٢٢ - الرخصة في ذلك في البيوت
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الرخصة في ذلك أي في استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في البيوت.
والرخصة: وزان غرفة وتضم الخاء للاتباع جمعه رخص ورخصات مثل غرف وغرفات: التسهيل في الأمر والتيسير يقال رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا وأرخص إرخاصا إذا يسره وسهله أفاده الفيومي.
٢٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.
رجال الإسناد: ستة
١ - "قتيبة بن سعيد" بن جميل بن طريف البغلاني ثقة ثبت [١٠] ت ٢٤٠ تقدم في ١/ ١.
٢ - "مالك" بن أنس إمام دار الهجرة ثقة حجة [٧] تقدم في ٧/ ٧.
٣ - "يحي بن سعيد" بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري البخاري قاضي المدينة، عن أنس، وابن المسيب، والقاسم، وعراك بن
стр. 457
مالك، وخلق. وعنه الز هري، والأوزاعي، ومالك، والسفيانان، والحمادان، والجريران، وأمم. قال ابن المديني: له نحو ثلثمائة حديث، وقال ابن سعد: ثقة، حجة، كثير، الحديث، وقال أبو حاتم: يوازي الزهري في الكثرة، وقال أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس، قال القطان: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، من الطبقة الخامسة.
٤ - "محمَّد بن يحيى بن حبان" -بفتح أوله والموحدة- بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني أبو عبد الله المدني الفقيه كانت له حلقة في مسجد النبي ﷺ ، عن عمه واسع. وعنه الزهري، وابن إسحاق، وطائفة. وثقه أبو حاتم وابن معين، توفي سنة إحدى وعشرين ومائة، من الطبقة الرابعة.
٥ - "واسع بن حبان" -بفتح الحاء المهملة ثم موحدة ثقيلة- بن منقذ ابن عمرو الأنصاري المازني المدني صحابي بن صحابي، وقيل: بل ثقة (١) وأبوه حبان، وجده منقذ، صحابيان كما في الفتح.
٦ - "عبد الله بن عمر" بن الخطاب ﵄ تقدم في ١٥/ ١٥.
لطائف الإسناد
فيه: الإخبار، والعنعنة.
وفيه: أن رواته كلهم مدنيون إلا شيخ المؤلف فإنه بغلاني، وكلهم أنصاريون، وتابعيون، إلا شيخ المؤلف، وشيخه مالكا، ولكن قيل: إن لواسع رؤية، فذكر لذلك في الصحابة، وعلى هذا ففيه رواية صاحبي عن صحابي.
стр. 458
شرح الحديث
"عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنه "قال لقد" اللام جواب قسم محذوف أي والله لقد "ارتقيت" أي علوت "على ظهر بيتنا" وفي رواية البخاري "بيت لنا" وفي رواية له أيضا "على ظهر بيت حفصة" أي أخته كما صرح به مسلم ولابن خزيمة "دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت" قال الحافظ: وطريق الجمع أن يقال إضافته البيت إليه على سبيل المجاز لكونها أخته فله منه سبب، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبي ﷺ فيه، واستمر في يدها إلى أن ماتت، فورث عنها، وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال، لأنه ورث حفصة دون إخوته، لكونها شقيقته، ولم تترك من يحجبه. عن الاستيعاب اهـ
"فرأيت" عطف على ارتقيت وهو بمعنى أبصرت فلا يقتضي إلا مفعولا واحدا وهو قوله "رسول الله ﷺ ، على لبنتين" في محل النصب حال من رسول الله ﷺ ، وكذا قوله "مستقبل بيت المقدس" حال منه فيجوز أن يكونا حالين مترادفين أو متداخلين "لحاجته" اللام للتعليل أي لأجل أن يقضي حاجته أو للتوقيت أي وقت قضاء حاجته.
وحاصل المعني: أن ابن عمر ﵄ صعد على بيت حفصة ﵂ لبعض حاجته فرأى النبي ﷺ يقضي حاجته على لبنتين، تثنية لبنة بكسر الباء ما يعمل من الطين ويبنى به، ويجوز إسكان الباء تخفيفا مع فتح اللام وكسرها مستقبل بيت المقدس أي متوجها إليه.
والمقدس: فيه لغتان أحدهما: فتح الميم وسكون القاف وكسر الدال مخففة، وهو إما مصدر أو مكان، والثانية: ضم الميم وفتح القاف والدال المهملة المشددة من التقديس وهو التطهير وتطهيره إبعاده عن الأصنام
стр. 459
وإخلاؤه عنها، قال في النهاية ومنه الأرض المقدسة، قيل هى الشام وفلسطين، وسميت بيت المقدس لأنه الموضع الذي يتقدس فيه من الذنوب، يقال: بيت المقدس، والبيت المقدس وبيت المقدس. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٥٥.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث ابن عمر ﵄ متفق عليه
الثانية: فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه البخاري في الطهارة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يزيد بن هارون كلاهما عن يحيى بن سعيد، وفي الخمس عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر، كلاهما عن محمَّد بن يحيى ابن حَبَّان، عن عمه واسع حبان به.
وأخرجه مسلم في الطهارة عن القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن عبيد الله به، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن القعنبي، عن مالك به.
وأخرجه الترمذي في الطهارة عن هناد عن عَبْدَة بن سليمان عن عبيد الله به، وقال حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن خلاد، ومحمد بن يحيى كلاهما عن يزيد بن هارون به، وعن هشام بن عمار، عن عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي، عن يحيى به، يزيد بعضهم على بعض قاله الحافظ المزي في التحفة جـ ٦/ ص ٢٥٦.
وأخرجه أحمد، والبيهقي، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم والترمذي بسند صحيح. قاله في الفتح.
стр. 460
الثالثة: قال في الفتح: قوله "على لبنتين" ولابن خزيمة "فأشرفت على رسول الله ﷺ وهو على خلائه"، وفي رواية له "فرأيته يقضي حاجته محجوبا عليه بلبن"، وللحكيم الترمذي بسند صحيح "فرأيته في كنيف"، وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانية ثم فاء، وانتفى بهذا إيراد من قال ممن يرى الجواز مطلقا يحتمل أن يكون رآه في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدل على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويرد هذا الاحتمال أيضا أن ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلا بساتر، كما رواه أبو داود، والحاكم بسند لا بأس به، ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي ﷺ في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة له كما في الرواية الأخرى، فحانت منه التفاتة كما في رواية للبيهقي، من طريق نافع، عن ابن عمر، نعم لما اتفقت له رؤية في تلك الحالة عن غير قصد؛ أحب أن لا يخلي ذلك من فائدة، فحفظ هذا الحكم الشرعي، وكأنه إنما رآه من جهة ظهره؛ حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة من غير محذور، ودل ذلك على شدة حرصه على تتبع أحوال النبي ﷺ ليتبعها وكذا كان ﵁. اهـ فتح جـ ٢/ ص ٢٢.
الرابعة: من الفوائد المستنبطة من الحديث أنه ينبغي الوقوف على هدي النبي ﷺ حتى فيما يطلب إخفاؤه، وشدة حرص ابن عمر ﵂ على ذلك وجواز الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل به، واستعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وأن أحوال النبي ﷺ كلها أحكام شرعية.
الخامسة: في اختلاف العلماء في استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة:
стр. 461
اعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب وهاك تفصيلها مع أدلتها:
المذهب الأول:
أنه لا يجوز ذلك مطلقا لا في الصحاري ولا في البنيان وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي، ومجاهد وإبراهيم النخعي، والثوري، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو مذهب الحنفية، ورواه ابن حزم، عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسراقة بن مالك، وعطاء، والأوزاعي، وعن السلف من الصحابة والتابعين، ورجحه ابن العربي.
