← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

٣٩ - الصَّلاةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قال الجامع: الظاهر أن المصنف يرى عدم صحة الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتين، فكأنه يقول: إنه لم يثبت في الباب شيء سوى مجرد تركه ﷺ ، وهو بمفرده لا يكفي دليلًا على النهي، ولذا أعقبه بباب: "إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح" وهذا هو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. ٥٨٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ". رجال الإسناد: سبعة ١ - (أحمد بن عبد الله بن الحكم) بن أبي فَرْوَةَ الهاشمي، يعرف بابن الكُرْدِيّ، أبو الحسين البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٧، من [١٠].

стр. 4237

روى عن مروان بن معاوية، ومحمد بن جعفر، غُندَر، وغيرهما. وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي. وقال: ثقة، والبزار، والقاسم المطرز. وقال ابن حبان في "الثقات": مستقيم الحديث. ٢ - (محمد بن جعفر) غندر أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، توفي سنة ١٩٣ أو ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة ثبت حجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٤ - (زيد بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة، من [٧]. روى عن أبيه، ونافع. وعنه أخواه: عاصم وعمر، وشعبة. قال أبو داود، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به. وقال الدارقطني: مُقِلّ فاضل، وهم خمسة إخوة كلهم ثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، والمصنف. ٥ - (نافع) العدوي، مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، من [٣]، تقدم في ١٢/ ١٢. ٦ - (ابن عمر) عبد الله العدوي الصحابي ﵁، تقدم

стр. 4238

في ١٢/ ١٢. ٧ - (حفصة) بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين، تزوجها النبي ﷺ بعد خُنَيس بن حُذَافَة سنة ٣، وماتت سنة ٤٥. قيل: إنها ولدت قبل الْمَبْعَثِ بخمسة أعوام، وتزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل: سنة اثنتين. وَرَوَت عن النبي ﷺ ، وعن أبيها. وروى عنها أخوها عبد الله بن عمر، وابنه حمزة، وزوجته صفية بنت أبي عبيد، وأم مبشر الأنصارية، والمُطِّلب بن أبي وَدَاعَةَ، وحارثة بن وهب، وغيرهم. قال ابن وهب عن مالك: افتتحت إفريقية عام وفاة حفصة، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت أول ما بويع معاوية سنة ٤١، وقال الواقدي: توفيت سنة ٤٥، وصلى عليها مروان بن الحكم. وحكى الدولابي أنها توفيت سنة ٢٧. قال الحافظ: وكأن الذي أوقعه في ذلك أن عبد الله بن سعد غزا في هذه السنة إفريقية، فلما رأى ذلك، ورأى قول مالك: إنها ماتت عام فتح إفريقية لَفَّق من ذلك قولًا خطأ، وإنما كان فتحها سنة ٥٠، على يد معاوية بن حُدَيج (١)، وذكر ابن سعد أن عمر أوصى إليها لما احْتُضِرَ.

стр. 4239

أخرج لها الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها. أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رواته ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فهو من أفراده، ومسلم والترمذي، وزيد بن محمد، فمن أفراده، ومسلم. ومنها: أنهم ما بين بصريين، وهم إلى شعبة، ومدنيين، وهم الباقون. ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابية، ورواية الراوي عن أخته. ومنها: أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٦٣٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن حفصة) بنت عمر أم المؤمنين ﵂ (أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إِذا طلع الفجر) من باب "قعد". (لا يصلي إِلا ركعتين خفيفتين) وهما سنتا الصبح، قال النووي ﵀: قد يستدل به من يقول: تكره الصلاة من طلوع الفجر إلا سنة الصبح، وما له سبب، ولأصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه:

стр. 4240

أحدها: هذا، ونقله القاضي عن مالك، والجمهور. والثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الصبح. والثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي فريضة الصبح، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، فإنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة، ولم ينه عن غيرهما. اهـ "شرح مسلم" جـ ٦ ص ٢ - ٣. وبالله تعالى التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته. حديث حفصة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٣)، وفي "الكبرى" (١٥٥٩)، عن أحمد بن عبد الله ابن الحكم، عن غندر، عن شعبة، عن زيد بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ﵃. وفي (١٧٦٠) عن قتيبة، عن ليث، و (١٧٦١) عن محمد ابن منصور، و (١٧٧٩) عن الحسين بن عيسى، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به.

стр. 4241

و (١٧٦٧) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد، و (١٧٦٦) عن شعيب بن شعيب بن إسحاق، عن عبد الوهاب بن سعيد، عن شعيب بن إسحاق، كلاهما عن الأوزاعي، و (١٧٦٩) عن إسحاق بن منصور، عن معاذ بن هشام، عن أبيه- كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، به. و (١٧٦٨) عن هشام بن عمَّار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ونافع، كلاهما عن ابن عمر به، و (١٧٧٠) عن يحيى بن محمد بن السكن، عن محمد بن جهضم، عن إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه به. و (١٧٧١) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن إسحاق بن الفُرات، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد. و (١٧٧٢) عن عبد الله بن إسحاق، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عُقْبَةَ. و (١٧٧٥) عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن جويرة بن أسماء- ثلاثتهم عن نافع به. و (١٧٧٣) عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك عن نافع به. و (١٧٧٤) عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن

стр. 4242

عبيد الله بن عمر عن نافع به. و (١٧٧٨) عن إسحاف بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر به. والألفاظ مختلفة. أفاده الحافظ المزي ﵀ في تحفته جـ ١١ ص ٣٨٣ - ٣٨٤. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك- وعن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب- وعن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر- ثلاثتهم عن نافع، عن عبيد الله بن عمر به. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى عن مالك، به. وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، ويحيى بن يحيى- ثلاثتهم عن ليث، عن نافع به. وعن زهير بن حرب، وعبيد الله بن سعيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد به. وعن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب به. وعن أحمد بن عبد الله بن الحكم، عن غندر- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن النَّضْر بن شُمَيل- كلاهما عن شعبة، عن زيد بن محمد، عن نافع به. وعن محمد بن عَبَّاد المكي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار،

стр. 4243

عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر به. وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، به. وفي الشمائل عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل ابن عُلَيَّةَ به. وعن قتيبهَ عن مروان بن معاوية، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر، قال: وحدثتني حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النبي ﷺ . وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رُمْح به. ورواه عبد الحميد بن جعفر، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن حفصة ﵂. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في كراهة التنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من سنة الصبح: ذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة، وبه قال سعيد بن المسيب، والعلاء بن زياد، وحميد بن عبد الرحمن، والحنفية، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عمرو، وهو المشهور عن أحمد. وذهب بعضهم إلى الجواز، وهو قول الحسن البصري، والشافعي، وحملا النهي عن الصلاة بعد الصبح المراد منه بعد صلاة الفريضة، واستدلا بما تقدم في حديث عمرو بن عَبَسَة من قول النبي ﷺ : "فصل ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح"، وبه قال

стр. 4244

ابن حزم. وهو مذهب المصنف، وهو المذهب الراجح كما سيأتي. والله تعالى أعلم. وقال مالك: يجوز ذلك لمن فاتته صلاة الليل، لما رواه في الموطأ عن سعيد بن جبير "أن عبد الله بن عباس رقد، ثم استيقظ، ثم قال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟ وهو يومئذ قد ذهب بصره، فذهب الخادم، ثم رجع، فقال: قد انصرف الناس من الصبح، فقام عبد الله ابن عباس، فأوتر، ثم صلى الصبح"، ولما رواه أنه بلغه أن عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عمر ابن ربيعة قد أوتروا بعد الفجر، وما رواه عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن مسعود قال: ما أبالي لو أقيمت صلاة الصبح، وأنا أوتر، وما رواه عن يحيى بن سيعد، أنه قال: كان عبادة بن الصامت يؤم قومًا، فخرج يومًا إلى الصبح، فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر، ثم صلى بهم الصبح، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: إني لأوتر، وأنا أسمع الإقامة، أو بعد الفجر، يشك عبد الرحمن أيّ ذلك، وما رواه عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه القاسم بن محمد: يقول: إني لأوتر بعد الفجر. ففي هذا كله دلالة على أن الوتر تصلى بعد الفجر، وقبل صلاة

стр. 4245

الصبح. وقال الشوكاني: والحديث -يعني حديث "لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين"- يدل على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، قال الترمذي: وهو مما أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. قال الحافظ في التلخيص: دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف في ذلك مشهور، حكاه ابن المنذر، وغيره. وقال الحسن البصري: لا بأس به. وكان مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة بالليل، وقد أطنب في ذلك محمد بن نصر في قيام الليل. اهـ "نيل" جـ ٣ ص ٣٨٠، و"المنهل" جـ ٧ ص ١٧٨ - ١٧٩ بتصرف. قال الجامع: الراجح القول بعدم الكراهة، وأحاديث النهي كلها ضعيفة، وبعضها مرسل، فلا تعارض حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح. والله تعالى أعلم. تنبيه: حديث. "ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني من حديث أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، وفيه قصة، وقد

стр. 4246

تقدم ذكرها، قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قُدَامة بن موسى. قال الحافظ: وقد اختلف في اسم شيخه، فقيل: أيوب بن حصين، وقيل: محمد بن حصين، وهو مجهول. وروى أبو يعلى، والطبراني من وجهين آخرين عن ابن عمر نحوه. ورواه ابن عدي في ترجمة محمد بن الحارث من روايته عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، والمحمدان ضعيفان، ورواه الطبراني أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر بالحديث دون القصة، وينظر في سنده. ورواه الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي سنده الإفريقي. ورواه الطبراني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفي سنده رَوَّاد بن الجَرَّاح. ورواه البيهقي من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا، وقال: روي موصولًا عن أبي هريرة، ولا يصح. ورواه موصولًا الطبراني، وابن عدي، وسنده ضعيف، والمرسل أصح. اهـ "التلخيص الحبير" جـ ١ ص ١٩٠، ١٩١. (قال الجامع عفا الله عنه): الحاصل أن أحاديث النهي كلها ضعيفة، وإن صححها بعض أهل العلم بمجموع طرقها، فلا تصلح لمعارضة حديث عمرو بن عَبَسَةَ الصحيح، "فصلّ ما بدا لك حتى

