وقد وضع الحافظ ابن حجر على أطراف المزي حاشية لطيفة سماها النكت الظراف في معرفة الأطراف جمع فيه أوهام المزي، وقد تقدم البحث في الأطراف عند ذكر عناية العلماء بالسنن الكبرى، وإنما أعدته لأجل استيفاء عنايتهم بالصغرى.
وأما قسم الرجال فقد اعتنوا به أيضا أكثر من الأطراف، فمن أهمها:
١ - الكمال في معرفة الرجال، لعبد الغني بن عبد الواحد بن سُرُور الجماعيلي المقدسي الحافظ الزاهد -٥٤١/ ٦٠٠ - هـ وقد اشتمل كتابه على رجال الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال ابن رجب: يقع في عشر مجلدات.
٢ - المعجم المشتمل على أسماء الشيوخ النبل، لأبي القاسم ابن عساكر المتقدم ذكره.
٣ - التقييد، لمعرفة السنن والمسانيد للحافظ محمَّد بن عبد الغني بن أبي بكر، معين الدين، ابن نقطة الحنبلي ت ٦٢٩ هـ جمع فيه كل من علمه روى شيئا في الكتب الستة، والموطأ، وصحيح ابن حبان، وكتب السير والتاريخ وغيرها. وقد ذيل عليه محمَّد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي المالكي (ت ٨٣٢ هـ).
٤ - كتاب رجال العشرة للحافظ الثقة أبي إسحاق الصَّريفينيّ تقي الدين إبراهيم بن محمَّد (ت ٦٤١ هـ) ذكره السخاوي في الإعلان، بالتوبيخ ص ١١٧. والحافظ في تعجيل المنفعة ص ١٩، وغيرهما.
٥ - الكمال في أسماء الرجال لابن النجار محمَّد بن محمود البغدادي صاحب تاريخ بغداد (ت ٦٤٣) وقد جمع فيه رجال الكتب الستة.
٦ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ أبي الحجاج المزي،
стр. 72
هذب فيه كتاب المقدسي المتقدم، ورتب تهذيبه علي حروف المعجم، ثم ذكر أسماء النساء، واستدرك عليه، ما فاته الحافظ علاء الدين مغلطاي (ت ٧٦٢) وسماه إكمال التهذيب. وقد اختصر التهذيب، وأضاف عليه محمَّد بن علي الحسيني.
٧ - تذهيب تهذيب الكمال للحافظ شمس الدين الذهبي اختصر فيه تهذيب الكمال، ثم اختصره في كتاب آخر سماه الكاشف عن رجال الكتب الستة واقتصر فيه على من له رواية، ووضع لهم رموزا.
٨ - رجال السنن الأريعة للهكاري أحمد بن الحسن بن موسى (ت ٧٦٣).
٩ - التذكرة، برجال العشرة، للحافظ محمَّد بن علي بن حمزة
الحسيني الدمشقي (ت ٧٦٥) جمع فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه الموطأ، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، ومسند أبي حنيفة الذي
خرجه الحسين بن محمَّد بن خسرو، واقتصر على من في الكتب الستة دون من أخرج لهم مصنفوها في مصنفاتهم الأخرى.
١٠ - تهذيب التهذيب، للحافظ أبي الفضل، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، لخص فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه فوائد كثيرة من الذين استَدْركُوا، أو اختَصروا قبله خصوصا مغلطاي، وهو من أوسع المراجع في الرجال.
١١ - مختصره تقريب التهذيب وسيأتي الكلام عليه.
١٢ - خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري، ألفه سنة ٩٢٣ وهو مختصر لتذهيب الذهبي، وزاد عليه فوائد من غيره. وهو نافع في هذا الموضوع على وجازة فيه.
стр. 73
١٣ - رجال الكتب الستة لمحمد بن أحمد بن عيسى بن حجاج اللخمي الإشبيلي (ت ٦٥٤) قال عنه ابن عبد الملك المراكشي: مُعَرِّفُ أحوالهم وتواريخهم، وما ينبغي أن يذكروا به، فجاء من أعظم ما ألف في بابه جَدْوَى، وأغزره فَوَائدَ، على اختصاره النبيل، يكون في خمسة أسفار متوسطة.
١٤ - شيوخُ أبي داود، والترمذي، والنسوي، وغيرهم للإمام محمَّد بن إسماعيل بن خلفون الأونبي (ت ٦٣٦) قال المراكشي: أربع مجلدات.
١٥ - وللإمام الحافظ محدث الأندلس أبي محمَّد عبد الله بن سليمان الأنصاري الحارثي (ت ٦١٢) كتابٌ ذُكر فيه شيوخ لكنه لم يكمل وكان كثير الأسفار فضاعت الأصول.
وأما الكناية الخاصة بسنن النسائي فقط: فعلى قسمين:
القسم الأول: العناية بالرجال:
١ - فأول من اعتني برجال النسائي كما قاله المحقق هو أبو عبد الله بن محمَّد بن أسد الجهني الأندلسي، وقد تلقَّى السنن عن تلاميذ النسائي الأندلسيين، وله تسمية شيوخ النسائي، والظاهر أنه مبني على الكبرى لأنه رواها عن تلاميذ المصنف.
٢ - وتبعه على ذلك أبو علي الحسين بن محمَّد الجياني (٤٢٧ - ٤٩٨) الحافظ الإمام المثبت محدث الأندلس فصنع كتاب شيوخ النسائي، ولانعلم كيف بناه.
٣ - رجال النسائي لأبي محمَّد الدَّوْرقي فإنه أفرد لكل من رجال النسائي، والترمذي كتاب منفردا، كما قاله الكتاني في الرسالة المستطرفة ص ٢١٨.
стр. 74
٤ - شيوخ النسائي في سفر، لأبي بكر محمَّد بن إسماعيل بن خلفون المتقدم، ذكر له كتابه هذا أبو الحسن الرعيني الإشبيلي (ت ٦٣٦) في برنامج الشيوخ.
القسم الثاني: الشروح:
١ - أقدم من شرح سنن النسائي أبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد (٤٣٦ - ٥٦٣)، وَوُصف شرحه بأنه حَفيل للغاية، ولكنا لانعلم عن وجود هذا الشرح شيئًا.
٢ - وشرحه معاصر له، وهو أبو الحسن علي بن عبد الله بن النعمة
(ت ٥٦٧). وسماه الإمعان في شرح مصنف النسائي أبي عبد الرحمن، قال ابن الأبَّار: كان عالما حافظا للفقه، والتفسير ومعاني الآثار، مقدما في علم اللسان، فصيحا مفوَّهًا، ورعًا، فاضلا، دمث الأخلاق قال المراكشي: بلغ فيه الغاية من الاحتفال وحشد الأقوال، وما أرى أن أحدا تقدمه في شرح كتاب، حديثي إلى مثله توسعا في فنون العلم وإكثارا من فوائده.
ولا يعلم له وجود، ولا كيف بناه أعلى الصغرى أم على الكبرى؟.
٣ - شرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن المُلَقن الشافعي (ت ٨٠٤) ولكنه شرح زوائده على الصحيحين وأبي داود والترمذي وغالب الظن أنه على المجتبى.
٤ - زهر الربى على المجتبى لجلال الدين السيوطي (٩١١) تعليقة لطيفة حل فيها بعض ألفاظه ولم يتعرض بشيء للأسانيد، وقد طبع مع المجتبى مرارًا، ولهذه التعليقة مختصر باسم: عَرف زهر الربى لعلي بن سليمان الدمناتي الباجمعاوي المغربي (ت ١٣٠٦) وقد طبع بالقاهرة سنة ١٢٩٩ هـ.
стр. 75
٥ - حاشية لأبي الحسن محمَّد بن عبد اللهادي السندي (ت ١١٣٦) بالمدينة مطبوعة مع زهر الربى، وهي أبسط من تعليق السيوطي في بعض المواضع.
٦ - مختصر لبعضهم التقط فيه رباعيات النسائي.
٧ - تأليف لأبي عبد الرحمن محمَّد بنجابي ومحمد عبد اللطيف، طبع في دلهي مع شرح مجمع من السيوطي والسندي وغيرهما.