واحتج هؤلاء: بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقا:
* كحديث أبي أيوب الأنصاري المتقدم، وحديث أبي هريرة عند مسلم، وأحمد عن رسول الله ﷺ قال "إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
* وفي رواية الخمسة إلا الترمذي قال "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتي أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروثة والرمَّة".
* ومنها حديث عبد الله بن الحارث بن جَزْء "أنا أول من سمع النبي ﷺ يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة وأنا أول من حدث الناس بذلك" قال ابن يونس في تاريخه: حديث معلول، لكن أخرجه ابن حبان في صحيحه، فلا يلتفت إلى قول ابن يونس. أفاده العيني.
* ومنها حديث معقل بن أبي معقل "نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط" أخرجه ابن ماجه وأبو داود وأراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس، ويحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس إذ كان مرة قبلة لنا، ويحتمل أن يكون من أجل استدبار الكعبة.
стр. 462
* ومنها حديث سلمان ﵁ "لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول" الحديث أخرجه مسلم والأربعة، قال: إن النهي في هذه النصوص عام ولأن المنع ليس إلا لتعظيم القبلة، وهو موجود في الصحراء والبنيان ولو جاز في البنيان لوجود الحائل لجاز في الصحراء النائية عن الكعبة لوجود الحائل أيضا لأن بينها وبين الكعبة جبالا وأودية وأبنية ولا سيما عند من يقول بكُرَوية الأرض، فإنه لا موازاة إذ ذاك بالكلية، وما ورد عن الشعبي من أنه على الجواز في البنيان بأن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء، فلا تستقبلوهم، ولا تستدبروهم، وأما بيوتكلم هذه التي تتخذونها للنتن، فإنه لا قبلة لها فهو تعليل في مقابلة النص.
المذهب الثاني:
الجواز مطلقا أي في البنيان والصحراء وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك، وداود الظاهري.
واحتجوا: بحديث ابن عمر المذكور في الباب.
* وبحديث عائشة ﵂ قالت: "ذكر لرسول الله ﷺ أن أناسا يكرهوا أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: أو قد فعلوها، حَوِّلُوا مقعدي قبل القبلة، ورُدَّ بأنه من طريق خالد بن أبي الصلت وهو مجهول لا يدرى من هو؟ قاله ابن حزم. وقال الذهبي في ترجمته: إن حديث "حولوا مقعدي" منكر. اهـ نيل.
وقال ابن القيم: في تهذيب السنن: إن هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة ﵂، حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري. ومن هذا يعلم ما في قول النووي في شرح مسلم إسناده حسن. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٤٠.
стр. 463
المذهب الثالث:
يحرم في الصحاري لا البنيان وإليه ذهب مالك، والشافعي، وهو مروي عن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر، والشعبي وإسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه صرح بذلك النووي في شرح مسلم ونسبه في الفتح إلى الجمهور.
واحتج هؤلاء: بحديث ابن عمر الذي في الباب.
* وحديث عائشة المذكور آنفا لأن ذلك في البنيان قالوا: وبهذا حصل الجمع بين الأحاديث والجمع بينها مهما أمكن هو الواجب قال الحافظ: وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة اهـ قال الشوكاني ويرده حديث جابر حيث قال: "نهى النبي ﷺ أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها" رواه الخمسة إلا النسائي فإنه لم يقيد الاستقبال فيه بالبنيان، وقد يجاب بأنها حكاية فعل لا عموم لها. اهـ ويؤيد هذا المذهب أيضا ما روي عن ابن عمر أنه قال: إنما نهى عن ذلك في الفضاء. رواه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذري، وكذا الحافظ في التلخيص. قاله الشوكاني.
المذهب الرابع:
لا يجوز الاستقبال لا في الصحاري ولا البنيان، ويجوز الاستدبار فيها، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد.
واحتجوا: بحديث سلمان الذي في صحيح مسلم، وليس فيه إلا النهي عن الاستقبال فقط، وهو باطل، لأن النهي عن الاستدبار في الأحاديث الصحيحة، وهو زيادة يتعين الأخذ بها. قاله في النيل.
المذهب الخامس:
أن النهي للتنزيه فيكون مكروها، وإليه ذهب القاسم بن إبراهيم
стр. 464
ونسب إلى الهادي، والمؤيد بالله، وأبي طالب، والناصر والنخعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأحمد، وأبي ثور، وأبي أيوب الأنصاري. واحتجوا بحديث عائشة، وجابر، وابن عمر، قالوا: إنها صارفة للنهي عن معناه الحقيقي، وهو التحريم إلى الكراهة، وهو لا يتم في حديث ابن عمر وجابر لأنه ليس فيها إلا مجرد الفعل وهو لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول، ولا شك أن قوله "لا تستقبلوا القبلة" خطاب للأمة نعم إن صح حديث عائشة صلح لذلك.
قال الجامع: هذا. القول فيه نظر، وقد تقدم الرد عليه.
المذهب السادس:
جواز الاستدبار في البنيان فقط وهو قول أبي يوسف ذكره في الفتح واحتج بحديث ابن عمر لأن فيه أنه رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام وفيه ما سلف.
المذهب السابع:
التحريم مطلقا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس وهو محكي عن إبراهيم، وابن سيرين ذكره في الفتح أيضا واحتجوا بما رواه أبو داود وابن ماجه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط" قال الحافظ في الفتح: وهو حديث ضعيف لأن فيه راويا مجهول الحال، وعلى تقدير صحته، فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس، وقد ادعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله القبلة وفيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين انتهى.
وقد نسب إلى عطاء والزهري.
стр. 465
الثامن:
أن التحريم مختص بأهل المدنية، ومن كان على سمتها، فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا، قاله أبو عوانة صاحب المزني قاله في الفتح، واحتجوا بعموم قوله "شرقوا أو غربوا" وهو استدلال في غاية الركة والضعف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه:
المذهب الراجح عندي مذهب من قال بالتفريق بين البنيان والصحراء، لأن به تجتمع الأدلة المختلفة في الباب، وأما دعوى بعضهم أن أدلة الإباحة فعل، فلا تُعارض القول، فغير صحيح، لأن الفعل كالقول، إلا إذا كان خصوصية، ولا دليل للخصوصية هنا، فتبصر، والله أعلم.
"المسألة السادسة": قال الشوكاني: قال المنصور بالله، والغزالي، والصيمري: إنه يكره استقبال القمرين والنيرات قالوا لشرفها بالقسم بها فأشبهت الكعبة كذا في البحر، وقد استقوى عدم الكراهة، وقد قيل في الاستدلال في الكراهة بأنه رَوَى الحكيم الترمذي عن الحسن، قال حدثني سبعة رهط من أصحاب رسول الله ﷺ وهم أبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وعبد الله ابن عمر، وأنس بن مالك، يزيد بعضهم على بعض في الحديث، أن النبي ﷺ نهى أن يُبَال في المغتسل، ونهى عن البول في الماء الراكد، ونهى عن البول في الشارع، ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر .. فذكر حديثا طويلا في نحو خمسة أوراق على هذا الأسلوب. قال الحافظ: حديث باطل لا أصل له بل هو من اختلاق عباد بن كثير، ومداره عليه، اهـ نيل باختصار جـ ١/ ص ١٣٢. وكذا قال النووي في شرح المهذب، وقال ابن الصلاح لا يعرف.
