أضرب على حديثه؟ قال: نعم. وقال الآجري عن أبي داود: ضُرِبَ الْحَدَّ بمكة، قلت: فيماذا؟ قال: فيما يُضْرَبُ فيه أهل مكة. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الساجي: صدوق. وقال العقيلي: قال ابن عيينة: لم نأخذ منه إلا ما لا نجده عند غيره. أخرج له الشيخان، والمصنف.
٤ - (طاوس) بن كَيْسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبه، ثقة فقيه فاضل، توفي سنة ١٠٦، وقيل بعد ذلك، من [٣]، تقدم في ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته مكيون، إلا شيخه، فموصلي، وطاوسًا فيماني، واتفق الأئمة عليهم إلا شيخه، فمن أفراده، وهشامًا، فأخرج له البخاري ومسلم والنسائي، وفيه ابن عباس أحد المكثرين. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
هذا الحديث صحيح، وهو كما أشار إليه الحافظ المزي بهذا السياق،
стр. 4167
من أفراد المصنف، وشرحه واضح مما سبق. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَنْبَسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَوْهَمَ عُمَرُ ﵁ إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: "لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الله بن المبارك المُخَرِّمِيُّ) أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، توفي سنة بضع و٢٥٠، من [١١]، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي، تقدم في ٤٣/ ٥٠.
والْمُخرِّمي -بضم الميم، وفتح الخاء المعجمة، وتشديد الراء المكسورة- نسبة إلى محلة ببغداد نزلها ولد يزيد بن المُخَرِّم. قاله في "اللب".
٢ - (الفضل بن عَنْبَسَة) الخزاز -بمعجمات- الواسطي، ثقة، انفرد ابن قانع بتضعيفه، وليس ابن قانع بمقنع، من كبار [١٠].
وفي "تت": أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين. قال عبد الله بن
стр. 4168
أحمد عن أبيه: ثقة من كبار أصحاب الحديث.
وقال ابن سعد: كان ثقة معروفًا. وقال النسائي: ثقة، ووثقه الدارقطني. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري عن هارون بن حميد: مات أراه سنة ٢٠٣، وقال أسلم بن سهل: أخبرني تميم بن المنتصر أنه مات سنة ١٩٧، وأرَّخَ خليفة وابن قانع وفاته سنة ٢٠١.
أخرج له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره من مسند ابن عباس "بِتُّ عند ميمونة"، وعند النسائي حديثان: أحدهما حديث عائشة في الصلاة عند طلوع الشمس.
٣ - (وهيب) بن خالد بن عَجْلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بآخره، توفي سنة ١٦٥، وقيل بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢٧.
٤ - (ابن طاوس) عبد الله، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابد، توفي سنة ١٣٢، من [٦]، تقدم في ٥١١.
٥ - (طاوس) بن كيسان أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاضل، من [٣]، تقدم في ٢٧/ ٣١.
٦ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا
стр. 4169
عليهم ما عدا شيخه، فلم يخرج له مسلم والترمذي وابن ماجه، وأنهم ما بين بغدادي وهو: شيخه، وبصري وهو: وهيب، ويمانيين وهو: ابن طاوس، وطاوس، ومدنية وهي: عائشة، وهي من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن طاوس) بن كيسان، أنه قال: قالت عائشة ﵂: أوهم عمر ﵁ (١).
قال السندي ﵀: هكذا في النسخ بالألف، والصواب "وَهِمَ" -بكسر الهاء- أي غلط، أو بفتح الهاء: أي ذهب وَهْمُهُ إلى ما قالَ، كما صرحوا في مثله، وهو المشهور في رواية هذا الحديث، يقال: أوْهَمَ في صلاته، أو في الكلام: إذا أسقط منها شيئًا، وَوَهِمَ بالكسر: إذا غَلِطَ، وَوَهَمَ بالفتح يَهِمُ: إذا ذهب وَهْمُهُ، إلا أن يقال: المراد أن الحديث كان مقيدًا، فأسقط القيد من الكلام نسيانًا، ثم تبع إطلاقه.
قال الجامع: لكن قال في "ق" بعد ما ذكر نحْوَ هذا: ما نصه: وَهَمَ، كَوَعَدَ، وَوَرِثَ، وأوْهَمَ، بمعنى. اهـ.
وقال في "اللسان": وقال ابن الأعرابي: أوْهَمَ، وَوَهِمَ، وَوَهَمَ سواء، وأنشد (من الوافر):
فَإِنْ أخْطَاتُ أوْ أوْهَمْتُ شَيْئًا … فَقَدْ يَهِمُ الْمُصَافِي بِالْحَبيبِ
стр. 4170
وقال الزِّبْرِقان بن بَدْر (من الكامل):
فَبِتِلْكَ أقْضي الْهَمَّ إِذْ وَهِمَتْ بِهِ … نَفْسِي وَلَسْتُ بِنَأْنَإِ عُوَّارِ (١)
وقال شَمِرٌ: أوْهَمَ، وَوَهِمَ، وَوَهَمَ بمعنى، قال: ولا أرى الصحيح إلا هذا. اهـ.
قال الجامع: فعلى هذا إن "أوْهَمَ" بالألف هنا صواب، وليس بخطأ. فتبصر. والله أعلم.
قال السندي: ومقصود عائشة ﵂ أن عمر ﵁ كان يَرى المنع بعد العصر مطلقًا، وهو خطأ، والصواب أن الممنوع هو التحري بالصلاة. وفي "النهاية": التحري: هو القصد، والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول. فالمنهي عنه تخصيص الوقتين المذكورين بالصلاة، واعتقادهما أولى وأحرى للصلاة.
أو أرادت عائشة ﵂ أن المنهي عنه هو الصلاة عند الطلوع والغروب بخصوصهما، لا بعد العصر والفجر مطلقًا، وعلى كل تقدير فقد وافق عمر على رواية الإطلاق صحابة، فالوجه أن روايته صحيحة، والإطلاق مراد، والتقييد في بعض الروايات لا يدل على نفيه، بك لعله كان للتغليظ في النهي. والله تعالى أعلم. اهـ كلام السندي.
