عن اللتين بعد الظهر، فهما هاتان الركعتان، بعد العصر". رواه الشيخان.
وعن عائشة ﵂، قالت: "صلاتان لم يكن النبي ﷺ يدعهما سرًا، ولا علانية، ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد صلاة العصر". رواه الشيخان.
وعن يزيد بن الأسود ﵁: "شهدت مع رسول الله ﷺ حجته، وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، وانحرف، إذا هو برجلين في آخر القوم، لم يصليا معه، قال: "عَلَيَّ بهما"، فجيء بهما، تَرْعَدُ فرائصهما، قال-: "ما منعكما أن تصليا معنا"؟ فقالا: يا رسول الله إنا قد كنا صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنهما لكما نافلة". رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، انتهى "المجموع" جـ ٤ ص ١٧١ - ١٧٢.
قال الجامع: ففي هذا الحديث إباحة النافلة بعد الصبح لما ذكرنا.
قال الإمام ابن حبان في "صحيحه": أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ووصيف بن عبد الله الحافظ بأنطاكية، قالا: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا الليث بن سعد،
стр. 4132
قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جده قيس بن قهد (١) "أنه صلى مع رسول الله ﷺ الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلم رسول الله ﷺ ، قام يركع ركعتي الفجر، ورسول الله ﷺ ، ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه". اهـ "صحيح ابن حبان" جـ ٢ ص ٤٩.
قال الجامع: هذا إسناد صحيح.
وكذا ما ورد في تحية المسجد يوم الجمعة، والإمام يخطب، مع أن الوقت وقت استماع، للخطبة، ففي رواية الشيخين من حديث جابر ﵁ مرفوعًا، "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصل ركعتين". وفي رواية مسلم. "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما".
فأمره ﷺ الداخل حال الخطبة بصلاة ركعتين، والتجوز فيهما يدل على أن تحية المسجد تجوز، وإن كان الوقت وقت استماع الخطبة. ومثله الأوقات المذكورة. والله تعالى أعلم.
وأما استثناء الصلاة بعد العصر، والشمسُ مرتفعة، فلما يأتي من
стр. 4133
حديث علي ﵁ (٥٧٣) قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر، إلا أن تكون الشمس بيضاءَ نَقِيَّة مرتفعة". وسيأتي تمام الكلام عليه. إن شاء الله تعالى.
والحاصل أن أقوى المذاهب هو مذهب من قال: إن ذوات الأسباب تجوز في هذه الأوقات دون ما سواها، للأدلة التي ذُكرَتْ وغيرها. وكذا الصلاةُ بعد العصر، والشمس مرتفعة. والله أعلمَ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٠ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، يَقُولُ: "ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، حَتَّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، حَتَّى تَغْرُبَ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي ثقة، من [١٠]، تقدم
стр. 4134
في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي الإمام الجليل، ثقة ثبت حجة، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (موسى بن عُلَيِّ بن رَبَاح) اللَّخْمِيُّ، أبو عبد الرحمن المصري، صَدُوق، رُبَّما أخطأ-، من [٧]. ولي إمْرَةَ مِصْرَ سنة ستين، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل مصر، وقال: كان ثقة، إن شاء الله تعالى. وقال أحمد وابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، يتقن حديثه، لا يزيد، ولا ينقص، صالح الحديث، وكان من ثقات المصريين، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: كان مولده بالمغرب سنة ٨٩، وقال ابن يونس: ولد بإفريقية سنة ٩٠، ومات بالأسكندرية سنة ١٦٣، وفيها أرخه غير واحد. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن حنبل: كان ثقة. وقال الساجي: صدوق، قال: وقال ابن معين: لم يكن بالقوي، وقال ابن عبد البر:
ما انفرد به فليس بالقوي. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة.
٤ - (عُلَيَّ بن رَبَاح) بن قَصير -ضد الطويل- اللَّخْمِيّ، أبو عبد الله البصري، ثقة، والمشهور فيه: علي بالتصغير، وكان يغضب منها، من صغار [٣].
стр. 4135
وفي "تت": علي بن رباح بن قصير بن القَشِيب بن يَيْنَع بن أردة بن حجر بن جزيلة بن لَخْم، اللخمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى المصري، والمشهور فيه الضم.
وفَدَ على معاوية. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مصر. قال: كان ثقة. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وعن أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الليث: قال علي بن رباح: لا أجعل في حل من سماني عُلَيّ، فإن اسمي عَلِيّ. وقال المُقْرِي: كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، فبلغَ ذلك رَبَاحًا، فقال: هو علي، وكان يغضب من علي، ويجرح على من سماه به.
وقال ابن يونس: ولد سنة ١٠، وذهبت عينه يوم ذي الصواري في البحر مع ابن أبي سرح سنة ٣٤، قيل: مات سنة ١١٤، وقيل: ١١٧، وذكر ابن سعد، وابن معين أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضم. اهـ. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة.
٥ - (عقبة بن عامر الجُهَني) صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أنه أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا، فاضلًا، مات في قرب الستين، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٤.