٨ - روض الربي عن ترجمة المجتبى تأليف مولاي وحيد الزمان طبع في لاهور مع ترجمة هندوستانية.
٩ - وفي طبقات الحُفَّاظ للسيوطي ص ٥٣٣ أن الحافظ شمس الدين أبا المحاسن محمَّد بن علي بن الحسن بن حمزة الدمشقي، شَرَعَ في شرح سنن النسائي.
هذا خلاصة ما كتبه المحقق شكر الله تعالى سعيه في هذا الموضوع ببعض تصرف.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 76
المسألة الخامسة عشرة في ذكر رسالة الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى
المسماة "بغية الراغب المتمني، في ختم النسائي برواية ابن السني" اعلم أنه بعد كتابتي لمقدمة هذا الشرح بمدة مَنَّ الله تعالى عليَّ برسالة الحافظ شمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن السخاوي (١)، وقد حققها بعض الأفاضل (٢) جزاه الله خيرا، فأحببت إيرادها هنا بنصها لما تضمنته من التحقيقات المنيفة، والنكات الظريفة، مما يكمل ما سبق لنا البحث عنه. وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم
الحمد لله الذي جعل أصول هذا الدين، وفصول عقول الموحِّدين في الكتاب والسنة، وتفضل بمن شاء في حسن النظر لذلك وتحقيقه، والتفنن بالاستنباط المعتبر، من مفهومه ومنطوقه، فكافأ ذلك أعظم
منَّة، وتكفّل بحراسته من الطغيان، ووقايته من البهتان، من الإنس والجنَّة.
فهو لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: آية ٩]، مضبوط مصون بأكمل جُنّة.
стр. 77
ومن جملة حفظ كتابه هتك من لم يقتف في نقل الآثار طريق أئمة أربابه، بل تعمّد الكذب، أو أفحش بالخطأ الموجب للتهمة والظنِّة. فإنها المبيّنة للكتاب، والمعينة لفهم الخطاب، ودفع كل بلية ومحنة. إذ هو ﷺ لا ينطق عن الهوى، وإنما نطقه وحيٌ يُوحى، علّمه شديد القوى، فناهيك بما أوضحه وسَنّه؛ ولأجل ذا قام الجهابذة الذين خصَّهم الله بقوة البصر والبصيرة، وأتحفهم بكل نفيسة وذخيرة، ممن أتقن كل منهم الفنون وفنّه. بإبعاد الغَثِّ عن سمينها، والمُزَلزَل عن مَكينها، فارتقوا بذلك لأعلى قصور الجنة.
ولكنهم بعد تلك الكثرة الظاهرة، والخبرة الباهرة، والأنفس الزكية المطمئنة، أخذوا في التناقص من ذلك، بحيث انفرد الوالج في هذه المسالك الدّال لها بالمئنة. وصار وحيدًا غريبًا، حزينا لذلك كئيبا، لا يُبْدي (١) سنة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ونعلم أنّ ما قَدَّر يكون، فنرضى ونُسَلِّم من غير صياح ولا رَنَّة، ولكن نرجوا استمرار حفظها، واستقرار الضبط لمعناها ولفظها، تمسكا بالاندراج في حديث الطائفة المظهرة لما أبرزه المسيء وأكنه. سيما مع العلم بأنها بحمد الله تعالى مُدَوَّنَةٌ مصونة في كتب على الأبواب أو المسانيد، أو الأنواع أو حروف الكلمات الميمونة أو غيرها مما قصد كل منهم به الانتفاع، أو ظنه، بحيث انضبطت السنن كلها، وهبطت البدع وأهلها، والحقُّ نقيٌّ لم يَتَسَنّه، غير أنه انقطع المتصدي لمسمياتها مع أسمائها فضلا عن روايتها ونقلها، والمهتدي للكشف من جُلِّها، ولم يطمع المجتري المعتدي في حلها، وفصل مردودها من مقبولها، وإن أجرى على لسانه صحيحه وحَسَنَه.
وإن من التصانيف الجليلة، المشتملة على التصاريف النبيلة، المدرج في كتب الإسلام، ونُخَب الدواوين العظام، الكتاب الحسن الواضح
стр. 78
الجلي، الملقب بـ (السنن) للنسائي.
فإنه لكونه زاحم إمام الصنعة أبا عبد الله البخاري في (تدقيق الاستنباط والتبويب لما يستنبطه) بدون إسقاط بحيث:
* يكرر لذلك المتون، ويُصَوّر كونه القصد الأعظم من الفنون ومنه:
- قصة عائشة ﵂ في اتباعها سرًا النبي ﷺ لمَّا خرج من عندها ليلًا إلى البقيع. فإنه ذكرها في:
- (الأمر بالاستغفار للمؤمنين) من الجنائز ١/ ٩٣ (١).
- وأعادها في (المغيرة من النكاح) بسندها ومتنها سواء، ولكن:
- بزيادة في نسب شيخه فقط ٧/ ٧٣ - ٧٥.
- وباختصار يسير من آخر المتن.
- مع زيادة طريقين للحديث، شيخ ابن جريج في أحدهما غير شيخه في المذكور فيهما.
- وكذا ترجم في:
- الصيد والذبائح لـ (أكل العصافير) ٧/ ٢٠٧.
- وفي آخر الضحايا (مَن قتل عصفورا بغير حقها) ٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
وذكر فيهما معا حديث صهيب، عن ابن عمرو بن العاص من وجهين، زاد في ثاني الموضعين حديث الشَّريد في ذلك.
*حتى أنه ربما تتجاوز بغير مَيْن، الترجمة بكل من الحكمين، ولا يكون فارقا بين تكرير الحديث إلا الباب، ولذا لا يأتي به إلا من
стр. 79
الطريق السابق، ولو لم يكن إلا في شيخه فقط، قصدا لمزيد الفائدة في الانتخاب، ومن أمثلة ذلك:
- أنه وَالى في الضحايا بين ترجمة لـ (العوراء، ثم للعرجاء، ثم للعَجْفَاء)، وذكر في كل ترجمة طريقا لحديث واحد، فاستُفيدَ مع الأحكام طرق ثلاثة له ٧/ ٢١٤ - ٢١٦.
- وأردفها بالتوالي بين أربع تراجم فيها حديث أورده في كل ترجمة من طريق ٧/ ٢١٦ - ٢١٧.
- وكذا والى بين ثلاثة:
- (حكم الحاكم بعلمه).
- و (السَّعة له في قوله لما لا يفعله: "أفعل كذا" ليَسْتَبين به الحق).
- (ونقضه حكم غيره ممن هو مثله أو أجلَّ منه).
ولم يزد في كل ترجمة على قصة الكبرى والصغرى المتحاكمتين لسليمان بعد تحاكمهما لأبيه داود ﵉ في ولد ادَّعته كلٌ منهما، وقضى به للكبرى، فقضى بموته، ثم للصغرى بعد أن أوهمهما أنه يشقُّه بينهما لكونها امتنعت وقالت: هو لها).
ولكنه أوردها في كل ترجمة من طريق سوى الذي ذكره في الأخريين.
*وقد يقع له تكرير الباب مع حديثه سواء مما لم يظهر لي الأمر فيه على الاستواء، وقد يكون بين الترجمتين في الجملة تفاوت يسير، ولا يأتي في حديثهما بزيادة حسبما إليه يشير، كترجمته:
- في المياه بـ (ماء البحر).
стр. 80
- وفي الطهارة بـ (الوضوء بماء البحر) (١).
وحديثهما واحد سندًا، ومتنا.
* وربما يزيد في أحد الموضعين مُكَمِّلا تعيين ما أهمله من رواة السنَّد أوّلا ١/ ٥٤.
* وقد يُوردُ في كل منهما للحديث الواحد طريقا؛ ليزداد الناظر له في المتن تحقيقا، ومنه:
- عقده لـ (الوضوء بالثلج) ١/ ٥٠ ولـ (الوضوء بماء الثلج) ١/ ٥١ ترجمتين، وذكر في كل منهما طريقا لحديث واحد، ثم إنه في الطهارة عقد ترجمة واحدة لـ (الوضوء بماء الثلج والبرد) ١/ ١٧٦ وذكر فيها الحديث من الطريقين معا.