стр. 466
٢٣ - النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن مس الشخص ذكره بيده اليمين عند قضاء الحاجة من بول أو غائط.
وقيد النهي بالحاجة إشارة إلى أن ما عداها مباح، وقال بعض العلماء يكون ممنوعا أيضا من باب أولى لأنه نهي عن ذلك مع مظنة الحاجة في تلك الحالة، وتعقبه أبو محمد بن أبي جمرة بأن مظنة الحاجة لا تختص بحالة الاستنجاء، وإنما خص بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يعطى حكمه فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسما للمادة، ثم استدل على الإباحة بقوله ﷺ "لطلق بن علي حين سأله عن مس ذكره إنما هو بضعة منك" فدل على الجواز في كل حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة انتهى، والحديث الذي أشار إليه صحيح أو حسن.
وقد يقال: حمل المطلق على المقيد غير متفق عليه بين العلماء، ومن قال به يشترط فيه شروطا، لكن نبه ابن دقيق العيد على أن محل الاختلاف إنما هو حيث تتغاير مخارج الحديث بحيث يعد حديثين مختلفين فأما إذا اتحد المخرج وكان الاختلاف فيه من بعض الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد بلا خلاف، لأن التقييد حيئنذ يكون زيادة من عدل فتقبل. اهـ فتح جـ ٢/ ص ٣٠.
٢٤ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ الْقَنَّادُ- قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ
стр. 467
بْنَ أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ".
رجال السند: خمسة
١ - "يحيى بن درست": بضم المهملتين الأوليين وسكون المهملة بن زياد الهاشمي أبو زكريا البصري، عن حماد بن زيد، وأبي إسماعيل القَنَّاد، وعنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، ثقة من العاشرة.
٢ - "أبو إسماعيل": هو إبراهيم بن عبد الملك البصري القَنَّاد بقاف مفتوحة وتشديد النون نسبة إلى بيع القند وهو السكر، عن قتادة، ويحيى بن أبي كثير، وعنه لُوين، وإسحاق بن أبي إسرائيل، قال العقيلي: يهم. وقال النسائي: لا بأس به. اهـ صة. وفي (ت) صدوق في حفظه شيء، من السابعة.
٣ - "يحيى بن أبي كثير" الطائي مولاهم أبو النضر اليمامي، أحد الأعلام، عن أنس، وجابر، وأبي أمامة مرسلا، وعن عبد الله بن أبي قتادة، وعكرمة، وعنه أيوب، وحسين المعلم، والأوزاعي، وخلق، قال شعبة: يحيى بن أبي كثير أحسن حديثا من الزهري، قال أبو حاتم: إمام لا يحدث إلا عن ثقة. وقال البخاري: لم يسمع من عروة. قال الفلاس: توفي سنة تسع وعشرين ومائة. اهـ صة بتصرف. وفي (ت) ثقة ثبت، لكنه يدلس، ويرسل، من الخامسة.
٤ - "عبد الله بن أبي قتادة" الأنصاري المدني أبو إبراهيم، عن أبيه، وعنه عبد العزيز بن رفيع، وثقه النسائي. قال ابن حبان: مات سنة خمس وتسعين. اهـ صة بزيادة. وفي (ت) ثقة من الثانية.
стр. 468
٥ - "أبو قتادة" الأنصاري السلمي بفتح السين واللام فارس رسول الله ﷺ اسمه الحارث بن ربْعي شهد أحدا والمشاهد، له مائة وسبعون حديثا اتفقا على أحد عشر وانفرد (خ) بحديثين و (م) بثمانية، وعنه ابنه عبد الله، وابن المسيب، ومولاه نافع، وخلق. مات ٥٤ بالمدينة على الأصح. اهـ صة.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀.
ومنها: أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة.
ومنها: أن رواته ما بين بصريين وهما الأولان ويمامي، وهو الثالث، وهو نزيل البصرة أيضا، ومدنيين وهما عبد الله، وأبوه ومنها أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه فائدة حسنة تقدم التنبيه عليها، وهي أنه إذا كان الراوي يريد أن يبين من فوق شيخه بنسب، أو صفة، أو نحوهما من غير أن يبينه شيخه فعليه أن يفصله بنحو يعني، أو هو، أو أنّ، ففي هذا السند أتى المصنف لما أراد أن يبين صفة أبي إسماعيل بأنه القنّاد بكلمة هو فصلا بين كلام شيخه يحيى، وبين ما زاده هو، وإلى هذا أشار السيوطي في ألفيته فقال:
ولا تَزدْ في نَسَب أوْ وَصف مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بنَحْو يَعْني أوْ بأنَّ أو بهُو. الخ
شرح الحديث
"أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه" أي حدث يحيى بن أبي كثير "عن أبيه" أبي قتادة "أن رسول الله ﷺ قال إذا بال أحدكم فلا يأخذ" يحتمل
стр. 469
الجزم على أن لا ناهية، ويحتمل الرفع على أنها نافية، والنفي بمعنى النهي، وهو أبلغ "ذكره" أي البائل أضافه إليه، لأن ذكر غيره ممن يُشتهى يحرم مسه إلا للضرورة، ومثل الذكر الفرج للمرأة والدبر. قال المناوي: والنهي فيه للتنزيه عند الشافعية، وللتحريم عند الحنابلة، والظاهرية "بيمينه" هى الجارحة المعروفة، ويقال: فيها اليُمنى، وهي مؤنثة وجمعها أيمن، وأيمان، وضدها اليسار. قال ابن قتيبة: اليمين واليسار مفتوحان والعامة تكسرهما. وقال ابن الأنباري في كتاب المقصور والممدود: اليسار الجارحة مؤنثة وفتح الياء أجود، فاقتضى أن الكسر رديء، وقال ابن فارس أيضا: اليسار أخت اليمين وقد تكسر، والأجود الفتح. قاله الفيومي.
وإنما نهى عن مس الذكر باليمين حال البول أو بعده لاستبراء أو استنجاء تكريما وتنزيها لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه النجاسات، ولأنها معدة لتناول نحو الطعام فهذا مس بها فرجه ربما تذكر عند التناول فتعافه نفسه، وقد كان ﷺ يجعل يمينه لطعامه وشرابه ولباسه ونحوها من الأمور الشريفة، ويسراه لما سوى ذلك. قاله في المنهل جـ ١/ ص ١٢٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث أبي قتادة ﵁ متفق عليه.
الثاثية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا عن يحيى بن دُرست، عن أبي إسماعيل القناد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة.
وأخرجه في الآتي عن هناد بن السري، عن وكيع عن هشام به، وعن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن هشام به، وعن
стр. 470
عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن الزهري، عن عبد الوهاب الثقفي به وأخرجه في الكبرى في الوليمة عن قتيبة، عن ابن أبي عدي، عن حجاج، عن يحيى بن أبي كثير بقصة التنفس حسبُ.
الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه البخاري في الطهارة، عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن محمَّد بن يوسف، عن الأوزاعي، وفي الأشربة، عن أبي نعيم، عن شيبان ثلاثتهم، عن يحيى بن أبي كثير به.
وأخرجه مسلم: في الطهارة عن يحيى بن يحيى عن عبد الرحمن بن مهدي عن همام بن يحيى، عن يحيي بن أبي كثير به، وعن يحيى بن يحيى، عن وكيع، عن هشام به، وفي الطهارة، والأشربة أيضا عن ابن أبي عمر، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير به.
وأخرجه أبو داود: في الطهارة عن مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير به.
