إمام الحرمين، وجزم به من القدماء: ابن الماجشون، والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء، وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به، وذلك فيما رواه الشيخان من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فذكر الحديث، وزاد: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه. قال ابن سيد الناس: وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره.
قال الحافظ: قلت: لكن لم يجزم بذلك، بل لم يستقر عليه، فقد تقدم كلامه لأيوب، وتجويزه لأن يكون الجمع بعذر المطر، لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليسر فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة، لا تستلزم الإخراج، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى. والله أعلم.
قال الجامع: هذا الذي قاله الحافظ هنا من أولوية الجمع الصوري فيه نظر، ويناقضه ما يأتي له قريبًا إن شاء الله تعالى.
قال: وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقًا، لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، وممن قال به: ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، واستدل
стр. 4307
لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته.
وللنسائي من طريق عمرو بن هَرِم عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر، ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء، ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي ﷺ ، وفي
رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه.
وما ذكره ابن عباس من التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع، وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعًا أخرجه الطبراني، ولفظه "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك؟ فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي" (١).
стр. 4308
وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج. اهـ "فتح" جـ ٢ ص ٣٠ - ٣١.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ ﵀ أخيرًا مما يدل على تقويته الحمل على الجمع الحقيقي، هو الصواب، لا ما تقدم من جعله الحمل على الجمع الصوري أولى، لكونه تكلفًا لا داعي له، لمخالفته لظاهِرِ ما صح من النص.
والحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة قول من قال بجواز الجمع الحقيقي في الحضر أحيانًا إذا احتيج إليه، دفعًا للحرج. لما قدمنا.
وأما ما أطال به الشوكاني في نيله مُرَجِّحًا قول من قول: إنه جمع صوري، فمما لا يلتفت إليه. لأنه لم يأت بدليل مقنع يرد به حجة المجوزين.
فمن الغريب أنه ذكر من جملة الأدلة، ظن أبي الشعثاء في كونه أخر الظهر وعجل العصر الخ، مع أنه كان ينبغي له تقديم يقين ابن عباس في قوله: أراد أن لا يحرج أمته، وقد أجاب ابن عباس بهذا الجواب لَمَّا سئل عن سبب الجمع في السفر كما في "صحيح مسلم" جـ ٥ ص ٢١٦، فليس فرق في نفي الحرج بين المسألتين، فكما حمل في السفر على الجمع الحقيقي، فليحمل عليه هنا. فتبصر.
ومن جملة ما ذكره من المؤيدات حديث ابن مسعود الذي أخرجه مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ -
стр. 4309
صلَّى صلاةً لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جَمَعَ بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها".
قال الجامع: هذا الحديث ينافي الجمع أصلًا، سفرًا، وحضرًا، وقد أجابوا عنه في الجمع في السفر بأنه نفي لعلمه، فيقدم إثبات غيره عليه، فما كان جوابًا هناك، فهو الجواب هنا.
ومما ذكره أيضًا مؤيدًا ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". وهذا مما لا يلتفت إليه، لأن في سنده حنش بن قيس،
وهو متروك.
وبالجملة فما ذكر الشوكاني شيئًا له قيمة في الرد على من قال بالجمع الحقيقي، فتبين أن الصواب هو ما قالوه، لظهور حجتهم. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّهُ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ الأُولَى، وَالْعَصْرَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَىْءٌ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَىْءٌ، فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ
стр. 4310
شُغْلٍ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الأُولَى وَالْعَصْرَ ثَمَانِ سَجَدَاتٍ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (أبو عاصم خُشَيش بن أصْرَم) خشيش -بمعجمات، مصغرًا- ابن أصرم بن الأسود، النسائي، ثقة حافظ، من [١١].
قال النسائي: ثقة، مات في رمضان، سنة ٢٥٣، وله كتاب الاستقامة في الرد على أهل الأهواء، وأرخ ابن يونس وفاته في الغُرَبَاء، وقال: كان ثقة، وكذا قال مسلمة بن قاسم، قال: وأخبرنا عنه غير واحد. انفرد به المصنف، وأبو داود.
٢ - (حَبَّان بن هِلال) حبان -بالفتح، ثم موحدة- الباهلي، ويقال: الكناني، أبو حبيب البصري، ثقة ثبت، من [٩].
قال أحمد بن حنبل: إليه المُنتَهَى في التثبت بالبصرة. وقال ابن معين، والترمذي، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجة، وكان امتنع من التحديث قبل موته. وقال العجلي: ثقة، لم أسمع منه، وكان عَسِرًا. وقال البزار: ثقة مأمون على ما يحدث به. وقال ابن قانع: بصري صالح. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا. مات بالبصرة سنة
стр. 4311
٢١٦، أخرج له الجماعة.
٣ - (حبيب بن أبي حبيب) الجَرْمي البصري الأنماطي، اسم أبيه يزيد، صدوق يخطئ، من [٧].
رَوَى عن قتادة، وعمرو بن هَرِم، والحسن، وخالد القسري، وغيرهم. وعنه ابنه محمد، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبو سلمة، وسليمان بن حرب، وغيرهم. وسمع منه القطان، ولم يحدث عنه، وقال: لم يكن في الحديث بذاك.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: هو كذا وكذا.