- وكذا ترجم في الطهارة بـ (ترك التوقيت في الماء) ١/ ٤٧، وفي المياه بـ (التوقيت في الماء) ١/ ١٧٥ وذكر فيهما معا حديثين لأنس، وأبي هريرة زاد في أولهما طريقين لحديث أنس، وفي ثانيهما
حديثًا لابن عمر.
- وفي الطهارة بـ (الماء الدائم) وفي المياه (النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم) وذكر فيهما حديث أبي هريرة من ثلاثة طرق بثلاثة ألفاظ، فطريقان في أولهما، والثالث في الآخر.
- وترجم فيهما معًا بـ (سؤر الكلب) وساق حديث أبي هريرة من طرق لم يتكرر طريق منها أيضا.
*وقد يكرر الباب خاصة دون متنه، وهذا أسهل مما سبق بين أهل فَنِّه.
стр. 81
*ومن أمثلة ما دَقّق فيه الاستنباط:
- أنه ترجم للطلاق:
- بـ (الإشارة المفهمة) وذكر حديث أنس في جار النبي ﷺ الذي كان طيب المَرَقَة، "وأنه ذات يوم والنبي ﷺ هو وعائشة، أومأ إليه أن تعال، وأومأ النبي ﷺ إلى عائشة، أي: وهذه؟، فأومأ إليه الآخر بيده: أن لا. مرتين أو ثلاثًا" ٦/ ١٥٨ زاد غيره "أنه ﷺ امتنع حتى أذن لها".
- وبـ (الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها، وأنه إذا قُصدَ بها ما لا يحتمله معناها لم توجب شيئًا ولم تُثبت حكمًا) وذكر حديث أبي هريرة مرفوعًا: "انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولَعنَهم، إنهم يشتمون مُذَمَمًا ويلعنون مُذمَمًا، وأنا محمَّد ﷺ " ٦/ ١٥٩.
- وبـ (الكلام إذا قُصدَ به ما يحتمل معناه) وذكر حديث "الأعمال بالنية" ٦/ ١٥٨.
كل هذه التراجم في الطلاق.
- وبـ (الرخصة في الصُّفْرَة عند التزويج) ٦/ ١٢٨ - ١٢٩ وذكر حديث عبد الرحمن ابن عوف. وهو نحوٌ مما ترجم به البخاري، بحيث لم يكن ذلك منافيًا للنهي عن التَّزَعْفُر للرجال.
- وكذا ترجم (ترك الزينة للحادّة المسلمة دون اليهودية والنصرانية) وذكر حديث: "لا يَحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تَحدُّ على مَيِّت .. " ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.
وهو نحو استثناء البُلقيني من قولهم: "الكفار مخاطبون بفروع
стр. 82
الشريعة لما أتى بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونحوها.
- و (لتجنب الحاكم القضاء وهو غضبان) ٨/ ٣٣٧ - ٣٣٨ ثم عقد لـ (الرخصة فيه للحاكم الأمين) ٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩ وذكر قصة الأنصاري الذي خاصم الزبير في شرَاج الحرّة. ولم يمش على الاختصاص.
- ولـ (الحكم باتفاق أهل العلم) وذكر قول ابن مسعود: "من عَرَض له منكم قضاء، فليقض بما في كتاب الله، ثم بما قضى به نبيه ﷺ ، ثم بما قضى به الصالحون، ثم ليجتهد رأيه، ولا يقول: فإني أخاف فإن الحلال بيّن، والحرام بيَّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وقال عَقبَه: هذا الحديث جَيِّد جَيِّد ٨/ ٢٣٠.
- ولـ (النهي عن حكم النّساء) وذكر فيه "لن يفلح قوم وَلوا أمرهم امرأة" ٨/ ٢٢٧.
وكذا زاحمه -أي البخاري- في:
* التقلل من الإتيان بحاء للفصل بين السندين، بل هي عنده قليلة جدًا.
* ووافقه على جواز الرواية بالمعنى. ومنه:
روايته من جهة ابن عُلية، عن أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، وهشام بن حسّان، دخل حديث بعضهم في بعض، كلهم عن محمَّد بن سيرين.
قال سلمة -فقط- في روايته: نُبئتُ عن أبي العجفاء.
وقال الباقون: عنه. بلا واسطة ٦/ ١١٧.
стр. 83
* وفيما ذهب إليه من المسمى بأصح الأسانيد، وإن خالفه في نفس التراجم، فقال: إن أصح الأسانيد: ما رواه ابن شهاب، عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
وأيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن عَبيدَة السَّلماني، عن علي.
وذكر تمام أربع تراجم.
وزاحم مسلمًا في كثير مما اعتنى به معهما.
* كالإشارة لصاحب اللفظ ممن يُورد المتن عنهم، أو عنهما ١/ ٤٤.
وربما يقول: لفظ فلان كذا، ولفظ الآخر كذا. ومنه:
ما رواه من طريق حجاج، ورَوْح كلاهما عن ابن جريج، وساق حديث "من شكّ في صلاته فليسجد سجدتين" قال حجاج: "بعد ما يُسَلّم" وقال رَوْح: "وهو جالس" ٣/ ٣٠.
* وكذا في الصيغة. كقوله: "أخبرني الحسن بن إسماعيل، وأيوب بن محمَّد قالا: حدثنا حجاج بن محمَّد"، قال أيوب: حدثنا، وقال حسن: أخبرني شُعبة" ١/ ٢٨٣.
* وكون ما اقتصر عليه بعضَ متن ما كمّله كأنّه للخروج من عهدة المخالف في المسألة بقوله: "مختصر" ١/ ١١٠، أو نحو ذلك.
وقد يقول -مع ذلك إذا كان عن جماعة-: "وبعضهم يزيد على بعض في الحديث" ٣/ ٦٥.
* وبيان ما عند الراويين من (النبي) و (الرسول):
كروايته لحديث عن إبراهيم بن الحسن، وعبد الرحمن بن محمَّد
стр. 84
ابن سَلام (١) ..
قال فيه أولهما: أن النبي ﷺ . وثانيهما: عن رسول الله ﷺ .
وكذا في حديث رواه عن قُتَيبة، وهَنّاد بن السَّري.
قال أولهما: كان النبي ﷺ ، وقال الآخر: كان رسول الله ﷺ .
* وكإرداف العام بالمخصص ٥/ ٩٩ - ١٠٠، والمجمل بالمبيّن المنصِّص ٦/ ١١٠ - ١١٢، والمنسوخ بالناسخ له ١/ ١٠٥ - ١٠٧، إلى غيرها من النفائس المكمّلة.
* كالفرق بين "حدثنا" و"أخبرنا" حيث جَوّزَ إطلاق "أخبرنا" في العرض دون "حدثنا". وذلك عن النسائي بخصوصه فيما حكاه محمَّد بن الحسن الجوهري عنه (٢)، دون حكايته ما هو المشهور عنه من منع إطلاقهما معا فيه.
ولي فيهما نظر، فإن أكثر ما روى في سننه عن شيوخه بصيغة "أخبرنا" وروايته فيها بـ"حدثنا" قليلة، بل ربما يروي عن شيخه الواحد كقُتَيبة، وإسحاق بن راهويه، وهَنّاد بالصيغتين، ومعلوم أن أخذه عن شيوخه غير منحصر في أحد التحملين، بل هو دائر بين التحديث والعرض.
وإذا كان كذلك فهو ماش على مذهب المجوّزين إطلاقهما فيهما، وعدم الفرق بين الصيغتين، وهو مذهب البخاري.
стр. 85
وصنف فيه الإمام أبو جعفر الطحاوي، وناقضه الجوهري المذكور وصنّف في الفرق.
ويمكن أن الذي مشى عليه في سننه اختياره، وما عداه تغير اجتهاده فيه، والله أعلم.
على أنه ربما يقول: أخبرنا فلان قراءة عليه ١/ ١٣.
ووافقهما معا في:
* ما يُكثر مسلم منه من كنايته عن الضعيف إذا قُرنَ في الرواية بثقة؛ كروايته في غير موضع عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن أبيه، عن حيوة، وذكر آخر كلاهما عن شُرحبيل بن شَريْك، ٦/ ٦٩ فإن المبهم هنا هو ابن لَهيْعَة، كما صرحت به رواية لأحمد في مسنده.