стр. 4136
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأنهم ثقات، وأنهم ما بين مروزيين وهما: سويد، وعبد الله، ومصريين وهم الباقون، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن عُلَيّ بن رَبَاح بالضم لا نظير له في هذا الاسم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
قال علي بن رباح (سمعت عقبة بن عامر الجُهَني) بضم، ففتح، نسبة إلى جُهَينة، قبيلة من قُضَاعَةَ. كما في اللب جـ ١ ص ٢٢٥.
(ثلاث ساعات) مبتدأ خبره الجملة بعده، أي ثلاث أوقات.
(كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن) هو بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة، لأنها صلاة. قاله في المرعاة.
قال الجامع: لكن المراد تأخيرها إلى هذه الأوقات، وتحري أدائها فيها، بدليل حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَتَحَرَّى أحدكم، فيصليَ عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها". متفق عليه (١)، وفي رواية للبخاري: "ولا تَحَيَّنُوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني الشيطان". فإنه يدل على أن المنهي عنه هو القصد للصلاة في هذه الأوقات، لا أداء ما حضر فيها، كالصلاة على الجنازة الحاضرة في تلك الأوقات. والله أعلم.
стр. 4137
(أو نقبر فيهن موتانا) قال في المصباح: وقَبَرتُ المَيْتَ، قَبْرًا، من بابي قَتَلَ وضَرَبَ؛ دَفَنْتُهُ، وأقبرته بالألف: أمرت أنْ يُقْبَرَ، أو جعلت له قبرًا. اهـ والمَوْتَى، جمع مَيْت.
قال القرطبي ﵀: روي بأو، وبالواو، وهي أظهر، ويكون مراد النهي الصلاةَ على الجنازة والدفنَ، لأنه إنما يكون إثر الصلاة عليها، وأما رواية "أو" ففيها إشكال، إلا إذا قلنا: إن "أو" بمعنى الواو، كما قال الكوفي. اهـ "زهر الربى". جـ ١ ص ٢٧٥.
وفيه دليل على أن دفن الميت في هذه الأوقات الثلاثة منهي عنه، وإليه ذهب أحمد، وهو الحق لظاهر الحديث. قال السندي: ظاهر الحديث كراهة الدفن في هذه الأوقات، وهو قول أحمد، وغيره، ومن لا يقول به يؤَول الحديث بأن المراد صلاة الجنازة على الميت بطريق الكناية، للملازمة بين الدفن والصلاة، ولا يخفى أنه تأويل بعيد، لا ينساق الذهن إليه من لفظ الحديث؛ يقال: قبره: إذا دفنه، ولا يقال: قبره: إذا صلى عليه. قال: والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد، وغيره: أن الدفن مكروه في هذه الأوقات. انتهى.
وقال البيهقي: نهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة، وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات. انتهى.
قال في "المرعاة": قلت: حمله أبو داود على الدفن الحقيقي حيث بوب عليه في الجنائز "باب الدفن عند طلوع الشمس، وعند غروبها"،
стр. 4138
وإليه يظهر ميل النسائي، حيث عقد عليه في أثناء أبواب الدفن "باب الساعات التي نهي عن إقبار الموتى فيها"، وحمله ابن ماجه على الصلاة والدفن كليهما، فقد بوب عليه في الجنائز: "باب الأوقات التي لا يصلى فيها على الميت، ولا يدفن"، وحمله الترمذي على الصلاة، ولذلك بوب عليه "باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس، وعند غروبها"، وأيده بما نقل عن ابن المبارك، قال: معنى هذا الحديث: أو أن نقبر فيهن موتانا، يعني الصلاة على الجنازة. انتهى. وقد ضعف النووي هذا التأويل، وزيفه، كالسندي. هذا.
وقد علمت مما قدمنا أن صلاة الجنازة مكروهة في هذه الأوقات عند مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، واستدل هؤلاء بحديث عقبة هذا وغيره من الأحاديث المطلقة الدالة على كراهة الصلاة في هذه الساعات خلافًا للشافعي. والقول الأول هو الظاهر. قال الخطابي: قول الجماعة أولى، لموافقة الحديث. اهـ "مرعاة" جـ ٣ ص ٤٥٤ - ٤٥٥.
قال الجامع: بل ما قاله الشافعي عندي هو الأولى، لما عرفت من أن الراجح أن ذوات الأسباب لا تُمنَعُ في تلك الأوقات، إذ النهي محمول على التحري فيها، فما كان ذا سبب، ليس فيه تَحَرٍّ. فتفطن. والله أعلم. ثم بين تلك الساعات، فذكر الأولى بقوله:
(حين تطلع الشمس بازغة) و"تَطْلُعُ" من باب قَعَدَ، كما مر، و"بازغة" أي طالعة، ظاهرة لا يخفى طلوعها، وهي حال مؤكدة لعاملها، كما قال في "الخلاصة"
стр. 4139
وَعَامِلُ الْحال بهَا قَدْ أكِّدَا … فِي نَحْوِ لا تَعْثَ في الأَرْضِ مُفْسِدَا
(حتى ترتفع) أي إلى أن ترتفع كرمح في رأي العين، كما بينته رواية عمرو بن عَبَسَة الآتية (٥٧٢) "فَدَعِ الصلاةَ حتى ترتفع قِيدَ رمح، ويَذْهَبَ شعاعها".
