← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12888

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (19 271 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

وذكره أبو داود تعليقًا، والترمذي في بعض الروايات عنه، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، لا أعلمه إلا مرفوعًا: "أنه كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر". أخرجه البيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس، ولفظه: "إذا كنتم سائرين" … فذكر نحوه. وفي حديث أنس استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ، ولفظه: "أن النبي ﷺ أخر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا". قال الشافعي في الأم: قوله: "دخل، ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا، ومسافرًا. وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس. اهـ. وحكى بعضهم أن بعضهم أوَّل قوله "ثم دخل" أي في الطريق

стр. 4272

مسافرًا، "ثم خرج" أي عن الطريق للصلاة، ثم استبعده، ولا شك في بعده. وكأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دل عليه حديث أنس. والله أعلم. ومن ثم قال الشافعية: ترك الجمع أفضل، وعن مالك أنه مكروه. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٦٧٩ - ٦٨٠. قال الجامع: في كون ترك الجمع أفضل نظر، وليس في حديث أنس ما يدل عليه، وأما القول بالكراهة فلا وجه له أصلًا. فتبصر. والله أعلم. وفي هذا الحديث ونحوه من أحاديث الجمع تخصيص لحديث الأوقات التي بَيَّنَهَا جبريل للنبي ﷺ ، وبينها النبي ﷺ للأعرابي، حيث قال في آخرها: "الوقت ما بين هذين". قاله في الفتح. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٦)، وفي "الكبرى" (١٥٦٢) عن قتيبة، عن مفضل، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عنه. وفي ٥٩٤ عن عمرو بن سَوَّاد، عن ابن وهب، عن جابر بن

стр. 4273

إسماعيل، عن عقيل به. والله تعالى أعم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "تقصير الصلاة" عن حسان الواسطي، وقتيبة، كلاهما عن مفضل به. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن قتيبة به. وعن عمرو الناقد، عن شبابة، عن ليث، عن عقيل به. وعن أبي الطاهر، وعمرو بن سَوَّاد، كلاهما عن ابن وهب، عن جابر بن إسماعيل، عن عقيل به. وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة، ويزيد بن خالد بن موهب، كلاهما عن المفضل به، وأخرجه البيهقي. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان كون الشريعة سمحة سهلة، تُوسِّعُ على المكلفين في محل الحرج، فلذا شرع الجمع في السفر ونحوه. ومنها: مشروعية الجمع بين الظهر والعصر في وقت أحدهما تأخيرًا، أو تقديمًا؛ أما تأخيرًا، فلهذا الحديث، وأما تقديمًا فللأدلة الأخرى، كما تقدم قريبًا. ومنها: ما كان عليه النبي ﷺ من مراعاة ما يسهل على الناس، فإذا كان المحل مناسبًا لهم تأخر، فجمع بين الصلاتين، وإذا كان غير ذلك عجل المسير، وواصل حتى يجمع في وقت الثانية، تخفيفًا على

стр. 4274

أصحابه ﵃. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في حكم الجمع بين الصلاتين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى بعد ذكر أحاديث الجمع ما نصه: قد ذكرنا الإخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ الدالة على جمعه بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وذكرنا جمعه في غير هذين الموضعين من أسفاره. وقد أجمع أهل العلم على القول ببعض هذه الإخبار، واختلفوا في القول بسائرها، فما أجمع أهل العلم على القول به، وتوارثته الأئمة قرنًا عن قرن، وتبعهم الناس عليه منذ زمان رسول الله ﷺ إلى هذا الوقت: الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع في ليلة النحر. واختلفوا في الجمع بين الصلاتين في سائر الأسفار، فرأت طائفة أن يجمع المسافر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وممن رأى ذلك: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبو موسى الأشعري، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.

стр. 4275

ثم ذكر ﵀ بأسانيده إلى بعض هؤلاء ما نقل عنهم في الجمع (١). وحكاه البيهقي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ﵄، ورواه عن زيد بن أسلم، وربيعة، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وأمثالهم، قال: وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين (٢). قال ابن المنذر: وكرهت طائفة الجمع بين الصلاتين إلا عشية عرفة، وليلة جمع، هذا قول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقال أصحاب الرأي: لا يجمع بين صلاتين في سفر، ولا حضر في وقت إحداهما ما خلا عرفة ومزدلفة. وقال النووي: وقال الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، والنخعي، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز الجمع بسبب السفر بحال، وإنما يجوز في عرفات في وقت الظهر، وفي المزدلفة في وقت العشاء بسبب النسك للحاضر، والمسافر، ولا يجوز غير ذلك. وحكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن المزني. واحتج لهم بأحاديث المواقيت، وبقوله ﷺ : "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت

стр. 4276

الأخرى"، رواه مسلم. وعن ابن عمر، قال: "ما جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء قط في السفر إلا مرة" رواه أبو داود. وعن ابن مسعود، قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها"، رواه البخاري ومسلم. يعني الجمع بالمزدلفة، وصلاة الصبح، وقياسًا على جمع المقيم، وجمع المريض، وجمع المسافر سفرًا قصيرًا. واحتج الأولون بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الجمع في أسفار النبي ﷺ : منها: حديث ابن عمر، قال: "كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير" رواه الشيخان، وغيرهما. ويأتي للمصنف ٥٩٨، ٥٩٩، ٦٠٠. وعن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب" رواه الشيخان وغيرهما، وهو حديث الباب. وعن أنس ﵁، قال: "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما". رواه مسلم.