وأخرجه الترمذي: في الطهارة عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه: في الطهارة عن هشام بن عمار، عن عبد الحميد ابن حبيب بن أبي العشرين، وعن دحيم نحوه عن الوليد بن مسلم كلاهما عن الأوزاعي، ولم يذكر التنفس في الإناء وفي كتاب خلف وأبي مسعود عبد الرحمن بن مهدي عن هشام (١) وفي صحيح مسلم عن همام وفي بعض الأصول الصحيحة منه عن همام بن يحيى. اهـ تحفة
стр. 471
الأشراف جـ ٩/ ص ٢٥١، ٢٥٢ وأخرجه أيضا أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن حبان، والبيهقي.
الرابعة: في اختلاف ألفاظه:
قال الحافظ المزي: حديث "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء لماذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه" وفي حديث أيوب "نهى أن يتنفس في الإناء وأن يمس ذكره بيمينه وأن يستطيب بيمينه" وفي حديث أبان "إذا شرب فلا يشرب نفسا واحدا" وحديث وكيع مختصر "إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه" وكذلك حديث معمر "نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه" وكذلك حديث القَنَّاد "إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه". اهـ تحفة جـ ٩/ ص ٢٥١.
وبقية مباحثه تأتي في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى.
٢٥ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ".
رجال الإسناد: ستة
١ - "هناد بن السري" بكسر الراء الخفيفة بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي ثقة من العاشرة مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وله إحدى وتسعون سنة. اهـ ت.
стр. 472
٢ - "وكيع" بن الجراح بن مليح الرؤاسي (١) أبو سفيان الكوفي الحافظ أحد الأئمة الأعلام، عن هشام بن عروة، وجعفر بن بُرْقان، وابن عون، وشعبة، وخلائق، وعنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وأحمد بن منيع، والحسن بن عرفة، وأمم. قال أحمد: ما رأيت أوعى منه ولا أحفظ، وكان أحفظ من ابن مهدي كثيرا كثيرا، ما رأيت مثله في العلم والحفظ والإتقان مع خشوع وورع، ما رأت عيناي مثله قط، يحفظ الحديث، ويذاكر بالفقه، مع ورع واجتهاد، وكان إمام المسلمين في وقته. قال خليفة: مات سنة يست وتسعين ومائة ١٩٦، اهـ صة. وفي (ت) ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة.
٣ - "هشام" هو ابن أبي عبد الله سنبر بوزن جعفر الدستوائي بفتح الدال المثناة بينهما مهملة ساكنة أبو بكر البصري "ودستواء من كور (٢) الأهواز" عن قتادة، ويحيى بن أبي كثير، وطائفة. وعنه ابنه معاذ، وأبو داود الطيالسي، وقال: كان أمير المؤمنين في الحديث، وأبو نعيم ومسلم بن إبراهيم، وخلق. قال العجلي: ثقة ثبت. قال ابن سعد: حجة لكنه يرى القدر. قال الفلاس: مات سنة ١٥٤، وفي (ت) من كبار السابعة.
وأفاد في اللباب أن التاء مضمومة وأنه نسب إليها هشام هذا، لأنه كان يبيع الثياب المجلوبة منها اهـ.
تنبيه: وقع في صحيح مسلم كما تقدمت الإشارة إليه في كلام المزي في التحفة همام عن يحيى بدل هشام هذا فقال الإمام النووي ﵀: هكذا هو في الأصول التي رأيناها في الأول يعني السند الأول همام
стр. 473
بالميم عن يحيى بن أبي كثير وفي الثاني هشام بالشين وأظن الأول تصحيفا من بعض الناقلين عن مسلم فإن البخاري، والنسائي وغيرهما من الأئمة رووه عن هشام الدستوائي كما رواه مسلم في الطريق الثاني، وقد أوضح ما قلته الإمام الحافظ أبو محمَّد خلف الواسطي فقال رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن وكيع، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، فصرح الإمام خلف بأن مسلما رواه في الطريقين عن هشام الدستوائي، فدل هذا على أن همام بالميم تصحيف وقع في نسختنا ممن بعد مسلم اهـ جـ ٢/ ص ٢٧٨. والباقون تقدموا في السند الماضي.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وقد تقدم في السند السابق عاليا خماسيا.
ومنها: أن رواته ما بين كوفيين، وهما الأول والثاني، وبصري وهو الثالث، ويمامي هو الرابع، ومدنيين وهما الآخران.
ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والقول.
ومنها: ما تقدم في سند الحديث السابق.
شرح الحديث
"عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه" أبي قتادة الحارث بن ربعي "أنه قال: قال رسول الله ﷺ إذا دخل أحدكم الخلاء" أي محل قضاء الحاجة فبال أو تغوط "فلا يمس ذكره بيمينه" أي فلا يُفْض بباطن كفه اليمنى إلى ذكره لظاهر الرواية المتقدمة "إذا بال أحدكم فلا يأخذ" فقوله يمس مجزوم بلا الناهية، ويجوز رفعه على أنها نافية.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
أما درجته، ومن أخرجه فقد تقدم ذكرهما في الحديث السابق فلنذكر هنا بقية المسائل.
стр. 474
المسألة الأولى: قال ابن دقيق العيد: الحديث يقتضي النهي عن مس الذكر باليمين في حالة البول، ووردت رواية أخرى في النهي عن مسه باليمين مطلقا من غير تقييد بحالة البول، فمنهم من أخذ بهذا العام المطلق، وقد يسبق إلى الفهم أن المطلق يحمل على المقيد فيختص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث لأن هذا الذي يقال يتجه في باب الأمر والإثبات، فإنا لو جعلنا الحكم للمطلق أو العام في صورة الإطلاق أو العموم مثلا كان فيه إخلال باللفظ الدال على المقيد، وقد تناوله لفظ الأمر وهو غير جائز، وأما في باب النص فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق مع تناول النهي له، وذلك غير شائع، هذا كله بعد مراعاة أمر من صناعة الحديث وهو أن ينظر في الروايتين أعني رواية الإطلاق والتقييد هل هما حديثان أو حديث واحد مخرجه واحد، فإن كانا حديثين فالحكم ما ذكرناه في حكم الإطلاق والتقييد، وإن كانا حديثا واحدا مخرجه واحد اختلف عليه الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد لأنها تكون زيادة من عدل في حديث واحد فتقبل.
قال: وذلك أيضا يكون بعد النظر في دلالة المفهوم وما يعمل به منه وما لا يعمل به وبعد أن ينظر في تقدم المفهوم على ظاهر العموم اهـ الأحكام جـ ١/ ص ٦٠.
المسألة الثانية: أنه حمل الجمهور النهي على التنزيه لأن النهي فيه لمعنيين: أحدهما لرفع قدر اليمنى والآخر أنه لو باشر النجاسة بها يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك، وحمله أهل الظاهر على التحريم، حتى قال بعضهم: لو استنجي بيمينه لا يجزيه، وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية. قاله البدر العيني في عمدته جـ ٣/ ص ٢٨٣ وقال الشوكاني: وهو الحق لأن النهي للتحريم ولا صارف له.
المسألة الثالثة: قال في الفتح: واستنبط منه بعضهم منع الاستنجاء باليد التي فيها الخاتم المنقوش فيه اسم الله تعالى لكون النهي عن ذلك
стр. 475
لتشريف اليمين فيكون من باب أولى وما وقع في العتبية عن مالك من عدم الكراهة قد أنكره حذاق أصحابه اهـ جـ ٢/ ص ٣١.