ثم بين الثانية بقوله:
(وحين يقوم قائم الظهيرة) هي شدة الحر، وقيل: حَدُّ انتِصَافِ النهار، أي يقف، ويستقر الظل الذي يقف عادة حسب ما يبدو، فإن الظل عند الظهيرة لا يظهر له حركة سريعة، حتى يظهر بِمَرْأى العين أنه واقف، وهو سائر حقيقة. قال في المجمع: إذا بلغت الشمس وسط السماء، أبطأت حركتها إلى أن تزول، فيحسب الناظر المتأمل أنها وقفت، وهي سائرة، ولا شك أن الظل تابع لها.
والحاصل: أن المراد: وعند الاستواء. وقيل: المراد بقائم الظهيرة الشخص القائم في الظهيرة، فإن الناس في السفر يَقِفُون في هذا الوقت، لشدة الحر، ليستريحوا.
وقال النووي ﵀: الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق، ولا في المغرب. وقال ابن حجر الهيتمي ﵀: الظهيرة: هي نصف النهار، وقائمها، إمَّا الظلُّ، وقيامُهُ: وقوفه؛ من قامت به دابته: وقفت. والمراد بوقوفه بطء حركته الناشيءُ عن بطء حركة الشمس حينئذ باعتبار ما يظهر للناظر
стр. 4140
ببادئ الرأي، وإلا فهي سائرة على حالها. وإمَّا القائمُ فيها، لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق، ولا جهة المغرب، وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء. أفاده في "المرعاة" جـ ٣ ص ٤٥٥ - ٤٥٦.
(حتى تميل) أي عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وميلها هذا هو الزوال. قال ابن حجر ﵀: ووقتُ الاستواء المذكور، وإن كان وقتًا ضيقًا لا يسع صلاة، إلا أنه يسع التحريمة، فيحرم تعمد التحريم فيه. اهـ.
ثم بين الثالثة بقوله (وحين تضيف الشمس) -بتشديد الياء بعد الضاد المفتوحة، صيغة مضارع، أصله تتضيف بالتاءين، حذفت إحداهما، كـ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، و ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]-أي تميل، وقيل: هو بسكون الياء بعد الضاد المكسورة، يقال: ضاف يضيف: إذا مال.
وقال المجد: وضاف: مال، كتَضَيَّفَ، وضَيَّفَ، وأضَفْتُهُ: أمَلْتُهُ. اهـ "ق"، وقال التوربشتي: أصل الضيف: الميل، يقال: ضفْتُ إلى كذا: ملت إليه، وسمي الضيف ضيفًا، لميله إلى الذي نزل عليه. اهـ.
والمعنى وحين تميل، وتجنح الشمس (للغروب) أي تبدأ في الغروب (حتى تغرب) أي يتكامل غروبها. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
стр. 4141
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٦٠)، وفي "الكبرى" (١٥٤٣) بهذا السند، وفي (٥٦٥)، و"الكبرى" (١٥٤٨) عن حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن موسى به. وفي "الجنائز" (٢٠١٣) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن موسى بن علي به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن ابن وهب، عن موسى به. وأخرجه أبو داود في "الجنائز" عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن موسى به. والترمذي فيه عن هناد، عن وكيع به. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع به. وعن عمرو بن رافع، عن ابن المبارك به. وأخرجه أحمد، والبيهقي.
وبقية المسائل تقدمت في الحديث الماضي، فراجعها تزدد علمًا. وبالله التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4142
٣٢ - النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على النهي عن الصلاة بعد أداء صلاة الصبح.
٥٦١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله المدني الإمام، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (محمد بن يحيى بن حَبَّان) بفتح الحاء- بن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، توفي سنة ١٢١ عن ٧٤ سنة، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدني مولى ربيعة
стр. 4143
ابن الحارث، ثقة ثبت عالم، توفي سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، مدنيون، إلا شيخه؛ وقد دخلها، واتفقوا على التخريج لهم.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن أبا هريرة أكثر الصحابة حديثًا، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي ﷺ ) بفتح همزة "أن" وجوبًا، لكونها وقعت سادة مسد مفعولي "أخبر"، لأن "أخبر" من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل، فالمفعول الأول، هو ضمير المتكلم،
و"أن" ومعمولاها سدت مسد المفعول الثاني، والثالث (نهى عن الصلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس، و) نهى (عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس).
стр. 4144
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٦١)، وفي "الكبرى" (١٥٤٥) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن يحيى بن يحيى، عن مالك، بسند المصنف.
وبقية المسائل تقدمت في الباب الماضي، فارجع إليها. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَكَانَ مِنْ أَحَبِّهِمْ إِلَيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
стр. 4145
رجال الإسناد: سبعة
١ - (أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن أبو جعفر الأصم البغوي نزيل بغداد، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٤، وله ٨٤ سنة، من [١٠].
قال النسائي وصَالِحُ جزرة: ثقة. وقال أبو القاسم البغوي: أخُبِرتُ عن جدي أنه قال: أنا أختم منذ أربعين سنة في كل ثلاث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي، وأبو زرعة، ونقل عنهما أن كنيته أبو عبد الله، وقال أبي: هو صدوق. وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال مسلمة وهبة الله السجزي: ثقة. أخرج له الجماعة.