стр. 4277

وعن نافع أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول: "إن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء"، رواه مسلم. ورواه البخاري بمعناه من رواية سالم عن ابن عمر. وعن أنس عن النبي ﷺ : "أنه إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق". رواه مسلم. وعن معاذ ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك؛ إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل جَمَعَ بين المغرب والعشاء، وإن ترحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم جمع بينهما" رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. وقال البيهقي: هو محفوظ صحيح. وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى العصر والظهر جميعًا، ثم ارتحل، رواه الإسماعيلي، والبيهقي بإسناد صحيح. قال إمام الحرمين في الأساليب: في إثبات الجمع أخبار صحيحة، هي نصوص، لا يتطرق إليها تأويل، ودليله في المعنى الاستنباط من صورة الإجماع، وهي الجمع بعرفات، والمزدلفة، فإنه لا يخفى أن

стр. 4278

سببه احتياج الحجاج إليه، لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار، ووجدنا الرخص لا يستدعي ثبوتها نسكًا، ولكنها تثبت في الأسفار المباحة، كالقصر، والفطر، ثم لا يلزم الأفراد المترفهين في السفر، فإنا لو تتبعنا ذلك عرت الرخصة، وضاق محلها، وتطرق إلى كل مترخص إمكان الرَّفاهية، فاعتبر الشرع فيه كون السفر مظنة للمشقة، ولم ينظر إلى أفراد الأشخاص، والأحوال، وبهذا تمت الرخصة، واستمرت التوسعة. وأما الجواب عن احتجاجهم بأحاديث المواقيت، فهو أنها عامة في الحضر والسفر، وأحاديث الجمع خاصة بالسفر، فَقُدِّمَتْ، وبهذا يجاب أيضًا عن حديث "ليس في النوم تفريط"، فإنه عام أيضًا. والجواب عن حديث أبي داود عن ابن عمر أن أبا داود قال: روي موقوفًا على ابن عمر من فعله، والحديث إذا رُويَ مرفوعًا وموقوفًا هل يحتج به؟ فيه خلاف مشهور للسلف، فإن سلمنا الاحتجاج به فجوابه أن الروايات المشهورة في الصحيحين، وغيرهما عن ابن عمر صريحة في إخباره عن جمع رسول الله ﷺ ، فوجب تأويل هذه الرواية وردها، ويمكن أن يتأول على أنه لم يره يجمع في حال سيره، إنما يجمع إذا نزل، أو كان نازلًا في وقت الأولى. وأما حديث ابن مسعود فجوابه أنه نفي، فالإثبات الذي ذكرناه في الأحاديث الصحيحة مقدم عليه، لأن مع رواتها زيادة علم. اهـ

стр. 4279

المجموع باختصار جـ ٤ ص ٣٧١ - ٣٧٣. وقال أبو بكر بن المنذر: وبالأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ أقول، ولا معنى لكراهة من كَرِهَ ما سنه رسول الله ﷺ لأمته، إذ ما قالوا من ذلك خلاف السنن الثابتة، والسنة إذا ثبتت استغني بها عن كل قول. اهـ "الأوسط" جـ ٢ ص ٤٢٥. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ هو واجب كل مسلم، فوجب القول بجواز الجمع في السفر، تقديمًا وتأخيرًا لثبوت الإخبار بذلك، فكان المذهب الصحيح مذهب القائلين به، والذين خالفوا لم يأتوا بشيء يعتد به، فلا يلتفت إليه. فتبصر وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٨٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ

стр. 4280

خَرَجَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المُرَادي الجَمَلِي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت، توفي سنة ٢٤٨، من [١١]، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد أبو عمرو المصري قاضيها، ثقة فقيه، من [١٠]، تقدم في ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقِيُّ المصري أبو عبد الله الفقيه صاحب مالك، ثقة، توفي سنة ١٩١، من كبار [١٠]، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الحجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٥ - (أبو الزبير المكي) محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من [٤]، تقدم في ٣١/ ٣٥. ٦ - (أبو الطفيل، عامر بن واثلة) بن عبد الله بن عمرو بن جحش، ويقال: خميس بن جريّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة ابن علي بن كنانة، الليثي، ويقال. اسمه عمرو والأول أصح، ولد عام أحد.