في أمثلة لذلك عن ابن لهيْعَة، وغيره مما يحتمل في بعضه أن يكون من صَنيع مَنْ فوقه، وأن يكون لا لضعف كحديث ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، وذكر آخر قبله، عن عُمارة بن غَزيّة ٦/ ٢٩.
ولابن وهب أيضًا: أخبرني مالك، وعمرو بن الحارث، وذكر آخر قبلهما، أن أبا النضر ٤/ ١٩٩.
وله أيضا: أخبرني عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وذكر آخر، وقدّمه، أن سليمان بن عبد الرحمن حدثهم ٧/ ٢١٥.
وله أيضا: أخبرني سعيد بن أبي أيوب وذكر آخرين عن عَيّاش ٧/ ٢١٢.
ولشُعيب بن أبي حمزة، وابن عُيينة، وذكر آخر عن الزهري
стр. 86
٦/ ٦ و ٧/ ٧٨.
ولأولهما فقط عن محمَّد بن المنكدر، وذكر آخر قبله، كلاهما عن الأعرج ٢/ ١٩٢.
ولمحمد بن آدم، عن عبد الرحيم، عن عبيد الله بن عمر، وذكر آخر عن أبي الزبير، عن جابر ٥/ ٢٧٤.
ولهُشَيم أخبرنا مُغيرة، وذكر آخر كلاهما عن الشَّعبي ٣/ ٧١.
ولهُشَيم أيضًا: عن سَيَّار، وحُصين ومُغيرة، وداود بن أبي هند، وإسماعيل بن أبي خالد، وذكر آخرين عن الشَّعبي ٦/ ٢٠٨.
والظاهر من حاله في التثبت أنه عرف أن لفظهما، أو معناهما سواء، وفائدة ذلك:
- الإشعار بضعف المبهم.
- وكونه ليس من شرطه.
- وكثرة الطرق ليترجح بها الخبر عند المعارضة.
* ومن ابتدائه بالنازل ثم إردافه بالعالي وعكسه وهو أكثر للمتقدمين وأعلى ما وقع فيه ما بينه وبين الشارع ﷺ فيه أربع وسائط.
ولذا التقطها القاسم بن علي الأنصاري.
ومنه: قُتيبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ١/ ٢٧٧ و ١/ ٢٨٩.
وأنزل ما عنده أيضًا مما هو في (الصلاة)، وكذا في (عمل اليوم والليلة) من الكبرى، خاصة ما بينه وبينه فيه عشرةُ وسائط:
стр. 87
- قال هو، وكذا الترمذي: أخبرنا محمَّد بن بَشَّار (بُنْدار) زاد الترمذي: وقُتيبة قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ٢/ ١٧١ - ١٧٢.
ورواه النسائي أيضًا: عن أحمد بن سليمان، عن حسين بن علي الجُعفي، كلاهما عن زائدة.
ورواه النسائي أيضًا: عن أبي بكر بن علي، عن عبيد الله بن عمر القَواريري، ويوسف بن مروان، كلاهما عن فُضيل بن عياض، كلاهما عن منصور بن المُعْتَمر، عن هلال بن يساف، عن الربيع ابن خُثيم، عن عمرو بن ميمون.
وقدّمه على الذي قبله في رواية فُضيل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: (﴿قل هو الله أحد﴾) تعدل ثلث القرآن).
وقال النسائي عَقبَه من سننه الكبرى خاصة: لا أعرف في الحديث الصحيح إسنادًا أطول من هذا ٢/ ١٧٢.
- وعند النسائي أيضًا في جمعه حديث مالك: عن زكريا بن يحيى (خَيَّاط السُّنَّة)، عن إبراهيم بن عبد الله الهَرَوي، عن سعيد بن محبوب، عن عَبْثَر بن القاسم، عن سفيان الثوري، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمَّد بن علي، عن أبيهما، عن علي في "نهي النبي ﷺ عن نكاح المُتْعَة".
قلت: وقد ساويت النسائي في مطلق العدد، فكما بينه وبين النبي ﷺ في هذين عشرة، كذلك بيني وبينه في أحاديث سواهما عشرة. فلله الحمد.
стр. 88
وعنده في (العدَد) من المجتبى أيضا حديث تُساعي.
رواه عن محمَّد بن وهب الحَرَّاني، عن محمَّد بن سَلَمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، أنّه كتب إليه يذكر أن عبيد الله بن عبد الله حدّثه، أن زُفَرَ بن أوس بن الحَدَثَان النَّصْري حدثه أن أبا السنابل بن بعكك قال لسبيعة الأسلمية: لا تحلين حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرا أقصى الأجلين، فأتت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك ..
الحديث" ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.
ومن ثُمانياته:
عمرو بن منصور، عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه، عن جده ٨/ ٥٧ - ٥٨.
ومن سُباعياته:
محمَّد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النَّضر بن أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة ٨/ ٦١.
ومن سُداسياتة:
محمَّد بن مُصعب، عن محمَّد بن المبارك، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ٨/ ٦١.
ومن خُماسياته:
يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن حنظلة، عن نافع، عن ابن عمر ٨/ ٧٦.
стр. 89
* ولذا قال أبو عبد الله بن رُشَيْد: "إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا، وأحسنها ترْصيفًا، وهو جامع بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل التي كأنها كهانة من المتكلم".
وهذا الكلام أشبه من تفضيل بعض المغاربة له على كتاب البخاري مُعلَّلًا مقاله بـ (أن مَنْ شَرَطَ الصحة فقد جعل لمن لم يَستكمل في الإدراك سببًا إلى الطعن علي ما لم يُدْخلْ) ولم يُبرهن بما لعله يندفع به الجدال فيما أدخل، بل هو كلام ساقط حكمًا وتعليلا وإن اعتمده المجد البرماوي فيما بلغني عنه.
ولكن قد أشعر بموافقته في الحكم بعض المكيين من شيوخ ابن الأحمر حيث قال: إنه أشرف المصنفات كلها، وما وُضع في الإسلام مثله.
ولا يُعتذر عنه بأن (أشرف) لا يقتضي الترجيح في الأصحية.
لأنّا نقول: قد صرحّ شيخنا تبعًا لشيخه -رحمهما الله تعالى- بأن صيغة "أفعل" و "أجود، وأحسن، وأشرف" سواء، نعم: صحيح وجيد وحسن وشريف متفاوتة.
ويمكن أن يقال: التعبير بـ (أشرف) وإن شارك التعبير بغيره لا يقتضي الأفضلية من كل وجه، ويكون هنا بالنسبة إلى الوضع والإفصاح خاصّة.
وإن رجّح كل من الذهبي والتقي السبكي، كما سيأتي الإمامَ النسائيَّ على الإمام مسلم، فترجيح العالم وإن كان ظاهرًا في ترجيح مُصَنَّفه فذلك في الغالب، وإلا فربّ مرجوح يكون مُصَنَّفُه أرجح.
* وأحسن من هذا كله قول الحافظ أبي عبد الله بن مَنْده، كما سيأتي
стр. 90
أيضًا: الذين خَرّجوا الصحيح، وميّزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي.
ثم إنه لم ينفرد بتسميته صحيحًا، فقد سماه كذلك الدارقطني، فقال تلميذه أبو بكر البَرْقاني كما سيأتي أيضا: ذكرت له أبا عبيد ابن حَرْبويه، فذكر من جلالته وفضله، وقال: حدّث عنه النسائي في الصحيح. ولعله مات قبله بعشرين سنة.
ولما أورد أبو الفضل ابن طاهر كلا المقالتين قال: قد سمّى الدارقطني كتاب "السنن" صحيحًا مع فضله وتحقيقه في هذا الشأن. انتهى.
وكذا سمّاه صحيحًا جماعة من الحفّاظ كأبوي علي النيسابوري، وابن السكن، فإنه سمى كتابه المشتمل على الصحيحين، والنسائي، وأبي داود بالصحيح، وأبي أحمد ابن عَدي، وأبي بكر الخطيب، وأبي طاهر السلفي، وكذا الذهبي في ترجمته من الكاشف، وأسلفتُ في ختم الترمذي القول في تأويل مقالهم.