٢ - (هُشيم) بن بَشير الواسطي أبو معاوية بن أبي خازم، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، توفي سنة ١٨٣، وقد قارب ٨٠ سنة، من [٧]، تقدم في ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (منصور) بن زاذان -بزاي، وذال معجمة- الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، ثقة، ثبت، عابد، توفي سنة ١٢٩ على الصحيح، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٧٥.
٤ - (قتادة) بن دِعامة السَّدُوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت رأس الطبقة [٤]، توفي سنة بضع عشرة ومائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
стр. 4146
٥ - (أبو العالية) رُفَيع بن مهْران الرّياحي البصري، ثقة كثير الإرسال، توفي سنة ٩٠، وقيل: ٩٣، وقيل: بعد ذلك، من [٢].
وفي "تت": أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر. قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال اللالكائي: مجمع على توثيقه. وقال قتادة عنه: قرأت القرآن بعد وفاة نبيكم بعشر سنين. وقال الآجري عن أبي داود: ذهب علم أبي العالية، لم يكن له رواة. وقال ابن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير، وبعده السُّدِّيُّ، وبعده الثوري. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وأكثر ما نقم عليه حديث الضحك في الصلاة، وكل من رواه غيره، فإنما مدارهم ورجوعهم إلى أبي العالية، والحديث له، وبه يعرف، ومن أجله تكلموا فيه، وسائر أحاديثه مستقيمة صالحة. اهـ باختصار. أخرج له الجماعة.
٦ - (ابن عباس) ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١.
٧ - (عمر) بن الخطاب ﵁ تقدم في ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، نبلاء، اتفقوا عليهم.
стр. 4147
ومنها: أنهم ما بين بغدادي وهو: أحمد، وواسطيين: هشيم، ومنصور، وبصريين: قتادة، وأبو العالية، وابن عباس، ومدني: عمر ابن الخطاب ﵃.
ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وتابعي، عن تابعي.
ومنها: أن ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ١٦٩٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي العالية) الرياحي -بالياء التحتانية- رُفَيع بن مهران، قال الحافظ: وقع مصرحًا به عند الإسماعيلي من رواية غندر، عن شعبة. اهـ ووقع عند البخاري من طريق يحيى القطان، عن شعبة، تصريح قتادة بالسماع من أبي العالية.
(عن) عبد الله (بن عباس) ﵄، أنه (قال: سمعت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، منهم عمر) بن الخطاب ﵁ (وكان من أحبهم إِلي) جملة "كان" معترضة بين العامل ومعموله، ولفظ مسلم: و"كان أحَبَّهم إلي"، ولفظ البخاري: "شَهِدَ عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر" ....
قال الحافظ ﵀: لم يقع لنا تسمية الرجال الذين حَدَّثوا ابن عباس بهذا الحديث، وبلغني أن بعض من تكلم على العمدة تجاسر،
стр. 4148
وزعم أنهم المذكورون فيها عند قول مصنفها: وفي الباب عن فلان، وفلان. ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأ بَيّنًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله. اهـ فتح جـ ٢ ص ٧١.
(أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر) أي بعد أداء صلاة الصبح، لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه متعلقًا يالوقت، إذ لابد من أداء الصبح، فتعين التقدير المذكور. أفاده في الفتح.
(حتى تطلع الشمس) ولفظ البخاري. "حتى تُشْرِقَ الشمس"، قال في الفتح: بضم أوله من أشرق، يقال: أشرقت الشمس: ارتفعت، وأضاءت، قال الحافظ: ويؤيده حديث أبي سعيد بلفظ: "حتى ترتفع الشمس"، ويروى بفتح أوله، وضم ثالثه بوزن تغرب، يقال. شرقت الشمس: أي طلعت.
ويجمع بين روايتي الطلوع والإشراق بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي حتى تطلع مرتفعة. أفاده في "الفتح".
(و) نهى (عن الصلاة بعد) أداء صلاة (العصر، حتى تغرب الشمس). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر ﵁ هذا متفق عليه.
стр. 4149
المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٦٢) بهذا السند، فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخر جه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن حفص بن عمر الحوضي، عن هشام الدستوائي- وعن مسدد، عن يحيى، عن شعبة.
وأخرجه مسلم فيه عن داود بن رشيد، وإسماعيل بن سالم، كلاهما عن هشيم، عن منصور بن زاذان- وعن زهير بن حرب، عن يحيى، عن شعبة- وعن أبي غَسَّان، مالك بن عبد الواحد المسْمَعِيّ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبَةَ- وإسَحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه.
وأبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان بن يزيد خمستهم عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن عمر ﵃.
والترمذي فيه عن أحمد بن منيع، عن هشيم به. وقال: حسن صحيح. وقال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث. هذا أحدها.
وابن ماجه فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة به. وعن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن عفان، عن همام، عن قتادة به. أفاده الحافظ المزي
стр. 4150
رحمه الله تعالى في "تحفته" جـ ٨ ص ٤٢.
