الشمس جدًا، فمن أدرك ذلك منكم، فليصل الصلاة لوقتها، فإن احتبس فليصل معهم، وليجعل صلاته وحده الفريضة، وصلاته معهم تطوعًا.
قال علي: فهؤلاء أكابر الصحابة ﵃: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، أمهات المؤمنين، وابن الزبير، ومَنْ بحضرته من الصحابة، وتميم الداري، والمنكدر، وزيد بن خالد الجُهَني، وابن عباس، وابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو جحيفة، وأبو الدرداء، وأنس، والحسن بن علي،
وبلال، وطارق بن شهاب، وابن مسعود، وروي أيضًا عن النعمان بن بشير، وغيرهم، فمن بقي؟
وما نعلم لهم متعلقًا بأحد من الصحابة ﵃ إلا رواية عن أبي سعيد الخدري، جعلها خاصة لرسول الله ﷺ ، وإذا قال صاحب: هي خاصة، وقال آخرون منهم: هي عامة، فالسير على العموم حتى يأتي نص صحيح بأنها خصوص، ولا سبيل إلى وجوده، وأخرى عن معاوية ليس فيها نهي عنهما، بل فيها: إن الناس كانوا يصلونها في عهد رسول الله ﷺ ، وأخرى مرسلة لا تصح عن ابن مسعود، ليس فيها أيضا إلا: وأنا أكره ما كَرِهَ عمر، وقد صح عن عمر، وعن ابن مسعود إباحة ذلك، وعن أبي بكرة المنع من الصلاة
جملة من حين صفرة الشمس.
стр. 4202
وأما التابعون فكثير، منهم هشام بن عروة، وأنس بن سيرين، كما ذكرنا آنفًا. وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، قال: كان أبي لا يدعهما، يعني الركعتين بعد العصر.
وعن حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق: أن عبد الرحمن بن البَيْلَماني كان يصلي بعد العصر ركعتين.
وعن عبد الرزاق، عن ابن جريج أخبرني إبراهيم بن مَيْسَرَة، أن طاوسًا صلى بحضرته ركعتين بعد العصر، ثم قال له: أتصلي بعد العصر؟ قلت: نعم، قال: أكرمت والله.
وعن يحيى بن سعيد الْقَطَّان، عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشَّعْثَاء، قال: سافرت مع أبي، وعمرو بن ميمون، والأسود، ومسروقَ، وأبي وائل، فكانوا يصلون بعد الظهر ركعتين، وبعد العصر ركعتين.
وعن محمد بن جعفر غندر: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: رأيت شريحًا القاضي يصلي بعد العصر ركعتين.
وعن محمد بن المثنى، عن معاذ بن معاذ العنبري: ثنا أبي، عن قتادة، قال: كان سعيد بن المسيب يصلي بعد العصر ركعتين.
وعن محمد بن المثنى: ثنا أبو عاصم النبيل، عن عمر بن سعيد، قال: رأيت القاسم بن محمد ابن أبي بكر يطوف بعد العصر، ويصلي ركعتين، وكذلك أيضًا عن الحسن.
стр. 4203
فهؤلاء: هشام بن عروة، وأنس بن سيرين، وطاوس، وعبد الرحمن ابن البيلماني، وإبراهيم بن ميسرة، وأبو الشعثاء، وأشعث ابنه، وعمرو بن ميمون، ومسروق، والأسود، وأبو وائل، وشريح القاضي، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وغيرهم، كعبد الله بن أبي الهذيل، وأبي بردة بن أبي موسى، وعبد الرحمن بن الأسود، والأحنف بن قيس، وبهما يقول أبو خيثمة، وأبو أيوب الهاشمي، وبه نأخذ إن شاء الله تعالى. "المحلى" جـ ٢ ص ٢٧٢ - ٢٧٥، وجـ ٣ ص ٢ - ٧.
قال الجامع: الحاصل أن الراجح جواز الصلاة بعد العصر، مادامت الشمس بيضاء نقية، لصحة الحديث به، وعمل أهل العلم من الصحابة، ومن بعدهم ممن ذكرهم أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى به، فيكون حديث النهي عن الصلاة بعد العصر مخصصًا بحديث الباب. والله أعلم.
تنبيه:
حديث علي ﵁ هذا: صحيح، أخرجه المصنف هنا (٥٧٣) بالسند المذكور، وفي "الكبرى" (١٥٥٢)، عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن شعبة -وسفيان- كلاهما عن منصور، عن هلال بن يساف، عن وهب بن الأجدع، عنه.
وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 4204
٥٧٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي: قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامة اليشكري، السرخسي نزيل نيسابور، ثقة مأمون سني، من [١٠]، تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القَطَّان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام) بن عروة، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلس، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير المدني، ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، ورجاله كلهم ثقات، وهم مدنيون إلا شيخه، ويحى، فبصريان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
стр. 4205
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: ما ترك رسول الله ﷺ السجدتين) أي الركعتين.