* وكذا في إدراج محي السنة البَغَوي له في الحسان بما أغنى الآن عن إعادته.
* ولكنا نقول هنا: قد روى السنن عن مصنفها جماعة من الحفاظ وغيرهم، منهم:
- ابنه أبو موسى عبد الكريم.
- وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق الدِّيْنَوْري ابن السُّنّي.
- وأبو الحسن أحمد بن محمَّد بن أبي التمام.
стр. 91
- وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن المهندس.
- وأبو علي الحسن بن الخضر بن عبد الله الأسيوطي.
- وأبو محمَّد الحسن بن رَشيق العسكري.
- وأبو القاسم حمزة بن محمَّد بن علي بن العباس الكناني.
- وعلي بن أبي جعفر أحمد بن محمَّد بن سلامة الطحاوي.
- وأبو الحسن محمَّد بن عبد الله بن زكريا بن حَيّوية النيسابوري.
- ومحمد بن القاسم بن محمَّد بن سيّار القرطبي.
- وأبو بكر محمَّد بن معاوية القرشي الأندلسي ابن الأحمر.
* واتصل بنا من طريق غير واحد منهم كابن الأحمر، وابن السنُّي.
وفي بعض الأصول التصريح -في بعض كتبه كالإيمان والبيعة- أنه سمعه من لفظه ٨/ ٩٣ و ٧/ ١٣٧.
وفي بعض كتبه أنه قرأه عليه وهو يسمع بمصر ٧/ ١٧٩.
بل في بعض ما وقع التصريح بأنه لفظًا التصريح بأنه ليس من السنن كقوله: ما في كتاب القصاص من المجتبى مما ليس في السنن ٨/ ٦٢.
* وكان سماعه له بمصر في سنة اثنتين وثلاثمائة.
وممن صرح بذلك الحافظ أبو بكر ابن نُقْطة، فقال في ترجمة ابن السُّني من تقييده: إنه حدث بالسنن عن النسائي، وقد كان سمعها منه بمصر في سنة اثنتين وثلاثمائة. انتهى، فالله أعلم.
* وبين رواياتهم اختلاف في: اللفظ، والتقديم، والتأخير، والزيادة، والنقص.
стр. 92
وأكبرها وأتمها رواية ابن الأحمر.
وقد بيّنتُ التفاوت بينها في جزء سميته (القول المعتبر في ختم سنن النسائي رواية ابن الأحمر) حدّثت به قريبًا من سنة ستين، ولكنه غاب الآن عني.
وسأل بعض الأمراء المصنف -كما حكاه المجد أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة (جامع الأصول) له- عن كتابه السنن، أكُلُّه صحيح؟ فقال: لا. قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردًا.
فصنع المجتبى من السنن ترك كل حديث أورده في السنن مما تُكُلم في إسناده بالتعليل. انتهى.
وهو أصح مما قاله غيره: إن المجَرِّدَ هو أحد رواته، الحافظ أبو بكر ابن السُّني.
وما حكاه أبو عبد الله محمَّد بن مَنْدَه مما سمعه من محمَّد بن سعد البارودي في: "كون شرط النسائي التخريج لكل من لم يُجْمَعْ على تركه، حتى يخرج للمجهول حالا وعينًا للاختلاف فيهم" هو مذهب متسع إن حُملَ على ظاهره، لاقتضائه التخريج لجُلِّ الضعفاء، وليس الواقع كذلك، بل الحق إرادته إجماعًا خاصًا.
وذلك أن كل طبقة من المتكلمين في الجرح والتعديل لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمتى اتفق الفريقان على ترك واحد تَجَنّبه النسائي، بخلاف ما إذا ضعّفه المتشدد ووثّقه الآخر.
ومن ثَمَّ خرَّج لعبد الله بن عثمان بن خُثيم، وقال: إن يحيى بن سعيد القَطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي لم يتركاه، وقال علي بن المديني: إنه منكر الحديث، وكأن علي بن المديني خُلق للحديث ٥/ ٢٤٨.
стр. 93
وحينئذ فقول ابن مَنْدَة: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذ النسائي. يعني: في عدم التقيُّد بالثقة، والتخريج لمن ضُعِّف في الجملة، وإن اختلف صنيعهما.
وقول المُنْذري في (مختصر السنن لأبي داود) حكايته عن ابن منده: "إن شرط أبي داود والنسائي أخراج حديث قوم لم يُجْمَعْ على تركهم إذا صح الإسناد من غير قطع ولا إرسال". محمول على هذا، وإلا فكم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي، تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الشيخين، كما ستراه قريبا.
* وقد سمعه أبو الحسن أحمد بن محبوب الرَّمْلي يقول: "لما عزمت على تصنيف (السنن) استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيْرةُ على تركهم، ونزلت لذلك في جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم، فوقعت الخيرة على تركهم" (١) رواه أبو الفضل ابن طاهر، وسمعه الحاكم أبو عبد الله بمكة من ابن محبوب.
ونحوه قول ابن طاهر: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزِّنْجَاني بمكة عن رجل من الرواة فوثّقه، فقلت له: إن النسائي ضعفّه، فقال: "يا بني إن له في الرجال شرطًا أشد من شرط البخاري ومسلم" انتهى.
* بل قد يَعْتَذرعن تخريجه للضعيف، كقوله:"سعيد بن سلمة شيخ ضعيف، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث" ٨/ ٢٥٨.
قلت: ومع ذلك و:
стр. 94
* شدة تحريه:
- كقوله وقد ساق حديثًا من طريق الزهري عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة: (لم أفهم "ابن المسيب" كما أردت) ٤/ ٧٠.
- وحديث علقمة: كنت مع ابن مسعود عند عثمان، فقال عثمان: خرج رسول الله ﷺ على -يعني- فتْية- قال النسائي: (فلم أفهم "فتية" كما أردت) وذكر الحديث في (الحث على النكاح) ٦/ ٥٦.
- وحديث الذي آتاه الله من أصناف المال وقوله حين سُئل: (ما تركتُ من سبيل تُحبُّ. قال النسائي: ولم أفهم "تُحبُّ" كما أردت) ٦/ ٢٤.
- وكذا روى عن قُتيْبَة، عن سفيان، عن عبد الله -يعني ابن أبي بكر-: ولم أُتْقنْهُ- عن عروة بن بُسْرة ١/ ٢١٦.
- وروى حديثًا طويلًا في قيام الليل ثم قال: (هكذا وقع في كتابي، ولا أدري ممن الخطأ في موضع وتْره ﷺ ).
* بل ينبه على ما لعله يقع لشيوخه من الاختلاف:
كروايته عن قتيبة، عن الليث حديثا، وقال: (إنه حدّث به مرة أخرى فنقص عن تحديثه الأول منه رجلًا) ١/ ١١٩.
إلى غير ذلك من:
* مزيد تَثَبُّته كقوله -أحيانًا- عقب تعليل، أورَدٍّ، ونحو ذلك مما يجتهد فيه: (والله أعلم) ١/ ٤٥ - ٤٦ و ١٢٣.
* فقد ردّوا تجريحه لأبي جعفر أحمد بن صالح المصري، المعروف بـ
стр. 95
(ابن الطبري) فإنه -مع تخريج الشيخين له، بل واحتج به سائر الأئمة- ذكره في كتابه الضعفاء، وقال: إنه ليس بثقة.
زاد في رواية: "ولا مأمون، تركه محمَّد بن يحيى، ورماه ابن معين بالكذب، فقال: كذاب يتفلسف". وفي لفظ: "رأيته كذابًا يَخْطُرُ في جامع مصر".
وقال غير واحد في سبب تجريحه إياه مما حكاه مَسْلَمَة بن القاسم: إن أحمد بن صالح كان لا يُحدِّثُ أحدًا حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنه من أهل الخير والعدالة، وحينئذ يحدثه ويبذل له علمه، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قُدامة، فلما جاء النسائي ليسمع منه دخل عليه بغير إذن، ولم يأت بمن يشهد له بالعدالة، فأنكر أحمد بن صالح ذلك، وأمر بإخراجه. فضَعَّفَه لهذا، بل كان يطلق لسانه فيه.