وفوائد الحديث، وذكر مذاهب العلماء في حكم الحديث مع ترججع الراجح تقدمت في ٥٥٩.
والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 4151
٣٣ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
٥٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ، فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا".
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني أبو رجاء، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (نافع) مولى ابن عمر العدوي المدني، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
٤ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو ٢٥ - من رباعيات الكتاب.
стр. 4152
ومنهما: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء.
ومنها: أنهم ممن اتفق الأئمة الستة بالإخراج لهم.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، فبغلاني.
ومنها: أن هذا الإسناد أصح سند على الإطلاق: مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، على ما نقل عن البخاري رحمه الله تعالى.
ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (أن رسول الله ﷺ قال: لا يتحرى أحدكم) كذا في النسخة الهندية بلفظ الخبر. قال السهيلي: يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع، أي لا يكون إلا هذا. نقله في الفتح جـ ٢ ص ٧٣.
وفي النسخة المصرية "لا يتحر"، بالجزم، فلا ناهية.
ووقع في نسخة السندي: "لا يتحسر"- بسين وراء بعد الحاء المهملة، أي لا يتعجز، ولا يتثقل عن أداء الصلاة في الوقت اللائق بها، فيصلي بسبب ذلك عند طلوع الشمس، أو غروبها، لأجل تأخيرها عن الوقت اللائق بها. قاله السندي.
стр. 4153
وقال في طرح التثريب: "لا يتحرى" وكذا وقع في الموطأ والصحيحين بإثبات الألف، وكان الوجه حذفها، ليكون علامة جزمه، ولكن الإثبات إشباع، فهو على حد قوله تعالى: ﴿إِنه من يتقي ويصبر﴾ [يوسف: ٩٠]، فيمن قرأ بإثبات الياء. اهـ جـ ٢ ص ١٨٢.
(فيصلي) بالنصب جوابًا للنهي المتضمن لـ"ـلا يَتَحَرَّى"، كالمضارع المقرون بالفاء في نحو "ما تأتينا فتحدثنا" في أن يراد به نفي التحري والصلاة كليهما، وأن يراد به نفي الصلاة فقط، ويجوز الرفع من جهة النحو، أي لا يتحرى أحدكم الصلاة في وقت كذا، فهو يصلي فيه.
وقال الطيبي ﵀: لا يتحرى هو نفي بمعنى النهي، و"يصلي" هو منصوب بأنه جوابه، ويجوز أن يتعلق بالفعل المنهي أيضًا، فالفعل المنهي معلل في الأول، والفعل المعلل منهي في الثاني، والمعنى على الثاني: لا يتحرى أحدكم فعلًا، يكون سببًا لوقوع الصلاة في زمان الكراهة، وعلى الأول كأنه قيل: لا يتحرى، فقيل: لمَ ينهانا عنه؟ فأجيب عنه خِيفَةَ أن تصلوا أوانَ الكراهة. وقال ابن خروف: يجوز في "فيصلي" ثلاثة أوجه: الجزمُ عطفًا، أي لا يَتَحَرَّ، ولا يصل، والرفعُ على القطع، أي لا يتحرَّ، فهو يصلي، والنصب على جواب النهي، والمعنى لا يتحرَّ مصليًا. قاله في "عمدة القاري" جـ ٥ ص ٨١.
وقال التوربشتي: يقال: فلان يتحرى الأمر، أي يتوخاه ويقصده، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] أي: تَوَخوَّا
стр. 4154
وعَمَدُوا، ويتحرى فلان الأمر: إذا طلب ما هو الأحرى.
والحديث يحتمل الوجهين، أي لا يقصد الوقت الذي تطلع فيه الشمس، أو تغرب، فيصلي فيه، أو لا يصلي في هذا الوقت ظنًا منه أنه قد عمل بالأحرى، والأول أبلغ، وأوجه في المعنى المراد. انتهى. قاله في "المرقاة" جـ ٣ ص ١٢٤.
(عند طلوع الشمس، وعند غروبها) قال في الفتح: واختلف أهل العلم في المراد بذلك، فمنهم من جعله تفسيرًا للحديث السابق -يعني حديث عمر ﵁ ومبينًا للمراد به، فقال: لا تكره الصلاة بعد الصبح، ولا بعد العصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر، وقواه ابن المنذر، واحتج له.
وقد روى مسلم من طريق طاوس عن عائشة، قالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. انتهى. وربما قوى ذلك بعضهم بحديث "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها أخرى"، فامر بالصلاة حينئذ، فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت، لا من وقع له ذلك اتفاقًا.
ومنهم من جعله نهيًا مستقلًا، وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء قصد لها، أم لم يقصد، وهو قول الأكثر. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٧١ - ٧٢.
стр. 4155
قال الجامع: ما قاله الأولون هو الأرجح عندي، لوضوح أدلته. والله أعلم.
وسيأتي الكلام على حديث عائشة في ردها على عمر ﵄ برقم -٥٧٠ - إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٦٣) بهذا السند، فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله ابن يوسف، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى- كلاهما عن مالك، عن نافع، عنه.
وبقية المسائل تقدمت، ويأتي بعضها، إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَنْبَأَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ غُرُوبِهَا.