وكان ابن مهدي يحدث عنه. وقال ابن أبي خَيْثَمَة: نهانا ابن معين أن نسمع حديثه. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن قانع: مات سنة ١٦٢، وقال البخاري في التاريخ: سمع ابنَ سيرين، وقتادة. قال حبَّان: ثنا حبيب بن أبي حبيب ثقة.
وقال ابن خلفون: أخرج له مسلم متابعة. قلت: وأخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والمصنف، وابن ماجه.
٤ - (عمرو بن هرِم) (١) الأزدي البصري، ثقة، مات قبل قتادة، من [٦].
стр. 4312
قال في "تت": وليس بابن هرم بن حبان صاحِب أويس، ذاك عبدي، وهذا أزدي. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: صَلَّى عليه قتادة بعد ما دُفِنَ.
وقد علق عنه البخاري موضعًا واحدًا في الطلاق قبل النكاح، ولم يذكره المزي، وكذا روى البخاري في تاريخه بعد أن سَمَّى جده حبان، وتبعه ابن أبي حاتم، وابن أبي خيثمة، وابن حبان، وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم في باب الهاء: هرم بن حيان الأزدي، ويقال: العبدي. وقال العجلي: عمرو بن هرم ثقة، لا بأس به. نقله عنه ابن خلفون.
علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم، والترمذي، والمصنف، وابن ماجه.
٥ - (جابر بن زيد) أبو الشعثاء البصري، تقدم في السند السابق.
٦ - (ابن عباس) ﵁، تقدم في السند السابق أيضًا. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله موثقون، وأنهم بصريون إلا شيخه فنسائي، وقد تقدم بعض اللطائف في السند السابق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن) عبد الله (بن عباس) ﵄ (أنه صلى
стр. 4313
بالبصرة) وزان تَمْرَة- أصلها كما في المصباح: الحجارةُ الرِّخْوَةُ، وقد تحذف الهاء مع فتح الباء، وكسرها، وبها سميت البلدة المعروفة بالعراق، وأنكر الزجاج فتح الباء مع الحذف، ويقال في النسبة: بصري بالوجهين، وهي محدثة إسلامية بُنِيَت في خلافة عمر ﵁ سنة ١٨ من الهجرة، بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حده، دون حكمه.
(الأولى) أي الظهر، فإنهم كانوا يسمون الظهر الأولى، لكونها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ . قاله السندي (والعصر، ليس بينهما شيء) أي لم يتطوع بينهما (و) صلى (المغرب والعشاء، ليس بينهما شيء، فعل) ابن عباس (ذلك من) أجل (شغل) بضم الشين، والغين، وتسكن الغين للتخفيف.
وقد بيَّن مسلم في "صحيحه" الشغل الذي جمع من أجله ابن عباس، وهو اشتغاله بالخطبة، فقد أخرج من طريق عبد الله بن شقيق العُقَيلي عنه، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبَدَتِ النجومُ، وجعل الناس يقولون: الصلاة، الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يَفتر، ولا ينثني: الصلاة، الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة، لا أم لك؟! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال عبد الله ين شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته فصدق مقالته".
стр. 4314
"صحيح مسلم" جـ ٥ ص ٢١٧ - ٢١٨ بشرح النووي.
(وزعم ابن عباس) ﵄، أي قال، لأن الزعم يطلق على القول الحق، وإن كان أكثر استعماله فيما كان باطلًا، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] الآية.
قال في المصباح: زَعَمَ زَعْمًا، من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي، للحجاز، وضمها لأسد، وكسرها لبعض قيس، ويطلق بمعنى القول، ومنه زعمت الحنفية، وزعم سيبويه، أي قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ [الإسراء: ٩٢]، أي كما أخبرت، ويطلق على الظن، يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾.
قال الأزهري: وأكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه، ولا يتحقق.
وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقي: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطِيَّةِ: زَعَمَ زَعْمًا: قال خَبَرًا، لا يُدرَى أحق هو أو باطل. قال الخطابي: وَلهَذا قيل: زعم مطية الكذب. اهـ المصباح.
(أنه صلى مع رسول الله ﷺ ) بفتح "أن" لكونها وقعت في موضع المفعول لزَعَمَ.
(بالمدينة الأولى، والعصر ثمان سجدات) أي ثماني ركعات، فأريد بالسجدة الركعة إطلاقًا لاسم الجزء على الكل، وقوله: ثمان هكذا
стр. 4315
النسخ بدون ياء، وإن كان الواجب لزومها له، إذ القاعدة أن لفظ ثماني إذا أضيف إلى مؤنث لزمته الياء.
قال العلامة الخضري في "حاشيته على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك" ما حاصله: إن ثماني إذا أضيفت إلى مؤنث كانت بالياء، لا غير، كثماني نسوة، فيقدر عليها الضم والكسر، ويظهر الفتح، كالمنقوص، أو إلى مذكر فبالتاء، لا غير، كثمانية رجال، وكذا إن لم تضف، والمعدود مذكر، فإن كان مؤنثا فالكثير إجراؤه كالمنقوص، كجاءني من النساء ثمانٍ، ومررت بثمانٍ، ورأيت ثمانيًا، بالتنوين، لأنه منصرف، ويقال: رأيت ثماني، بلا تنوين، لشبهها بجوارٍ لفظًا ومعنى، ويَقِلُّ حذف الياء مع إعرابها على النون، كقوله (من الرجز):
لَها ثَنَايا أرْبَعٌ حِسَانُ … وَأرْبَعٌ فَثَغْرُهَا ثَمَانُ
هذا كله فيما إذا لم تركب مع العشرة، وأما إذا ركبت، فتكون بالتاء في المذكر، كثمانية عشر يومًا، وبحذفها في المؤنث، كثماني عشرة ليلة، لكن فيها بعد الحذف حينئذ أربع لغات: فتح الياء، وسكونها، وحذفها مع كسر النون، وفتحها. انتهى ما ذكره الخضري بتقديم وتأخير جـ ٢ ص ١٣٧.