стр. 4281

رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، ومعاذ بن جبل، وحذيفة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي سَرِيحة، ونافع بن عبد الحارث، وزيد بن أرقم، وغيرهم. وعنه الزهري، وأبو الزبير، وقتادة، وعبد العزيز بن رفيع، وغيرهم. قال مسلم: مات أبو الطفيل سنة ١٠٠ وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال خليفة: مات بعد سنة ١٠٠، ويقال: مات سنة ١٠٧، وقال وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه كنت بمكة سنة ١١٠، فرأيت جنازة، فسألت عنها؟ فقالوا: هذا أبو الطفيل. وقال ابن البرقي: مات سنة ١٠٢، وقال موسى بن إسماعيل: ثنا مبارك بن فضالة، ثنا كثير بن أعين، سمعت أبا الطفيل بمكة سنة ١٠٧، يقول: ضحك رسول الله ﷺ فذكر قِصَّة. وقال ابن السكن: رُويَ عنه رؤيته لرسول الله ﷺ من وجوه ثابتة، ولم يُرْوَ عنه من وجه ثابت سماعه من رسول الله ﷺ . وقال ابن سعد: حدثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الطفيل، قال: كنت أطلب النبي ﷺ فيمن يطلبه ليلة الغار، فقمت على باب الغار، ولا أرى فيه أحدًا. ثم قال ابن سعد: وهذا الحديث غلط، أبو الطفيل لم يولد تلك الليلة، وينبغي أن يكون حدث بهذا الحديث عن غيره، فأوهم الذي حدث عنه، وكان أبو الطفيل ثقة في الحديث، وكان متشيعًا، وذكر البخاري في التاريخ الصغير هذا الحديث عن عمرو بن عاصم، وقال: الأول أصح -يعني

стр. 4282

قوله: أدركت ثمان سنين من حياة النبي ﷺ . وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه: حدثنا عُقْبَةُ بن مكْرَم، ثنا يعقوب بن إسحاق، ثنا مهدي بن عمران الحنفي، قال: سمعت أبا الطفيل يقول: كنت يوم بدر غلافا قد شددت علي الإزار، وأنقل اللحم من السهل إلى الجبل. قال الحافظ: قلت: لي فيه (١) وهم في لفظة واحدة، وهي قوله: يوم بدر، والصواب يوم حنين. والله أعلم. فقد رويناه هكذا من طريق أخرى عن أبي الطفيل. وقال ابن عدي: له صحبة، قد روى عن النبي ﷺ قريبًا من عشرين حديثا، وكانت الخوارج يرمونه باتصاله بعلي، وقوله بفضله، وفضل أهل بيته، وليس في روايته بأس. وقال ابن المديني: قلت لجرير: أكان مغيرة يكره الرواية عن أبي الطفيل؟ قال: نعم. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: أبو الطفيل مكي ثقة. أخرج له الجماعة. ٧ - (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب ابن عمرو بن أدَيّ بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جُشَم ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد بدرًا، والعقبة، والمشاهد. روى عن النبي ﷺ . وعنه ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وابن عمرو، وابن عمر، وعبد الرحمن بن سمرة، وابن أبي أوفى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل، وغيرهم.

стр. 4283

قال قتادة عن الحسن: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أبَيّ، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. وقال مسروق، عن عبد الله بن عمرو: أربعة رهط لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرءوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل". وعن أبي قلابة، عن أنس مرفوعًا "وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل". ويُروى عن النبي ﷺ مرسلًا ومتصلًا "يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة". وقال الشعبي عن مسروق: كنا عند ابن مسعود، فقرأ: "إن معاذًا كان أمة قانتًا لله" الآية، فقال فروة بن نوفل: نسي، فقال عبد الله: من نسي، إنا كنا نشبهه بإبراهيم ﵇، ورواه أبو الأحوص، عن عبد الله نحوه. وقال الأعمش، عن أبي سفيان: حدثني أشياخ لنا، فذكر قصة، فيها: فقال عمر: عجزت النساء أن تَلِدَ مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر. ومناقبه كثيرة جدًا. قال أبو مسهر: مات سنة ١٧، قال أبو مسهر: قرأت مثله في كتاب أبي عبيدة بن مهاجر، وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح. وقال يحيى بن معين: مات سنة ١٧، أو ١٨، زاد يحيى، وهو ابن ٣٤ سنة، وقال الواقدي عن رجاله: مات سنة ١٨، وهو ابن

стр. 4284

٣٨ سنة، قال الواقدي: وكان من أجمل الناس، وفيها أرخه غير واحد، وقيل في سنه غير ذلك. أخرج له الجماعة. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصريين، وهم مَنْ قبل مالك، ومدني وهو: مالك، ومكيين وهما: أبو الزبير، وأبو الطفيل، وشامي وهو: معاذ. ومنها: قوله: قراءة عليه وأنا أسمع، وقوله: واللفظ له، وقد تقدم الكلام عليهما غير مرة. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. ومنها: أن أبا الطفيل ومعاذا، هذا أول محل ذكرها من الكتاب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي الطفيل: عامر بن واثلة) الليثي المكي الصحابي ﵁ (أن معاذ بن جبل) ﵁ (أخبرهم) أي أبا الطفيل، ومن معه (أنهم) أي الصحابة ﵃ (خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك) أي في السنة التي غزا فيها رسول الله ﷺ تبوك، وهي سنة تسع من الهجرة في رجب، وهي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ بنفسه، وتسمى غزوة العُسْرَة. وتبوك بوزن رَسُول بلد