стр. 4171
قال الجامع: بل الأولى كون التقييد مرادًا، كما تقدم التفصيل فيه، فتبصر. والله أعلم.
وقال النووي ﵀: قولها: "وَهمَ عمر" تعني عمر بن الخطاب ﵁ في روايته النهي عن الصَلاة بعد العصر مطلقًا، وإنما نهى عن التحري. قال القاضي: إنما قالت عائشة هذا لما روته من صلاة النبي ﷺ الركعتين بعد العصر، قال: وما رواه عمر قد رواه أبو سعيد، وأبو هريرة، وقد قال ابن عباس في مسلم أنه أخبره به غير واحد. قلت: ويجمع بين الروايتين، فرواية التحري محمولة على تأخير الفريضة إلى هذا الوقت، ورواية النهي محمولة على غير ذوات الأسباب. اهـ "شرح مسلم" جـ ٦ ص ١١٩.
(إِنما نهى رسول الله ﷺ ) مُتَعَلَّقُ "نهى" محذوف، يدل عليه ما بعده، وتقديره "عن التحري بالصلاة طلوعَ الشمس، وغروبَهَا"، ورواية المصنف في الكبرى: "إنما نهى النبي ﷺ أن يُتَحرَّى طلوع الشمس، أو غروبها"، ونحوُها روايةُ مسلم، وهي واضحة، وجملة قوله (قال: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإِنها تطلع بين قرني شيطان) مفسرة لما قبلها.
وقد تقدم معنى التحري في شرح حديث ابن عمر (٥٦٣)، وكذا معنى قوله: "بين قرني شيطان" في شرح حديث الصنابحي (٥٥٩) فارجع إليه تزدد علمًا. وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 4172
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٧٠)، وفي "الكبرى" (١٥٤٧) بهذا السند، ولفظ الكبرى، "قالت عائشة: أوهم ابن عمر: "إنما نهى النبي ﷺ أن يُتَحَرَّى طلوعُ الشمس، أو غُرُوبها".
قال الجامع: قوله: "أوهم ابن عمر" الظاهر أن هذا خطأ، والصواب "عمر"، كما هو الواقع في المجتبى، وهو الذي في صحيح مسلم، لأن ابن عمر صح عنه مثل ما روته عائشة ﵃، انظر ما تقدم برقم (٥٦٣) وفي "الكبرى" (١٥٥١) ولفظه عنه: "أن رسول الله ﷺ قال: "لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان". والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في "الصلاة" عن محمد بن حاتم، عن بَهْز بن أسد، عن وُهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عنه.
قال الجامع عفا الله عنه: أما بقية المسائل المتعلقة بالحديث فقد تقدمت في الأحاديث الماضية، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بتكرارها. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 4173
٥٧١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تُشْرِقَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغْرُبَ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي أبو حفص البصري، ثقة ثبت حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ، توفي سنة ١٩٨، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلس، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢.
стр. 4174
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وأن شيخه ممن رووا عنه بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) ابن عمر ﵄ (قال رسول الله ﷺ : إِذا طلع) أي ظهر (حاجب الشمس) أي طرفها الأعلى من قرصها، سمي به لأنه أول ما يبدو منها، فيصير كحاجب الإنسان.
(فأخروا الصلاة) هذا محمول على ما عَدَا ذَوَاتِ الأسباب على الراجح، كما تقدم جمعًا بين الأدلة.
(حتى تُشرِقَ) يقال: شَرَقَت الشمس شُرُوقًا، من بَابِ قَعَدَ، وشَرْفًا أيضًا: طلعت، وأشرقت بالألف: أضاءت، ومنهم من يجعلهما بمعنى. قاله في "المصباح". وفي المحكم: أشرقت الشمس: أضاءت وانبسطت، وقيل: شَرَقَت، وأشرقت: أضاءت، وشرِقَت بالكسر: دَنَت للغروب. اهـ "عمدة القاري".
وفي "الفتح": "حتى تُشْرِق"- بضم أوله من أشرق، يقال: أشرقت الشمس: ارتفعت، وأضاءت، ويؤيده حديث أبي سعيد "حتى ترتفع
стр. 4175
الشمس"، ويروى- بفتح أوله، وضم ثالثه، بوزن تَغْرُب، يقال: شَرَقَت، الشمس: أي طلعت، ويؤيده رواية البيهقي من طريق أخرى عن ابن عمر بلفظ "حتى تشرق، أو تطلع" على الشك، وفي رواية للبخاري "حتى تطلع الشمس" بالجزم، ويجمع بين الحديثين بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي حتى تطلع مرتفعة. اهـ جـ ٢ ص ٧١.
(وإِذا غاب حاجب الشمس) أي الطرف الذي يغيب آخرًا.
(فأخروا الصلاة حتى تغرب) أي تغيب بالكلية. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
كُتِبَ بهامش النسخة المصرية، ما نصه: وجد بهامش الأصل: ما نصه: حديث محمد بن عبد الله المُخَرِّمي، وحديث عمرو بن علي بعده، هكذا هما في النسخ الموجودة بأيدينا.
ورأيت في نسخة: ما نصه: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا الفضل بن عنبسة، قال: أنبأنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قالت عائشة: أوهم عمر ﵁، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس، أو غروبها، أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني ابن عمر: أن رسول الله ﷺ ، قال: "لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان".
стр. 4176
أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرني ابن عمر، قال: رسول الله ﷺ : "إذا طلع حاجب الشمس، فأخروا الصلاة حتى تشرق، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب".
قال الجامع: أما حديث عائشة ﵂ بهذا اللفظ، فهو في الكبرى للمصنف رقم (١٥٤٧) لكن وقع فيه خطأ في قوله: أوهم ابن عمر، وإنما هو أوهم عمر، كما نبهت عليه سابقًا. وأما حديث ابن عمر الأول فهو في الكبرى أيضًا، ولكن في آخره: "وتغرب بين قرني شيطان" (١)، وأما حديثه الثاني فهو المذكور في "المجتبى". وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٧١)، وفي "الكبرى" (١٥٥١)، بالسند المذكور هنا وقد ذكرت لفظه في "الكبرى" آنفًا.
стр. 4177
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم، فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، وفي "صفة إبليس" عن محمد، عن عبدة، وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع- وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه- ومحمد بن بشر- كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ (١).
قال الجامع: قد تقدم ما يتعلق بالحديث من المسائل في الأحاديث السابقة، فارجع إليها تزدد علمًا. وبالله التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٧٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى: سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ: نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ، قَالُوا: سَمِعْنَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ مِنَ
الأصل، أبو الحسن، نشأ ببغداد، ثقة عابد، توفي سنة ٢٢١، من [٩]، أخرج له البخاري وأبو داود في "الناسخ"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٣ - (الليث بن سعد) أبو الحارث الفهمي المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، توفي سنة ١٧٥ في شعبان، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٤ - (معاوية بن صالح) بن حُدَير الحضرمي، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، توفي سنة ١٥٨، وقيل: بعد ١٧٠، من [٧]، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ٥٠/ ٦٢.
٥ - (أبو يحيى: سُلَيم بن عامر) الكَلاعي، ويقال الخَبَائري -بخاء معجمة، وموحدة- الحمصي، ثقة، غَلِطَ من قال إنه أدرك النبي ﷺ ، توفي سنة ١٣٠، من [٣]، أخرج لهَ البخاري في "الأدب المفرد" ومسلم، والأربعة، من [٣]، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٦ - (ضَمْرَة بن حَبِيب) بن صُهَيب الزُّبَيديُّ -بضم الزاي- أبو عُتْبَةَ الحِمْصِيُّ، ثقة، توفي سنة ١٣٠، من [٤]، أخَرج له الأربعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٧ - (أبو طلحة: نُعَيم بن زياد) الأنْمَارِي- بفتح أوله وسكون
стр. 4180
النون- الشامي، ثقة يرسل، من [٣]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٨ - (أبو أمامة الباهلي) صُدَيُّ بن عَجْلان، صحابي مشهور، سكن الشام، ومات بها سنة ٨٦، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٩ - (عمرو بن عَبَسَةَ) -بموحدة، ومهملتين مفتوحات- بن عامر ابن خالد السلمي، أبو نَجِيحٍ، صحابي مشهور، أسلم قديمًا، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام، أخرج له مسلم، والأربعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. وبالله تعالى التوفيق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، غير معاوية، فصدوق له أوهام.
ومنها: أن شيخه ممن انفرد هو به.
ومنها: أنهم شاميون إلا شيخه، فنسائي، والليث، فمصري.
ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(يقول) عمرو بن عَبَسَة ﵁ (قلت: يا رسول الله هل
стр. 4181
من) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، قال ابن مالك في "خلاصته":
وَزِيدَ في نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ … نَكِرَةً كمَا لِبَاغٍ مَنْ مَفَرّ
(ساعة) مبتدأ، سوغ الابتداء به مع كونه نكرَة وَقوعه بعِد الاستفهام، مرفوع بضمة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد (أقرب) خبر المبتدإ (من الأخرى؟) متعلق "بأقرب"، يعني هل تكون ساعة أقرب للإجابة من ساعة أخرى؟، ويحتمل أن يكون المعنى: هل ساعة يكون الله فيها أقرب إلى عبده من الساعة الأخرى؟ (أو) للشك من الراوي (هل من ساعة يبتغى) بالبناء، للمفعول، أي يطلب (ذكرها؟) بالرفع نائب فاعل "يبتغى"
يعني يطلب ذكر تلك الساعة لكون التقرب إلى الله فيها أفضل، ويحتمل أن يكون الكلام من الحذف والإيصال، أي ذكر الله فيها، أي يطلب ذكر الله تعالى فيها. والله أعلم. وعند أبي داود "قلت: يا رسول الله أيُّ الليل أسمع"؟ الحديث.
(قال) رسول الله ﷺ (نعم) أي تكون بعض الساعات أقرب من الأخرى.
(إِن أقرب ما يكون الرب قربًا يليق بجلاله ، وفيه إثبات صفة القرب لله على ما يليق به (من العبد) متعلق بأقرب.
стр. 4182
(جوف الليل الآخر) فقوله: "أقرب" اسم "إن"، وهو مضاف إلى "ما يكون إلخ"، و"ما" مصدرية، صلتها الجملة بعدها، ويكون تامة، فلا تحتاج إلى خبر، والتقدير: أقرب أكوان الرب ، وإنما قدرناه بأكوان لأن "أقرب" أفعل تفضيل، وهو بعض ما يضاف إليه، فلابد من تعدده، انظر إعراب قولهم: "أخطب ما يكون الأمير قائمًا" في حاشية العلامة يس على شرح قطر الندى للفاكهي جـ ١ ص ٢٥٦.
و"من العبد" متعلق "بأقرب"، و"جوف الليل" خبر "إن"، على حذف مضاف، أي قرب جوف الليل، يعني أن الساعة التي يكون الله فيها أقرب من عبده جوف الليل.
و"الآخر" بالرفع صفة "جوف" وذلك أن الليل له نصفان، ولكل نصف جوف، فيكون القرب في جوف النصف الثاني، وهو الثلث الأخير من الليل. والله أعلم. وقال الخطابي ﵀: قوله "جوف الليل الآخر" يريد به ثلث الليل الآخر، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل. اهـ معالم جـ ٢ ص ٨١.
(فإِن استطعت أن تكون ممن يذكر الله بالصلاة، وإنما قدرنا هذا لدلالة قوله: "فإن الصلاة محضورة" الخ، وعند أبي داود: "فَصَلِّ ما شئت، فإن الصلاة" الخ.
(في تلك الساعة) أي ساعة جوف الليل الآخر (فكن) خبر "كن" محذوف، يدل عليه ما سبق، أي منهم.
стр. 4183
(فإن الصلاة) الفاء للتعليل، أي لأن الصلاة (محضورة مشهودة) قال النووي: أي تحضرها الملائكة، وتشهدها، فهي أقرب إلى القبول، وحصول الرحمة.
وقال القاري: أي يحضرها الملائكة ليكتبوا أجرها، ويشهدوا بها لمن صلاها، ويؤيده أن في رواية أبي داود: "مشهودة مكتوبة". وقال الطيبي: أي يحضرها أهل الطاعة من سكان السماء والأرض. وعلى المعنيين "فمحضورة" تفسير "مشهودة" وتأكيد لها.
ويمكن أن يحمل "مشهودة" على المعنى الأول، و"محضورة" على المعنى الثاني، أو الأولى بمعنى الشهادة، والثانية بمعنى الحضور للتبرك، والتأسيس أولى من التأكيد. انتهى كلام القاري اهـ "مرعاة" جـ ٣ ص ٤٥٨.
(إِلى طلوع الشمس) غاية للصلاة، أي صلِّ إلى طلوع الشمس، وهذا بظاهره يدل على إباحة الصلاة النافلة بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتيه، ولكن يعارضه ما في رواية لأحمد في مسنده جـ ٤ ص ٣٨٥ - من طريق شهر بن حَوْشَب، عن عمرو بن عَبَسَةَ ففيه: "قلت: أيُّ الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر، ثم الصلاة مكتوبة مشهوفى حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر، فلا صلاة إلا الركعتين حتى تصلي الفجر … " الحديث. فإنه صريح في كراهة التطوع بعد طلوع الفجر بغير ركعتي الفجر، قال في "المنهل": فلعله وقع اختصار في حديث المصنف. اهـ. جـ ٧ ص ١٧٣.
стр. 4184
(قال الجامع): لكن يجاب بأن هذه الرواية في سندها شهر بن حوشب كثير الأوهام، فتكون روايته منكرة لمخالفته لأبي أمامة الباهلي، الحافظ الثبت، وقد تابعه غيره. والله أعلم.
(فإِنها تطلع بين قرني الشيطان) الفاء للتعليل، والجملة تعليلية مقدمة على محلولها، وهو قوله: "فدع الصلاة" إلخ، ولأبي داود: "ثم أقْصِرْ حتى تطلع الشمس، فترتفع قِيس رُمْح، أو رُمْحَين، فإنها تطلع بين قرني شيطان … " الحديث.
والمراد بقرني الشيطان: جانبا رأسه، وذلك لأنه يدني رأسه من الشمس حين طلوعها، فيكون الساجد من الكفار للشمس كالساجد له، فنُهِيَ عن الصلاة في تلك الساعة لئلا يكون المصلي مشابهًا للكفار المطيعين الساجدين له. وقد تقدم اختلاف العلماء في معنى قرني الشيطان مستوفى في شرح حديث الصُّنَابِحِيّ (٥٥٩) فارجع إليه تزدد علمًا.
(وهي) أي تلك الساعة، وهي ساعة طلوع الشمس (ساعة صلاة الكفار) حيث يسجدون للشمس فيها. (فدع الصلاة) أي اترك أداء الصلاة وقت طلوعها، وانتظر (حتى ترتفع قيد رمح) أي قدرَ رُمح، وقيد رمح- بالكسر، وقَادَ رمح- بالفتح: قدره، ومثله الْقِيبُ، والقَاب، والقِيس، والقَاس، كما في "المصباح".
стр. 4185
(ويذهب شعاعها) قال في "ق": وشُعَاعُ الشمس، وشُعُّهَا -بضمها- الذي تراه كأنه الحبَالُ مُقْبِلَةً عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضوئها، أو الذيَ تراه مَمتدًا كالرماح بُعَيدَ الطلوع، وما أشبهه، الواحدة بهاء، جمعه: أشِعَّةٌ، وشُعُعٌ،-بضمتين- وشِعَاعٌ- بالكسر. اهـ.
قال النووي ﵀. وفيه أن النهي عن الصلاة بعد الصبح لا يزول بنفس الطلوع، بل لابد من الارتفاع. اهـ "شرح مسلم" جـ ٦ ص ١١٦.
(ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار) وانتصاب "اعتدال" على أنه مفعول مطلق لتعدل، يعني حتى تستوي الشمس في وسط السماء، كاعتدال الرمح المنصوب في الأرض المستوية، وهو كناية عن وقت الاستواء.
وفي رواية مسلم: "حتى يستقل الظل بالرمح"، أي حتى يرتفع الظل مع الرمح، أو في الرمح، ولم يبق على الأرض منه شيء من الاستقلال بمعنى الارتفاع.
قال ابن الملك: يعني لم يبق ظل الرمح، وهذا بمكة، والمدينة، وحواليهما في أطول يوم في السنة، فإنه لا يبقى عند الزوال ظل على وجه الأرض، بل يرتفع عنها، ثم إذا مالت الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب، وهو أول وقت الظهر يقع الظل على الأرض.
стр. 4186
وقيل: من القِلَّةِ، يقال: استقله: إذا رآه قليلًا؛ أي حتى يَقِلَّ الظلُّ الكائن بالرمح، أدنى غاية القلة، وهو المسمى بظل الزوال. قال القاري: وروي "حتى يستقل الرمحُ بالظل"، أي يرفع الرمح ظله، فالباء للتعدية. وعلى الروايتين هو مجاز عن عدم بقاء ظل الرمح على الأرض، وذلك يكون في وقت الاستواء، وتخصيص الرمح بالذكر، لأن العرب كانوا إذا أرادوا معرفة الوقت رَكَزُوا رِمَاحهم في الأرض، ثم نظروا إلى ظلها.
وقال النووي: قوله: "حتى يستقل الظل بالرمح"، أي يقوم مقابله في جهة الشمال، ليس مائلًا إلى المغرب، ولا إلى المشرق، وهو حالة الاستواء.
وقال التوربشتي: كذا في نسخ "المصابيح"، وفيه تحريف، وصوابه حتى يَسْتَقِلَّ الرمحُ بالظل، ووافقه صاحب النهاية حيث قال: حتى يبلغ ظل الرمح المغروز في الأرض، أدْنَى غايةِ القلَّةِ والنقص، فقوله: "يستقل" من القلة، لا من الإقلال، والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع، والاستبداد.
قال الطيبي: كيف ترد نسخ المصابيح مع موافقتها بعض نسخ مسلم، وكتاب الحميدي، على أن لها محامل:
منها: أن معناه أن يرتفع الظل معه، ولا يقع منه شيء على الأرض من قولهم: استقلت السماء: ارتفعت. ومنها أن يقدر المضاف؛ أي
стр. 4187
يعلم قلة الظل بواسطة ظل الرمح.
ومنها: أن يكون من باب عرضت الناقة على الحوض، وطينت (١) بالفَدَن السياعا (٢)، قال صاحب "المفتاح": لا يشجع على القلب إلا كمال البلاغة مع ما فيه من المبالغة من أن الرمح صار بمنزلة الظل في القلة، والظل بمنزلة الرمح. انتهى.
ووقع في رواية لأحمد: "حتى يستقل الرمح بالظل"، وفي أخرى: "حتى يقوم الظل قيام الرمح"، وفي رواية أبي داود: "حتى يعدل الرمح ظله"، وفي رواية لأحمد، وعند ابن ماجه أيضًا "حتى يقوم العمود على ظله"، قال السندي: العمود: خشبة يقوم عليها البيت، والمراد حتى يبلغ الظل في القلة بحيث لا يظهر إلا تحت العمود، قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. قاله في "المرعاة" جـ ٣ ص ٤٥٩.
(فإِنها ساعة) تعليل مقدم على المعلل، وهو قوله "فَدَعِ الصلاةَ" الخ.
(تفتح أبواب جهنم) قال النووي ﵀: واختلف أهل
стр. 4188
العربية، هل جهنم اسم عربي، أم عجمي؟ فقيل: عربي، مشتق من الجهومة، وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم: بئر جهام، أي عميقة، فعلى هذا لم تصرف للعلمية والتأنيث، وقال الأكثرون: هي عجمية مُعَرَّبة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة. اهـ شرح مسلم جـ ٦ ص ١١٧.
(وتسجر) بالتخفيف والتشديد مجهولًا، أي يوقد عليها إيقادًا بليغًا، من سجر التنور- بالتخفيف والتشديد: ملأه وَقُودًا، وأحْمَاهُ. قال ابن الملك: أي تملأ نيران جهنم، وتوقد، ولعل تسجيرها حينئذ لمقارنة الشيطان الشمس، وتهيئة عباد الشمس أن يسجدوا لها.
وقال الخطابي في "المعالم" جـ ١ ص ٢٧٦: ذكر تسجير جهنم، وكون الشمس بين قرني الشيطان، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تذكر على سبيل التعليل لتحريم شيء، أو لنهي عن شيء أمور لا تدرك معانيها من طريق الحس والعيان، وإنما يجب علينا الإيمان بها والتصديق للمخبر بها، والانتهاء إلى أحكامها التي علقت بها. انتهى.
(فدع الصلاة حتى يفيء الفيء) أي حتى يرجع الظل إلى جهة المشرق، يقال: فاء الظل يَفِيء، فَيْئًا، رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق. قاله في المصباح.
والفيء مختص بما بعد الزوال، وأما الظل، فيقع على ما قبل الزوال، وما بعده. قاله النووي. وقال القاري: والفيء ما نسخ
стр. 4189
الشمسَ، وذلك بالعشي، والظل ما نسخته، وذلك بالغَدْوة.
(ثم الصلاة محضورة مشهودة) أي فينبغي لك الاستكثار منها (حتى تغيب الشمس) أي فاترك الصلاة عندئذ (فإِنها تغيب بين قرني شيطان) تعليل للأمر بالترك المقدر.
(وهي صلاة الكفار) وفي "الكبرى" "وهي ساعة صلاة الكفار"، ولمسلم: "فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار"، يعني أن تلك الساعة ساعة يسجد فيها الكفار للشمس، فلا ينبغي التشبه بهم. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
في هذه الرواية اختصار، حيث إنه لم يذكر ما بعد العصر، وقد ذكره في الرواية الآتية (٥٨٤) من طريق عبد الرحمن البَيْلَماني، عن عمرو بن عَبَسَة، ففيه: "ثم صَلِّ ما بدا لك حتى تصلي العصر، ثم انته حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان". والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمرو بن عبسة ﵁ أخرجه مسلم.
стр. 4190
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٧٢) وفي "الكبرى" (١٥٤٤) بالسند المذكور هنا، وفي (٥٨٤)، عن الحسن بن إسماعيل، وأيوب بن محمد، وفي "الكبرى" (١٥٦٠) عن أيوب وحده، كلاهما عن حجاج عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البَيْلَماني، عن عمرو بن عَبَسَة، ﵁.
وأخرجه في "الطهارة" (١٤٧) بقصة الوضوء عن عمرو بن منصور، عن آدم بن أبي إياس، عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه.
أخرجه مسلم وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" بطوله عن أحمد ابن جعفر المَعُقرِيّ، عن النضر بن محمد، عن عكرمة بن عَمَّار، عن شداد أبي عمار، ويحيى بن أبي كثير، كلاهما عن أبي أمامة، عن عمرو ابن عبسة ﵁.
وأخرجه ابن ماجه في "الطهارة" بقصة الوضوء عن أبي بكر بن أبي شيبة وبندار كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء به. وفي الصلاة مختصرًا عن أبي بكر، وبندار، ومحمد بن الوليد، ثلاثتهم عن غندر، عن شعبة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: أنه ينبغي للمسلم أن يسأل عن أفضل الأوقات والأماكن
стр. 4191
ليتقرب فيها إلى ربه، ويكثر من طاعته.
ومنها: فضل جوف الليل الآخر، واستحباب ذكر الله تعالى فيه بالصلاة.
ومنها: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس.
ومنها: تسلط الشيطان في ذلك الوقت للإغواء.
ومنها: النهي من مشابهة الكفار في عبادتهم.
ومنها: النهي عن الصلاة وقت الاستواء، لأنه وقت فتح أبواب جهنم، وتسجيرها.
ومنها: النهي عن الصلاة وقت الغروب للعلة المتقدمة في الطلوع.
وقد تقدم اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في هذه الأوقات، وترجيح الراجح من أقوالهم بدليله، في الحديث (٥٥٩)، وما بعده مستوفى فارجع إليه تزدد علمًا، وبالله سبحانه التوقيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4192
٣٦ - الرُّخْصَةُ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ
٥٧٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً مُرْتَفِعَةً".
رجال الإسناد: ستة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة حجة، توفي سنة ٢٣٨، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثم الرازي، ثقة حافظ، من [٨]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة حجة، من [٦]، تقدم في ٢/ ٢.
٤ - (هلال بن يساف) بكسر التحتانية، وتفتح، ويقال: إساف الأشجعي مولاهم الكوفي ثقة، من [٣]، تقدم في ٣٩/ ٤٣.
٥ - (وهب بن الأجدع) الهمداني الكوفي، ثقة، من [٢]، أخرج له أبو داود والنسائي.
стр. 4193
روى عن عمر، وعلي، وعنه هلال بن يساف، والشعبي. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة.
٦ - (علي) بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي ﵁، تِقدم في ٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا وهبًا فانفرد به المصنف، وأبو داود، وإسحاق فلم يخرج له ابن ماجه.
ومنها. أنهم كوفيون غير شيخه فمروزي، ثم نيسابوري. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن علي) بن أبي طالب ﵁. أنه (قال: نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بعد العصر) ولفظ البيهقي: "لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا، والشمس مرتفعة".
(إِلا أن تكون الشمس بيضاء نقية) صافية لم تتغير بِدُنُوِّهاَ للغروب، فهو صفة لـ "بيضاء" كاشفة وكذا قوله (مرتفعة) وجمَلة "أن تكون" الخ في تأويل المصدر مجرور بحرف جر مُقَدَّرٍ قياسًا، أي إلا في
стр. 4194
حال بياض الشمس ونقائها، وارتفاعها.
واستدلت الشافعية والحنابلة بهذا الحديث على جواز النافلة التي لها سبب بعد العصر ما دامت الشمس مرتفعة، ولكن لا دلالة فيه على تخصيص ذات السبب، بل فيه الدلالة على جواز الصلاة مطلقًا بعد العصر ما دامت الشمس مرتفعة.
وحَمَلَ الحنفية المستثنى في حديث الباب على فائتة المكتوبة، والجنازة، ونحوها من الواجبات، فإنه لا يكره فعلها بعد العصر بالإجماع ما دامت الشمس مرتفعة، فإذا دنت للغروب كره ذلك أيضًا. وحمله بعضهم على أن معناه نَهَى عن الصلاة بعد دخول وقت العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة، فيصلى العصر، فالمستثنى إنما هو فرض صلاة العصر. اهـ المنهل جـ ٦ ص ١٦٩. والله ولي التوفيق.
قال الجامع: الراجح عندي أن الصلاة مطلقًا مباحة بعد صلاة العصر ما دامت الشمس نقية، لصحة الحديث بذلك، فيكون مخصصًا لحديث: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس". والله تعالى أعلم.
فصل
قد أورد العلامة النَّظَّار (١) الإمام الجِهْبِذُ أبو محمد بن حزم الآثار
стр. 4195
الواردة في جواز الركعتين بعد العصر، مرفوعاتها، وموقوفاتِها، فأجاد، وأفاد، وأنا إن شاء الله تعالى ألخصها هنا تتميمًا للفائدة:
أخرج ﵀ بسنده من طريق مسلم بن الحجاج عن عائشة ﵂، قالت: "ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قط". أخرجه مسلم جـ ١ ص ٢٣٠. وهو الآتي للمصنف (٥٧٤).
ومن طريقه عن عائشة، قالت: "صلاتان ما تركهما رسول الله ﷺ في بيتي قط سرًا، ولا علانية: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر". رواه مسلم جـ ١ ص ٢٢٩، ويأتي للمصنف (٥٧٧).
وعنها، قالت: "لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر". رواه مسلم.
وأخرج من طريق البخاري عن عائشة، قالت: "والذي ذهب به -تعني رسول الله ﷺ - ما تركهما حتى لقي الله تعالى -تعني الركعتين بعد العصر- قالت: وما لقي الله حتى ثَقُلَ عن الصلاة".
فهذا غاية التأكيد فيهما، وقد روتهما أيضًا أم سلمة، وميمونة، أما المؤمنين، وتميم الداري، وعمر بن الخطاب، وزيد بن خالد الجهني، وغيرهم، فصار نقل تواتر، يوجب العلم.
وأخرج أيضًا بسنده عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: صَلَّى بنا معاوية العصر، فرأى ناسًا يصلون، فقال: ما هذه الصلاة؟ قالوا:
стр. 4196
هذه فتيا عبد الله بن الزبير، فجاء عبد الله بن الزبير مع الناس، فقال له معاوية: ما هذه الفتيا التي تفتي أن يصلوا بعد العصر؟ فقال ابن الزبير: حدثتني زوج رسول الله ﷺ : "أنه ﵇ صلى بعد العصر" فأرسل معاوية إلى عائشة، فقالت: هذا حديث ميمونة بنت الحارث، فأرسل إلى ميمونة رسولين، فقالت: إنما حدثْتُ: "أن رسول الله ﷺ كان يجهز جيشًا فحبسوه حتى أرْهَقَ العصر، فصلى العصر، ثم رجع، فصلى ما كان يصلي قبلها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة، أو فعل شيئًا يحب أن يداوم عليه"، فقال ابن الزبير: "أليس قد صلى؟ والله لنصلينه".
قال علي (١): ظهرت حجة ابن الزبير، فلم يجز الاعتراض عليه.
قال علي: وقالوا: قد كان عمر يضرب الناس عليها، وابن عباس معه، قلنا: لا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ ، لا في عمر، ولا في غيره، بل هو ﵇ الحجة على عمر وغيره، وقد خالف عمر في
ذلك. طوائف من الصحابة. وقد صح عن عمر، وعن ابن عباس إباحة الركوع والتطوع. والوجه الذي من أجله ضرب عمر عليها، فقد خالفو اعمر ﵁ في ذلك.
وأخرج بسنده عن عروة: "أخبرني تميم الداري، أو أخْبرْت أن تميمًا الداري ركع ركعتين بعد العصر، فأتاه عمر، فضربه بالدِّرَّةَ، فأشار إليه
стр. 4197
تميم: أن اجلس فجلس عمر حتى فرغ تميم: فقال لعمر: لِمَ ضربتني؟ فقال له عمر: لأنك ركعت هاتين الركعتين، وقد نهيتُ عنَهما، قال له تميم: إني قد صليتهما مع من هو خير منك: رسول الله ﷺ ، فقال له عمر: إني ليس بي إياكم أيها الرهط، ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب، حتى يمرون بالساعة التي نهى عنها رسولُ الله ﷺ أن يُصَلَّى فيها، كما صَلَّوا بين الظهر والعصر، ثم يقولون: قد رأينا فلانًا، وفلانًا يصلون بعد العصر".
وأخرج أيضًا عن زيد بن خالد الجهني: "أن عمر رآه يصلي بعد العصر ركعتين -وعمر خليفة- فضربه بالدِّرَّة، وهو يصلي، كما هو، فلما انصرف قال له زيد: يا أمير المؤمين، فوالله لا أدَعُهُمَا أبدًا بعد إذ رأيت رسول الله ﷺ يصليهما، فجلس إليه عمر، وقال: يا زيد بن خالد لولا أن أخشى أن يتخذهما الناس سُلَّمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما".
فهذا نص جلي ثابت عن عمر بإجازته التطوع بعد العصر. ما لم تصفر الشمس، وتقارب المغرب.
ورَوَيْنَا بالإسناد الثابت عن شعبة، عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، قال: قال ابن عباس: لقد رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس على الصلاة بعد العصر، ثم قال ابن عباس: صَلِّ إن شئت ما بينك وبين أن تغيب الشمس.
стр. 4198
قال علي: هم يقولون: في الصاحب يروي الحديث، ثم يخالفه: لولا أنه كان عنده علم بنسخه ما خالفه، فيلزمهم أن يقولوا ها هنا: لولا أنه كان عند ابن عباس علم أثْبَتُ من فعل عمر ما خالف ما كان عليه مع عمر.
وبمثله عن شعبة، عن أبي شعيب، عن طاوس: سُئِلَ ابن عمر عن الركعتين بعد العصر؟ فرخص فيهما.
قال علي: هلا قالوا: إن ابن عمر لم يكن ليخالف أباه لولا فضل علم كان عنده أثبت من فعل أبيه؟
وروينا عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح: أن عائشة، وأم سلمة أمَّي المؤمنين كانتا تركعان ركعتين بعد العصر. وروينا عن حماد بن سلمة، وهشام بن عروة، قال حماد: عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: كانت عائشة أم المؤمنين تصلي ركعتين بعد العصر، وهي قائمة، وكانت ميمونة أم المؤمنين تصلي
أربعًا، وهي قاعدة، فَسُئلت عن ذلك؟ فقالت عن عائشة: أنها شابة، وأنا عجوز، فأصلي أربعًا بدل ركعتيها.
قال علي: هذا يبطل رواية مَنْ رَوَى عن أم سلمة: "أنقضيهما نحن؟ قال: لا".
وقال هشام عن أبيه: كان الزبير، وعبد الله بن الزبير يصليان بعد العصر ركعتين. روينا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة:
стр. 4199
كنا نصلي مع ابن الزبير العصر في المسجد الحرام، فكان يصلي بعد العصر ركعتين، وكنا نصليهما معه، نقوم صفًا خلفه.
وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: سبح المنكدر بعد العصر، فضربه عمر.
قال علي: المنكدر، والسائب صاحبان لرسول الله ﷺ . وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر، فلما استُخلِفَ عمر تركهما، فلما توفي عمر ركعهما، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إن عمر كان يضرب الناس عليهما.
قال علي: في هذا الحديث بيان واضح أن أبا بكر الصديق، وعثمان ﵄ كانا يُجِيزَان الركوع بعد العصر.
وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، وسفيان جميعًا، قالا: ثنا أبو إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة: أن علي بن أبي طالب كان في سفر، فصلى العصر، ثم دخل فسطاطه، فصلى ركعتين.
وعن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: سألت أبا جحيفة عن الركعتين بعد العصر؟ فقال: إن لم ينفعاك لم يضراك. وعن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة: ثنا يزيد بن خمير، عن عبد الله بن يزيد، عن جُبَير بن نُفَير، قال: كتب عمر إلى عمير بن
стр. 4200
سعد، ينهاه عن الركعتين بعد العصر، فقال أبو الدرداء: أما أنا فلا أتركهما، فمن شاء أن يَنْحَضِجَ فَلْيَنْحَضِج (١).
وعن حماد بن زيد: ثنا أنس بن سيرين، قال: خرجت مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذق سيرين (٢) وهي خمس فراسخ، فحضرت صلاة العصر، فأمنا قاعدًا على بساط في السفينة، فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بنا ركعتين.
وعن يزيد بن هارون، عن عمار بن معاوية الدُّهني، عن أبي شعبة التميمي، قال: رأيت الحسن بن علي بن أبي طالب يطوف بعد العصر، ويصلي. وعن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن قيس ابن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، قال: لم يُنْه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس.
وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود في حديث: "سيأتي عليكم زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه، يطيلون الخطبة، ويؤخرون الصلاة، حتى يقال: هذا شرق الموتى، قلت: وما شرق الموتى؟ قال: إذا اصْفَرَّت
стр. 4201
الشمس جدًا، فمن أدرك ذلك منكم، فليصل الصلاة لوقتها، فإن احتبس فليصل معهم، وليجعل صلاته وحده الفريضة، وصلاته معهم تطوعًا.
قال علي: فهؤلاء أكابر الصحابة ﵃: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، أمهات المؤمنين، وابن الزبير، ومَنْ بحضرته من الصحابة، وتميم الداري، والمنكدر، وزيد بن خالد الجُهَني، وابن عباس، وابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو جحيفة، وأبو الدرداء، وأنس، والحسن بن علي،
وبلال، وطارق بن شهاب، وابن مسعود، وروي أيضًا عن النعمان بن بشير، وغيرهم، فمن بقي؟
وما نعلم لهم متعلقًا بأحد من الصحابة ﵃ إلا رواية عن أبي سعيد الخدري، جعلها خاصة لرسول الله ﷺ ، وإذا قال صاحب: هي خاصة، وقال آخرون منهم: هي عامة، فالسير على العموم حتى يأتي نص صحيح بأنها خصوص، ولا سبيل إلى وجوده، وأخرى عن معاوية ليس فيها نهي عنهما، بل فيها: إن الناس كانوا يصلونها في عهد رسول الله ﷺ ، وأخرى مرسلة لا تصح عن ابن مسعود، ليس فيها أيضا إلا: وأنا أكره ما كَرِهَ عمر، وقد صح عن عمر، وعن ابن مسعود إباحة ذلك، وعن أبي بكرة المنع من الصلاة
جملة من حين صفرة الشمس.
стр. 4202
وأما التابعون فكثير، منهم هشام بن عروة، وأنس بن سيرين، كما ذكرنا آنفًا. وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، قال: كان أبي لا يدعهما، يعني الركعتين بعد العصر.
وعن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق: أن عبد الرحمن بن البَيْلَماني كان يصلي بعد العصر ركعتين.
وعن عبد الرزاق، عن ابن جريج أخبرني إبراهيم بن مَيْسَرَة، أن طاوسًا صلى بحضرته ركعتين بعد العصر، ثم قال له: أتصلي بعد العصر؟ قلت: نعم، قال: أكرمت والله.
وعن يحيى بن سعيد الْقَطَّان، عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشَّعْثَاء، قال: سافرت مع أبي، وعمرو بن ميمون، والأسود، ومسروقَ، وأبي وائل، فكانوا يصلون بعد الظهر ركعتين، وبعد العصر ركعتين.
وعن محمد بن جعفر غندر: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: رأيت شريحًا القاضي يصلي بعد العصر ركعتين.
وعن محمد بن المثنى، عن معاذ بن معاذ العنبري: ثنا أبي، عن قتادة، قال: كان سعيد بن المسيب يصلي بعد العصر ركعتين.
وعن محمد بن المثنى: ثنا أبو عاصم النبيل، عن عمر بن سعيد، قال: رأيت القاسم بن محمد ابن أبي بكر يطوف بعد العصر، ويصلي ركعتين، وكذلك أيضًا عن الحسن.
стр. 4203
فهؤلاء: هشام بن عروة، وأنس بن سيرين، وطاوس، وعبد الرحمن ابن البيلماني، وإبراهيم بن ميسرة، وأبو الشعثاء، وأشعث ابنه، وعمرو بن ميمون، ومسروق، والأسود، وأبو وائل، وشريح القاضي، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وغيرهم، كعبد الله بن أبي الهذيل، وأبي بردة بن أبي موسى، وعبد الرحمن بن الأسود، والأحنف بن قيس، وبهما يقول أبو خيثمة، وأبو أيوب الهاشمي، وبه نأخذ إن شاء الله تعالى. "المحلى" جـ ٢ ص ٢٧٢ - ٢٧٥، وجـ ٣ ص ٢ - ٧.
قال الجامع: الحاصل أن الراجح جواز الصلاة بعد العصر، مادامت الشمس بيضاء نقية، لصحة الحديث به، وعمل أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم ممن ذكرهم أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى به، فيكون حديث النهي عن الصلاة بعد العصر مخصصًا بحديث الباب. والله أعلم.
تنبيه:
حديث علي ﵁ هذا: صحيح، أخرجه المصنف هنا (٥٧٣) بالسند المذكور، وفي "الكبرى" (١٥٥٢)، عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن شعبة -وسفيان- كلاهما عن منصور، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عنه.
وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 4204
٥٧٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي: قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامة اليشكري، السرخسي نزيل نيسابور، ثقة مأمون سني، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القَطَّان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام) بن عروة، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلس، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، ورجاله كلهم ثقات، وهم مدنيون إلا شيخه، ويحى، فبصريان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
стр. 4205
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: ما ترك رسول الله ﷺ السجدتين) أي الركعتين.
(بعد العصر عندي قط) قال في "ق": وما رأيته قطٍّ، بفتح القاف، وضم الطاء مشددة، ويضمان، ويخففان، وقَطٍّ مشددة مجرورة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري اهـ.
وقد نظم شيخنا العلامة عبد الباسط بن محمد المناسي النحوي ﵀ لغات "قط" هذه فقال:
وخَمْسَة جَعَلَ مَنْ قَط ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ، قَطِّ، ثمَّ قُطُ، قَطْ
قال في "الفتح": تمسك بهذه الروايات -يعني روايات عائشة ﵂ في الباب- من أجاز التنفل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس، وقد تقدم نقل المذاهب في ذلك.
قال الجامع: هذا المذهب هو الراجح، كما تقدم تحقيقه في شرح حديث علي ﵁.
قال: وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأما مواظبته ﷺ على ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أنها