стр. 4156
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري أبو مسعود البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٨، من [١٠]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٦، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان العمري المدني، ثقة ثبت، توفي سنة بضع و ١٤٠، من [٥]، تقدم في ١٥/ ١٥.
وأما نافع وابن عمر فقد تقدما في السند السابق.
ومن لطائفه أنه من خماسيات المصنف، ورجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه فمن أفراده.
والحديث صحيح، تفرد به المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي.
أخرجه هنا (٥٦٤) وفي "الكبرى" (٢٨/ ١٥٤٦) ومعناه واضح مما تقدم فلا حاجة إلى تكراره، وبالله التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4157
٣٤ - باب النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن الصلاة وقت استواء الشمس وسط السماء.
٥٦٥ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، حَتَّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ لِلْغُرُوبِ، حَتَّى تَغْرُبَ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك الباهلي البصري، صدوق، توفي سنة ٢٤٤، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (سفيان بن حبيب) البصري البزاز، أبو محمد، وقيل: غير ذلك، ثقة، توفي سنة ١٨٢، وقيل: سنة ١٨٦، وله ٥٨ سنة، من [٩]، أخرج له البخاري في "الأدب المفرد" والأربعة، تقدم في ٦٧/ ٨٣.
стр. 4158
٣ - (موسى بن علي) علي-مصغرًا ومكبرًا- بن رَبَاح، أبو عبد الرحمن المصري، صدوق ربما أخطأ، من [٧]، تقدم في ٥٦٠.
٤ - (أبو موسى) عُلَيّ بن رَبَاح بن قَصِير اللَّخْمِي المصري، ثقة، من [٣]، تقدم في ٥٦٠.
٥ - (عقبة بن عامر) الجُهَني صحابي مشهور ولي إمرة مصر لمعاوية ﵄ ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، توفي في قرب الستين، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٤.
وشرح الحديث وما يتعلق به قد تقدم في ٥٦٠ - فارجع إليه تزدد علمًا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4159
٣٥ - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ
٥٦٦ - أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى الطُّلُوعِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى الْغُرُوبِ".
رجال الإسناد: أربعة
١ - (مجاهد بن موسى) الخُوَارَزْمِيُّ، وهو الخُتَّلِيُّ، أبو علي البغدادي، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٨٥/ ١٠٢.
٢ - (ابن عيينة) سفيان الكوفي ثم المكي، ثقة ثبت حجة إمام، توفي سنة ١٩٨، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (ضَمْرَة بن سعيد) بن أبي حَنَّة -بمهملة، ثم نون، وقيل: حبة بموحدة- الأنصاري المدني، ثقة، من [٤]، أخرج له مسلم والأربعة.
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن حبان، والعجلي.
٤ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سِنَان الصحابي ابن الصحابي ﵄ المدني، تقدم في ١٦٩/ ٢٦٢.
стр. 4160
ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما عنده من الأسانيد، كما تقدم غير مرة، وهو ٢٦ - من رباعيات الكتاب ورجاله ثقات، نبلاء، أخرجوا لهم إلا البخاري، فلم يخرج لمجاهد، وضمرة. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث صحيح، وهو من طريق ضمرة بن سعيد من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ الْمِزِّيّ، أخرجه هنا (٥٦٦)، وفي الكبرى (٣٠/ ١٥٤٩) بهذا السند. وشرح الحديث وما يتعلق به فقد تقدم في الأحاديث السابقة، وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَبْزُغَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (عبد الحميد بن محمد) بن الْمُسْتَام -بضم الميم وسكون المهملة بعدها مثناة- أبو عمر الحَرَّاني، إمام مسجدها، ثقة، من [١١].
رَوَى عن عبد الجبار بن محمد الخطابي، وعثمان بن محمد
стр. 4161
الطرائفي، ومخلد بن يزيد، والمغيرة بن سفيان، وأبي جعفر النُّفَيْليّ. وعنه النسائي، وأبو عَوَانة، وأبو علي محمد بن سعيد الرَّقِّيّ الحافَظ، وإبراهيم بن محمد بن متويه، وأبو عبد الله الإسفرايني، وابن صاعد، وعدة. قال النسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: لم يُقضَ لي السماع منه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: مات في جمادى الآخرة سنة
٢٦٦.انفرد به المصنف.
٢ - (مخلد) بن يزيد القرشي الحَرَّاني، صدوق له أوهام، توفي سنة ١٩٣، من كبار [٩]، تقدم في ١٤١/ ٢٢٢.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل، توفي سنة ١٥٠ أو بعدها، من [٦]، تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، إمام حجة فقيه، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عطاء بن يزيد) الليثي المدني نزيل الشام، ثقة، من [٣]، تقدم في ٢٠/ ٢١.
٦ - (أبو سعيد الخدري) ﵁، تقدم في السند السابق. وبالله التوفيق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا
стр. 4162
عليهم، إلا شيخه، فمن أفراده، ومخلدًا، فلم يخرج له الترمذي، وأنهم ما بين حرانيين: شيخه، ومخلد، ومكي: ابن جريج، ومدنيين، وهم: الباقون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى ١١٧٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا (٥٦٧) بهذا السند، وفي (٥٦٨) بالسند الآتي. وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد العزيز ابن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح. وأخرجه مسلم فيه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس- كلاهما عن الزهري، عن عطاء الليثي، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
وقوله: "حتى تَبْزُغُ": من باب قتل، أي تطلع. وبقية مباحث الحديث تقدمت قريبًا، فارجع إليها تزدد علمًا. وبالله التوفيق. وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٨ - أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَحْوِهِ.
стр. 4163
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمود بن غَيْلان) أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، توفي سنة ٢٣٩، من [١٠]، تقدم في ٣٣/ ٣٧.
تنبيه:
وقع في بعض النسخ: محمود بن خالد بدلًا من محمود بن غيلان. ومحمود بن خالد هو السلمي، أبو علي الدمشقي، ثقة، توفي سنة ٢٤٧، وله ٧٣ سنة، من صغار [١٠]، أخرج له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
ولم يتبين لي ما هو الصواب هنا؟، حيث إن كلًا منهما يروي عن الوليد بن مسلم، ويروي عنه المصنف، كما بينه الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" جـ ٢٧ ص ٢٩٦، وص ٣٠٧ فالله أعلم بالصواب.
٢ - (الوليد) بن مسلم أبو العباس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من [٨]، تقدم في ٤٥٤.
٣ - (عبد الرحمن بن نَمِر) -بفتح النون، وكسر الميم،- اليحصبي، أبو عمرو الدمشقي، ثقة، لم يرو عنه غير الوليد، من [٨].
قال الدُّوري عن ابن معين: ابن نمر الذي يروي عن الزهري ضعيف. وقال دُحَيم: صحيح الحديث عن الزهري. وقال الآجري
стр. 4164
عن أبي داود: ليس به بأس، كان كاتبًا، حضر مع ابن هشام، والزهري يملي عليهم. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وسليمان بن كثير، وسفيان ابن حسين أحب إلي منه، لا أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: من ثقات أهل الشام ومتقنيهم. وقال ابن عدي: في حديثه عن الزهري، عن مَرْوَان، عن بُسْرة، أن النبي ﷺ أمر بالوضوء في مس الذكر، والمرأة مثل ذلك. قال: وهذه الزيادة التي ذكرت في متنه: "والمرأة مثل ذلك"، لا يرويها عن الزهري غير ابن نمر هذا، وقال يحيى بن معين: هو ضعيف في الزهري، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما روى عن الزهري، ولا في متونه إلا ما ذكرت من قوله: "والمرأة مثل ذلك"، وهو في جملة من يُكْتَبُ حديثه من الضعفاء، وابن نمر هذا له عن الزهري غير نسخة، وهي أحاديث مستقيمة. انتهى.
ولم يخرج له الشيخان سوى حديث واحد في الكسوف متابعة. وقال أبو أحمد الحاكم: مستقيم الحديث. وقال ابن البرقي: ثقة. وقال الذهلي: عبد الرحمن بن نَمِر، وعبد الرحمن بن خالد ثقتان، ولا تكاد تجد لابن نمر حديثًا عن الزهري إلا ودون الحديث مثله، يقول: سألت الزهري عن كذا؟ فحدثني عن فلان، وفلان، فيأتي بالحديث على وجهه، ولا أعلم روى عنه غير الوليد، وكذا قال دُحَيم: لم يرو عنه غير الوليد. أخرج له الشيخان، وأبو داود، والمصنف.
وأما الباقون فقد تقدموا في السند السابق.
стр. 4165
وقوله: "بنحوه" أي إن رواية عبد الرحمن بن نمر بمعنى رواية ابن جريج. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (أحمد بن حرب) بن محمد بن علي بن حَيَّان بن مازن الطائي المَوْصِلِيُّ، صدوق، توفي سنة ٢٦٣، وله ٩٠ سنة، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٢/ ١٣٥.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (هشام بن حُجَيير) -بمهملة وجيم مصغرًا- المكي، صدوق له أوهام، من [٦].
قال الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، قال ابن شبرمة: ليس بمكة مثله. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بالقوي، قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذاك. قال: وسألت يحيى بن معين عنه؟ فضعفه جدًا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: ثنا عنه ابن جريج، وخَلِيقٌ أن أدَعَهُ، قلت:
стр. 4166
أضرب على حديثه؟ قال: نعم. وقال الآجري عن أبي داود: ضُرِبَ الْحَدَّ بمكة، قلت: فيماذا؟ قال: فيما يُضْرَبُ فيه أهل مكة. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الساجي: صدوق. وقال العقيلي: قال ابن عيينة: لم نأخذ منه إلا ما لا نجده عند غيره. أخرج له الشيخان، والمصنف.
٤ - (طاوس) بن كَيْسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل، توفي سنة ١٠٦، وقيل بعد ذلك، من [٣]، تقدم في ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته مكيون، إلا شيخه، فموصلي، وطاوسًا فيماني، واتفق الأئمة عليهم إلا شيخه، فمن أفراده، وهشامًا، فأخرج له البخاري ومسلم والنسائي، وفيه ابن عباس أحد المكثرين. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث صحيح، وهو كما أشار إليه الحافظ المزي بهذا السياق،
стр. 4167
من أفراد المصنف، وشرحه واضح مما سبق. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَنْبَسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَوْهَمَ عُمَرُ ﵁ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الله بن المبارك المُخَرِّمِيُّ) أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، توفي سنة بضع و٢٥٠، من [١١]، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي، تقدم في ٤٣/ ٥٠.
والْمُخرِّمي -بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء المكسورة- نسبة إلى محلة ببغداد نزلها ولد يزيد بن المُخَرِّم. قاله في "اللب".
٢ - (الفضل بن عَنْبَسَة) الخزاز -بمعجمات- الواسطي، ثقة، انفرد ابن قانع بتضعيفه، وليس ابن قانع بمقنع، من كبار [١٠].
وفي "تت": أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين. قال عبد الله بن
стр. 4168
أحمد عن أبيه: ثقة من كبار أصحاب الحديث.
وقال ابن سعد: كان ثقة معروفًا. وقال النسائي: ثقة، ووثقه الدارقطني. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري عن هارون بن حميد: مات أراه سنة ٢٠٣، وقال أسلم بن سهل: أخبرني تميم بن المنتصر أنه مات سنة ١٩٧، وأرَّخَ خليفة وابن قانع وفاته سنة ٢٠١.
أخرج له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره من مسند ابن عباس "بِتُّ عند ميمونة"، وعند النسائي حديثان: أحدهما حديث عائشة في الصلاة عند طلوع الشمس.
٣ - (وهيب) بن خالد بن عَجْلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بآخره، توفي سنة ١٦٥، وقيل بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢٧.
٤ - (ابن طاوس) عبد الله، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابد، توفي سنة ١٣٢، من [٦]، تقدم في ٥١١.
٥ - (طاوس) بن كيسان أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل، من [٣]، تقدم في ٢٧/ ٣١.
٦ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا
стр. 4169
عليهم ما عدا شيخه، فلم يخرج له مسلم والترمذي وابن ماجه، وأنهم ما بين بغدادي وهو: شيخه، وبصري وهو: وهيب، ويمانيين وهو: ابن طاوس، وطاوس، ومدنية وهي: عائشة، وهي من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن طاوس) بن كيسان، أنه قال: قالت عائشة ﵂: أوهم عمر ﵁ (١).
قال السندي ﵀: هكذا في النسخ بالألف، والصواب "وَهِمَ" -بكسر الهاء- أي غلط، أو بفتح الهاء: أي ذهب وَهْمُهُ إلى ما قالَ، كما صرحوا في مثله، وهو المشهور في رواية هذا الحديث، يقال: أوْهَمَ في صلاته، أو في الكلام: إذا أسقط منها شيئًا، وَوَهِمَ بالكسر: إذا غَلِطَ، وَوَهَمَ بالفتح يَهِمُ: إذا ذهب وَهْمُهُ، إلا أن يقال: المراد أن الحديث كان مقيدًا، فأسقط القيد من الكلام نسيانًا، ثم تبع إطلاقه.
قال الجامع: لكن قال في "ق" بعد ما ذكر نحْوَ هذا: ما نصه: وَهَمَ، كَوَعَدَ، وَوَرِثَ، وأوْهَمَ، بمعنى. اهـ.
وقال في "اللسان": وقال ابن الأعرابي: أوْهَمَ، وَوَهِمَ، وَوَهَمَ سواء، وأنشد (من الوافر):
فَإِنْ أخْطَاتُ أوْ أوْهَمْتُ شَيْئًا … فَقَدْ يَهِمُ الْمُصَافِي بِالْحَبيبِ
стр. 4170
وقال الزِّبْرِقان بن بَدْر (من الكامل):
فَبِتِلْكَ أقْضي الْهَمَّ إِذْ وَهِمَتْ بِهِ … نَفْسِي وَلَسْتُ بِنَأْنَإِ عُوَّارِ (١)
وقال شَمِرٌ: أوْهَمَ، وَوَهِمَ، وَوَهَمَ بمعنى، قال: ولا أرى الصحيح إلا هذا. اهـ.
قال الجامع: فعلى هذا إن "أوْهَمَ" بالألف هنا صواب، وليس بخطأ. فتبصر. والله أعلم.
قال السندي: ومقصود عائشة ﵂ أن عمر ﵁ كان يَرى المنع بعد العصر مطلقًا، وهو خطأ، والصواب أن الممنوع هو التحري بالصلاة. وفي "النهاية": التحري: هو القصد، والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول. فالمنهي عنه تخصيص الوقتين المذكورين بالصلاة، واعتقادهما أولى وأحرى للصلاة.
أو أرادت عائشة ﵂ أن المنهي عنه هو الصلاة عند الطلوع والغروب بخصوصهما، لا بعد العصر والفجر مطلقًا، وعلى كل تقدير فقد وافق عمر على رواية الإطلاق صحابة، فالوجه أن روايته صحيحة، والإطلاق مراد، والتقييد في بعض الروايات لا يدل على نفيه، بك لعله كان للتغليظ في النهي. والله تعالى أعلم. اهـ كلام السندي.