стр. 4247

تصلي الصبح"، فإنه نص صريح في إباحة الصلاة بعد طلوع الفجر قبل أداء الفرض والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4248

٤٠ - إبَاحَةُ الصَّلاةِ إلَى أنْ يُصَلِّي الصُّبْحَ قال الجامع: تقدم في الباب الماضي أن الظاهر من المصنف أنه يرى إباحة الصلاة بعد الفجر بأكثر من ركعتين لعدم صحة النهى عنها، بل الذي صح هو دليل الإباحة، وهو حديث عمرو بن عبسة المذكور في هذا الباب. والله تعالى أعلم. ٥٨٤ - أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَيُّوبُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَسَنٌ: أَخْبَرَنِي شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْلَمَ مَعَكَ؟ قَالَ: "حُرٌّ، وَعَبْدٌ". قُلْتُ: هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ مِنْ أُخْرَى؟ قَالَ: "نَعَمْ، جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَصَلِّ مَا بَدَا لَكَ حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ انْتَهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَمَا دَامَتْ وَقَالَ أَيُّوبُ: فَمَا دَامَتْ -كَأَنَّهَا حَجَفَةٌ، حَتَّى تَنْتَشِرَ، ثُمَّ

стр. 4249

صَلِّ مَا بَدَا لَكَ، حَتَّى يَقُومَ الْعَمُودُ عَلَى ظِلِّهِ، ثُمَّ انْتَهِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ نِصْفَ النَّهَارِ، ثُمَّ صَلِّ مَا بَدَا لَكَ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ انْتَهِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَتَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ". رجال الإسناد: ثمانية ١ - (الحسن بن إِسماعيل) بن سليمان بن مُجَالِد، أبو سَعيد الْمُجَالِدِي الْمِصِّيصِيُّ، ثقة، توفي بعد سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدمَ في ٤٣٢. ٢ - (أيوب بن محمد) بن زياد الوزان، أبو محمد الرَّقِّيّ، مولى ابن عباس (١)، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٢٨/ ٣٢. ٣ - (حجاج بن محمد) الْمِصِّيصِيُّ الأعور أبو محمد الترمذي الأصل نزيل بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قَدِمَ بغداد، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]، تقدم في ٢٨/ ٣٢. ٤ - (شعبة) بن الحجاج أبو بِسْطَام الواسطي، ثم البصري، الإمام الحجة، من [٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦. ٥ - (يعلى بن عطاء) العامري، ويقال: الليثي، الطائفي، ثقة،

стр. 4250

من [٤]. قال الأثرم: أثنى عليه أحمد بن حنبل خيرًا. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: سمع يعلى، وهو صغير جدًّا. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: قال هشيم: فارقنا يعلى سنة ١٢٠، وقال البخاري: يقال: مات بواسط سنة ١٢٠، وفيها أرخه ابن حبان. وقال ابن المديني: يعلى بن عطاء له أحاديث لم يروها غيره، ورجال لم يرو عنهم غيره، منهم وكيع بن عدس، وأهل الحجاز لا يعرفونه، وإنما رَوَى عنه قوم بواسط، أخرج له البخاري في "جزء القراءة"، ومسلم، والأربعة. ٦ - (يزيد بن طلق) مجهول (١)، من [٦]. رَوى عن عبد الرحمن بن البَيْلَماني. وعنه يعلى بن عطاء. قال الدارقطني: يعتبر به. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له المصنف، وابن ماجه. ٧ - (عبد الرحمن بن البَيْلَمَاني) مولى عمر مدني، نزل حَرَّان، ضعيف، من [٣]. قال أبو حاتم: لين، وقال ابن سعد: هو من أخماس عمر بن

стр. 4251

الخطاب. وقال عبد المنعم بن إدريس: هو من الأبناء الذين كانوا باليمن، وكان ينزل بِحَرَّان، وقيل: كان شاعرًا مُجيدًا، وَفَدَ على الوليد، فأجزل له الحِبَاَء، وتوفي في ولايته، له عند الترمذي في طواف الوداع، وعند النسائي حديث عمرو بن عبسة الطويل في قصة إسلامه، وغير ذلك، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في ولاية الوليد ابن عبد الملك، لا يجب أن يعتبر بشيء من حديثه إذا كان من رواية ابنه، لأن ابنه يضع على أبيه العجائب، وقال الدارقطني: ضعيف، لا تقوم له حجة، وقال الأزدي: منكر الحديث، يروي عن ابن عمر بواطل، وقال صالح جَزَرَةَ: حديثه منكر، ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة، إلا من سرق. قال الحافظ: فعلى مطلق هذا يكون حديثه عن الصحابة المسمين أولًا مرسلًا عند صالح. اهـ. أخرج له الأربعة. ٨ - (عن عمرو بن عبسة) السلمي الصحابي الجليل، ﵁، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧. والله أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف، ورواته ثقات، غير يزيد بن طلق، فمجهول الحال، وعبد الرحمن فضعيف، وفيه قوله: قال أيوب: حدثنا، وقال حسن: أخبرني شعبة، يعني أن شيخيه: أيوب وحسنًا، اختلفا على شيخهما حجاج في صيغة الأداء لِمَا تحمله عن شغبة، فقال أيوب: قال حجاج: حدثنا شعبة، وقال الحسن: قال

стр. 4252

حجاج: أخبرني شعبة، وذلك أن حجاجًا تحمله عن شعبة سماعًا، وقراءة، فحينما حدث لأيوب حدثه بما تحمله عن شعبة سماعًا مع غيره، وحينما حدث الحسن حدثه بما تحمله قراءة بنفسه عليه. وهذا من احتياط المصنف في بيان اختلاف ألفاظ الشيوخ، وإن كان لا يختلف به المعنى، فإيضاح صورة الحال مستحسن. فقوله: شعبةُ بالرفع تنازعه الفعلان قبله على الفاعلية. والأولى إعمال الثاني لقربه عند البصريين، وإعمال الأول لسبقه عند الكوفيين، كما قال في الخلاصة: إِنْ عَامِلانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عمَلْ … قْبلُ فَللَّوَاحد منْهُما الْعَمَلْ وَالثَّانِ أوْلَى عِنْدَ أهْلِ الْبَصْرَهَ … واخْتَار عكْسًا غيرُهُمْ ذا أسْرَهْ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عمرو بن عبسة) بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عَتَّاب، أبو نَجِيح، أسلم قديمًا بمكة، رابعَ أربعة في الإسلام، وهاجر بعد أحُد، ونزل الشام، وهو أخو أبي ذر لأمه. ومات في أواخر خلافة عثمان ﵄. أنه (قال: أتيت رسول الله ﷺ ) أي في مكة. فقد روى مسلم في صحيحه قصة إسلامه، نقال: كنت، وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم

стр. 4253

يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا فقعدت على راحلتي، فَقَدِمْتُ عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا جُرَاءُ عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ الله، ولا يُشرَك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر، وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر، وبلال، ممن آمن به، فقلت: إني متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي، وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت، فائتني. قال: فذهبت إلى أهلي، وقَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الإخبار، وأسأل الناس حين قدم الدينة، حتى قَدِمَ عليَّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ قالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا. فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: نعم، ألست الذي لقيتني بمكة؟ فقلت: بلى، فقلت: يا نبي الله، أخبرني عما علمك الله، وأجهله؛ أخْبِرْنِي عن الصلاة؟ قال: "صَلِّ الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس … " الحديث. (فقلت: يا رسول الله منْ أَسْلَمَ معك؟ قال: حُرٌّ وعبد) يريد أبا بكر، وبلالًا ﵄، فيكون ﷺ ثالثهما، وعمرو بن

стр. 4254

عَبَسَة رابعهما كما تقدم، هذا بالنسبة للرجال، وإلا فخديجة قد أسلمت قبل أبي بكر، وبلال رضي الله تعالى عن جميعهم. (قلت: هل من ساعة أقرب إِلى الله من أخرى؟ قال: نعم، جوف الليل الآخر) يعني ثلثه الآخر أقرب للإجابة، فجوف مبتدأ، خبره أقرب مقدرًا، وفي رواية أبي داود: "أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخرُ"، والآخر بالرفع صفة "جوف". (فَصَلِّ ما بدا لك) وفي رواية أبي داود: "فصل ما شئت"، وفيه أن صلاة الليل ليس لها عدد معين، خلاف ما يزعمه بعض الناس أن الزيادة على إحدى عشرة ركعة التي وردت في صلاة رسول الله ﷺ بدعة، فينكرون على من يصلي في رمضان عشرين ركعة، أو أقل، أو أكثر على حسب نشاط المتهجدين، فيرد عليهم هذا الحديث، حيث قال ﷺ : "فصلّ ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح"، رواه أبو داود، فإنه أطلق له الكيفية والكمية. وكذا حديث: "الصلاةُ خيرُ موضوعٍ، فمن استطاع أن يستكثر، فليستكثر"، رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁. وحسنة الشيخ الألباني، انظر "صحيح الجامع" جـ ٢ ص ٧١٩. والحاصل أن من تيسر له موافقة ما كان عليه النبي ﷺ كَمًّا وكيفًا فهو الأفضل، وإلا فلا حجر على أحد، والله أعلم. (حتى تصلي الصبح) هذا محل الترجمة حيث أباح له النبي ﷺ -

стр. 4255

الصلاة إلى أن يصلي الصبح، فدخل ما بعد طلوع الفجر، والاستدلال به واضح، ومعارضته بحديث "لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين" غير صحيحة، لعدم صحته، كما تقدم. والحاصل أن الصحيح جواز الصلاة بعد طلوع الفجر إلى أن تصلى الصبح لحديث الباب. والله تعالى أعلم. (ثم انته) أمر من الانتهاء، أي اترك الصلاة حتى تطلع الشمس، (وما دامت- وقال أيوب: فما دامت) يعني أن شيخيه اختلفا في قوله: وما دامت- فرواه الحسن بالواو، ورواه أيوب بالفاء، وهذا من احتياطات المحدثين، وحرصهم على أداء ما سمعوه كما سمعوه، وإن لم يكن هناك كبير اختلاف يضر بمعنى الحديث. وهو عطف على جملة "تطلع" الخ، و"ما" مصدرية ظرفية، أي اترك أيضا بعد طلوعها مدة دوامها. (كأنها حَجَفة) بفتحات، الترس الصغير، يُطَارَقُ (١) بين جلدين، والجمع: حَجَف، وحَجَفَات، مثل قَصَبَة، وقَصَب، وقَصَبَات. قاله في المصباح. أي كأنها ترس، في عدم الحرارة، وإمكان النظر إليها. (حتى تنتشر) أي إلى أن ترتفع، وينتشر ضوءها.

стр. 4256

وفيه أن وقت النهي لا ينتهي بطلوع الشمس، بل لابد من ارتفاعها، وإشراقها، فالأحاديث التي فيها الإطلاق لابد من تقيدها بهذا، فتنبه. (ثم صلّ ما بدا لك، حتى يقوم العَمُود على ظله) قال السندي: العمود خشبة، يقوم عليها البيت، والمراد حتى يبلغ الظل في القلة غايته بحيث لا يظهر إلا تحت العمود ومحل قيامه، فيصير كأن العمود قائم عليه، والمراد وقت الاستواء. اهـ. (ثم انته، حتى تزول الشمس، فإِن جهنم تُسجَر نصف النهار) "تسجر" بالتخفيف، والتشديد، مبنيًا للمجهول: أي يوقد عليها إيقادًا بليغًا، وتقدم ما قاله الخطابي وغيره في تسجير جهنم في شرح حديث ٥٧٢ فراجعه تزدد علمًا. (ثم صل ما بدا لك حتى تصلي العصر، ثم انته، حتى تغرب الشمس، فإِنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان) قيل: التنكير للتحقير، وقد تقدم اختلاف العلماء في المعنى المراد بقرني الشيطان، وأن أقوى الأقوال قول من قال: إن المراد به ناحيتا الرأس، وأنه على ظاهره، ومعناه أنه يُدْنِي رأسه إلى الشمس في تلك الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة. والله أعلم. تنبيه: هذا الحديث في سنده يزيد بن طلق، وابن البيلماني، وقد تقدم

стр. 4257

المقال فيهما، إلا أنه صحيح بما سبق في ٥٧٢، وتقدم ما يتعلق به من المسائل هناك، فلا حاجة إلى إعادته، والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4258

٤١ - إبَاحَةُ الصَّلاةِ فِي السَّاعَاتِ كُلِّها بِمَكَّةَ قال الجامع: الظاهر أن المراد بمكة البيت وما حوله لا جميع الحرم كما قيل، لظاهر حديث جبير، وأما حديث "إلا بمكة" فضعيف، فلا يصلح للاحتجاج به، كما يأتي إن شاء الله تعالى. ٥٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَابَاهْ يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخُزاعي الجَوَّاز- بتشديد الواو ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبتا حجة إمام، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم المكي، صدوق، قيل: يدلس، توفي سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له

стр. 4259

الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٤ - (عبد الله بن باباه) بموحدتين، بينهما ألف ساكنة، ويقال: بتحتانية بدل الألف، ويقال: بحذف الهاء، المكي، ثقة، من [٤]. قال علي بن المديني: عبد الله بن بابيه من أهل مكة معروف، ويقال له أيضًا: باباه، وقال: البخاري عبد الله بن باباه، ويقال: ابن بَابِي. وقال ابن معين: هؤلاء ثلاثة مختلفون. وقال أبو القاسم الطبراني: عبد الله بن بابي بصري، وعبد الله بن باباه مكي، وعبد الله بن بابيه كوفي. وقال أبو الحسين بن البراء: القول عندي ما قال ابن المديني، والبخاري. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: عبد الله ابن باباه: ثقة. ووثقه العجلي، وابن المديني، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، والأربعة. ٥ - (جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي صحابي عارف بالأنساب توفي سنة ٥٨ أو ٥٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥٨/ ٢٥٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا شيخه، فمن

стр. 4260

أفراده، وابن باباه، فلم يخرج له البخاري. ومنها: أنه مسلسل بالمكيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهو من رواية الأقران. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جبير بن مُطْعِمٍ) النوفلي ﵁ (أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف) يريد من كان له تسلط على البيت من قريش؛ وعبدُ مناف هو الجد الثالث للنبي ﷺ . (لا) ناهية، ولذا جزم الفعل بها. (تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت) يعني الكعبة، لأن البيت، وإن كان في الأصل اسم للمسكن الذي يُبَاتُ فيه، إلا أنه صار علمًا بالغلبة للكعبة، كما قال ابن مالك: وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلْبَهْ … مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالْعَقَبَهْ (وصلى أية ساعة شاء) "أية" اسم شرط منصوب على الظرفية متعلق بفعل الشرط، وهو "شاء"، قُدِّمَ عليه وجوبًا لكون اسم الشرط يجب له صدر الكلام. والأفصح في "أيّ" استعمالها في الشرط والاستفهام بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، لأنها اسم؛ والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقة بين

стр. 4261

المذكر والمؤنث، قال الله تعالى: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١]، وقال: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقد يطابق في التذكير والتأنيث، نحو أي رجل، وأية امرأة، وقرئ في الشذوذ: (بأية أرض تموت) (١) وقال الشاعر: بِأيِّ كِتَابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةِ … تَرىَ حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ ومنه هذا الحديث. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فلا تمنعوه. والله أعلم. (من ليل أو نهار) متعلق بحال من "أية ساعة"؛ "فمن": بيانية، أي حال كون تلك الساعة كائنة من ليل أو نهار. وقال السندي ﵀: قوله: "أية ساعة" الظاهر أن المعنى لا تمنعوا أحدًا دخل المسجد للطواف، والصلاة عند الدخول أية ساعة يريد الدخول، فقوله: "أية ساعة" ظرف لقوله: "لا تمنعوا"، لا لطاف، وصلى، ففي دلالة الحديث على الترجمة بَحْثٌ، كيف، والظاهر أن الطواف، والصلاة حين يصلي الإمام الجمعة، بل حين يخطب الخطيب يوم الجمعة، بل حين يصلي الإمام إحدى الصلوات الخمس غير مأذون فيها للرجال!. والله أعلم. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ظرف لقوله: "لا تمنعوا" فيه نظر لا يخفى، إذ أسماء الشرط، والاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، لوجوب الصدارة لها، بل الصواب أنه ظرف لشاء، لكونه فعل الشرط، كما

стр. 4262

قدمناه، والمقصود منه إطلاق إرادة الشخص، ففي أيّ وقت من أوقات الليل والنهار أراد أن يطوف أو يصلي فلا يمنع منه، وأما ما ذكره من منع ذلك عند الخطبة، أو صلاة الجمعة، أو الجماعة فلأدلة أخرى خصت ذلك من هذا العموم. فاستدلال المصنف على إباحة الصلاة في الساعات كلها ما عدا ما استثناه الدليل واضح، فدخل في هذا العموم أوقات النهي، فيجوز أن يُصَلَّى في مكة في أوقات النهي، وليس هذا خاصًا بركعتي الطواف، بل مطلق الصلاة كذلك، لما في صحيح ابن حبان: "يا بني عبد المطلب إن كان إليكم من الأمر شيء، فلا أعرفن أحدًا منكم أن يمنع من يصلي عند البيت، أي ساعة شاء، من ليل، أو نهار". والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى ولى: في درجته: حديث جبير بن مطعم ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٥)، وفي "الكبرى" (١٥٦١) عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عنه. وفي "الحج" (٢٩٢٤) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن سفيان به. والله أعلم.

стр. 4263

المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فأخرجه أبو داود في "الحج" عن أبي الطاهر بن السرح، والفضل بن يعقوب، وأخرجه الترمذي فيه عن الحسين بن الحريث- وعلي بن خَشْرَم-، وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن يحيى بن حكيم- أربعتهم عن سفيان به. وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في جواز الصلاة في مكة في جميع الأوقات: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح بمكة، فقال بعضهم: لا بأس في الصلاة والطواف بعد العصر، وبعد الصبح، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بحديث النبي ﷺ يعني حديث جبير هذا- وقال بعضهم: إذا طاف بعد العصر لم يصلِّ حتى تغرب الشمس، وكذلك إن طاف بعد صلاة الصبح أيضًا لم يصل حتى تطلع الشمس. واحتجوا بحديث عمر أنه طاف بعد الصبح، فلم يصل، وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى، فصلى بعدما طلعت الشمس، وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس. اهـ "جامع الترمذي" جـ ٢ ص ١٧٨، ١٧٩. وقال الصنعاني ﵀: حديث جبير دال على أنه لا تكره الطواف بالبيت، ولا الصلاة فيه في أي ساعة من ساعات الليل

стр. 4264

والنهار، وقد عارض ما سلف فالجمهور عملوا بأحاديث النهي ترجيحًا لجانب الكراهة، ولأن أحاديثها في "الصحيحين"، وغيرهما، وهي أرجح من غيرها. وذهب الشافعي وغيره إلى العمل بحديث جبير، قالوا: لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة، والنوم عنها، والنافلة التي تُقْضَى، فضعفوا عمومها، فتخصص أيضًا بهذا الحديث. ولا تكره الصلاة النافلة بمكة في أي ساعة من الساعات، وليس هذا خاصًا بركعتي الطواف، بل يعم كل نافلة، لرواية ابن حبان في صحيحه: "يا بني عبد المطلب إن كان لكم من الأمر شيء، فلا أعرفن أحدًا منكم يمنع من يصلي عند البيت أى ساعة شاء من ليل، أو نهار". قال في "النجم الوهاج": وإذا قلنا: بجواز النفل- يعني في المسجد الحرام في أوقات الكراهة، فهل يختص ذلك المسجدَ الحرامَ، أو يجوز في جميع حرم مكة؟ فيه وجهان، والصواب أنه يعم الحرم. اهـ "سبل السلام" جـ ١ ص ٢٣٥. قال الجامع: في دعوى الجواز في جميع الحرم نظر، إذ حديث جبير لا يدل عليه، وأما حديث أبي ذر عند الشافعي، بلفظ: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة"، وكرر الاستثناء ثلاثًا، ورواه أحمد، وابن عدي، فإنه ضعيف، لضعف عبد الله بن المؤمل، وذكر ابن عدي هذا الحديث من جملة ما أنكر عليه، وقال البيهقي: تفرد به عبد الله ولكن تابعه إبراهيم

стр. 4265

ابن طهمان، وهو أيضًا من رواية مجاهد عن أبي ذر، وقد قال أبو حاتم، وابن عبد البر، والبيهقي، والمنذري، وغير واحد: إنه لم يسمع منه. وقد رواه أيضًا ابن خزيمة في "صحيحه"، وقال: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر. قاله في "النيل" جـ ١ ص ٣٨٦. فالظاهر التخصيص بالمسجد الحرام فقط. والله أعلم. قال الجامع: الحاصل أن أرجح المذاهب في هذه المسألة قول من قال بجواز التنفل في المسجد الحرام مطلقًا، لحديث جبير بن مطعم هذا، فإنه يخصص عمومات أحاديث النهي لأنها دخلها التخصيص بغيره. وأما ما قاله الشوكاني- من أن حديث جبير لا يصلح لتخصيص أحاديث النهي، لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، وليس أحد العمومين أولى بالتخصيص من الآخر- فغير صحيح، لأنا نقول: إن عموماتها أولى بالتخصيص به، حيث إن التخصيص دخلها بغيره، كحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها"، وحديث قضاء السنن الفائتة، وحديث من أدرك الجماعة في الصبح بعد أن صلى وحده، فإنه يصلي، وهي نافلة له، وغير ذلك، فكان التخصيص بحديث جبير أولى فتبصر. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما أستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4266

٤٢ - الْوَقْتُ الذِّي يَجْمَعُ فِيهِ الْمسَافِرُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين صلاة الظهر وصلاة العصر. وذِكْرُ أحاديث الجمع في كتاب الأوقات ظاهر، وقد ذكره غيره، كالبخاري في كتاب تقصير الصلاة، نظرًا لكون أكثر الجمع في السفر. والله أعلم. ٥٨٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مُفَضَّل) بن فَضَالة بن عُبَيد بن ثُمامة بن مَزْيَدَ بن نوْف الرُّعَيني، ثم القِتباني -بكسر القاف، وسكون المثناة بعدها موحدة-

стр. 4267

المصري، أبو معاوية القاضي، ثقة فاضل، أخطأ ابن سعد في تضعيفه، من [٨]. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: رجل صدوق، وكان إذا جاء رَجُل قد انكسرت يده أو رِجْله جبرها، وكان يصنع الأرْحِيَةَ. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم، وابن خراش: صدوق في الحديث. وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر مرتين، وكان من أهل الفضل، والدين، ثقة في الحديث، من أهل الورع. ذكره أحمد بن شعيب يومًا، وأنا حاضر، فأحسن الثناء عليه، ووثقه، وقال: سمعت قتيبة بن سعيد يذكر عنه فضلًا. وقال الآجري عن أبي داود: كان مجاب الدعوة لم يُحَدِّث عنه ابن وهب؛ وذلك أنه قضى عليه بقضية. وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم: أخبرني بعض مشايخنا أن رجلًا لقي المفضل بن فضالة بعد أن عزل عن القضاء، فقال: حسيبك الله قضيت علي بالباطل، فقال له المفضل: لكن الذي قضينا له يطيب الثناء. قال يحيى بن أبي بكير: ولد سنة ١٠٧، ومات سنة ١٨١ أو ١٨٢، وكذا قال ابن يونس، لكن لم يقل: أو اثنتين. وقال البخاري: مات في شوال سنة ١٨١، وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل مصر، وقال: كان منكر الحديث. قال

стр. 4268

عيسى بن حماد زُغْبَةُ: كان مجاب الدعوة، وطويل القيام مع ضعف بدنه. أخرج له الجماعة. ٣ - (عُقيل) مصغرًا- بن خالد بن عَقيل -بالفتح- الأيْلِيُّ، أبو خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينةَ، ثم الشام، ثم مصر، توفي سنة ١٤٤، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٥/ ١٨٧. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم، الأ مام الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (أنس بن مالك) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وأنهم ما بين بغلاني وهو شيخه، ومصريين وهما مفضل، وعُقَيل، ومدنيين وهما: ابن شهاب، وأنس، وأن أنسًا هو أحد المكثرين من الصحابة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: كان رسول الله ﷺ إِذا ارتحل) أي ذهب (قبل أن تزيغ الشمس) بزاي، ومعجمة: أي

стр. 4269

تميل، وزاغت: مالت، وذلك إذا قام الفيء. (أخر الظهر إِلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما) أي في وقت العصر، ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن عُقَيل: "يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق"، وله من رواية شَبَابَةَ عن عُقَيل "حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما". (فإِن زاغت الشمس قبل أن يرتحل على الظهر، ثم ركب) قال في الفتح: كذا فيه -أي في حديث أنس- الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة ومقتضاه أنه لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، ولكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة، فقال: "كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل"، أخرجه الإسماعيلي، وَأعِلَّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق. قال الحافظ: وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان. وقد وقع نظيره في "الأربعين" للحاكم، قال: حدثنا محمد بن يعقوب، هو الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، هو أحد شيوخ مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي، فذكر الحديث، وفيه: "فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر

стр. 4270

والعصر، ثم ركب". قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من الأربعين بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيد. انتهى. قال الحافظ: وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت ثابتة، لكن في ثبوتها نظر، لأن البيهقي أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقرونًا برواية أبي داود عن قتيبة، وقال: إن لفظهما سواء، إلا أن في رواية قتيبة: "كان رسول الله ﷺ " وفي رواية حسان "أن رسول الله ﷺ ". والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وابن حبان من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ بن جبل. وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في علوم الحديث، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشامٌ مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوري، وقرة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم. وقد وردفي جمع التقديم حديث آخر عن ابن عباس أخرجه أحمد،

стр. 4271

وذكره أبو داود تعليقًا، والترمذي في بعض الروايات عنه، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، لا أعلمه إلا مرفوعًا: "أنه كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر". أخرجه البيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس، ولفظه: "إذا كنتم سائرين" … فذكر نحوه. وفي حديث أنس استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ، ولفظه: "أن النبي ﷺ أخر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا". قال الشافعي في الأم: قوله: "دخل، ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا، ومسافرًا. وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس. اهـ. وحكى بعضهم أن بعضهم أوَّل قوله "ثم دخل" أي في الطريق

стр. 4272

مسافرًا، "ثم خرج" أي عن الطريق للصلاة، ثم استبعده، ولا شك في بعده. وكأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دل عليه حديث أنس. والله أعلم. ومن ثم قال الشافعية: ترك الجمع أفضل، وعن مالك أنه مكروه. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٦٧٩ - ٦٨٠. قال الجامع: في كون ترك الجمع أفضل نظر، وليس في حديث أنس ما يدل عليه، وأما القول بالكراهة فلا وجه له أصلًا. فتبصر. والله أعلم. وفي هذا الحديث ونحوه من أحاديث الجمع تخصيص لحديث الأوقات التي بَيَّنَهَا جبريل للنبي ﷺ ، وبينها النبي ﷺ للأعرابي، حيث قال في آخرها: "الوقت ما بين هذين". قاله في الفتح. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٦)، وفي "الكبرى" (١٥٦٢) عن قتيبة، عن مفضل، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عنه. وفي ٥٩٤ عن عمرو بن سَوَّاد، عن ابن وهب، عن جابر بن

стр. 4273

إسماعيل، عن عقيل به. والله تعالى أعم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "تقصير الصلاة" عن حسان الواسطي، وقتيبة، كلاهما عن مفضل به. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة به. وعن عمرو الناقد، عن شبابة، عن ليث، عن عقيل به. وعن أبي الطاهر، وعمرو بن سَوَّاد، كلاهما عن ابن وهب، عن جابر بن إسماعيل، عن عقيل به. وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة، ويزيد بن خالد بن موهب، كلاهما عن المفضل به، وأخرجه البيهقي. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان كون الشريعة سمحة سهلة، تُوسِّعُ على المكلفين في محل الحرج، فلذا شرع الجمع في السفر ونحوه. ومنها: مشروعية الجمع بين الظهر والعصر في وقت أحدهما تأخيرًا، أو تقديمًا؛ أما تأخيرًا، فلهذا الحديث، وأما تقديمًا فللأدلة الأخرى، كما تقدم قريبًا. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من مراعاة ما يسهل على الناس، فإذا كان المحل مناسبًا لهم تأخر، فجمع بين الصلاتين، وإذا كان غير ذلك عجل المسير، وواصل حتى يجمع في وقت الثانية، تخفيفًا على

стр. 4274

أصحابه ﵃. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في حكم الجمع بين الصلاتين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى بعد ذكر أحاديث الجمع ما نصه: قد ذكرنا الإخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ الدالة على جمعه بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وذكرنا جمعه في غير هذين الموضعين من أسفاره. وقد أجمع أهل العلم على القول ببعض هذه الإخبار، واختلفوا في القول بسائرها، فما أجمع أهل العلم على القول به، وتوارثته الأئمة قرنًا عن قرن، وتبعهم الناس عليه منذ زمان رسول الله ﷺ إلى هذا الوقت: الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع في ليلة النحر. واختلفوا في الجمع بين الصلاتين في سائر الأسفار، فرأت طائفة أن يجمع المسافر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وممن رأى ذلك: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبو موسى الأشعري، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.

стр. 4275

ثم ذكر ﵀ بأسانيده إلى بعض هؤلاء ما نقل عنهم في الجمع (١). وحكاه البيهقي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ﵄، ورواه عن زيد بن أسلم، وربيعة، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وأمثالهم، قال: وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين (٢). قال ابن المنذر: وكرهت طائفة الجمع بين الصلاتين إلا عشية عرفة، وليلة جمع، هذا قول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقال أصحاب الرأي: لا يجمع بين صلاتين في سفر، ولا حضر في وقت إحداهما ما خلا عرفة ومزدلفة. وقال النووي: وقال الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، والنخعي، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز الجمع بسبب السفر بحال، وإنما يجوز في عرفات في وقت الظهر، وفي المزدلفة في وقت العشاء بسبب النسك للحاضر، والمسافر، ولا يجوز غير ذلك. وحكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن المزني. واحتج لهم بأحاديث المواقيت، وبقوله ﷺ : "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت
следующие страницы →