(ليس بينهما شيء) أي من التطوع. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
تنبيه:
حديث ابن عباس ﵄ هذا صحيح، وهو من أفراد
стр. 4316
المصنف، أخرجه هنا (٥٩٠) عن خُشَيش بن أصْرَم، عن حَبَّان بن هِلال، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هَرِم، عن جابر بن زيد، عنه. وتقدم ما يتعلق به من بقية المسائل في الذي قبله، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
стр. 4317
٤٥ - الْوَقْتُ الذِّي يَجْمَعُ فِيهِ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الْمَغْرِب والْعِشَاءِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الوقت الذي يشرع للمسافر أن يجمع فيه بين صلاتي المغرب والعشاء. ثم إن ظاهر تصرف المصنف ﵀ أنه يرى الجمع الصوري والحقيقي في السفر، لأن الأحاديث التي أوردها في الباب بعضها يدل على الجمع الصوري، كحديث رقم (٥٩٥)، و (٥٩٦)، و (٥٩٧)، وبعضها يدل على الجمع الحقيقي كحديث رقم (٥٩١)، و (٥٩٣)، و (٥٩٤) وهذا هو الصحيح، فللمسافر أن يجمع الجمعين، ويترك الجمع أصلًا، وهو الأولى. والله أعلم.
٥٩١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْحِمَى، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ هِبْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: الصَّلَاةَ، فَسَارَ حَتَّى ذَهَبَ بَيَاضُ الأُفُقِ، وَفَحْمَةُ الْعِشَاء، ثُمَّ نَزَلَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَلَى إِثْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ.
стр. 4318
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي ثم النيسابوري الإمام ثقة حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الكوفي، ثم المكي، ثقة حجة ثبت، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (ابن أبي نَجِيح) عبد الله بن يَسَار، الثقفي مولاهم، أبو يسار المكي ثقة رُمِيَ بالقدر، وربما دَلَّس، توفي سنة ١٣١ أو بعدها، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٢/ ١٥٥.
٤ - (إِسماعيل بن عبد الرحمن، شيخ من قريش) هو ابن ذُوَيب، وقيل: ابن أبي ذويب الأسدي. المدني، ثقة، من [٣].
رَوَى عن ابن عمر، وعطاء بن يسار. وعنه ابن أبي نجيح، وسعيد ابن خالد القارظي.
قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. ووثقه الدارقطني. وذكره ابن حبان في "الثقات"، في التابعين، وفي أتباعهم، إلا أنه قال في التابعي: إسماعيل بن عبد الرحمن، وفي الآخر: إسماعيل بن عبد الله. انفرد به المصنف.
٥ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل ﵁، تقدم قريبًا. والله أعلم
стр. 4319
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه، وإسماعيل بن عبد الرحمن، فهو من أفراده.
ومنها: أنهم ما بين مروزي، ثم نيسابوري، وهو شيخه، ومكيين، وهما سفيان، وابن أبي نَجِيح، ومدنيين، وهما: إسماعيل، وابن عمر.
ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن إِسماعيل بن عبد الرحمن، شيخ) بالجر بدل من إسماعيل، ويجوز رفعه، بتقدير مبتدأ، أي هو (من قريش) جار ومجرور متعلق بمحذوف، صفةٍ لشيخ، أنه (قال: صحبت) عبد الله (ابن عمر) ﵄ (إِلى الحمى) متعلق بصحبت. اسم موضع.
والحِمَى، كما قال ياقوت الحموي في "مُعْجَمِ البلدان": -بالكسر، والقصر- وأصله في اللغة: الموضع فيه كَلأ يُحْمَى من الناس أن يَرْعُوه،
стр. 4320
أي يمنعونهم، يقال: حَمَيتُ الموضع: إذا منعت منه، وأحميته: إذا جعلته حِمىً لا يقرب، والحمى يمد، ويقصر؛ فمن مده جعله من حَامَى يُحَامِي، مُحَامَاةً، وحِمَاءً، ويكتب المقصور منه بالياء، والألف، لأنه قد حكي في تثنيته حِمَوَان، وهو شاذ.
وذكر هناك أسماء من حمى العرب: منها: حِمَى ضَرِيَّة، وهو أشهرها، وكان حِمَى كليب بن وائل، وحِمَى الرَّبَذًة، وحِمَى فَيد، وحمى النِّير -بكسر النون- وحِمَى الشَّرَى، وحِمَى النَّقِيع. وذكر ذلك بالتفصيل. انظر "معجمه" جـ ٢ ص ٣٠٧ - ٣٠٩.
ولا أدري أيَّ الحمى أراد هنا، لكن السندي قال: موضع بقرب المدينة. وعبارته: قوله: إلى الحمى -بكسر حاء، وفتح ميم، وقصر ألف، وفي بعض النسخ الحمى، وهو بالفتح، والتشديد (١) والميم- موضع بقرب المدينة. اهـ.
قال الجامع: ما عزاه لبعض النسخ لم أجده لغيره، فليحرر.
(فلما غربت الشمس، هبت) بكسر الهاء، ويجوز فتحها، قال الفيومي: هَابَهُ يَهَابه، من باب تَعِبَ، هَيْبَةً: حَذِرَهُ قال ابن فارس: الهيبة: الإجلال، فالفاعل: هائب، والمفعول هَيُوب، ومَهِيب، أيضًا، ويَهِيبه، من باب ضرب لغة. اهـ، أي خفت.
стр. 4321
(أن أقول له: الصلاة) بالنصب مفعولًا لفعل مقدر، أي صَلِّ، أو بالرفع مبتدأ حذف خبره، أي حَضَرَتْ، والجملة في محل نصب مقول القول.
(فسار حتى ذهب بياض الأفق، وفحمة العشاء) -بفتح الفاء، وسكون الحاء-: قال المجد: الفَحْمَةُ من الليل: أوله، أو أشد سواده، أو ما بين غروب الشمس إلى نوم الناس، خاص بالصيف، جمعه. فِحام، بالكسر- وفُحُوم. اهـ "ق" والمراد به غروب الشفق، يعني أنه سار حتى غاب الشفق.
(ثم نزل، فصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم صلى ركعتين) أي صلى العشاء ركعتين، لكونه مسافرًا.
(على إِثْرِهَا) بفتحتين، أو بكسر، فسكون، يقال: جئت في أثَرِه، وإثْرِهِ: أي تبعته عن قُرْب، قاله في المصباح، والجار والمجرور متعلق بصلى، وفيه عدم الفصل بين الصلاتين بالتطوع.
(ثم قال) ابن عمر ﵄ (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل) أي يجمع بين الصلاتين مثل هذا الجمع، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
تنبيه:
حديث ابن عمر ﵄ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، كما أشار إليه الحافظ المزي، أخرجه هنا (٥٩١)، وفي الكبرى (١٥٧٠) بهذا السند. وقد أشار إليه أبو داود في سننه. تعليقًا. وأخرجه
стр. 4322
الطحاوي والبيهقي. وسائر متعلقات الحديث تقدمت فلا حاجة إلى إعادتها. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٩٢ - أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ ح وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ.
رجال الإسناد: ثمانية
١ - (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار، القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، صدوق، توفي سنة ٢٥٠، من [١٠]، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥٣٥.
٢ - (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يُحْمِد -بضم التحتانية، وسكون المهملة، وكسر الميم- صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من [٨]. تقدم ٣٠/ ٥٥٧.
٣ - (ابن أبي حمزة) هو شعيب بن أبي حمزة: دينار، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري،
стр. 4323
توفي سنة ١٦٢ أو بعدها، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٤ - (أحمد بن محمد بن المغيرة) بن سنان الأزدي الحمصي، صدوق، توفي سنة ٢٦٤، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٥ - (عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، توفي سنة ٢٠٩، من [٩]، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٦ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر القرشي المدني الإمام الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٧ - (سالم) بن عبد الله بن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم في ٥٩٠.
٨ - (عبد الله بن عمر) الصحابي الجليل، تقدم في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله موثقون، وأنهم حمصيون إلى الزهري.
стр. 4324
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه سالمًا أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄، أنه (قال: رأيت رسول الله ﷺ إِذا أعجله السير) هكذا أعجله في "النسخة الهندية"، وفي المصرية "عجله" بدون الهمزة، والأول هو الصواب الموافق لرواية الصحيحين وغيرهما، وكذا لكتب اللغة، ففي "المصباح": عَجِلَ عَجَلًا -من باب تَعبَ، وعَجَلَة: أسرع وحضر، فهو عاجل، وتعجل، واستعجل في أمره كذلك، وأعجلته بالألف: حملته على أن يعجل. اهـ. باختصار. واستدل له من قال: يجمع من جد به السير، وهو قول الليث، والمشهور عن مالك. وسيأتي الجواب عنه.
(في السفر) متعلق بالفعل قبله، وأخرج به ما إذا أعجله السير في الحضر، كأن يكون خارج البلد في بستان مثلًاء قاله في "الفتح".
(يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء) قال الحافظ ﵀: لم يعين غاية التأخير، وبينه مسلم من طريق عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، وموسى بن عقبة، عن نافع "فأخر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هوي الليل".
стр. 4325
وللبخاري في "الجهاد" من طريق أسلم مولى عمر، عن ابن عمر في هذه القصة "حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب والعشاء جمعًا بينهما" ولأبي داود من طريق ربيعة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر في هذه القصة "فصار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم نزل، فصلى الصلاتين جمعًا".
وجاءت عن ابن عمر روايات أخرى. "أنه صلى المغرب في آخر الشفق، ثم أقام الصلاة، وقد توارى الشفقُ، فصلى العشاء"، أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن نافع، ولا تعارض بينه وبين ما سبق، لأنه كان في واقعة أخرى. اهـ. "فتح" جـ ٢ ص ٦٧٧ والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر ﵄ هذا من هذا الوجه أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرج هنا (٥٩٢) عن عمرو بن عثمان، عن بقية، عن شعيب بن أبي حمزة- وعن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، عن
стр. 4326
شعيب، عن الزهري، عن سالم، عنه.