المسألة الرابعة: قال في الفتح أيضا: وقد أثار الخطابي هنا بحثا وبالغ في التبجح به، وحكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه ناظر رجلا من الفقهاء الخراسانيين فسأله عن هذه المسألة فأعياه جوابها ثم أجاب الخطابي عنه بجواب فيه نظر، ومحصل الإيراد أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه وكلاهما قد شمله النهي.
ومحصل الجواب: أنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه ويستجمر بيساره فلا يكون متصرفا في شيء من ذلك بيمينه انتهي وهذه هيئة منكرة بل يتعذر فعلها في غالب الأوقات وقد تعقبه الطيبي بأن النهي عن الاستجمار باليمين مختص بالدبر والنهي عن المس مختص بالذكر فبطل الإيراد من أصله كذا قال.
وما ادعاه من تخصيص الاستنجاء بالدبر مردود، والمس وإن كان مختصا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسا والتنصيص على الذكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، إنما خص الذكر بالذكر، لكون الرجال في الغالب هم المخاطبون، والنساء شقائق الرجال في الأحكام إلا ما خص، والصواب في الصورة التي أوردها الخطابي ما قاله إمام الحرمين، ومن بعده كالغزالي في الوسيط، والبغوي في التهذيب أنه يمر العضو بيساره على شيء يمسكه بيمينه، وهي قارة غير متحركة فلا يعد مستجمرا باليمين، ولا ماسًا بها، ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرا بيمينه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٠٥.
стр. 476
٢٤ - الرخصة في البول في الصحراء قائما
أي هذا باب في التسهيل في بول الشخص قائما في الصحراء، وقد تقدم ضبط الرخصة وتفسيرها.
وأما الصحراء: فهي البرية وجمعها صَحاريّ بكسر الراء مثقل الياء، لأنك تدخل ألف الجمع بين الحاء والراء وتكسر ما بعد ألف الجمع، نحو مساجد، ودراهم، فتنقلب الألف الأولى التي بعد الراء ياء للكسرة التي قبلها، وتنقلب ألف التأنيث ياء أيضا لكسر ما قبلها فيجتمع ياءان فتدغم إحداهما في الأخرى، ويجوز التخفيف مع كسر الراء وفتحها فيقال: صحار وصحارَى مثل العَذاري والعَذارَى، والعَزَالِي والعَزَالَى والكسر هو الأصل في الباب كله نحو المغازي، والمرامي، والجواري، والغواشي، وأما الفتح فمسموع، فلا يقال: وزن صحارى فعالل بفتح اللام لفقد هذا البناء في الكلام، وإنما هو منقول عن فعالل بالكسر، ولا يقال صحراءة بهاء بعد الهمزة لأنه لا يجمع على الاسم علامتا تأنيث، وأصحر الرجل للصحراء إصحارا برزلها. اهـ مصباح جـ ١/ ص ٣٣٣.
٢٦ - أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا.
رجال الإسناد: ستة
١ - "مؤمل بن هشام" اليشكري البصري، عن ابن علية، وأبي
стр. 477
معاوية، وطائفة، وعنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، ووثقاه، توفي سنة ٢٥٣. وفي (ت) ثقة، من العاشرة.
٢ - "إسماعيل" هو ابن إبراهيم المعروف بابن علية البصري ثقة ثبت [٨] تقدم. في ١٨/ ١٩.
٣ - "شعبة" هو ابن الحجاج الواسطي البصري بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام، ثقة، حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذَبَّ عن السنة، وكان عابدًا، من السابعة مات سنة ستين ومائة. وسيأتي له ترجمة من التهذيب مطولة في ٨٦/ ١٠٦.
٤ - "سليمان" هو ابن مهران الأعمش الكوفي ثقة [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
٥ - "أبو وائل" هو شقيق بن سلمة الكوفي ثقة مخضرم [٢] تقدم في ٢/ ٢.
٦ - "حذيفة" بن اليمان الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٢/ ٢.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن فيه الإخبار، والعنعنة، وأن رواته ما بين بصريين، وواسطي، ثم بصري، وكوفيين، وكلهم أئمة أجلاء.
شرح الحديث
"عن حذيفة" بن اليمان ﵁ "أن رسول الله ﷺ " أتى أي جاء يقال: أتى الرجل يأتي أتيا: جاء، والإتيان اسم منه، وأتيته يستعمل لازما ومتعديا، قال الشاعر (من الكامل):
стр. 478
فاحتَلْ لنَفْسكَ قَبْلَ أتْي العَسْكَر
وأتا يَأتُوا، أتْوًا لغة فيه. قاله في المصباح.
قلت: استعمله هنا متعديا ولذا قال "سُباطة قوم" بالضم كالكناسة وزنا ومعنى "فبال قائما" أي أهرق الماء حال كونه قائمًا.
والمعنى: أنه جاء إلى مَزْبَلة كائنة بفناء الدور فبال، لكون البول لا يرتد إليه لسهولتها.
وإضافة سباطة إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة وبهذا يندفع إيراد من استشكل يكون البول يوهي الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار وهو صريح رواية أبي عوانة في صحيحه.
وقيل: يحتمل أن يكون علي إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يُعْهَد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ في الفتح جـ ١/ ص ٣٩٢.
٢٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.
٢٨ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَهْزٌ، قَالَ:
стр. 479
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَشَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا.
قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ: وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْصُورٌ الْمَسْحَ.
رجال الإسنادين
في الأول ستة: تقدموا في الحديث الأول إلا ثلاثة، وهم:
١ - "محمَّد بن بشار" شيخ المصنف، وهو المشهور ببندار بضم الباء وفتحها وسكون النون كما في المغني.
وهو محمَّد بن بشار بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، الحافظ أحد أوعية السنة، عن المعتمر، ويزيد بن زريع، وغندر، ويحيى القطان، وخلق من طبقتهم، وعنه الجماعة، وابن خزيمة، وابن صاعد، وخلق، قال الخطيب: كان يحفظ حديثه، وقال ابن خزيمة: حدثنا الإمام محمَّد بن بشار، وقال العجلي: بندار ثقة كثير الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الذهبي: انعقد الإجماع بعدُ على الاحتجاج ببندار. مات سنة ٢٥٢، من الطبقة العاشرة.
فائدة: بُنْدار هذا هو أحد الأئمة الذين رَوَى عنهم أصحاب الكتب الستة بدون واسطة وهم تسعة، جمعتهم في نظم حيث قلت:
اشتَركَ الأئمَّةُ الهُدَاةُ … ذَوُو الأصُول السِّتَّة الحُمَاةُ
стр. 480
في النَّقْل عَنْ تسْع شُيُوخ مَهَرَهْ … الحَافظينَ النَّاقدينَ البَرَرَهْ
أولئكَ الأشَجُّ وابنُ مَعْمَر … نَصْرٌ ويَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّري
وابنُ العَلاء وابْنُ بَشَّار كَذَا … ابنُ المُثَنَّى وزيادٌ يُحْتَذَى
فائدة أخرى: بُنْدار بضم الباء وسكون النون لقب له، لكونه جَمَّاعًا للحديث، وأصل البندار هو من يكثر من شراء شيء، ثم يبيعه.
٢ - "محمَّد" هو ابن جعفر الهذلي مولاهم البصري أبو عبد الله الكرابيسي الحافط ربيب شعبة، جالسه نحوا من عشرين سنة، لقبه غُنْدَر بضم الغين وسكون النون وفتح الدال، وحكي ضمها، كما قال النووي في شرح البخاري.
لقبه به ابن جريج، وذلك أنه لما قدم البصرة كان أكثر عليه الشغب، فقال له: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا.
روى عن عوف الأعرابي، وحسين المعلم، وابن جريج، وابن أبي عروبة. وعنه أحمد، وابن المديني، وابن معين، وابن راهويه، وقتيبة، وخلق. قال ابن معين: كان من أصح الناس كتابا. قال أبو داود: مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقال ابن سعد: سنة أربع، من الطبقة التاسعة.
والسند الثاني
فيه سبعة تقدم منهم شعبة، والأعمش، وأبو وائل، وحذيفة في السند السابق، وأما الباقون فهم:
١ - "سليمان بن عبيد الله" بن عمرو بن جابر المازني الغيلاني أبو أيوب البصري، عن أمية بن خالد، وبهز بن أسد. وعنه مسلم، والمصنف، ووثقه. مات سنة ٢٤٦ من الحادية عشرة.
стр. 481
٢ - "بهز" بفتح الباء وسكون الهاء آخره زاي هو ابن أسد العَمِّيُّ بفتح العين وتشديد الميم نسبة إلى العم بطن في تميم، أبو الأسود البصري الإمام. يروي عن شعبة، وأبي بكر النهشلي، وحماد بن سلمة. وعنه أحمد، وبندار، ويعقوب بن إبراهيم. قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت. قال عقبة بن مكرم: مات قبل يحيى القطان، من الطبقة التاسعة.
٣ - "منصور" هو ابن المعتمر بن عبد الله الكوفي تقدم ترجمته في ٢/ ٢.
لطائف الإسناد
في السند الأول: أنه من سداسياته، وفيه من ألفاظ الأداء الإخبار، والسماع، والتأنين، والقول، ورواته ما بين بصريين، وكوفيين، فالثلاثة الأولون بصريون، وشعبة واسطي بصري، والثلاثة الآخرون كوفيون.
شرح الحديث الثاني (١)
"عن حذيفة" ﵁ "قال: إن النبي ﷺ مشى" أي ذهب على رجليه "إلى سباطة قوم" أي كناستهم "فبال قائما، قال سليمان" يعني الأعمش "في حديثه" أي روايته عن أبي وائل "ومسح" أي النبي ﷺ "على خفيه" أي بعد غسل أعضاء الوضوء ومسح الرأس "ولم يذكر منصور" بن المعتمر في روايته عن أبي وائل "المسح" أي مسح النبي ﷺ على خفيه، بل انتهى حديثه عند قوله فبال قائما.
والحاصل: أن الأعمش، ومنصورا، رويا هذا الحديث عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ إلا أن الأعمش، زاد في روايته المسح.
وهذه الزيادة كما قال الحافظ: ثابتة من طرق عن شعبة، عن
стр. 482
الأعمش وزاد عيسى بن يونس فيه، عن الأعمش أن ذلك كان بالمدينة أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بإسناد صحيح، وزعم في الاستذكار أن عيسى تفرد به، وليس كذلك، فقد رواه البيهقي من طريق محمَّد بن طلحة بن مصرف، عن الأعمش كذلك، وله شاهد من حديث عصمة ابن مالك رواه الطبراني.
قال الحافظ: ولعل البخاري اختصره لتفرد الأعمش به، فقد روى ابنُ ماجه من طريق شعبة أن عاصما رواه له عن أبي وائل عن المغيرة "أن رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما" قال عاصم وهذا الأعمش يرويه عن أبي وائل عن حذيفة وما حفظه يعني أن روايته هي الصواب، قال شعبة: فسألت عنه منصورًا، فحدثنيه عن أبي وائل، عن حذيفة، يعني كما قال الأعمش، لكن لم يذكر فيه المسح، فقد وافق منصور الأعمش على قوله عن حذيفة دون الزيادة، ولم يلتفت مسلم إلى هذه العلة، بل ذكرها في حديث الأعمش؛ لأنها زيادة من حافظ.
وقال الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح يعني من حديثه عن المغيرة، وهو كما قال وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصما على قوله: عن المغيرة، فجاز
أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معا، لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتقانهما أصح من رواية عاصم وحماد لكونهما في حفظهما مقال اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٩٢ بتصرف.
وقد تقدم الكلام على فوائد هذا الحديث متنا وسندا في باب الرخصة في ترك الإبعاد عند قضاء الحاجة فارجع إليه، واستنبط المصنف منه هنا جواز البول قائما في الصحراء دون البيوت لما يأتي في حديث عائشة في الباب التالي.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 483
٢٥ - البول في البيت جالسا
أي هذا باب في بيان مشروعية البول جالسا لمن كان في البيت، يريد المصنف ﵀ أن يوفق بين حديث الباب المتقدم وبين حديث الباب بأن حديث حذيفة المتقدم محمول على ما كان في الصحراء وحديث عائشة على ما في البيت فلا تعارض.
وبعضهم وَفَّقَ بغير هذا، فقيل بأن حديث عائشة محمول على الغالب، وحديث حذيفة محمول على الندور.
وقيل: بأن حديث حذيفة أصح من حديثها لأن في حديثها شَريكا القاضي متكلم فيه بسوء الحفظ.
٢٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلاَّ جَالِسًا.
رجال السند: خمسة
١ - "علي بن حجر" بضم فسكون ابن إياس السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة، حافظ من صغار ٩ تقدم، في ١٣/ ١٣.
٢ - "شريك" بن عبد الله النخعي القاضي بواسط ثم الكوفة أبو
стр. 484
عبد الله صدوق، يخطئ، كثيرا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا عابدا شديدا على أهل البدع. من الثامنة مات ٧ أو ١٧٨ أخرج له مسلم والأربعة. أفاده في "ت".
٣ - "المقداد ابن شريح" بن هانيء بن يزيد الحارثي الكوفي ثقة من السادسة. روى له البخاري في الأدب، ومسلم، والأربعة "ت".
٤ - "شريح" بن هانيء بن يزيد الحارثي المَذْحجي، أبو المقدام الكوفي مخضرم ثقة قتل مع أبي بكرة بسجستان (بخ م ٤) ت.
٥ - "عائشة" ﵂ أم المؤمنين تقدمت في ٥/ ٥.
تنبيه: هذا الإسناد من خماسياته ورواته ما بين مروزي، وكوفيين، ومدنية، وفيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والقول.
وأخرجه الترمذي: في الطهارة عن علي بن حجر، وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، وإسماعيل بن موسى السدي، أربعتهم عن شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه عن عائشة ﵂، قال الترمذي: وفي الباب عن عمر، وبريدة، وعبد الرحمن بن حسنة، وحديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح.
شرح الحديث
"عن عائشة" ﵂ أنها "قالت: من حدثكم" أي نقل لكم أن رسول الله ﷺ "بال" حال كونه "قائما فلا تصدقوه" أي لأنه أخبركم بخلاف الواقع "ما كان يبول إلا جالسا" وهذا قالته على حسب علمها، وإلا فالواقع خلاف ما قالته، فإنه ثبت أنه كان يبول قائما كما تقدم في حديث حذيفة ﵁.
стр. 485
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح.
"الثانية": أن حديث الباب أخرجه أحمد والحاكم والترمذي وابن ماجه كما مر آنفا قال الترمذي حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين واعترض عليهما.
قال الشيخ ولي الدين: هذا الحديث فيه لين لأن فيه شريكا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، وقول الترمذي: إنه أصح شيء في هذا الباب؛ لا يدل على صحته، ولذلك قال ابن القطان: إنه لا يقال فيه صحيح، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرَّج له استشهادًا لا احتجاجًا. نقله السيوطي.
وقال الحافظ في الفتح: لم يثبت عن النبي ﷺ في النهي عن البول قائما شيء كما بينته في أوائل شرح الترمذي اهـ.
وأجاب العلامة المباركفوري في شرحه على الترمذي: بأن المراد بقوله أحسن شيء وأصح أقل ضعفا وأرجح مما ورد في هذا الباب اهـ جـ ١/ ص ٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الصواب أنه صحيح، وتعليله بشريك غير صحيح، فقد تابعه سفيان الثوري، كما حققه العلامة الألباني حفظه الله. انظر الصحيحة ١/ ٣٤٥ رقم ٢٠١ والله أعلم.
"الثالثة" قال الترمذي: وفي الباب عن عمر، ثم قال: وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي ﷺ وأنا أبول قائما، فقال: "يا عمر
стр. 486
لاتبل قائما" فما بلت قائما بعد.
قال الترمذي: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني، وتكلم فيه، وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "قال عمر ﵁ ما بُلتُ قائما منذ أسلمت" وهذا أصح من حديث عبد الكريم.
قال العلامة المباركفوري: أخرجه البزار قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات.
وهذا الأثر يدل على أن عمر ما بال قائما منذ أسلم، ولكن قال الحافظ في الفتح قد ثبت عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم أنهم بالوا قياما. اهـ كلام المباركفوري.
وفي الباب حديث أخرجه البزار من حديث بريدة مرفوعا بلفظ "ثلاث من الجفاء أن يبول الرجل قائما أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته أو ينفخ في سجوده" كذا في النيل، وقال الترمذي وحديث بريدة في هذا غير محفوظ. قال الجامع: قد تكلم الشيخ الألباني، وبين علة هذا الحديث في الإرواء جـ ١/ ٩٨ - ٩٩. كما تقدم في ١٧/ ١٨، وحديث أخرجه ابن ماجه عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائما. وفي إسناده عدي بن الفضل وهو متروك. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٦٧.
"الرابعة": اختلف العلماء في تأويل حديث الباب على أقوال:
الأول: حمل المصنف له على أنه في البيوت جمعا بينه وبين حديث حذيفة السابق.
وحاصله أن عائشة إنما نفت ما كان يفعله في البيوت وأن حذيفة أثبت ما رآه في الصحراء، فدل على جواز البول قائما في الصحراء، دون
стр. 487
البيوت، فمعنى حديثها من حدثكم أنه بال قائما في البيت لا تصدقوه، ومعنى حديث حذيفة أنه بال قائما في الصحراء كما تقدم أنه كان ذلك في سُباطة قوم.
الثاني: قول بعضهم إن حديث حذيفة أرجح من حديثها؛ لأن في حديثها شريكا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ ولا عبرة بتصحيح الحاكم له لكونه متساهلا كما قدمناه.
قال الجامع: تقدم الجواب عن هذا القول قريبا. فتنبه.
الثالث: قول الترمذي: إن معنى النهي عن البول قائما على التأديب، لا على التحريم، وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم. اهـ جـ ١/ ص ٦٨ بشرح المباركفوري.
الرابع: أن حديث الباب ناسخ لحديث حذيفة، وإليه ذهب أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين ورد هذا الحافظ في الفتح.
الخامس: قول بعضهم: إن حديث حذيفة محمول على العذر، فقيل لعدم مكان للجلوس لامتلاء الموضع بالنجاسة، وقيل: لكون ما يقابله من السباطة عاليا ومن خلفه منحدرا مستقلا لو جلس مستقبل السُّباطة سقط إلى خلفه، ولو جلس مستدبرًا لها بَدَت عورته للناس.
وقيل: لأنه حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبا من الدار، ولذا قال عمر ﵁ "البول قائما أحصن للدبر" رواه عبد الرزاق، وقيل: لأن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك.
والأظهر: أنه فعله لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود، قاله الحافظ ﵀، وتقدم بيان هذا في باب الرخصة في ترك ذلك. ١٧/ ١٨. والله ولي التوفيق.
стр. 488
٢٦ - البول إلى السترة يستتر بها
أي باب مشروعية بول الشخص إلى سترة يستتر بها عن أعين الناس.
٣٠ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ، قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا، يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَهُ فَقَالَ: "أَوَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ".
رجال السند: خمسة
١ - "هناد بن السري" بفتح الهاء وتشديد النون والسري بفتح السين وكسر الراء ابن مصعب أبو السري الكوفي ثقة ١٠ تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - "أبو معاوية" الضرير محمَّد بن خازم بمعجمة "التميمي مولاهم أحد الأعلام، عن الأعمش، وسهيل بن أبي صالح، وعاصم
стр. 489
الأحول، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، وأبو خيثمة، وخلق. وروى عنه من شيوخه الأعمش، وابن جريج. قال أحمد: كان في غير الأعمش مضطربا. وقال العجلي: ثقة يرى الإرجاء. وقال يعقوب بن شيبة: ربما دلس. قال ابن معين: مات سنة ١٩٥، من الطبقة التاسعة.
٣ - "الأعمش" سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهلي الكوفي، ثقة حافظ ثبت، من الخامسة، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - "زيد بن وهب" الجهني أبو سليمان، هاجر فمات النبي ﷺ وهو في الطريق، نزل الكوفة. عن عمر، وعثمان، وعلي، وحذيفة، وطائفة، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وخلق. وثقه ابن معين، وابن خراش، قال الأعمش: إذا حدثك زيد فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه. قال ابن سعد: توفي بعد الجماجم، مخضرم من الثانية.
٥ - "عبد الرحمن بن حسنة" هو عبد الرحمن بن عبد الله بن المطاع (١) الكندي حليف بني زهرة أخو شُرَحبيل بن حسنة، وحسنة أمهما أفاده الحافظ المزي.
وقال الحافظ في الإصابة: وقال الترمذي: يقال: إنهما أخوان، وأنكر العسكري تبعا لابن أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن أخا شرحبيل، رَوَى عن النبي ﷺ : أنه خرج عليهم ومعه كهيئة الدرقة فبال إليها. الحديث.
روى عنه زيد بن وهب، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وذكر مسلم والأزدي والحاكم أنه تفرد بالرواية عنه، وقد
стр. 490
وقع في الطبراني الكبير حديث من طريق أبي قارظ عنه وهو وارد على الإطلاق المذكور اهـ إصابة جـ ٢/ ص ٤١٤ لكن في إسناده ابن لهيعة، ولا تقوم به حجة قاله في تهذيب التهذيب، وليس لعبد الرحمن في الكتب الستة سوى هذا الحديث الواحد عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، وله في غيرها أحاديث أخر. قاله السيوطي جـ ١/ ص ٢٧.
لطائف الإسناد
فيه: الإخبار، والعنعنة، والقول.
وفيه: أنه من خماسياته ورواته كوفيون وفيه مخضرم وهو زيد.
وفيه: رواية تابعي عن تابعي، وفيه أن صحابيه ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث.
شرح الحديث
"عن عبد الرحمن بن حسنة" ﵁ "قال خرج علينا رسول الله ﷺ " وفي رواية أبي داود قال "انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي ﷺ فخرج ومعه دَرَقة" ولفظ البيهقي قال "كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين فخرج علينا رسول الله ﷺ "وفي يده كهيئة الدرقة" جملة حالية من الفاعل.
وفي رواية أبي داود "ومعه درقة" ولفظ البيهقي "في يده درقة".
قال العلامة السندي: قوله "كهيئة الدرقة" أي شيء مثل هيئة الدرقة أي كصفتها فالكاف بمعنى مثل مبتدأ، والدرقة بدال وراء مهملتين مفتوحتين: التُّرْسُ إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عَصَب. اهـ ١/ ٢٧.
وقال السيوطي: الدَّرَقَة بفتح الدال والراء المهملتين والقاف:
стр. 491
الحَجَفَة، والمراد بها الترس إذا كان من جلود وليس فيه من خشب ولا عصب، وهو القصب الذي تعمل منه الأوتار.
وذكر القزاز أنها من جلود دواب تكون في بلاد الحبشة اهـ زهر جـ ١/ ص ٢٧ "فوضعها" أي جعلها حائلة بينه وبين الناس لئلا يطلع أحد على عورته "ثم جلس" النبي ﷺ "خلفها" أي خلف الدرقة "فبال إليها" أي متوجهًا إليها ومستترًا بها "فقال بعض القوم" قيل لعل القائل كان منافقا، والأولى أنه ليس منافقًا لأن مجموع الروايات يبين ذلك، ففي رواية أبي داود "فقلنا"، وفي رواية البيهقي "فتكلمنا فيما بيننا، فقلنا يبول كما تبول المرأة" فتبين أنه من الصحابة، وإنما قالوا ذلك تعجبا لما رأوه مخالفا لما عليه عادتهم في الجاهلية في بول الرجال قياما وكانوا قريبي العهد بها، ولم يقولوا استهزاء ولا سُخْريّة "انظروا يبول كما تبول المرأة" قال الشيخ ولي الدين العراقي: هل المراد التشبيه بها في الستر أو الجلوس أو فيهما محتمل.
وفهم النووي الأول، فقال في شرح أبي داود: معناه أنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجال لا تقتضي الستر على ما كانوا عليه في الجاهلية، قال الشيخ ولي الدين: ويؤيد الثاني رواية البغوي في معجمه فإن لفظها "فقال بعضنا لبعض يبول رسول الله ﷺ كما تبول المرأة وهو قاعد" وفي معجم الطبراني "يبول رسول الله ﷺ وهو جالس كما تبول المرأة" وفي سنن ابن ماجه قال أحمد بن عبد الرحمن المخزومي كان من شأن العرب البول قائمًا ألا تراه في حديث عبد الرحمن بن حسنة يقول يقعد ويبول. اهـ زهر.
وقال السندي: نعم ذكر ما أصاب صاحب بني إسرائيل أنسب بالتستر اهـ.
стр. 492
"فسمعه" أي سمع ما قال ذلك البعض رسول الله ﷺ "فقال" رسول الله ﷺ مجيبا له (أ) تستغرب ذلك مني "وما علمت" ما موصولة أو موصوفة "أصاب صاحب بنى إسرائيل" برفع صاحب على أنه فاعل أصاب ومفعوله محذوف والتقدير أو ما علمت العذاب الذي أصابه صاحب بني إسرائيل.
ويجوز نصبه على أنه مفعول أصاب والفاعل ضمير يعود إلى "ما" أي أوَ ما علمت العذاب الذي أصاب أي هو صاحب بني إسرائيل، قيل: المراد بصاحب بني إسرائيل واحد منهم، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وقيل المراد به موسى ﵊ وعلى هذا فمعناه أنه نهاهم عن التهاون في البول فعذب من لم ينته عنه، وهذا القول بعيد جدًا، والأول هو الذي يدل عليه السياق.
وبنو إسرائيل: أولاد يعقوب بن إسحاق، وإسرائيل هو يعقوب، ومعناه بالسريانية عبد الله لأن إسرا بمعنى عبد، وإيل بمعنى الله.
"كانوا" أي بنو إسرائيل "إذا أصابهم شيء من البول" أي أصاب جسدهم أو ثيابهم "قرضوه" أي قطعوه، يقال: قرضت الشيء قرضا من باب ضرب: قطعته بالمقراض. أفاده في المصباح "بالمقاريض" جمع مقراض بكسر الميم، وقال في المصباح، ولا يقال إذا جمعت بينهما: مقراض كما تقول العامة، وإنما يقال عند اجتماعهما: "قرضته بالمقراضين وفي الواحد قرضته بالمقراض" اهـ.
يعني أنهم كانوا يقطعون الموضع الذي أصابه البول؛ لأنه ما كان يجوز لهم أن يطهروا موضع النجاسة بالماء، وإنما التطهير في دينهم بقطع المتنجس والظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك ولو في جسدهم ويؤيد
هذا رواية مسلم "جلد أحدهم" وفي رواية أبي داود "جسد أحدهم"
стр. 493
فيكون هذا من الأمر الشاق الذي حملوه.
وقيل: المراد بالجلد الجلود التي كانوا يلبسونها، وإليه ذهب القرطبي، ويؤيده رواية البخاري "إذا أصاب ثوب أحدهم".
قال الجامع: والأولى عندي أنهم كانوا يعملون هذا وهذا، فهم مكلفون بكليهما فلا حاجة إلى حمل إحدى الروايتين على الأخرى.
"فنهاهم صاحبهم" أي نهي بني إسرائيل صاحبهم المذكور عن القطع المذكور، وقال: إن هذا تكلف شديد فاتركوه "فعذب في قبره" أي عذبه الله بسبب نهيه عن المعروف، فحذر النبي ﷺ أصحابه من إنكار ما هو مقرر في الشرع.
فكأنه ﷺ قال لا تستثقلوا ما أبينه لكم من الأحكام فعلا أو قولا، ولو كان على خلاف معتادكم في الجاهلية، كما استثقل صاحب بني إسرائيل، وإلا فيخشى أن يصيبكم مثل ما أصابه وهذا على أن القائل انظروا الخ من الصحابة أما على أنه مشرك أو منافق كما قاله في المرقاة فيكون قصد النبي ﷺ بذلك توبيخه وتهديده وأنه من أصحاب النار حيث عيَّره بالحياء وجعله من فعل النساء. أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٨٨.
قال الجامع: لكن سياق الأحاديث يدل علي المعنى الأول كما تقدم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته: هذا الحديث صحيح.
"الثانية": فيمن أخرجه مع المصنف:
أخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش به، وأخرجه "ق" في الطهارة، عن أبي بكر بن شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن
أبي شيبة والبيهقي.
стр. 494
"الثالثة": في فوائده:
يستنبط من هذا الحديث جواز ترك التباعد عن الناس عند البول.
ومشروعية التستر بشيء ولا سيما إذا كان بقرب الناس.
وأنه لا يجوز لأحد التكلم في شيء من أمور الدين حتى يعلم حكم الله فيه.
والتلطف في المخاطبة عند التعليم فإنه ﷺ لما سمع مقالتهم لم يقابلهم بالغلظة بل تلطف بهم شفقة عليهم ورحمة.
وطلب التحرز عن النجاسات والإحتياط في ذلك.
وأن المخالفة سبب في الهلاك والتعذيب فقد نبه ﷺ أن صاحب بني إسرائيل نهى عن المعروف في دينهم فتسبب عنه تعذيبه.
وأن عذاب القبر حق، وأن للبول خصوصية فيه فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا "أكثر عذاب القبر من البول". قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٨١.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
стр. 495
٢٧ - التنزه عن البول
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب التنزه عن البول، وموضع الترجمة قوله "فكان لا يستنزه من بول" لأن تسبب العذاب بعدم استنزاهه يدل على وجوب التنزه، والتنزه مصدر تنزه يقال: تَنَزَّةَ فلان يَتَنَزَّه إذا تباعد عن الأقذار. أفاده الفيومي.
فمعنى التنزه عن البول التحفظ عنه.
٣١ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا".
خَالَفَهُ مَنْصُورٌ، رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا.