى ما في رواية أحمد "والصبح إذا طلع الفجر، إلى أن ينفسح البصر". والله تعالى أعلم.
تنبيه:
وقع في بعض نسخ "الكبرى": "ولا يصلي الفجر إلى أن ينفسح البصر"، بزيادة "لا"، وأظنه غلطًا لأنها مخالفة لما وقع في الكتب التي أخرجت الحديث كالمجتبى، ومسند أحمد وغيرهما، وقد أشار محقق "السنن الكبرى" أنه وقع في النسخة المغربية من الكبرى "ويصلي" فوافقت الجميع.
ومعنى: "ينفسح البصر": يتسمع نظره، يقال: انفسح طرفه: إذا لم يَرُدُّهُ شيء عن بُعْدِ النظر. أفاده في "اللسان". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٥٢) عن إسماعيل بن مسعود، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن خالد بن الحارث، وفي "الكبرى" (١٥٣٢) عن محمد بن عبد الأعلى وحده، عن خالد، عن شعبة، عن أبي صدقة، عنه.
стр. 4095
وفيه (في ١٥٠٩) عن إسماعيل وحده عن خالد به مختصرًا.
وهو من أفراده من بين الستة، كما أشار إليه الحافظ المزي في تحفته جـ ١ ص ١٠٣.
وأخرجه أحمد في "مسنده" جـ ٣ ص ١٢٩، ١٦٩.
وأخرجه السراج في "مسنده"، قال. حدثنا عبيد الله بن جرير، ثنا أمية بن بسطام، ثنا معتمر، ثنا بيان، عن أنس "أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر عند دلوكها، وكان يصلي العصر بين صلاتيهم: الظهر، والعصر، وكان يصلي المغرب عند غيوبها، وكان يصلي العشاء -وهي التي يدعونها العتمة- إذا غاب الشفق، وكان يصلي الغداة إذا طلع الفجر حين ينفسح البصر فيما بين ذلك صلاته".
قال الشيخ الألباني. وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين غير عبيد الله بن جرير، وهو أبو العباس العتكي البصري، وثقه الخطيب البغدادي، وبهذا الطريق كما قال الهيثمي رواه أبو يعلى، وإسناده حسن. أفاده في "الإرواء" جـ ١ ص ٢٨١.
قال الجامع: وسائر متعلقات الحديث تعلم مما سبق، فلا حاجة إلى إعادتها. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4096
٣٠ - بَابُ مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم من أدرك ركعة من الصلاة في الوقت.
والظاهر من تبويب المصنف أن أحاديث الباب المطلقة على إطلاقها، لا تُقَيَّد بما تقدم من تخصيص العصر والفجر، فيستفاد منها أن من أدرك ركعة من أيِّ صلاة فقد أدرك حكمها. والله أعلم.
٥٥٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة حجة فقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة حجة فقيه، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
стр. 4097
٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وكلهم مدنيون، إلا شيخه، فَبَغْلاني، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك من الصلاة ركعة") "من" شرطية، "ومن الصلاة" بيان لركعة، قدم عليه، فيعرب حالًا، و"ركعة" نصب على المفعولية.
ثم إن الظاهر أن هذا أعم مما تقدم من حديث أبي هريرة ﵁ (٥١٥) "من أدرك ركعة من العصر … " الحديث، ولهذا أفرده المصنف ﵀ بباب خاص إشارة إلى أن المقصود منه عمومه، وقال الحافظ ﵀: ويحتمل أن تكون اللام عهدية، فيتحدان، ويؤيده
стр. 4098
أن كلًا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا مطلق، وذاك مقيد، فيحمل المطلق على المقيد. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأولى، على ظاهر عمل المصنف، وكذا البخاري، فقد عقد لكلٍ من المطلق والمقيد بابًا خاصًا إشارة إلى أن كلًا منهما مقصود، ولا داعي لحمل المطلق على المقيد، فمن أدرك ركعة من الصلاة، أيَّ صلاة كانت، فقد أدركها.
قال الكرماني ﵀: وفي الحديث، أن من دخل في الصلاة فصلى ركعة، وخرج الوقت، كان مدركًا لجميعها، وتكون كلها أداء، وهو الصحيح. اهـ.
وقال التيمي: معناه من أدرك مع الإمام ركعة، فقد أدرك فضل الجماعة، وقيل: المراد بالصلاة الجمعة، وقيل: غير ذلك. قاله في الفتح جـ ٢ ص ٦٩.
قال الجامع: لفظ الحديث عام يشمل كل المعاني فالحمل على العموم أولى.
وقوله: (فقد أدرك الصلاة) جواب "من". قال في الفتح: ليس على ظاهره بالإجماع، لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركًا لجميع
стр. 4099
الصلاة، بحيث تحصل براءة ذمته من الصلاة، فَإذًا فيه إضمار تقديره: فقد أدرك وقت الصلاة، أو حكم الصلاة، أو نحو ذلك، ويلزمه إتمام بقيتها.
ومفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركًا لها، وهو الذي استقر عليه الاتفاق، وكان فيه شذوذ قديم، منها أن إدراك الإمام راكعًا يجزئ، ولو لم يدرك معه الركوع، وقيل: يدرك الركعة ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقية من ائتم به رؤوسهم، ولو بقي واحد، وعن الثوري، وزفر: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع أدرك الركعة، وعن أبي العالية: إذا أدرك السجود أكمل بقية الركعة معهم، ثم يقوم فيركع فقط، وتجزيه. اهـ فتح.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال التي ذكرها من أن إدراك الإمام راكعًا يجزئ، ولو لم يدرك معه الركوع، والأقوال التي بعده كلها أقوال لا أثارة عليها من علم، بل الراجح أن من فاتته الفاتحة يلزمه قضاء تلك الركعة، وإن أدرك الركوع مع الإمام، لحديث "وما فاتكم فاقضوا"، وهذا قد فاتته الفاتحة وسيأتي تحقيق المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، ومنه الإعانة، وعليه
стр. 4100
التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ من طريق أبي سلمة متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٥٣)، وفي "الكبرى" (١٥٣٧/ ٢) عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عنه به. وفي (٥٥٤)، وفي "الكبرى" (١٥٣٦/ ٢) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري به. وفي (٥٥٥)، و"الكبرى" (١٥٣٨) عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد، عن هشام العطار، عن إسماعيل بن
سماعة، عن موسى بن أعين، عن الأوزاعي، عن أبي سلمة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن أبي كريب، عن ابن المبارك، عن معمر، ومالك، ويونس، والأوزاعي، أربعتهم، عن الزهري به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به. والله تعالى أعلم.