(بعد العصر عندي قط) قال في "ق": وما رأيته قطٍّ، بفتح القاف، وضم الطاء مشددة، ويضمان، ويخففان، وقَطٍّ مشددة مجرورة: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري اهـ.
وقد نظم شيخنا العلامة عبد الباسط بن محمد المناسي النحوي ﵀ لغات "قط" هذه فقال:
وخَمْسَة جَعَلَ مَنْ قَط ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ، قَطِّ، ثمَّ قُطُ، قَطْ
قال في "الفتح": تمسك بهذه الروايات -يعني روايات عائشة ﵂ في الباب- من أجاز التنفل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس، وقد تقدم نقل المذاهب في ذلك.
قال الجامع: هذا المذهب هو الراجح، كما تقدم تحقيقه في شرح حديث علي ﵁.
قال: وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأما مواظبته ﷺ على ذلك فهو من خصائصه، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أنها
стр. 4206
حدثته أنه ﷺ "كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال" رواه أبو داود، ورواية أبي سلمة عن عائشة في نحو هذه القصة، وفي آخره: "وكان إذا صلى صلاة أثبتها". رواه مسلم. قال
البيهقي: الذي اختص به ﷺ المداومة على ذلك، لا أصل القضاء، وأما ما روي عن ذكوان، عن أم سلمة في هذه القصة أنها قالت: "فقلت: يا رسول الله أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: "لا" فهي رواية ضعيفة، لا تقوم بها حجة، قال الحافظ: أخرجها الطحاوي، واحتج بها على أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ، وفيه ما فيه. اهـ فتح جـ ٢ ص ٧٧.
قال الجامع: تقدم قريبًا ترجيح القول بإباحة الصلاة بعد العصر ما لم تصفر الشمس، لقوة دليله، فتبصر. وبالله التوفيق.
تنبيه:
حديث عائشة ﵂ هذا، أخرجه البخاري في "الصلاة" وفي "الوتر" عن مسدد، عن يحيى بن سعيد القَطَّان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. وأخرجه المصنف هنا (٥٧٤)، وفي "الكبرى" (١٥٥٣) عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان به. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٧٥ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ
стр. 4207
عنها: "مَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِلاَّ صَلاَّهُمَا".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن قُدَامة) بن أعين الهاشمي مولاهم الْمِصِّيصِيُّ، ثقة، توفي سنة ٢٥٠ تقريبًا، من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في "الحيض" ٣٩٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الرّيّ، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (مُغِيرَةُ) بن مقْسَم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، إلا أنه يدلس، ولا سيما عن إبراهيم، توفي سنة ١٣٦ على الصحيح، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨٨/ ٣٠٠.
٤ - (إِبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي الفقيه، ثقة يرسل كثيرًا، من [٥]، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٥ - (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي، الكوفي مخضرم ثقة مكثر فقيه، من [٢]، تقدم في ٢٩/ ٣٣.
٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
حديث عائشة ﵂ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف،
стр. 4208
كما أشار إليه الحافظ المِزِّي في "تحفته" جـ ١١ ص ٣٦٧، أخرجه هنا (٥٧٥)، وفي "الكبرى" (١٥٥٤) بهذا السند. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قول عائشة هنا: "ما دخل عليّ رسول الله ﷺ بعد العصر إلا صلاهما"، مرادها من الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ولم ترِدْ أنه كان يصلي ركعتين من أول ما فُرِضَت الصلوات مثلًا إلى آخر عمره، بل في حديثها الآتي (٥٧٨) وحديث أم سلمة الآتي (٥٧٩، ٥٨٠)، ما يدل على أنه لم يكن يفعلهما قبل ذلك الوقت الذي ذكرت أنه قضاهما فيه. أفاده في الفتح. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٧٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا، وَالأَسْوَدَ، قَالَا: نَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ عِنْدِي بَعْدَ الْعَصْرِ صَلاَّهُمَا".
رجال الإسناد: سبعة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري البصري أبو مسعود، ثقة، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
стр. 4209
٢ - (خالد بن الحارث) الهُجَيميُّ أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج العتكي الواسطي، ثم البصري، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (أبو إِسحاق) عمرو بن عبد الله السَّبيعي الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره، من [٣]، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (مسروق) بن الأجدع الهَمْدَاني الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من [٢]، تقدم في ٩٠/ ١١٢.
٦ - (الأسود) بن يزيد المتقدم في السند السابق، وكذا:
٧ - (عائشة) ﵂.
والحديث واضح المعنى. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
أخرجه المصنف هنا (٥٧٦)، وفي "الكبرى" (١٥٥٥) بالسند المذكور.
وأخرجه البخاري في "الصلاة" عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، كلاهما عن غندر.
وأبو داود فيه عن حفص بن عمر- ثلاثتهم عن شعبة به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 4210
٥٧٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "صَلَاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي سِرًّا، وَلَا عَلَانِيَةً، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (علي بن حجر) السَّعْدي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار [٩]، تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (علي بن مسهر) القرشي الكوفي قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من [٨]، تقدم في ٥٢/ ٦٦.
٣ - (أبو إِسحاق) سليمان بن أبي سليمان فيروز الشيباني الكوفي، ثقة، توفي في حدود ١٤٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧٢/ ٢٦٧.
٤ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، توفي سنة ٩٩، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٥ - (الأسود) بن يزيد.
٦ - (عائشة) تقدما في الذي قبله.
стр. 4211
تنبيه:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
أخرجه البخاري في "الصلاة" عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد.
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن حجر، كلاهما عن علي بن مسهر.
وأخرجه المصنف هنا (٥٧٧) عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر كلاهما عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عنها. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٧٨ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ؟ فَقَالَتْ: "إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا، أَوْ نَسِيَهُمَا، فَصَلاَّهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حجر) السعدي تقدم في السند السابق.
стр. 4212
٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي المدني أبو إسحاق القاريء، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٠، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٦/ ١٧.
٣ - (محمد بن أبي حَرْمَلَة) القرشي أبو عبد الله المدني، مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، وقد ينسب إليه، ثقة، توفي سنة بضع و ١٣٠، من [٦].
قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: توفي في أول خلافة أبي جعفر المنصور، وكان كثير الحديث. أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني الفقيه، ثقة، من [٣]، تقدم في ١/ ١.
٥ - (عائشة) ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، اختلف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل.
(أنه سأل عائشة) أم المؤمنين ﵂ (عن السجدتين) أي الركعتين (اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر؟ فقالت: كان) ﷺ (يصليهما قبل العصر، ثم إِنه شغل) بالبناء
стр. 4213
للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير النبي ﷺ .
(عنهما) متعلق بشغل، أي عن أدائهما قبل العصر (أو نسيهما) يحتمل أن يكون الشك من عائشة ﵂، يعني أنها شكت في سبب تأخيره لهما، هل هو الشغل، أو النسيان؟ ويحتمل أن يكون من أبي سلمة، يعني أنه شك فيما ذكرت عائشة من سبب التأخير، وقد بُين في حديث أم سلمة الآتي أن السبب هو الشغل. والله أعلم.
قال النووي ﵀. هذا الحديث ظاهر في أن المراد بالسجدتين ركعتان، هما سنة العصر قبلها، وقال القاضي ﵀: ينبغي أن تحمل على سنة الظهر، كما في حديث أم سلمة، ليتفق الحديثان، وسنة الظهر تصح تسميتها أنها قبل العصر. اهـ "شرح مسلم" جـ ٦ ص ١٢٢.
(فصلاهما بعد العصر) قضاءً عما فاته.
(وكان) ﷺ (إذا صلى صلاة أثبتها) أي داوم عليها.
تنبيه:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة، ويحيى بن أيوب، وعلي بن حجر- ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر بإسناد المصنف، وأخرجه المصنف هنا (٥٧٨)، وفي الكبرى (١٥٥٦)، بالسند المذكور. وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٧٩ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ،
стр. 4214
قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى فِي بَيْتِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ؟ فَقَالَ: "هُمَا رَكْعَتَانِ، كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَشُغِلْتُ عَنْهُمَا حَتَّى صَلَّيْتُ الْعَصْرَ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (المعتمر) بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، يلقب بالطُّفَيل، ثقة، توفي سنة ١٨٧، وقد جاوز ٨٠ سنة، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠.
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابث، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، توفي. سنة ١٥٤، وهو ابن ٥٨ سنة، من كبار [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠/ ١٠.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس، ويرسل، توفي سنة ١٣٢، وقيل
стр. 4215
قبل ذلك، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) تقدم في السند السابق.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية، أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر، وأنهم بصريون، إلا أبا سلمة، وأم سلمة فمدنيان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أم سلمة) هند بنت أمية أم المؤمنين ﵂ (أن النبي ﷺ صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة) أي في أول ما صلى، فلا ينافي ما تقدم أنه داوم عليها، فتنبه.
(وأنها) أي أم سلمة (ذكرت ذلك له) أي سألته عن الركعتين، وقد ساق البخاري ﵀ حديثها مطولًا، وفيه بيان سؤالها له ﷺ ، فقال في "باب إذا كُلِّمَ، وهو يصلي، فأشار بيده، واستمع" من "كتاب السهو": حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال:
стр. 4216
أخبرني عمرو عن بكير، عن كريب: أن ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر ﵃ أرسلوه إلى عائشة ﵂: فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إنا أخْبِرْنَا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبي ﷺ نهى عنهما، وقال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما.
قال كريب: فدخلت على عائشة ﵂، فبلغتها ما أرسلوني، فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم، فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمة ﵂: سمعت النبي ﷺ ينهى عَنْهَا، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم دخل علي، وعندي نسوة من بني حَرَامٍ من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه قولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين، وأراك تصليهما، فإن أشار بيده، فاستأخري عنه، فَفَعَلَتِ الجاريةُ، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: يا ابنة أبي أميَة، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد قيس، فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان". انتهى "صحيح البخاري" جـ ٢ ص ٨٨.
(فقال) ﷺ (هما ركعتان، كنت أصليهما بعد الظهر، فَشُغِلْتُ عنهما) بالبناء للمفعول، كما تقدم، وقد مر آنفًا سبب شغله.
(حتى صليت العصر) غاية لشغله، أي شغلت من أدائهما إلى أن
стр. 4217
صليت العصر، فصليتهما بعده قضاءً. والله أعلم.
قال الجامع: حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفته" جـ ١٣ ص ٤٣، أخرجه هنا (٥٧٩)، وفي "الكبرى" (١٥٥٧) بالسند المذكور. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: شُغِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ، فَصَلاَّهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي ابن راهويه الحافظ الحجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (وكيع) بن الجَرَّاح بن مَلِيح، أبو سفيان الرُّؤَاسي الكوفي، ثقة حافظ عابد، توفي في آخر سنة ١٩٦ أو أول ١٩٧، وله ٧٠ سنة، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٣ - (طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، نزيل
стр. 4218
الكوفة، صدوق يخطىء، من [٦].
قال ابن المديني عن يحيى القطان: لم يكن بالقوي، وعمر بن عثمان أحب إلي منه. وقال أحمد: صالح الحديث، وهو أحب إلي من بُرَيد ابن أبي بُرْدَةَ، بريد له أحاديث مناكير، وطلحة إنما أنكر عليه حديث "عصفور من عصافير الجنة".
وقال ابن معين: ثقة، وقدمه على أخيه إسحاق، وقال يعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبو زرعة، والنسائي: صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث.
وقال ابن عدي: روى عنه الثقات، وما برواياته عندي بأس. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان يخطىء.
وقال الفَلاسُ: ولد هو، والأعمش، وهشام بن عروة، وعمر بن عبد العزيز سنة ٦١، وقال صالح بن أحمد عن أبيه، والحاكم عن الدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة أيضًا: لا بأس به، في حديثه لين. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وأمه أم أبان بنت أبي موسى الأشعري. وقال الساجي: صدوق، لم يكن بالقوي.
وقال ابن معين: مات سنة ١٤٨، وقال ابن حبان: سنة ١٤٦، قال: وقد قيل: إنه رأى ابن عمر، وليس عليه اعتماد. أخرج له مسلم، والأربعة. اهـ. تت بتصرف جـ ٥ ص ٢٨.
стр. 4219
٤ - (عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، توفي سنة ٩٤، وقيل: ٩٨، وقيل: غير ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦.
٥ - (أم سلمة) ﵂، تقدمت في الذي قبله.
قال الجامع: حديث أم سلمة هذا صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفته" جـ ١٣ ص ٢٣، أخرجه هنا (٥٨٠)، وفي "الكبرى" (١٥٥٨)، بالسند المذكور، وهو واضح المعنى لا يحتاج إلى إعادة ما تقدم من الكلام. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4220
٣٧ - الرُّخصَةُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
٥٨١ - أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ لَاحِقًا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّيهِمَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ، مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؟ فَاضْطَرَّ الْحَدِيثَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ، فَشُغِلَ عَنْهُمَا، فَرَكَعَهُمَا حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، فَلَمْ أَرَهُ يُصَلِّيهِمَا قَبْلُ، وَلَا بَعْدُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - (عثمان بن عبد الله) بن محمد بن خُرَّزَاذَ - بضم المعجمة، وتشديد الراء، بعدها زاي ثم ذال معجمتان- أبو عمرو البصري نزيل أنطاكية، ثقة، توفي سنة ٢٨١، وقيل: في أول التي بعدها، من صغار [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١١٢/ ١٥٥.
٢ - (عبيد الله بن معاذ) بن معاذ بن نصر بن حسان بن الحر بن
стр. 4221
مالك بن الخشخاش العنبري، أبو عمرو البصري، ثقة حافظ، رجح ابن معين أخاه الْمُثَنَّى عليه، من [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: كان يحفظ، وكان فصيحًا. وذكره ابن حبان في الثقات. قال البخاري، وموسى بن هارون: مات سنة ٢٣٧، وقال ابن أخيه معاذ بن المثنى: مات سنة ٣٨، وكذا أرخه ابن قانع، وقال: هو ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ابنُ سمينة، وشَبَابٌ، وعبيد الله بن معاذ ليسوا أصحاب
حديث، ليسوا بشيء، ومُثَنَّى بن معاذ لا بأس به.
وفي "الزهرة" روى عنه البخاري، ٧ أحاديث، وروى في مواضع عن غير واحد عنه، وروى عنه مسلم ١٦٧ حديثًا. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنف.
٣ - (معاذ بن معاذ) بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى البصري القاضي، ثقة متقن، توفي سنة ١٩٦، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤/ ٣٨.
٤ - (عمران بن حُدَير) بمهملات مصغرًا -السَّدُوسي، أبو عبيدة بالضم- البصري، ثقة ثقة، من [٦].
صلى على جنازة خلف أنس. قال أبو حاتم: حدثني عبد الله بن دينار البصري، قال: ذكر شعبة عمرانَ بن حُدَير، فقال: كان شيئًا
стр. 4222
عجبًا، كأنه يثبته. وقال يزيد بن هارون: كان أصدق الناس. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: بخ بخ ثقة.
وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: ثقة، من أوثق شيخ بالبصرة. وذكره ابن حبان في الثقات. قال البخاري: قال أبو قطن: مات سنة ١٤٩. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث.
وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن حنبل: هو صدوق صدوق. وقال ابن خلفون. وثقه ابن نمير، وأحمد بن صالح، وغيرهما، ووصفه عثمان بن الهيثم بأنه أصدق الناس. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والمصنف.
٥ - (لاحِق) بن حُمَيد بن سَعِيد السَّدُوسي أبو مِجْلَزٍ البصري، مشهور بكنيته، ثقة، توفي سنة ١٠٦، وقيل: ١٠٩، وقيل: قبل ذلك، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨٨/ ٢٩٦.
٦ - (أم سلمة) ﵂ تقدمت قريبًا. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا الصحابية، فمدنية.
ومنها: أن شيخه ممن انفرد هو به.
ومنها: أن عبيد الله بن معاذ، وعمران بن حُدَير هذا أول محل
стр. 4223
ذكرهما في الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
قال عمران بن حُدَير ﵀: (سألت لاحقًا) هو ابن حميد أبو مجْلَزٍ البصري (عن) حكم (الركعتين قبل غروب الشمس؟ فقال) لاحق (كان عبد الله بن الزبير) بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر، وأبو خبيب -بالمعجمة، مصغرًا- كان أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، ولي الخلافة تسع سنين، وقتل في ذي الحجة سنة ٧٣، (يصليهما) أي الركعتين عند الغروب (فأرسل إِليه معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، أبو عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ٦٠، وقد قارب ٨٠ سنة.
(ما هاتان الركعتان عند غروب الشمس؟ فاضطر الحديث إِلى أم سلمة) أي ألجأ عبدُ الله بنُ الزبير حديث الصلاة عند غروب الشمس إلى أم سلمة ﵂، وأسنده إليها، يقال: اضطره إلى كذا، وضره إليه: ألجأ إليه، وليس له منه بُدٌّ. أفاده في "المصباح".
وحاصل المعنى أن معاوية لما سأل عبد الله بن الزبير عن دليله في تجويزه الصلاة وقت غروب الشمس مع أنه ثبت النهي عن ذلك، أسند عبد الله ذلك إلى أم سلمة ﵂.
стр. 4224
(فقالت أم سلمة: إِن رسول الله ﷺ كان يصلي ركعتين قبل العصر، فشغل عنهما) فلم يصلهما (فركعهما حين غابت الشمس) أي عند الغروب (فلم أره يصليهما قبلُ، ولا بعدُ) أي قبل ذلك اليوم، ولا بعده، تعني أنه لم يَعُدْ إليهما، وهذا يدل على أن هاتين الركعتين غير الركعتين اللتين كان يداوم عليهما بعد قضائه، فإنهما بَعْديَّتَا الظهر، وهاتان قبليتا العصر، ويحتمل أن تكون الركعتان هما اللتان بعد الظهر، لكن أم سلمة لم تعرف دوامه عليهما، فيكون النفي لعلمها فقط، وهذا هو الذي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في "الفتح" حيث قال:
[فائدة]: رَوَى الترمذي من طريق جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "إثما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر، لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما
بعد العصر، ثم لم يَعُدْ"، قال الترمذي: حديث حسن.
قال الحافظ. وهو من رواية جرير، عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: "ثم لم يعد" معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب، فيحتمل النفي على علم الراوي، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي.
وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة، عن أم سلمة: "إن رسول الله ﷺ صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة … "
стр. 4225
الحديث، وفي رواية له عنها: "لم أره يصليهما قبل، ولا بعد"، فيجمع بين الحديثين بأنه ﷺ لم يكن يصليهما إلا في بيته، فلذلك لم يره ابن عباس، ولا أم سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة في الرواية الأولى: "وكان لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته". اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٧٧ - ٧٨.
قال الجامع: الاحتمال الأول هو الذي يظهر لي. والله أعلم.
تنبيه:
حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي في "تحفته" جـ ١٣ ص ٣٥ - ٣٦، أخرجه هنا (٥٨١)، وفي "الكبرى" (١٥٥٨). والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4226
٣٨ - الرَّخْصَةُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ
قال الجامع: كان الأولى للمصنف أن يترجم "باب استحباب الصلاة قبل المغرب" لأن الترخيص يقتضي أن يكون هناك نهي، كما هو حال الصلاة بعد العصر، كما في الباب السابق. فتنبه.
٥٨٢ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ، قَامَ لِيَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، فَقُلْتُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: انْظُرْ إِلَى هَذَا، أَيَّ صَلَاةٍ يُصَلِّي؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَرَآهُ، فَقَالَ: هَذِهِ صَلَاةٌ كُنَّا نُصَلِّيهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (علي بن عثمان بن محمد بن سعيد بن عبد الله بن نفيل) أبو محمد النفيلي -مصغرًا- الحراني، لا بأس به، من [١١].
стр. 4227
قال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر، لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة في الصلة: ثقة. وقال ابن عقدة: توفي سنة ٢٧٢.انفرد به المصنف.
٢ - (سعيد بن عيسى) بن سعيد بن تَلِيد، بفتح المثناة، وكسر اللام -الرُّعَينِيّ الْقِتْبَانِيّ- بكسر القاف، وسكون المثناة، بعدها موحدة مولاهم، أبو عثمان المصري، ثقة فقيه، من قدماء [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن يونس: توفي في الثالث عشر من ذي الحجة سنة ٢١٩، وكان فقيهًا، وكان يكتب للقضاة، وكان ثقة ثبتًا في الحديث. وقال الدارقطني: ليس به بأس. انفرد به البخاري، والمصنف، يروي له المصنف بواسطة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم، وعلي بن عثمان النفيلي.
٣ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جنادة العتقي، أبو عبد الله المصري، صاحب مالك، ثقة، توفي سنة ١٩١، من كبار [١٠]، أخرج له البخاري، وأبو داود في "مراسيله"، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٢٠.
٤ - (بكر بن مُضَر) بن محمد بن حكيم المصري، أبو محمد، أو أبو عبد الملك، ثقة ثبت، توفي سنة ١٧٣، أو ١٧٤، وله نيف و٧٠ سنة، من [٨]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي،
стр. 4228
والنسائي، تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٥ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري، أبو أيوب، ثقة فقيه حافظ، توفي قديمًا قبل ١٥٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٦ - (يزيد بن أبي حبيب) سُوَيد، أبو رَجَاء المصري، ثقة فقيه، كان يرسل، توفي سنة ١٢٨، وقد قارب ٨٠ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣٤/ ٢٠٧.
٧ - (أبو الخير) مَرْثَد بنُ عبد الله اليَزَني بفتحتين المصري، ثقة فقيه، من [٣].
وقال ابن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز ابن مروان يُحْضِرُهُ، فيجلسه للفتيا، وذكره ابن حبان في الثقات. قال سعيد بن عفير: توفي سنة ٩٠، وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة وله فضل، وعبادة. وقال ابن شاهين في الثقات: قال ابن معين: كان عند أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، وكان رجل صدق، ووثقه يعقوب بن سفيان. أخرج له الجماعة.
٨ - (عقبة بن عامر) الجُهَني صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ﵄ ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين، أخرج
стр. 4229
له الجماعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانياته، وأن رواته كلهم ثقات، مصريون، إلا شيخه فحراني.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن يزيد بن أبي حبيب) سُوَيد (أن أبا الخير حدثه) أي حدث
يزيد (أن أبا تميم الجَيْشاني) هو عبد الله بن مالك الجيشاني -بفتح الجيم، وسكون التحتانية، بعدها معجمة- نسبة إلى جيشان، قبيلة باليمن، وموضع، كما في اللب جـ ١ ص ٢٢٩ - تابعي كبير مخضرم، أسلم في عهد النبي ﷺ ، وقرأ القرآن على معاذ بن جبل، ثم قدم في زمن عمر، فشهد فتح مصر، وسكنها، قال ابن يونس: وقد عده جماعة في الصحابة لهذا الإدراك، مات سنة ٧٧.اهـ فتح جـ ٣ ص ٧٢ بزيادة من اللب وغيره.
(قام ليركع ركعتين قبل) صلاة (المغرب) زاد الإسماعيلي: "حين يسمع أذان المغرب".
стр. 4230
(فقلت لعقبة بن عامر) ﵁ (انظر إِلى هذا أيَّ صلاة يصلي) "أيَّ" بالنصب مفعول مطلق ليصلي مقدم عليه وجوبًا، لأن الاستفهام له الصدر، ولا يعمل فيه ما قبله، والجملة سادة مسد مفعول "انظر". وفي رواية البخاري: "قال: أتيت عقبة بن عامر الجُهَنِيّ، فقلت: ألا أعَجِّبُكَ من أبي تميم، يركع ركعتين قبل صلاة المغرب … " الحديث، وعند الإسماعيلي "فقلت لعقبة، وأنا أريد أن أغْمِصَهُ"، وهو بمعجمة، ثم مهملة، أي أعيبه.
(فالتفت فرآه) أي التفت عقبة إلى أبي تميم، فرآه يصلي الركعتين (فقال: هذه صلاة كنا نصليها على عهد رسول الله ﷺ ) أي في زمنه، وقد بُيِّنَ في رواية البخاري سبب تركه لها بعده ﷺ ، حيث قال أبو الخير: قلت: "فما يمنعك الآن؟ قال: الشُّغْل". وفيه رد على قول القاضي أبي بكر بن العربي: لم يفعلهما أحد بعد الصحابة، لأن أبا تميم تابعي وقد فعلهما. وذكر الأثرم عن أحمد أنه قال: ما فعلتهما إلا مرة واحدة حين سمعت الحديث.
قال في الفتح: وفيه أحاديث جياد عن النبي ﷺ ، والصحابة، والتابعين، إلا أنه قال: "لمن شاء". فمن شاء صلى. اهـ جـ ٣ ص ٧٢. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
стр. 4231
حديث عقبة بن عامر ﵁ أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٨٢) بهذا السند فقط:
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه.
أخرج البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب، عن حبيب بن أبي ثابت، بسند المصنف، وأخرجه الإسماعيلي، كما في "الفتح".
المسألة الرابعة: في هذا الحديث استحباب الركعتين قبل صلاة المغرب، وقد وردت أحاديث في هذا المعنى:
منها: حديث عبد الله بن مغفل ﵁، أن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل صلاة المغرب"، قال في الثالثة: "لمن شاء" كراهية أن يتخذها الناس سنة. أخرجه البخاري، ويأتي للمصنف بنحوه (٦٨١)
وفي رواية أبي داود: "صلوا قبل المغرب ركعتين"، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين"، وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: "صلوا قبل المغرب ركعتين"، قالها ثلاثا، ثم قال: "لمن شاء".
قال في الفتح: قوله: "كراهية أن يتخذها الناس سنة" قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابهما، لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب؛ بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابها، ومعنى قوله: "سنة"
стр. 4232
أي شريعة، وطريقة لازمة، وكأن المراد انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يعدها أكثر الشافعية في الرواتب، واستدركها بعضهم. وتعقب بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ واظب عليها. قاله في الفتح
جـ ٣ ص ٧١ - ٧٢.
ومنها: حديث أنس ﵁، قال: "رأيت كبار أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب"، رواه البخاري. وعنه قال: "كنا نصلي على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، قال المختار بن فلفل: فقلت: أكان النبي ﷺ صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا، ولم ينهنا"، رواه مسلم، وعنه قال: "كنا بالمدينة إذا أذن المؤذن بصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما"، رواه مسلم.
ومنها: حديث عقبة المذكور في الباب.
قال النووي ﵀: فهذه الأحاديث صحيحة صريحة في استحبابهما، وممن قال به من أصحابنا: أبو إسحاق الطوسي، وأبو زكريا السكري، حكاه عنهما الرافعي. وهذا الاستحباب إنما هو بعد دخول وقت المغرب، وقبل شروع المؤذن في إقامة الصلاة، وأما إذا شرع المؤذن في الإقامة فيكره أن يشرع في شيء من الصلوات غير
المكتوبة للحديث الصحيح:
стр. 4233
"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، رواه مسلم.
وأما الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر، قال: "ما رأيت أحدًا يصلي الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله ﷺ " فإسناده حسن، وأجاب البيهقي، وآخرون عنه بأنه نَفَى ما لم يعلمه، وأثبته غيره ممن عَلمَهُ، فوجب تقديم رواية الذين أثبتوا، لكثرتهم، ولما معهم من علم ما لا يعلمه ابن عمر. اهـ "المجموع" جـ ٣ ص ٨ - ٩.
وقال القرطبي وغيره: ظاهر حديث أنس -يعني المتقدم قريبًا في رواية البخاري ومسلم- أن الركعتين بعد المغرب، وقبل صلاة المغرب كان أمرًا أقر النبي ﷺ أصحابه عليه، وعملوا به، حتى كانوا يستبقون
إليه، وهذا يدل على الاستحباب، وكأن أصله قوله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة". وأما كونه ﷺ لم يصلهما فلا ينفي الاستحباب بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب. اهـ "فتح" جـ ٣ ص ١٢٨.
قال الجامع: في قوله: وكأن أصله إلخ نظر؛ بل أصله قوله ﷺ : "صَلُّوا قبل المغرب … " الحديث، فإنه أصرح في الدلالة على الاستحباب، من قوله: "بين كل أذانين صلاة"، فتبصر. والله أعلم.
المسألة الخامسة: ذهب إلى استحباب الركعتين قبل صلاة المغرب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث، وروي عن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا يصليهما على عهد النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما، وهو قول مالك،
стр. 4234
والشافعي، وادعى بعض المالكية نسخهما، فقال: إنما كان ذلك في أول الأمر حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فَبَيَّن لهم بذلك وقت الجواز، ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها.
قال الحافظ: وتعقب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها، والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه، ورواية أنس المُثْبِتَةُ مقدمة على نفيه، والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر، وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم، وهو منقطع، ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ، ولا على الكراهة، ولعلهم كان لهم شغل يمنعهم من ذلك، كما تقدم في حديث عقبة بن عامر أنه لَمَّا قيل له: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل.
وقد روى محمد بن نصر، وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبَيِّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما.
وأما قول أبي بكر بن العربي: اختَلَفَ فيها الصحابة، ولم يفعلها أحد بعدهم، فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب، ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن بريدة،
стр. 4235
ويحيى بن عقيل، والأعرج، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وعراك بن مالك، ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما، فقال: حسنتين، والله لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين.
وعن مالك قولٌ آخرٌ باستحبابهما. وعن الشافعية وجه رجحه النووي، ومن تبعه. وقال في شرح مسلم: قول من قال: إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خَيَال فاسد مُنَابِذٌ للسنة، ومع ذلك فزمنهما زمن يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها.
قال الحافظ: ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، كما في ركعتي الفجر.
قيل: الحكمة في الندب إليهما رجاء إجابة الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. اهـ "فتح" جـ ٣ ص ١٢٨.
قال الجامع: الحاصل أن الراجح قول من قال باستحباب الركعتين قبل صلاة المغرب، للأدلة التي تقدمت، وليس عند من يقول بكراهتهما دليل يعتمد عليه، فلا يلتفت إليه. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4236
٣٩ - الصَّلاةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
قال الجامع: الظاهر أن المصنف يرى عدم صحة الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتين، فكأنه يقول: إنه لم يثبت في الباب شيء سوى مجرد تركه ﷺ ، وهو بمفرده لا يكفي دليلًا على النهي، ولذا أعقبه بباب: "إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح" وهذا هو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
٥٨٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ".
رجال الإسناد: سبعة
١ - (أحمد بن عبد الله بن الحكم) بن أبي فَرْوَةَ الهاشمي، يعرف بابن الكُرْدِيّ، أبو الحسين البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٧، من [١٠].
стр. 4237
روى عن مروان بن معاوية، ومحمد بن جعفر، غُندَر، وغيرهما.
وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي. وقال: ثقة، والبزار، والقاسم المطرز. وقال ابن حبان في "الثقات": مستقيم الحديث.
٢ - (محمد بن جعفر) غندر أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، توفي سنة ١٩٣ أو ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦.
٤ - (زيد بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة، من [٧].
روى عن أبيه، ونافع. وعنه أخواه: عاصم وعمر، وشعبة.
قال أبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به.
وقال الدارقطني: مُقِلّ فاضل، وهم خمسة إخوة كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، والمصنف.
٥ - (نافع) العدوي، مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
٦ - (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي ﵁، تقدم
стр. 4238
في ١٢/ ١٢.
٧ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين، تزوجها النبي ﷺ بعد خُنَيس بن حُذَافَة سنة ٣، وماتت سنة ٤٥.
قيل: إنها ولدت قبل الْمَبْعَثِ بخمسة أعوام، وتزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل: سنة اثنتين. وَرَوَت عن النبي ﷺ ، وعن أبيها. وروى عنها أخوها عبد الله بن عمر، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وأم مبشر الأنصارية، والمُطِّلب بن أبي وَدَاعَةَ، وحارثة بن وهب، وغيرهم.
قال ابن وهب عن مالك: افتتحت إفريقية عام وفاة حفصة، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت أول ما بويع معاوية سنة ٤١، وقال الواقدي: توفيت سنة ٤٥، وصلى عليها مروان بن الحكم.
وحكى الدولابي أنها توفيت سنة ٢٧.
قال الحافظ: وكأن الذي أوقعه في ذلك أن عبد الله بن سعد غزا في هذه السنة إفريقية، فلما رأى ذلك، ورأى قول مالك: إنها ماتت عام فتح إفريقية لَفَّق من ذلك قولًا خطأ، وإنما كان فتحها سنة ٥٠، على يد معاوية بن حُدَيج (١)، وذكر ابن سعد أن عمر أوصى إليها لما احْتُضِرَ.
стр. 4239
أخرج لها الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها. أنه من سباعيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فهو من أفراده، ومسلم والترمذي، وزيد بن محمد، فمن أفراده، ومسلم.
ومنها: أنهم ما بين بصريين، وهم إلى شعبة، ومدنيين، وهم الباقون.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابية، ورواية الراوي عن أخته.
ومنها: أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حفصة) بنت عمر أم المؤمنين ﵂ (أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إِذا طلع الفجر) من باب "قعد".
(لا يصلي إِلا ركعتين خفيفتين) وهما سنتا الصبح، قال النووي ﵀: قد يستدل به من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح، وما له سبب، ولأصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه:
стр. 4240
أحدها: هذا، ونقله القاضي عن مالك، والجمهور.
والثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الصبح.
والثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي فريضة الصبح، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، فإنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم
ينه عن غيرهما. اهـ "شرح مسلم" جـ ٦ ص ٢ - ٣. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته.
حديث حفصة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٨٣)، وفي "الكبرى" (١٥٥٩)، عن أحمد بن عبد الله ابن الحكم، عن غندر، عن شعبة، عن زيد بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ﵃.
وفي (١٧٦٠) عن قتيبة، عن ليث، و (١٧٦١) عن محمد ابن منصور، و (١٧٧٩) عن الحسين بن عيسى، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به.