стр. 4285

بالشام، قريب من مَدْيَن، بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث، أو وزن الفعل، صَالَحَ النبي ﷺ أهلها على الجزية من غير قتال. قاله في "المنهل" جـ ٧ ص ٥٩ - ٦٠. (فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء) أي جمع تأخير بأن يؤخر الظهرَ إلى وقت العصر، والمغربَ إلى وقت العشاء، ويحتمل أن يكون جمع تقديم إن ارتحل عند الزوال بأن يصلي العصر مع الظهر في أول وقتها، وجمع تأخير إن ارتحل قبل الزوال، وكذا يقال في المغرب والعشاء. ويدل على هذا حديث معاذ الذي رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه، وصححه ابن حبان، وابن القيم (١)، ولفظه: "أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب". (فأخر الصلاة يومًا) أي أخر صلاة الظهر يومًا (ثم خرج) من رحله (فصلى الظهر والعصر جميعًا) أي جمع بينهما في وقت الثانية

стр. 4286

جمع تأخير. وهذا بيان لما أجمل في قوله: "كان يجمع" الخ على الاحتمال الأول، وتفسير لبعضه على الثاني. قاله في المنهل. (ثم دخل) إلى رحله (ثم خرج) منه، قال في المنهل: مقتضاه أنه ﷺ كان غير سائر، لأن الغالب استعمال الدخول إلى الخباء، أو المنزل، وكذا الخروج حال الإقامة، فمعنى قوله: "فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء" أنه يجمع بينهما سائرًا. ومعنى قوله: "فأخر الصلاة يومًا" الخ: أنه جمع بينهما يومًا في حالة النزول، يدل على هذا لفظ "ثم دخل، ثم خرج". قال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل على رد قول من قال: لا يجمع إلا من جَدَّ به السير. اهـ. المنهل جـ ٧ ص ٦٠. وقد استدل بهذا الحديث من قال بجواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء مطلقًا، في عرفة، والمزدلفة وغيرهما، جَدَّ به السير، أولا، وهو رأي الجمهور، وهو الصواب، كما تقدم تحقيقه في المسألة الخامسة من الحديث الذي قبله. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث معاذ ﵁ هذا أخرجه مسلم.

стр. 4287

المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٧)، وفي "الكبرى" (١٥٦٣) عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية- وعن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ، عن خالد بن الحارث، عن قُرَّةَ بن خالد- كلاهما عن أبي الزبير به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير نحوه، وعن يزيد بن خالد الرَّمْلِيّ عن المُفَضَّل بن فَضَالة، والليث بن سعد، كلاهما عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير به. وأخرجه مالك في "الموطأ"، وأحمد في "مسنده"، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي. وبقية المسائل تفدمت في الذي قبله. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4288

٤٣ - بَيَانُ ذَلِكَ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كيفية الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وبيان ذلك واضح من قوله: "حتى إذا كان بين الصلاتين نزل، فقال: أقم، فإذا سلمت فأقم … " الخ. والله تعالى أعلم. ٥٨٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ قَارَوَنْدَا، قَالَ: سَأَلْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ صَلَاةِ أَبِيهِ فِي السَّفَرِ، وَسَأَلْنَاهُ هَلْ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ فِي سَفَرِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ كَانَتْ تَحْتَهُ، فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي زَرَّاعَةٍ لَهُ أَنِّي فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ، فَرَكِبَ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ إِلَيْهَا، حَتَّى إِذَا حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ قَالَ لَهُ الْمُؤَذِّنُ: الصَّلَاةَ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ نَزَلَ، فَقَالَ: أَقِمْ، فَإِذَا سَلَّمْتُ، فَأَقِمْ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لَهُ الْمُؤَذِّنُ: الصَّلَاةَ، فَقَالَ: كَفِعْلِكَ فِي

стр. 4289

صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا اشْتَبَكَتِ النُّجُومُ نَزَلَ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: أَقِمْ، فَإِذَا سَلَّمْتُ فَأَقِمْ، فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الأَمْرُ الَّذِي يَخَافُ فَوْتَهُ، فَلْيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَاةَ". رجال الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن عبد الله بن بَزِيع) -بفتح الموحدة، وكسر الزاي- أبو عبد الله البصري، ثقة، توفي سنة ٢٤٧، من [١٠]، أخرج له مسلم والترمذي والنسائي. وثقه أبو حاتم، ومسلمة بن قاسم، وقال النسائي: صالح، وقال مرة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال صاحب الزهرة: رَوَى عنه مسلم تسعة أحاديث. ٢ - (يزيد بن زُرَيع) بتقديم الزاي مصغرًا- أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، من [٨]، تقدم في ٥/ ٥. ٣ - (كثير بن قَارَوَنْدَا) -بفتح القاف، والمهملة، بينهما ألف، والواو، ثم نون ساكنة (١) أبو إسماعيل الكوفي نزيل البصرة، مقبول،