قال الخطيب: (وليس الأمر على ما ذكره النسائي، ولكن يقال: كانت آفة أحمد بن صالح الكبرُ وشراسة الخلق، ونال النسائي منه جفاء في مجلسه ففسد الحال بينهما).
ونحوه قول أبي سعيد بن يونس.
قلت: والظاهر من حال النسائي أنه غير موافق له على مذهبه، ويرى ذلك وسيلة لكتم العلم سيما حيث فهم أن التعاظم والكبر موجبه.
ونحوه قول الخطيب -وقد حُكي عن بُندار- أنه قال: "كتبت لأحمد بن صالح بخمسين ألف حديث إجازة، وسألته أن يجيز لي، أو يكتب لي بحديث مَخرَمَة بن بُكير فلم يكن عنده من المروءة ما يكتب بذاك إليّ إنما حمله عليه سوء الخُلق".
стр. 96
قال: ولقد بلغني أنه لم يكن يُحَدِّث أمرد، فلما جاءه أبو داود صاحب السنن بولده، وكان إذ ذاك أمرد. أنكر عليه إحضاره ابنه مجلسه، فقال: إنه وإن كان أمرد أحفظ من أصحاب اللحى فامتحنه بما أردت، ففعل، ثم حدّثه، ولم يُحدِّث أمرد سواه.
نعم: قيل: إن الذي جرحه ابن معين آخر غير هذا، ولكنه التبس على النسائي.
وعلى تقدير كونه هو فتوقَّف فيه بعضهم، وقال: لعل ابن معين لا يدري ما الفلسفة.
وبالجملة مع ما أبديناه في توجيه تجريحه فالنسائي إمام حجة من أهل الاجتهاد والنقد، لا نلتزم عصمته من الخطأ سيما:
وَعَيْنُ الرَّضَا عن كُلِّ عَيْب كَليْلَةٌ … كَمَا أنَّ عَيْن السُّخْط تُبدي المَسَاويَا (١)
ووراء هذا أنه حصل بكلام النسائي فيه المكافأة له على تحامله بالتكَلم في حَرمَلة صاحب الشافعي كما بينته في محل آخر (٢)، إذ الجزاء من جنس العمل.
* وقد سئل شيخنا -رحمه الله تعالى- عن ذكر النسائي لبعض الأئمة في ضعفائه، فأجاب بقوله: (النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو بحسب ما ظهر له وأدّاه إليه اجتهاده، وليس كلّ أحد يؤخذ بجميع قوله سيما وقد وافق النسائي في مطلق القول جماعة.
ولعمري فكتابه بديع لمن تدبره، وتفهم موضوعه وكرره، وكم
стр. 97
جواهر اشتمل عليها، وأزاهر انتعشت الأرواح بالدخول إليها، وذلك:
* أنه يفسر الغريب أحيانًا:
- كقوله في حديث الأعرابي الذي بال: "لا تَزْرمُوه" يعني: لا تقطعوا عليه، ومرة: لا تقطعوه ١/ ٤٧.
- وفي حديث "هذه ركسٌ": الركس طعام الجن ١/ ٤١.
- وفي حديث اللعان "قَضئ العينين" هو: طويل شعر العين ليس بمفتوح العينين، ولا جاحظهما ٦/ ١٧٣.
- وفي حديث "كان يكره الشِّكال": الشكال من الخيل: أن تكون ثلاث قوائم مُحَجَّلة، وواحدة مُطلَقةٌ، أو عكسه، ولا يكون إلا في الرِّجل دون اليد ٦/ ٢١٩.
- وقريب من هذا قوله في قسم الفيء: قوله تعالى في آية ﴿.. أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ..﴾:
(لله: ابتداء الكلام؛ لأن الأشياء كلها لله تعالى ، ولعله إنما استفتح الكلام في الفيء والخمُس بذكر نفسه لأنها أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إلى نفسه لأنها أوساخ الناس، والله أعلم.
قال: وقد قيل: بل يُؤخذ من الغنيمة شيء فيُجعل في الكعبة.
وهو السهم الذي لله ، وسهمُ النبي ﷺ إلى الإمام يشتري منه الكُراع والسلاح، ويعطي منه من رأى ممن فيه غَناء ومنفعة لأهل الإسلام، ومن أهل الحديث والعلم والفقه والقرآن.
وسهمُ ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب، يُقسَم بينهم
стр. 98
الغني منهم والفقير، وقد قيل: للفقير منهم خاصة كاليتامى، وابن السبيل، وهو أشبه القولين بالصواب عندي، والله أعلم. والصغير والكبير، والذكر والأنثى سواء؛ لأن الله تعالى جعل ذلك لهم، وقسمه رسول الله ﷺ فيهم وليس في الحديث أنه فضّل بعضهم على بعض، ولا خلاف نعلمه بين العلماء في رجل أوصى بثلث ماله لبني فلان أنه بينهم، وأن الذكر والأنثى فيه سواء، إذا كانوا يُحْصَون، فهكذا كل شيء صُيّر لبني فلان أنه بينهم بالسَّوية إلا أن يُبيِّن ذلك الآمر به، والله تعالى ولي التوفيق.
وسهمٌ لليتامى من المسلمين، وسهمٌ للمساكين من المسلمين، وسهمٌ لابن السبيل من المسلمين، ولا يُعطى أحدٌ منهم سهمَ مسكين، وسهمَ ابن السبيل، وقيل له: خذ أيهما شئت.
والأربعة الأخماس يقسمها الإمام بين مَنْ حضر القتال من المسلمين البالغين ٧/ ١٣٤.
- ولما ذكر حديث أبي هريرة في مجيئه للنبي ﷺ عند فطره بنَبيذ صنعه له في دُبّاء، فوجده يَنشُّ (١)، فقال: "اضرب بهذا الحائط، فإنه شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر".
قال: فيه دليل على تحريم المسكر قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحريم آخر الشربة، وتحليلهم ما تقدمها الذي يُشرب في الفَرَق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أن السُّكْر بكليته لا يحدث على الشربة الأخيرة دون الأولى والثانية بعدها ٨/ ٣٠١.
وسيأتي قول الحاكم: "أما كلامه على فقه الحديث فأكثر من أن
стр. 99
يُذكر في هذا الموضع، وإنه من نظر في سننه تحيّر في حسن كلامه" والله الموفق.
* ويُعَيِّن المُهْمَل:
- كقوله فيما رواه من جهة بكر: وهو ابن مُضَر ٣/ ٤٩.
- وفيما رواه من جهة عبيد الله: وهو ابن القبْطيَّة ٣/ ٦٤.
* قد يذكره -أي المُهْمَل- مع الشّكّ:
- كقوله عقب حديث ليونس عن ابن المسيب، عن عائشة في فضل يوم عرفة: (يشبه أن يكون يونس بن يوسف الذي روى عنه مالك) ٥/ ٢٥٢.
- ونحوه قوله تلْوَ حديث لمغيرة عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا "الولد للفراش": ولا أحسب هذا عبد الله بن مسعود) ٦/ ١٨١.
* ويسمي المُبْهَم في أصل السند:
- كإيراده حديث محمَّد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر رفعه "ليس من البر الصيام في السفر" ثم ساقه من طريق محمَّد -أيضا- فقال: (عن محمَّد بن عمرو بن حسن، عن جابر) ٤/ ١٧٦ - ١٧٧.
- ونحوه ما رواه من جهة ابن أبي غَنيَّة: واسمه يحيى بن عبد الملك ٣/ ١٩.
- وكذا في المتن:
- كقوله في حديث ذي اليدين: فقام إليه رجل يقال له: الخرْباق.
بل أورده كذلك في موضع آخر مُسمى في أصل رواية أخرى ٣/ ٦٦.
стр. 100
- وكإيراده في العتق حديث الذي دَبَّر عبدًا له بغير تسمية لهما، ثم أورده بتسمية المدبِّر بأبي مذكور، والمدبِّر يعقوب ٧/ ٣٠٤.
* والمكنّي. كقوله فيما رواه:
- من جهة أبي مُعَيد: هو حفص بن غيلان ١/ ١١٨.