وفي "الكبرى" (١٥٦٧) عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان، عن شعيب به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في "الصلاة" في موضعين عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة به. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في السفر (١):
اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال:
أحدها: أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر في وقت أحدهما جمعًا حقيقيًا تقديمًا وتأخيرًا مطلقًا، أي سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيرًا مجدًا، أم لا.
وبه قال كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء: الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأشهب، وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضًا. وقال الزرقاني: وإليه ذهب مالك في رواية مشهورة. قال صاحب المرعاة: وهو مختار المالكية كما في
стр. 4327
فروعهم.
واختاره الشاه ولي الله الدهلوي، حيث قال في "حجة الله البالغة" جـ ٢ ص ١٨: من رخص السفر الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما أشرنا؛ أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر، والظهر، والمغرب، وإنما اشتق العصر من الظهر، والمغرب من العشاء، ولئلا تكون المدة الطويلة فاصلة بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة، فشرع لهم جمع التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يعزم عليه، مثل ما فعل في القصر. انتهى.
الثاني: أنه يختص الجمع بمن يجد في السير، أي يسرع، قاله الليث، وهو قول مالك في المدونة، واستُدلَّ لهما بما روى في الصحيح عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يجمع بَين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير، وسيأتي الجواب عنه.
والثالث: أنه يختص بما إذا كان سائرًا، لا نازلًا، قاله ابن حبيب من المالكية، واستدل لذلك بقوله. "إذا كان على ظهر سير".
وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل المتقدم برقم (٥٨٧) بلفظ: "فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء".
стр. 4328
قال الشافعي في الأم قوله: "ثم دخل، ثم خرج" لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا ومسافرًا. وقال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل في الرد على من قال: لا يجمع إلا من جد به السير. وهو قاطع للالتباس.
وقال الباجي: مقتضى قوله: "ثم دخل، ثم خرج" أنه مقيم غير سائر، لأنه إنما يستعمل في الدخول في المنزل والخِبَاء، والخروج منهما، وهو غالب الاستعمال، إلا أن يريد أنه خرج من الطريق إلى الصلاة، ثم دخله للسير، وفيه بعد، وكذا حكى عياض هذا التأويل عن بعضهم، ثم استبعده، ولا شك في بعده، وكأنه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا، أو نازلًا، ومن ثم قالت الشافعية: ترك الجمع أفضل.
والرابع: أن الجمع مكروه، قال ابن العربي: إنها رواية المصريين عن مالك.
والخامس: أنه مختص بمن له عذر، حكي ذلك عن الأوزاعي.
والسادس: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم، وهو اختيار ابن حزم، وسيأتي الكلام فيه.
والسابع: أنه لا يجوز الجمع مطلقًا، إلا بعرفة والمزدلفة، وهو قول
стр. 4329
الحسن، والنخعي، وأبي حنيفة، وصاحبيه. ووقع عند النووي أن الصاحبين خالفا شيخهما، وَرَدَّ عليه السروجي في "شرح الهداية"، وهو أعرف بمذهبه.
وأجاب هؤلاء عما ورد من الإخبار في ذلك بأن الذي وقع جمع صوري، وهو أنه أخر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها، وعجل العشاء في أول وقتها.
وتعقبه الخطابي في "المعالم" جـ ١ ص ٢٦٤ بما حاصله: أن الجمع من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة.
وأما أمره ﷺ للمستحاضة بالجمع الصوري، فهو وارد في شيء يندر وجوده، على أنه ﷺ قيد ذلك بقوله: "إن قويت" كما تقدم، فإن قدرت المستحاضة على معرفة أوائل الأوقات وأواخرها، وعلى الاغتسال ثلاث مرات جمعت بين الصلاتين فعلًا صورةً.
ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس. أراد أن لا يحرج أمته. أخرجه مسلم، وهذا يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن النزول للصلاتين، والخروج إليهما مرة واحدة -وإن كان أسهل من النزول مرتين- لكن لا يخلو ذلك عن حرج ومشقة بسبب عدم معرفة
стр. 4330
أكثر الناس أوائل أوقات الصلاة وأواخرها، بخلاف الجمع الوقتي فهو أيسر وأخف من الجمع الفعلي، وهذا ظاهر.
وأيضًا فإن الإخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهي نصوص صريحة، لا تحتمل تأويلًا.
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في "التعليق الممجد" جـ ١ ص ٥٧٠: حمل أصحابنا -يعني الحنفية- الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري، وقد بسط الطحاوي الكلام فيه في شرح معاني الآثار، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحًا بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مروية في صحيحي البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفى على من نظر فيها؟، فإن حمل على أن الرواة لم يحصل لهم التمييز، فظنوا قرب خروجِ الوقت خروج الوقت، فهذا بعيد عن الصحابة الناصين على ذلك، وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد، وأبعد، مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإن
عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت، والتقديم في أول الوقت فهو أعجب، فإن الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن، بل هو الظاهر. وبالجملة فالأمر مشكل، فتأمل لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. اهـ. كلام
стр. 4331
اللكنوي.
قال الجامع: لا إشكال بحمد الله إلا على من يتعصب لبعض الَاراء، فإن الأمر سهل لمن يتبع الدليل، فأدلة الجمع الحقيقي واضحة صريحة كما اعترف بها اللكنوي نفسه سابقًا، فلا يسع إلا القول بها، وترك التعصب للمذهب كما فعل الطحاوي والعيني، وأمثالهما والله المستعان.
وأيضًا المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع هو الجمع الوقتي، لا الفعلي. قال الخطابي في "المعالم":
ظاهر اسم الجمع عرفًا لا يقع على من أخر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجل العصر، فصلاها في أول وقتها، لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها. وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معًا في وقت أحدهما، ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك؟!. اهـ.
ولو سلم أن لفظ الجمع عام يشمل الوقتي والفعلي كليهما، فالروايات الصريحة في جمع التقديم والتأخير معينة للمراد من لفظ الجمع في الروايات المطلقة، وأن المقصود هو الجمع الوقتي أي الحقيقي، لا الصوري، أي الفعلي. قاله في "المرعاة" جـ ٤
стр. 4332
ص ٣٩٦ - ٣٩٨.
قال الجامع: وبالجملة فأدلة الجمع الحقيقي أوضح، وأقوى، فوجب القول بجواز جمع التقديم والتأخير جمعًا حقيقيًا في وقت الأولى أو الثانية. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٩٣ - أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: غَابَتِ الشَّمْسُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بَسَرِفٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (المؤمل بن إِهاب) -بكسر أوله وبموحدة- الرَّبَعِيُّ العِجْلي، أبو عبد الرحمن الكوفي، نزيل الرَّمْلَة، أصله من كرمان، صدوق له أوهام، من [١١].
وفي "تت": مؤمل بن إهاب -ويقال: يَهاب أيضًا- ابن عبد العزيز ابن قفل بن سدل الربعي، ثم العجلي، أبو عبد الرحمن الكوفي، نزل الرملة، ومصر، وهو كرماني الأصل. قال إبراهيم بن الجنيد: سئل عنه ابن معين؟ فكأنه ضعفه. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا
стр. 4333
بأس به، وقال مرة: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال مسلمة بن قاسم: حدثنا عنه غير واحد، وهو ثقة صدوق. وقال ابن يونس: قَدِمَ مصر، وكُتِبَ عنه، ثم خرج، فمات بالرملة في رجب سنة ٢٥٤ اهـ. روى عنه أبَو داود والمصنف.
٢ - (يحيى بن محمد الجاري) بن عبد الله بن مِهْران المدني، مولى بني نوفل، يقال له: الجاري (١) صدوق يخطئ، من كبار [١٠].
قال العجلي: ثقة. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يُغْرِبُ. وقال أبو عوانة الإسفرايني: ثنا عباس الدوري: ثنا يحيى بن يوسف الزمي، ثنا يحيى بن محمد الجاري بساحل المدينة، ثقة. وقال ابن عدي: ليس بحديثه بأس. أخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف.
٣ - (عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني مولاهم المدني، صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، توفي سنة ١٨٦ أو ١٨٧، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٤/ ١٠١.
стр. 4334
٤ - (مالك بن أنس) أبو عبد الله إمام دار الهجرة، الحجة الفقيه، من [١]، تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم، المكي، صدوق، من [٤]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٦ - (جابر) بن عبد الله الصحابي الجليل ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، ورواته كلهم موثقون، وهم مدنيون، غير شيخه، فكوفي نزيل الرملة، وأبي الزبير فمكي، وفيه جابر أحد المكثرين السبعة، روى ١٧٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) بن عبد الله ﵄، أنه (قال: غابت الشمس) أي غربت (ورسول الله ﷺ بمكة) جملة حالية في محل نصب، وربطت بالواو، كما قال ابن مالك:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَجَاءَ زَيْدٌ وَهُوَ نَاوٍ رِحْلَهْ
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارِعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَميرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوِ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ، أوْ بِمُضْمَرٍ، أوْ بِهِمَا
стр. 4335
(فجمع) ﷺ (بين الصلاتين) أي المغرب والعشاء (بسرف) أي بمكان يسمى سرف، بفتح فكسر، يصرف، وترك بعضهم صرفه باعتبار البقعة، كما تفيده عبارة اللسان: موضع قريب من التنعيم، شمال
مكة، بينه وبينها سبعة أميال على الراجح، وقيل: ستة أميال، أو تسعة، أو عشرة، أو اثنا عشر، به تزوج النبي ﷺ ميمونة، وبنى بها فيه، وتوفيت، ودفنت فيه.
وفيه جواز جمع التأخير جمعًا حقيقيًا، لا صوريًا، لأن المسافة التي بين مكة وسرف لا يمكن قطعها في زمن لا يبقى معه وقت للجمع الصوري. قاله في المنهل جـ ٧ ص ٧٣. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه إلتكلان.
تنبيه:
حديث جابر ﵁ هذا صحيح، أخرجه المصنف هنا (٥٩٣) بالسند المذكور، وأخرجه أبو داود في "الصلاة" عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن محمد الجاريّ بسند المصنف. وبقية المسائل واضحة مما سبق فلا حاجة إلى إعادتها. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٩٤ - أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ
стр. 4336
عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن سَوَّاد (١) بن الأسود بن عمرو) بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح السَّرْحِيُّ العامري، أبو محمد المصري، ثقة، من [١١].
قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان راويًا لابن وهب. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال ابن يونس: توفي يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة ٢٤٥، وكان ثقة صدوقًا. وذكره أبو علي الغساني في شيوخ أبي داود. وقال النسائي في أسماء شيوخه: لا بأس به. وقال مسلمة في الصلة: ثقة. وقال الحاكم: ثقة مأمون،
روى عنه مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه. وفي الزهرة: روى عنه مسلم ٢٦ حديثًا.
٢ - (ابن وهب) عبد الله أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد،
стр. 4337
من [٩]، تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (جابر بن إِسماعيل) الحضرمي، أبو عَبَّاد المصري، مقبول، من [٨].
روى عن عقيل، وحيي بن عبد الله المعافري. وعنه ابن وهب. ذكره ابن حبان في الثقات.
وأخرج ابن خزيمة حديثه في صحيحه مقرونًا بابن لهيعة، وقال: ابن لهيعة لا أحتج به، وإنما أخرجت هذا الحديث لأن فيه جابر بن إسماعيل. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٤ - (عقيل) بن خالد أبو خالد الأيلي، ثم المصري، ثقة ثبت، من [٦]، تقدم في ١٢٥/ ١٨٧.
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري، الإمام الحجة، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٦ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
стр. 4338
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، ورواته كلهم ثقات، إلا جابرًا فمقبول، وهم مصريون، إلا ابن شهاب فمدني، وأنسًا فمدني ثم بصري، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة.
وشرح الحديث، والمسائل المتعلقة به تقدمت في شرح الحديث (٥٨٦) مستوفاة، فارجع إليها تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيه:
قوله: "إذا عَجِل به السير" الباء للتعدية، والفعل كسَمِعَ، كما قال السندي.
وقوله: "حتى يغيب الشفق" غاية للتأخير، أي يؤخر المغرب إلى أن يغيب الشفق، لأجل أن يجمع بينها وبين العشاء في وقت العشاء.
ورواية مسلم "حين يغيب الشفق"، وعليه فالظرف متعلق بيجمع. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٩٥ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي سَفَرٍ، يُرِيدُ أَرْضًا لَهُ،
стр. 4339
فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ لَمَا بِهَا، فَانْظُرْ أَنْ تُدْرِكَهَا، فَخَرَجَ مُسْرِعًا، وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يُسَايِرُهُ، فَغَابَتِ الشَّمْسُ، فَلَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ، وَكَانَ عَهْدِي بِهِ، وَهُوَ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَرْحَمُكَ اللهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، وَمَضَى، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الشَّفَقِ نَزَلَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ، وَقَدْ تَوَارَى الشَّفَقُ، فَصَلَّى بِنَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ صَنَعَ هَكَذَا".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمود بن خالد) بن أبي خالد يزيد السلمي، أبو علي الدمشقي، ثقة، من صغار [١٠].
قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا محمود بن خالد الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: كان ثقة رِضى. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال أبو زرعة الدمشقي: قال لي محمود: ولدت في رمضان سنة ٧٦ أي بعد مائة، ومات في شوال سنة ٢٤٩، وفيها أرخه
стр. 4340
عمرو بن دُحَيم، وأبو سليمان بن زبر، روى عنه أبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
٢ - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، توفي آخر سنة ١٩٤ أو أول ١٩٥، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥٤.
٣ - (ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، من [٧].
قال أحمد: ليس به بأس. ووثقه ابن معين، والعجلي، وابن سعد، والنسائي، وغير واحد. وقال ابن المديني: يعد في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام بعد الصحابة. وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرحمن، ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحولا إلى دمشق. وقال أبو داود: هو من ثقات الناس. وقال ابنه أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون.
وقال موسى بن هارون: رَوَى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، وكان ذلك وَهْمًا منه، هو لم يلق ابن جابر وإنما لقي ابن تميم، فظن أنه ابن جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. وقال الفلاس: ضعيف الحديث، وهو عندهم من أهل الصدق، روى عند أهل الكوفة أحاديث مناكير. قال الخطيب: كأنه اشتبه على الفلاس
стр. 4341
بابن تميم.
وقال ابن مهدي: إذا رأيت الشامي يذكر الأوزاعي، وسعيد ابن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد فاطمئن إليه. وقال دُحَيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به ثقة.
قال خليفة، وغيره: مات سنة ١٥٣، زاد ابن سعد، وهو ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد، وغير واحد من أصحابنا يقول: مات سنة ٥٤ وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات سنة ٥٥، وقال ابن معين: مات سنة ٥٦، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب ابن شيبة. وجزم ابن حبان في "الثقات" بالقول الأول. أخرج له الجماعة.
٤ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني أبو عبد الله، ثقة ثبت فقيه مشهور، توفي سنة ١١٧ أو بعد ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢/ ١٢.
٥ - (ابن عمر) عبد الله الصحابي الجليل ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم
стр. 4342
شاميون، إلا ابن عمر ونافعًا فمدنيان، وفيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) نافع مولى ابن عمر (خرجت مع عبد الله بن عمر) ﵄ في سفر (يريد أرضًا له) وتقدم في رواية سالم: "وهو في زَرَّاعة له"، ولأبي داود من رواية نافع: أن ابن عمر استُصْرِخَ على صفيةَ، وهو بمكة، وعند البيهقي: "وهو بمكة، وهي بالمدينة"، وفيه: "وسار ما بين مكة والمدينة ثلاثًا".
ولا تنافي بين الروايات لإمكان الجمع بأنه كان بمكة، ثم أراد أرضًا له، وهي زَرَّاعته، وكانت بين مكة والمدينة، فأخبر بمرض صفية، فأسرع السير، فسار حتى قطع المسافة في ثلاثة أيام.
(فأتاه آت، فقال: إِن صفية بنت أبي عُبَيد) هي زوجة ابن عمر (لما بها) بكسر اللام، و"ما" موصولة أي للذي حَلَّ بها من المرض الشديد، والجار والمجرور متعلق بقوله: (فانظر) والفاء زائدة، والجملة خبر "إن" (أن تدركها) في تأويل المصدر مجرور بفي مقدرة، قياسًا أي انظر في إدراكها، بمعنى فَكِّر في سبيل إدراكها، يقال: نظرت في الأمر إذا تَدَبَّرْتَ، كما في المصباح. وكتب في هامش الهندية ما
стр. 4343
نصه: يحتمل أن يكون معنى الكلام: إن صفية بنت أبي عبيد، لما بها من شدة المرض أرسلتني إليك. اهـ.
وقال السندي: قوله (لما بها) بفتح اللام، أي للذي بها من المرض الشديد، أو بكسر اللام، أي هي فى الشدة، والتعب، لما بها من المرض. اهـ.
قال الجامع: هذا الذي ذكره غير واضح، بل الوجه ما ذكرته اللهم إلا إذا صحت الرواية بفتح اللام، فيوجه لأنها لام الابتداء، و"ما" مبتدأ محذوف الخبر، أي للذي بها من المرض شديد، والجملة خبر "إن"، وقال بعضهم: وأظن أن الأقرب من الصواب لو قلنا: هي "ألمَّ بها" أي المرض اهـ.
قال الجامع: لا داعي لهذا، إذ فيه دعوى التصحيف، والتوجيه الذي ذكرناه واضح. والله أعلم.
(فخرج مسرعًا، ومعه رجل) جملة حالية من فاعل "خرج" (من قريش) يحتمل أن يكون هو إسماعيل بن عبد الرحمن الذي تقدم في الحديث (٥٩١).
(يسايره) أي يرافق ابن عمر في السير، والجملة صفة لرجل، أو حال منه.
(فغابت الشمس، فلم يصل الصلاة) أي صلاة المغرب. (وكان
стр. 4344
عهدي به) أي علمي بابن عمر، أي الذي كنت أعرفه من حاله. (وهو يحافظ على الصلاة) يعني أن عادة ابن عمر ﵄ المستمرة المحافظة على الصلاة في أوقاتها، لا الجمع بين الصلاتين.
(فلما أبطأ) أي عن أداء الصلاة (قلت: الصلاة - يرحمك الله) فيه تنبيه أهل العلم والفضل إلى فعل الخير، إذا ظُنَّ غفلتهم، وفيه أدب نافع مع ابن عمر، حيث أردف الأمر بالصلاة بالدعاء له تعظيمًا (فالتفت إِلي) إنما التفت إليه لينبهه على عدم غفلته، أو نسيانه للصلاة، بل فعل ذلك قصدًا.
(ومضى) سائرًا (حتى إِذا كان في آخر الشفق) وفي الرواية التالية: "وسار حتى كاد الشفق أن يغيب"، وفيه أن هذا الجمع صوري، لا جمع حقيقي، وأصرح من هذا ما في سنن أبي داود: "من رواية نافع، وعبد الله بن واقد: "أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة، قال سِرْ، حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل، فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق، فصلى العشاء" الحديث. فإنه صريح في الجمع الصوري.
قال الجامع: فإن قيل: هذه الروايات عن ابن عمر تعارض ما ثبت عنه من أنه كان يجمع في وقت الثانية جمعًا حقيقيًا، ففي رواية مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا جَدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق". الحديث. وفي رواية
стр. 4345
عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، وموسى بن عقبة، عن نافع: "فأخر المغرب، بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب هُوِيّ من الليل" (١)، وللبخاري في الجهاد من طريق أسلم مولى ابن عمر، عن ابن عمر في هذه القصة: "حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب والعشاء جَمْعًا بينهما"، ولأبي داود من طريق ربيعة، عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر في هذه القصة "فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم نزل، فصلى الصلاتين جمعًا".
أجيب بأنه لا معارضة بين هذه الروايات لإمكان حملها على تعدد الواقعة، ففي بعض الأوقات جَمَعَ جَمْعًا حقيقيًا، وفي بعضها جمعًا صوريًا. كما أشار إليه في "الفتح" جـ ٢ ص ٦٧٧.
قال الجامع: ومما يؤيد هذا الجمع بين هذه الروايات ما أخرجه البيهقي من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر استُصْرِخَ على صفية بنت أبي عُبَيد، وهو بمكة، وهي بالمدينة فأقبل، فسار حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فقال له رجل كان يصحبه: الصلاة، الصلاة، فسار ابن عمر، فقال له سالم: الصلاة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به أمْرٌ في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، فسار، حتى إذا غاب الشفق جمع بينهما،