стр. 4290

من [٧]، رَوَى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وعدي بن ثابت، وعون بن أبي جحيفة، وأبي جعفر، وعطية. وعنه يزيد بن زريع، ويوسف بن خالد السمتي، والفضيل بن سليمان، والنضر بن شُمَيل. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: إنه يكنى أبا إسماعيل، روى له النسائي هذا الحديث فقط. وقال الخطيب: كثير أبو إسماعيل الذي روى عن إبراهيم بن الحسن هو كثير النوَّاء، وهو كثير بن قارَوَنْدَ، كذا قال. وقال القطان: لا يعرف حاله، وأورد ابن عدي في ترجمة فضيل بن سليمان من طريق فضيل، عن كثير، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: "حججت مع رسول الله ﷺ ، فما زلنا نصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا"، فقال: لم يروه عن كثير إلا فضيل، وكثير عزيز الحديث. انفرد به المصنف. والله تعالى أعلم. تنبيه: نسخ "المجتبى"، و"السنن الكبرى"، قَارَوَنْدَا بألف بعد الدال، وهو الذي في "تهذيب الكمال"، و"الكاشف" للذهبي؛ والذي في "التقريب"، وأصله، و"الخلاصة": قَارَوَنْد، بدون ألف، والله أعلم. ٤ - (سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ثقة

стр. 4291

ثبت فاضل فقيه، توفي في آخر سنة ١٠٦ على الصحيح، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٩٠. ٥ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله موثقون، بصريون، إلا سالمًا، وأباه فمدنيان. ومنها: أن سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ومنها: أن ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى ٢٦٣٠ حديثًا، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال) كثير بن قَارَوَنْدَا (سألت سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب (عن صلاة أبيلى) أي عن كيفية صلاة عبد الله بن عمر (في) حالة (السفر، وسألناه هل كان يجمع بين شيء من صلاته في سفره؟) جملة "وسألناه الخ" عطف تفصيل لما قبله، والظاهر أن السؤال وقع من كثير، ومعه غيره، فأسند إليه السؤال في الأول لكونه تولاه، وأسنده إليهم في الثاني لكونهم أرادوه، أو أمروه به. والله أعلم.

стр. 4292

(فذكر أن صفية بنت أبي عُبَيد) بن مسعود الثقفية، امرأة ابن عمر، وهي أخت المختار، رأت عمر بن الخطاب، وَحكتْ، وَرَوت عن حفصة، وعائشة، وأم سلمة؛ أمهات المؤمنين، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. وروى عنها سالم بن عبد الله، ونافع، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن صفوان بن أمية، وحميد بن قيس الأعرج، وموسى بن عقبة. قال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وذكرها ابن عبد البر في الصحابة. وقال ابن منده: أدركت النبي ﷺ ، ولا يصح لها منه سماع. وقال الدارقطني: لم تدرك النبي ﷺ . وذكر الواقدي عن موسى بن ضمرة بن سعيد المازني، عن أبيه: أنها تزوجت عبد الله بن عمر في خلافة أبيه عمر. علق لها البخاري، وأخرج لها الباقون إلا الترمذي. (كانت تحته) أي كانت زَوْجَتَهُ (فكتبت إِليه، وهو في زَرَّاعة) بزاي مفتوحة، وراء مشددة مهملة: الأرض التي تزرع، والجملة في موضع نصب على الحال. (له) متعلق بصفة محذوفة لزراعة (أني في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة) يحتمل فتح "أن" على المفعولية لقوله: كتبت، ويحتمل كسرها على أنها كتبت إليه هذا الكلام، وهذا الوجه أوضح والمراد قرب موتها. (فركب) ابن عمر (فأسرع السير إليها) ليدركها قبل الموت. (حتى اذا حانت صلاة الظهر) أي قرب وقتها (قال له المؤذن:

стр. 4293

الصلاة، يا أبا عبد الرحمن) بنصب الصلاة على أنه مفعول لفعل محذوف، أي صل الصلاة، ويحتمل الرفع مبتدأ حذف خبره، أي الصلاة دخل وقتها. (فلم يلتفت) أي لم يستجب ابن عمر لما قاله المؤذن، لكونه أراد الجمع بين الصلاتين. (حتى إِذا كان بين الصلاتين) أي بين صلاة الظهر وصلاة العصر، قال العلامة السندي ﵀: ظاهره أنه جمع تقديم في آخر وقت الظهر، ويحتمل أنه جمع فِعلًا، وأما التأخير فهذا اللفظ يأبى عنه. والله أعلم. اهـ. (نزل) ابن عمر عن دابته (فقال) للمؤذن (أقم) أي بعد الأذان (فإِذا سلمت) أي من صلاة الظهر (فأقم) وفي الرواية الآتية "فأقم مكانك" والمراد به عدم الفصل بين الصلاتين بنافلة ونحوها. (فصلى) وفي الرواية الآتية "فصلى الظهر ركعتين، ثم سلم، ثم أقام مكانه، فصلى العصر ركعتين". (ثم ركب) فأسرع السير. (حتى إِذا غابت الشمس، قال له المؤذن: الصلاة) تقدم إعرابه. (فقال) ابن عمر للمؤذن. (كفعلك في صلاة الظهر والعصر) الجار والمجرور الأول نعت لمصدر محذوف، أي افعل فعلًا كائنًا كفعلك الأول، في صلاة الظهر والعصر، وهو تأخيرهما، ثم الجمع بينهما.

стр. 4294

(ثم سار حتى إِذا اشتبكت النجوم) أي كثرت، وانضمت، وتداخلت. (نزل، ثم قال للمؤذن: أقم، فإِذا سلمت) أي من صلاة المغرب (فأقم) أي للعشاء. (فصلى، ثم انصرف) أي سلم من الصلاة. (فالتفت إِلينا، فقال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا حضر أحدَكُم") بالنصب مفعول مقدم على الفاعل. (الأمر الذي يخاف فوته، فليصل) بتشديد اللام، مضارع "صلَّى صلاة". (هذه الصلاة) مفعول ليصل، على حذف مضاف، أي مثل هذه الصلاة في كميتها وكيفيتها، قال السندي: "فليصل هذه الصلاة" بضم الياء، وتشديد اللام، والمراد فليصل هكذا، أو بفتح الياء، وتخفيف اللام، فليجمع هذه الصلاة. اهـ. يعني أنه على الثاني من الوَصْل، هذا إن صحت الرواية بالوجهين، وإلا فما صحت به الرواية هو المتعين. فتنبه. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. تنبيه: حديث ابن عمر ﵄ هذا حديث حسن. وهو من أفراد المصنف أخرجه هنا (٥٨٨)، وفي "الكبرى" (١٥٦٤) عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن كثير

стр. 4295

ابن قارَوَنْدَا عن سالم عنه. وفي (٥٩٧) عن عبدة بن عبد الرحيم، عن النضر بن شُمَيل، عن كثير به، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير". وبقية مباحث الحديث تقدمت في الماضي، وأيضًا ستأتي في الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.

стр. 4296

٤٤ - الْوَقْتُ الذِّي يَجْمَعُ فِيهِ الْمُقِيمُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الوقت الذي يشرع للمقيم أن يجمع فيه بين الصلاتين في الحضر. والظاهر أن المصنف يرى أن الجمع للمقيم جمع صوري بدليل أنه أورد حديث ابن عباس هذا، وفيه قوله: "أخر الظهر، وعجل العصر" الخ لكن هذا مدرج من ظن جابر بن زيد، كما يأتي تحقيقه، فالصواب أن الجمع جمع حقيقي، والله أعلم. ٥٨٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا؛ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة حجة ثبت، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (عمرو) بن دينار الجمحي الأثرم أبو محمد المكي، ثقة، من

стр. 4297

من [٤]، تقدم في ١١٢/ ١٥٤. ٤ - (جابر بن زيد) أبو الشعثاء الأزدي اليُحْمديُّ ثم الجَوْفي -بفتح فسكون- (١) البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من [٣]. قال عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علمًا من كتاب الله. وقال تميم ابن حُدَير، عن الرَّباب: سألت ابن عباس عن شيء؟ فقال: تسألوني، وفيكم جابر بن زيد. وقال داود بن أبي هند، عن عَزْرَةَ: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك، يعني الإباضية، قال: أبرأ إلى الله من ذلك. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. قال البخاري، وغيره: مات سنة ٩٣، وقال ابن سعد: سنة ١٠٣، وقال الهيثم بن عدي: سنة ١٠٤، وقال العجلي: تابعي ثقة. وفي "تاريخ البخاري" عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر، فقال: يا جابر إنك من فقهاء أهل البصرة. وقال ابن حبان في "الثقات": كان فقيهًا، ودُفِنَ هو، وأنس بن مالك في جمعة واحدة، وكان أعلم الناس بكتاب الله.

стр. 4298

وفي كتاب الزهد لأحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق. وقال إياس بن معاوية: أدركت الناس، وما لهم مفت غير جابر. وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: كان الحسن البصري إذا غزا أفتى الناس جابر بن زيد. وفي الضعفاء للساجي عن يحيى بن معين: كان جابر إباضيًا، وعكرمة صُفْريًا (١). وأغرب الأصيلي، فقال: هو رجل من أهل البصرة، انفرد عن ابن عباس بحديث: "من لم يجد إزارًا، فليلبس السراويل"، ولا يعرف هذا الحديث بالمدينة. أخرج له الجماعة اهـ تت جـ ٢ ص ٣٨ - ٣٩. ٥ - (ابن عباس) عبد الله ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا على التخريج لهم، وأنهم ما بين بَغْلاني وهو: قتيبة، ومكيين: سفيان، وعمرو، وبصريين: جابر، وابن عباس، وفيه رواية تابعي عن تابعي، عمرو عن جابر، وفيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) ﵄، أنه (قال: صليت مع النبي ﷺ بالمدينة ثمانيًا جميعًا) أي ثماني ركعات؛ أربع ركعات للظهر، وأربع

стр. 4299

ركعات للعصر (و) صليت (سبعًا جميعًا) أي سبع ركعات؛ ثلاثا للمغرب، وأربعًا للعشاء. (أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء) ظاهر سياق الصنف رحمه الله تعالى يوهم أن جملة "أخر الظهر" الخ من كلام ابن عباس ﵄، وليس كذلك، بل هو مدرج من كلام جابر بن زيد، كما بينته رواية الشيخين ممت طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، فذكر هذا الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء، قال: وأنا أظنه (١). وأخرج البخاري من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار بعد ذكر الحديث أن أيوب قال لجابر: لعله في ليلة مطيرة؟ قال عسى. فتبين بهذا أن الظن من جابر، لا من ابن عباس. وأما الذي ثبت عن ابن عباس ﵄ لما سئل عن سبب الجمع فهو قوله: "لئلا يكون على أمته حرج"، كما يأتي برقم ٦٠٢ إن شاء الله تعالى. فليس في هذا الحديث ما يدل على أن الجمع جمع صوري، كما يرشد إليه ظاهر صنيع المصنف، حيث ترجم بقوله: "الوقت الذي يجمع فيه المقيم "، لأن قوله: أخر الظهر إلخ من ظن أبي الشعثاء، وما

стр. 4300

جزم به ابن عباس ﵄ -وهو عدم حصول الحرج على الأمة- أولى من ظنه، فيكون الجمع جمعًا حقيقيًا، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في المسائل. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه، دون المدرج من قول جابر بن زيد. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٩) عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عنه. وفي (٥٩٠)، والكبرى (١٥٦٥) عن أبي عاصم خشيش بن أصرم، عن حبان بن هلال، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن جابر بن زيد، عنه. وفي (٦٠١)، و"الكبرى" (٥٧٣) عن قتيبة، عن مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عنه. و (٦٠٢)، و"الكبرى" (١٥٧٤) عن محمد بن عبد العزيز أبي رِزْمَةَ، عن الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، عنه. و (٦٠٣) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن

стр. 4301

ابن جريج، عن عمرو بن دينار به. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في "الصلاة" عن أبي النعمان، عن حماد- وعن آدم، عن شعبة- وفي "صلاة الليل" عن علي بن عبد الله، عن سفيان- ثلاثتهم عن عمرو بن دينار عنه. وأخرجه مسلم في "الصلاة" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان به. وعن أبي الربيع الزهراني، عن حماد به. وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب، ومسدد، وعمرو بن عون، ثلاثتهم عن حماد به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في جواز الجمع في الحضر: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في الحضر، وفي الحالة التي يجوز أن يجمع بينهما، فقالت طائفة: يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر، هذا قول مالك، قال مالك: ويجمع بينهما وإن لم يكن مطر، إذا كان طينًا وظلمة. وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يريان الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، وممن رأى أن يجمع بين المغرب والعشاء في حال المطر عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: إذا كانت ليلة مطيرة كانت أمراؤهم يصلون المغرب، ويصلون

стр. 4302

العشاء قبل أن يغيب الشفق، ويصلي معهم ابن عمر، لا يَعِيبُ ذلك. وفعل ذلك أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز. وقالت طائفة: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في حال المطر، إذا جمع بينهما، والمطر قائم، ولا يجمع بين الصلاتين إلا في حال المطر، هكذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين: المغرب والعشاءِ في الليلة المطيرة فقال: أهل المدينة يجمعون بينهما، ولم يزلَ مَنْ قَبْلَنَا يصلون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وكان مالك يرى أن يجمع بينهما في حال الطين والظلمة. وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح، وإن لم تكن علة، قال: لأن الإخبار قد ثبتت عن رسول الله ﷺ أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأدي إلينا ذلك، كما أدي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، لَمَّا سئل لِمَ فَعَلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِج أحدًا من أمته.

стр. 4303

ثم قد روينا مع ذلك عن ابن عباس في العلة التي توهمها بعض الناس. ثم أخرج بسنده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته" (١). وأخرج بسنده أيضًا عن أبي الزبير، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر، وفلا خوف، قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته" (٢). قال أبو بكر: فإن تكلم متكلم في حديث حبيب، وقال: لا يصح، يعني المطر، قيل: قد ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قولُهُ: لَمَّا قيل له: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته، ولو كان ثَمَّ مطر من أجله جمع بينهما رسول الله ﷺ لذكره ابن عباس عن السبب (٣) الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره، وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته، دل على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغيرُ جائز دفع يقين ابن عباس- مع حضوره- بشك مالك (٤).

стр. 4304

فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال المطر، قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين، جمع بينهما للمطر، والريح، والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض، وسائر العلل، وأحق الناس بأن يَقْبَلَ ما قاله ابن عباس بغير شك مَنْ جَعَلَ قولَ ابن عباس لَمَّا ذَكَرَ "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يُقْبَضَ"، فقال ابن عباس: وأحْسِبُ كلَّ شيء مثلَهُ، حجةً بَنَى عليها المسائل، فمن استعمل شك ابن عباس، وبنى عليه المسائل، وامتنع أن يقبل يقينه لَمَّا أخبر أن النبي ﷺ أراد أن لا يحرج أمته، بعيد من الإنصاف. اهـ كلام ابن المنذر ﵀ بتغيير يسير. "الأوسط" جـ ٢ ص ٤٣٠ - ٤٣٤. قال الجامع: هذا الذي قاله ابن المنذر تحقيق حقيق بالقبول، لموافقته لظواهر النقول من غير تكلف، ولا مُيُول، والله أعلم. وقال في "الفتح" عند شرح قول أيوب لأبي الشعثاء: "لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى" ما نصه: واحتمال المطر قال به أيضًا مالك عقيب إخراجه لهذا الحديث عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، وقال بدل قوله بالمدينة: "من غير خوف، ولا سفر"، قال مالك: لعله كان في مطر، لكن رواه مسلم، وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، بلفظ: "من غير خوف، ولا مطر"، فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف، أو السفر، أو المطر.

стр. 4305

وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقَوَّاه النووي، قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه لو كان جمعه ﷺ بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه ﷺ جمع بأصحابه. وقد صرح ابن عباس في روايته بذلك. قال الجامع: أي حيث قال، كما في رواية المصنف هنا: "صليت مع النبي ﷺ بالمدينة" … فإنه نص على أنه ﷺ صلى بأصحابه. قال النووي: ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم مثلًا، فبان أن وقت العصر دخل، فصلاها، قال: وهو باطل، لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء. اهـ. وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد، والمختار عنده خلافه، وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء فعلى هذا فالاحتمال قائم. قال: ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوري، بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في أول وقتها. قال: وهو احتمال ضعيف، أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل. اهـ. قال الحافظ: وهذا الذي ضعفه: استحسنه القرطبي، ورجحه قبله

стр. 4306

إمام الحرمين، وجزم به من القدماء: ابن الماجشون، والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء، وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به، وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فذكر الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه. قال ابن سيد الناس: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره. قال الحافظ: قلت: لكن لم يجزم بذلك، بل لم يستقر عليه، فقد تقدم كلامه لأيوب، وتجويزه لأن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليسر فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة، لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى. والله أعلم. قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ هنا من أولوية الجمع الصوري فيه نظر، ويناقضه ما يأتي له قريبًا إن شاء الله تعالى. قال: وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، وممن قال به: ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدل

стр. 4307

لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته. وللنسائي من طريق عمرو بن هَرِم عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر، ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء، ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي ﷺ ، وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه. وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع، وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعًا أخرجه الطبراني، ولفظه "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك؟ فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي" (١).

стр. 4308

وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٣٠ - ٣١. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ أخيرًا مما يدل على تقويته الحمل على الجمع الحقيقي، هو الصواب، لا ما تقدم من جعله الحمل على الجمع الصوري أولى، لكونه تكلفًا لا داعي له، لمخالفته لظاهِرِ ما صح من النص. والحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة قول من قال بجواز الجمع الحقيقي في الحضر أحيانًا إذا احتيج إليه، دفعًا للحرج. لما قدمنا. وأما ما أطال به الشوكاني في نيله مُرَجِّحًا قول من قول: إنه جمع صوري، فمما لا يلتفت إليه. لأنه لم يأت بدليل مقنع يرد به حجة المجوزين. فمن الغريب أنه ذكر من جملة الأدلة، ظن أبي الشعثاء في كونه أخر الظهر وعجل العصر الخ، مع أنه كان ينبغي له تقديم يقين ابن عباس في قوله: أراد أن لا يحرج أمته، وقد أجاب ابن عباس بهذا الجواب لَمَّا سئل عن سبب الجمع في السفر كما في "صحيح مسلم" جـ ٥ ص ٢١٦، فليس فرق في نفي الحرج بين المسألتين، فكما حمل في السفر على الجمع الحقيقي، فليحمل عليه هنا. فتبصر. ومن جملة ما ذكره من المؤيدات حديث ابن مسعود الذي أخرجه مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ -

стр. 4309

صلَّى صلاةً لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جَمَعَ بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها". قال الجامع: هذا الحديث ينافي الجمع أصلًا، سفرًا، وحضرًا، وقد أجابوا عنه في الجمع في السفر بأنه نفي لعلمه، فيقدم إثبات غيره عليه، فما كان جوابًا هناك، فهو الجواب هنا. ومما ذكره أيضًا مؤيدًا ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". وهذا مما لا يلتفت إليه، لأن في سنده حنش بن قيس، وهو متروك. وبالجملة فما ذكر الشوكاني شيئًا له قيمة في الرد على من قال بالجمع الحقيقي، فتبين أن الصواب هو ما قالوه، لظهور حجتهم. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّهُ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ الأُولَى، وَالْعَصْرَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَىْءٌ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَىْءٌ، فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ

стр. 4310

شُغْلٍ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الأُولَى وَالْعَصْرَ ثَمَانِ سَجَدَاتٍ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ. رجال الإسناد: ستة ١ - (أبو عاصم خُشَيش بن أصْرَم) خشيش -بمعجمات، مصغرًا- ابن أصرم بن الأسود، النسائي، ثقة حافظ، من [١١]. قال النسائي: ثقة، مات في رمضان، سنة ٢٥٣، وله كتاب الاستقامة في الرد على أهل الأهواء، وأرخ ابن يونس وفاته في الغُرَبَاء، وقال: كان ثقة، وكذا قال مسلمة بن قاسم، قال: وأخبرنا عنه غير واحد. انفرد به المصنف، وأبو داود. ٢ - (حَبَّان بن هِلال) حبان -بالفتح، ثم موحدة- الباهلي، ويقال: الكناني، أبو حبيب البصري، ثقة ثبت، من [٩]. قال أحمد بن حنبل: إليه المُنتَهَى في التثبت بالبصرة. وقال ابن معين، والترمذي، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجة، وكان امتنع من التحديث قبل موته. وقال العجلي: ثقة، لم أسمع منه، وكان عَسِرًا. وقال البزار: ثقة مأمون على ما يحدث به. وقال ابن قانع: بصري صالح. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. مات بالبصرة سنة
следующие страницы →