- ومن جهة أبي هشام: هو المغيرة بن سلمة ٣/ ١٢٤.
- ومن جهة أبي رشدين: هو كُريب ٢/ ٢١٨.
- ومن جهة أبي غَلاب: هو يونس بن جُبير ٢/ ٢٤٢.
- ومن جهة أبي عمار: هو عَريْب بن حُميد ٥/ ٤٩.
* ويكني المسمَّى حيث كان مشهورا بكنيته:
- كقوله: أخبرنا زكريا بن يحيى، هو أبو كامل (١) وعمرو بن شُرحبيل معنى أبا ميسرة.
وذَكْوان: أبو صالح ٦/ ٣٢.
وذَكْوان: أبو عمرو ٦/ ٨٥.
* ويشير للمتفق والمفترق، ومنه:
- آخر الأمثلة في الذي قبله.
- وكقوله في حديث عبد الله بن زيد في الاستسقاء، وقد وصفه ابن عيينة بأنه الذي أريَ النداء: "هذا غلط من ابن عيينة، فالذي
стр. 101
أريَ النداء اسمُ جدِّه عبدُ ربه، وراوي هذا الحديث اسمُ جَدِّه عاصم" ٣/ ١٥٥ - ١٥٦.
- بل قال عقب حديث لإسماعيل بن مسلم، عن محمَّد بن واسع، عن مُطرِّف بن عبد الله قال: قال عمران: "تمتعنا مع رسول
الله ﷺ ": إسماعيل بن مسلم ثلاثة:
هذا أحدهم: "لا بأس به، والآخر: يروي عن أبي الطفيل، لا بأس به أيضًا، والثالث: يروي عن الزهري والحسن، متروك الحديث" ٤/ ١٧٢.
- وعقب حديث آخر: "أبو معشر صاحب إبراهيم النخعي، واسمه زياد بن كُليب وهو ثقة، وآخر اسمه نَجيح وهو ضعيف، بل اختلط أيضا".
- وعقب حديث لعبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري:
"عبد الرحمن هذا ليس به بأس، وعبد الرحمن بن إسحاق يروي عنه علي بن مُسهر، وأبو معاوية عبد الواحد بن زياد، عن النعمان بن سعد ليس بثقة" ٦/ ٩.
* ونحوه مما يندفع به تعدد الواحد، "كهارون بن أبي وكيع، وهو هارون بن عنترة" ٧/ ٢٣٧.
* ولما يزول به اللَّبسُ من ذلك فَسَاقَ:
- من طريق ابن المبارك عن أبي جعفر، عن أبي سلمان. وقال: (وليس بأبي جعفر الفَرّاء) ٢/ ١٤.
- ومن طريق سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان (وليس بالنَّهْدي) ٨/ ٣٣٣.
стр. 102
* وللإخوة:
- كقوله عقب حديث من طريق عبيد الله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي ما معناه: (هم أربعة إخوة: أبو علي، وأبو بكر، وشريك، وآخر) ٧/ ١٦٨.
* ويبيّن المنقطع:
- كقوله من حديث مَخْرَمَة بن بكير عن أبيه: (مَخْرَمَة لم يسمع من أبيه شيئًا) ١/ ٢١٤.
- وفي حديث لأبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود: (إنه لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا عبدُ الرحمن بنُ عبد الله، ولا عبدُ الجبار بنُ وائل) ٣/ ١٠٥.
- ونحوه قوله: (الحسن عن سَمُرة كتاب، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة) ٣/ ٩٤.
- وقوله عقب حديث لأيوب عنه، عن أبي هريرة رفعه "المنتزعات، والمختلعات هن المنافقات" وقول الحسن: "لم أسمعه من غير أبي هريرة: (الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا) ٦/ ١٦٨ - ١٦٩.
وحينئذ فمقالة الحسن فيها تدليس، وكأنه أراد لم أسمعه من غير حديث أبي هريرة، وإن استدل شيخنا بهذا الحديث على سماعه منه. إذ لولا تأويله بما قلنا ما أردفه النسائي بجزمه بعدم سماعه منه لشيء مع صحة السند.
- وكذا قوله عقب حديث لهشام بن عروة عن أبيه: (هشام لم يسمع من أبيه هذا الحديث) ١/ ٢١٦.
стр. 103
- وعقب حديث لهشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة: (عروة لم يسمع من أم سلمة) ٥/ ٢٢٣.
- وحديث للأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في استئذانه أن يختصي. وقوله ﷺ : "يا أبا هرّ جَفّ القلم .. " الحديث: (الأوزاعي لم يسمعه من الزهري، ولكنه حديث صحيح لرواية يونس عن الزهري) ٦/ ٦٠.
* وربما نبّه ابن السُّني راويه على ما لا يذكره من ذلك:
- كقوله عقب حديث للزهري، عن ابن عمر في صلاة الخوف: (الزهري سمع من ابن عمر حديثين، ولم يسمع منه هذا) ٣/ ١٧٣.
* والمرسل:
- كقوله في حديث لجرير، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة رفعه: "لا تَقدَّموا الشهر": (أرسله الحجاج بن أرْطأة عن منصور بدون حذيفة) ٤/ ١٣٦.
- وفي حديث لزائدة وسفيان، كلاهما عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في مجيء أعرابي برؤية هلال رمضان: (رواه أبو داود الطيالسي، وابن المبارك كلاهما عن سفيان مرسلًا بدون ابن عباس) ٤/ ١٣٢.
- وحديث لمحمد بن بشر، وابن المبارك كلاهما، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمَّد بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه رفعه "الشهر هكذا": (رواه يحيى بن سعيد وغيره، عن إسماعيل بدون سعيد مرسلًا) ٤/ ١٣٨.
стр. 104
- وكذا روى عن سليمان بن يَسَار، أن حمزة بن عمرو قال: "يا رسول الله إني أسْرد الصوم .. " الحديث، وقال: (مرسل).
يعني لكون سليمان لم يدرك سؤال حمزة للنبي ﷺ فإنه لو حضر ذلك لكان صحابيًا، لكن سليمان رواه عن حمزة كما في رواية أخرى ٤/ ١٨٥.
* وكثيرا ما يُسمِّي المنقطع مرسلًا:
- كقوله عقب حديث لطلحة بن يزيد الأنصاري، عن حذيفة: (هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة لا أعلمه سمع من حذيفة شيئا، وغير العلاء بن المسيب -يعني راويه عن عمرو بن مُرَّة، عن طلحة- قال فيه: عن طلحة، عن رجل، عن حذيفة) ج ٣ ص ٢٢٦.
* وكذا كثيرًا ما يُرجح المرسل على المتصل مع القرينة وغيرها من المرجحات له ج ٦ ص ١٦٨:
* وربما وقع له حديث بزيادة راو في سنده، ويحذفه في طريق آخر مما يكون الأمر فيه مترددا بين الإرسال الخفي والمزيد في متصل الإسناد، فيميل لثبوتهما معا. كقوله: (يشبه أن يكون الزهري سمع هذا الحديث من عبد الله بن كَعْب، ومن عبد الرحمن بن كَعب عنه) ج ٧ ص ٢٢.
* وقد يرجّح الزائد كحديث لمحمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ثم ساقه بإثبات أخيه عَبَّاد بن أبي سعيد بينه وبين أبي هريرة، وصوّبه، وقال: (إن سعيدا لم يسمعه من أبي هريرة) ج ٨ ص ٢٨٤.
стр. 105
* والضعيف:
- كقوله عقب حديث محمَّد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران مرفوعًا: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين": (محمَّد ضعيف، لا يقوم بمثله حُجَّة، وقد اختلفوا عليه فيه) ج ٧ ص ٢٨.
- وفي تزوج الزانية عقب حديث لهارون بن رئاب، وعبد الكريم كلاهما عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي امرأة من أحب الناس إليّ، وهي لا تمنع يد لامس. قال: طلقها. قال: لا أصبر عنها. قال: استمتع بها": (إنه ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون ثقة أثبت منه، وقد أرسل الحديث -يعني بدون ابن عباس- وحديثه أولى بالصواب) ج ٦ ص ٦٧ - ٦٨.
ثم أعاده في الخُلع بنحوه من جهة هارون فقط بذكر ابن عباس، ومن جهة عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال: (إنه خطأ، والصواب مرسل) ٦/ ١٧٠.
- وعقب حديث لربيعة بن سيف المعَافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلّى، عن عبد الله بن عمرو في رؤية النبي ﷺ ابنته فاطمة ﵂. وقولها له: إنها كانت تعزّي أهل ميت، وقال لها: "لعلك بلغت معهم الكُدَى .. " الحديث: (ربيعة ضعيف) ٤/ ٢٨.
- وحديث لمسعود في موقف الإمام إذا كان معه اثنان: (بُريدة بن سفيان بن فَرْوَة الأسلمي -يعني راويه عن مسعود وحفيد مولاه- ليس بقوي في الحديث) انتهى ٢/ ٨٥.
стр. 106
وقد عزاه شيخنا في الإصابة لمعجم الصحابة للبغوي، وابن مَنْدَه، ومُطَيَّن، وابن السَّكن وغيرهم، وعجبت من ترك عزوه للمؤلف.
* ولأصح ما في الباب:
- كقوله عقب حديث عبد الله بن عُكيم "كتب إلينا رسول الله ﷺ : لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب: (أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: "ألا دبغتم إهابها فاستمتعتم به؟ ") ٧/ ١٧٥.
* ولما يُشعر بتحرّز بعض الأئمة في الرواة:
- كقوله: (عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن روى عنه مالك) ٥/ ١٨٧.
* والمنكر. فإنه حكم بذلك في:
- حديث لحماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل علمت أن أحدًا قال: "في أمرك بيدك" أنها ثلاث غير الحسن؟ فقال: لا، ثم قال: اللهم غَفْرًا إلا ما حدثني به قتادة، عن كثير مولى ابن سَمُرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث" فلقيت كثيرًا فسألته، فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: (نسي) ٦/ ١٤٧.
- وكذا في حديث "نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب الصيد" فقال: (هذا منكر) ٧/ ٣٠٩.
стр. 107
* والغريب:
- إما في لفظه في المتن:
- كقوله "إذا ولَغَ الكلب في إناء أحدكم فليرقه": (لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله "فليرقه") ١/ ٥٣.
- وكحديث الذي أحرم بعمرة وهو مُتَضَمِّخ بطيب: (لا أعلم أحدا قال: "ثم أحدث إحرامًا" غير نوح بن حبيب، ولا أحسبه محفوظًا) ٥/ ١٣١.
- أو بكونه مسندًا:
- كقوله عقب حديث الزهري عن عروة، عن عائشة في ضُباعة "محلي حيث تحبسني": (لا أعلم أحدًا أسنده -يعني عائشة- عن الزهري غير معمر) (١) وهو تفرد نسبي.
- أو في المتن كله:
- كقوله عقب حديث لأبي داود الحَفَري، عن حفص، عن حُميد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة: "رأيت النبي ﷺ يصلي مُتَربِّعًا": (لا أعلم أحدًا رواه غير أبي داود وهو ثقة، ولا أحسبه إلا خطأ) ٣/ ٢٢٤.
- وعقب حديث أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة مرفوعًا في ساعة الجمعة: (لا نعلم أحدًا حدّث به غير رباح، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة إلا أيوب بن سُويد فإنه حدّث به عن يونس، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة. وأيوب متروك الحديث) (٢) وهي غَرَابة مُقَيّدة.
стр. 108
* والموقوف ٢/ ٦٠:
* ولما يعلم منه عدم التلازم بين السند والمتن حيث وصف سندًا بالحُسن ومتنه بالنكارة ٤/ ١٤٢.
* وللمُدْرَج:
- كحديث لعُبادة بن مُسلم الفَزَاري، عن جُبير بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطعم، عن ابن عمر: ("اللهم إني أعوذ بك وبعظمتك أن أغْتالَ من تحتي" مختصر).
قال جُبير: وهو الخسف. قال عبادة: فلا أدري أهذا قوله ﷺ أم قول جُبير؟ ثم ساقه من وجه آخر عن عُبادة بلفظ (يعني بذلك الخسف) ٨/ ٢٨٢.
* ولما يُدْرجَ في حديث بعض الرواة مما هو عند غيرهم:
- كحديث ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم ومنصور، كلاهما عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمى عبد الله الجمرة بسبع حصيات. قال عقبه: (ما أعلم أحدًا قال في هذا الحديث "منصورًا" غير ابن أبي عدي) ٥/ ٣٧٣.
- وحديث مالك، ويونس، وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه: (لم يذكر مالك عروة) ١/ ٦٢.
- وحديث سعيد بن أبي هلال، وبُكير بن الأشج، كلاهما عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سُلَيم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه مرفوعًا:"الغُسْلُ يوم الجمعة واجب على كل مُحْتَلم": ولم يذكر بُكَيرٌ عبدَ الرحمن. وزاد في الطيب: (ولو
стр. 109
من طيب المرأة) ٣/ ٩٢.
- وحديث همّام عن سفيان، ومنصور، وزياد، وبكر -هو ابن وائل- كلهم عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه "رأى النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، وعثمان، يمشون بين يدي الجنازة": (لم يذكر بكرٌ عثمَانَ).
وقال أيضا: (إنه خطأ، والصواب مرسل) ٤/ ٥٦.
* ولما يشير به لنوع من التدليس:
- كقوله عقب رواية لابن جريج (حدثني عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن أبي الزبير، عن جابر": (ابن خثيم ليس بالقوي في الحديث وإنما أخرجته لئلا يُجعل "ابن جُريج، عن أبي الزبير") ٥/ ٢٤٨.
- وساق لسفيان، عن أبي الزبير، عن جابر رفعه: "ليس على خائن، ولا مُنتهب، ولا على مُختلس قطع" ثم قال: (لم يسمعه سفيان من أبي الزبير).
ثم ساقه من حديثه، قال: قال أبو الزبير، عن جابر. ومرّةً: قال جابر.
ثم قال: (وقد رواه عن ابن جريج عيسى بن يونس، والفضل بن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد، وسلمة بن سعيد -وهو بصري ثقة، بل قال ابن أبي صفوان: إنه كان خير أهل زمانه- فلم يقل أحد منهم: "حدثني أبو الزبير" ولا أحسبه سمعه منه) ٨/ ٨٩.
* ولما لَعلَّه يقع تصحيفًا:
стр. 110
- كقوله في حديث لسفيان الثوري عن بَيَان بن بشر: (هذا خطأ ليس من حديث بيان، ولعل سفيان قال: حدثنا اثنان، فسقطت الألف) ٤/ ٢٢٣.
- ونحوه في هذا الحديث بعينه "عن ابن الحَوْتكية قال: قال أبي": (الصواب: عن "أبي ذر" ويشبه أن يكون وقع من الكتاب "ذر" فقيل: "أبي") ٤/ ٢٢٣.
- ومنه قوله: سمعت عبد الصمد البخاري يقول: حفص بن عمر الذي يروي عن ابن مهدي: (لا أعرفه، إلا أن يكون سقطت الواو من أبيه، وهو حينئذ الرَّبالي المشهور بالرواية عن البصريين، وهو ثقة) ٨/ ١٢٥.
* ويشير لما يثبت العلة أو يدفعها:
- فمن الشِّق الثاني: حديث لسفيان عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، تابعه ابن جريج، وحماد بن زيد، من رواية يحيى. فجعله عن جابر، لا ابن عمر. وتابعه محمَّد بن مسلم الطائفي، عن عمرو، وجمع بينهما ابن عيينة، عن عمرو فكانت هذه الرواية جامعة بينهما ٧/ ٤٨.
- ومن الأول: حديث لابن علية، عن أيوب، عن يعلي بن
حكيم، عن سليمان بن يَسار، عن رافع بن خَديج، أعَلَّه برواية لحماد عن أيوب، قال: "كتب إليّ يعلى (١) "، وإنه تبيّن بها أن أيوب لم يسمعه من يعلى هذا مع صحة الرواية بالمكاتبة والاتصال بها بشرطه.
* وإذا اختلف الرواة في شيء رجَّح بالأثبتية ونحوها: